تشهد جنوب أفريقيا أزمة اقتصادية خانقة، على خلفية أزمة سياسية تتفاقم داخل الحزب الحاكم (المؤتمر الوطني الأفريقي) من جهة، وبين الحزب والمعارضة من جهة أخرى. ويقول ملحق تجاري في سفارة دولة أوروبية في بريتوريا: «إن القلق يسيطر على المستثمرين الأجانب بعد إقالة وزير المالية وخفض درجة التصنيف الائتماني للبلاد».
كان الرئيس جاكوب زوما قد أقال وزير المالية مع 9 وزراء آخرين الأسبوع الماضي، لأسباب متصلة بالصراع السياسي والاقتصادي المتفاقم منذ أشهر طويلة.
وبعدما كانت العملة الوطنية (الراند) قد ارتفعت بداية 2017 لتعوض هبوطاً بنسبة 30 في المائة في 2016، عادت الأسبوع الماضي إلى الهبوط بنسبة 12 في المائة، متأثرة بالأحداث السياسية.
كما ترنحت البورصة بعدما خفضت وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز» الأسبوع الماضي تصنيف جنوب أفريقيا إلى «ب بلاس»، مع نظرة مستقبلية سلبية وتحذير من «مخاطر اقتصادية بسبب حالة عدم اليقين السياسي وخلل العمل المؤسساتي».
وقالت وكالة «موديز» للتصنيف أيضاً، إنها «تراقب الأوضاع عن كثب كي تصدر في الأيام القليلة المقبلة تقييمها للمخاطر».
ويقول مصرفي بريطاني عامل في بريتوريا: «إن خفض التصنيف إلى درجة المضاربة، يرفع كلفة الاقتراض على القطاعين العام والخاص، أما إقالة وزير المالية فبعثت رسالة سلبية إلى المستثمرين؛ لأنه كان يعمل جاهداً لمحاربة الفساد ويحظى بثقة الأسواق المالية».
ويذكر أن الوزير استُدعي على عجل من الخارج لتبليغه إقالته، علما بأنه كان في لندن ضمن جولة ترويجية لجذب المستثمرين. وهذه الطريقة أثارت قلقاً؛ لأن الوزير محاور جيد للمستثمرين الأجانب، بالإضافة إلى دوره في الحيلولة دون وصول أشخاص فاسدين في البلاد إلى سدة المسؤولية في مواقع المال العام، كما أكد أكثر من مراقب في الصحافة المحلية.
على صعيد المؤشرات الاقتصادية، تخشى مؤسسات الرصد من دخول البلاد في انكماش لأول مرة منذ 9 سنوات؛ لأن نمو 2016 كان طفيفاً جداً وبنسبة 0.3 في المائة فقط، مقابل 1.3 في المائة في 2015. أما البطالة فوصلت إلى أعلى مستوى منذ 14 عاماً وبلغت 27 في المائة، وترتفع النسبة إلى 50 في المائة في شريحة الشباب تحت 25 سنة. وسجل التضخم 6.6 في المائة، وهي نسبة مرشحة للارتفاع أيضا مع هبوط قيمة العملة الوطنية.
وتشير مؤسسة الإحصاء الوطنية إلى تراجع الأداء في الفصل الأخير من 2016، بعد هبوط الناتج الزراعي بنسبة 7.8 في المائة بسبب الجفاف، وهبوط ناتج المناجم 4.7 في المائة بسبب هبوط أسعار المواد والسلع الأولية، وهما قطاعان أساسيان في البلاد. أما الصناعة فتماسكت عند نمو طفيف نسبته 0.7 في المائة، بينما نجا القطاع العقاري ونما 1.9 في المائة.
ويحذر المراقبون من تفاقم الأزمة السياسية، بعدما احتج الحزب الحاكم في بيان رسمي على تفرد الرئيس بقرار إقالة وزير المالية بارفان غورتان، المشهود له، برأي الحزب أيضاً، بالنزاهة والشجاعة في مكافحة الفساد وقدرته على تطمين الأسواق وجذب المستثمرين.
وانضمت «غرفة المناجم» وهي مؤسسة تضم 90 في المائة من المستثمرين في هذا القطاع الحيوي إلى المدافعين عن الوزير، ورأت في إقالته «أمراً غريباً».
ويقول مصرفيون غربيون في بريتوريا: «إن اقتصاد جنوب أفريقيا ضمن الأكبر في القارة السوداء، والأكثر تقدماً صناعياً، وبين الأغنى في مناجمه الزاخرة بالماس والذهب والبلاتين والحديد»، ويضيف هؤلاء: «شهدت البلاد طفرة دفعت الاقتصاديين الدوليين لتصنيفها بين أفضل الاقتصادات الناشئة في تجمع (البريكس) إلى جانب روسيا والصين والهند والبرازيل، لكن السياسة قد تفسد الأشياء أحياناً».
في المقابل، يرى فريق الرئيس: «إن لا تقدم كبيراً على صعيد مشاركة المواطنين السود في صنع القرار الاقتصادي، رغم مرور أكثر من ربع قرن على إنهاء سياسات الفصل العنصري. فنسبة البيض البالغة 8 في المائة من السكان تسيطر حتى الآن على قطاعات أساسية مثل المصارف».
وكان الرئيس قد دخل في نزاع مع البنوك. ويقول مدافعون عن موقفه: «إن 5 مصارف تهيمن على هذا القطاع إلى درجة الاحتكار، وتمنع وصول السود إلى سدة القرار المصرفي». ومنها مصارف «باركليز، وستاندرد بنك، وفيرست راند، وندبنك».
لكن معارضين يتهمون فريق الرئيس «بالتدخل في القطاع المالي والضغط لمصلحة مجموعة اقتصادية كبيرة تديرها عائلة ثرية من أصول هندية، ترغب في زيادة سيطرتها، حتى أن تلك المجموعة كتبت رسالة إلى وزير المالية تطلب فيها تدخله لدى المصارف لمصلحتها». ويؤكد المعارضون أن «للحاشية صلات بتلك العائلة».
إلى ذلك، هناك ملف آخر يعكر الأجواء متعلق بميثاق جديد لقطاع المناجم، يرمي إلى فرض نسبة 26 في المائة على الأقل تعود إلى المواطنين السود في ملكيات شركات القطاع، لكن دون ذلك تعقيدات جمة بحسب الاقتصاديين. إذ قال أحد كبار المستثمرين الغربيين: «إذا طبقوا ما يجري تداوله سيكون تغييراً جذرياً يخلق حالة عدم استقرار هي الأخطر في هذا القطاع منذ 150 سنة، كما أن ذلك يجافي مبدأ حرية التملك والاستثمار بعيداً عن أي انتماء إثني أو عرقي».
اقتصاد جنوب أفريقيا مهدد بالانكماش
لأول مرة منذ 9 سنوات
متظاهرون في جوهانسبرغ ضد الرئيس جاكوب زوما والسياسة الاقتصادية التي تتبعها حكومته (أ.ب)
اقتصاد جنوب أفريقيا مهدد بالانكماش
متظاهرون في جوهانسبرغ ضد الرئيس جاكوب زوما والسياسة الاقتصادية التي تتبعها حكومته (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
