أفكار لرحلات «كروز» صيفية

إبحار فاخر من الكاريبي إلى مدن «المتوسط» التاريخية

سفن أشبه بفنادق عائمة من فئة «5 نجوم» - بعض الأجنحة العائمة تكون على هذا الشكل
سفن أشبه بفنادق عائمة من فئة «5 نجوم» - بعض الأجنحة العائمة تكون على هذا الشكل
TT

أفكار لرحلات «كروز» صيفية

سفن أشبه بفنادق عائمة من فئة «5 نجوم» - بعض الأجنحة العائمة تكون على هذا الشكل
سفن أشبه بفنادق عائمة من فئة «5 نجوم» - بعض الأجنحة العائمة تكون على هذا الشكل

مع بداية فصل الربيع يبدأ التفكير في رحلات الصيف السياحية التي تغطي كل أنحاء العالم تقريباً. ويوفر قطاع سياحة الكروز للسائح هذا العام وجهات سفر جديدة ومتعددة يمكن أن يغطيها في رحلة واحدة بينما هو يستمتع بإقامة فاخرة على سفينة بها خدمات تماثل فنادق الـ5 نجوم. الرحلات المتاحة هذا الصيف تأخذ السائح عبر مناطق بحرية ساحرة مثل مجموعة جزر البحر الكاريبي أو إلى ألاسكا وبحر الشمال، أو تتيح له استكشاف البحر المتوسط ما بين المدن التاريخية فيه وموانئ جنوب أوروبا.
وتجمع رحلات الكروز بين المغامرة والاسترخاء، كما توفر المشاهد الرائعة أثناء الرحلات وفي الوجهات التي تصلها. ويستمتع السائح بالرحلة نفسها قدر استمتاعه بالوجهة السياحية. وتوفر سفن الكروز كل ملامح الفخامة من حمامات سباحة إلى أركان لتناول الطعام في الهواء الطلق. وهي تماثل الواحات الوادعة التي تتهادى بين ميناء وآخر. ويمكن فيها الاستمتاع بخدمات متنوعة من حمامات البخار، والمساج، واليوغا أثناء الرحلة.
وعندما يحجز السائح مكانه على إحدى سفن الكروز فإن معظم الخدمات المتاحة عليها تكون مجانية أثناء الرحلة. وتشمل هذه الخدمات تذكرة ذهاب وإياب بالطائرة من موقع السائح إلى موقع بداية الرحلة، وهناك خيارات للكثير من مواقع بداية الرحلات بلا تكاليف إضافية.
كما توفر بعض السفن شرفات خاصة لكل مقصورة ركاب مع خدمات للمقصورة طوال 24 ساعة لمن يريد تناول الإفطار في المقصورة أو البقاء فيها لوجبة العشاء. وتغطي التكاليف كل المشروبات مع الوجبات، كما يختار الضيف أن يتناول طعامه في الكثير من المطاعم المنتشرة على السفينة بلا تكلفة إضافية.
وتتوفر على متن السفن الحديثة إمكانية الاتصال المجاني بالإنترنت، كما يمكن تناول الشاي والقهوة مجانا في أي وقت. وتغطي التكاليف أيضاً رحلة استكشافية بدليل محلي في معظم المواقع التي تصل إليها السفينة أثناء رحلتها.
من الخدمات الأخرى التي تشملها تكاليف الرحلة مجموع من المحاضرات عن وجهات سفر السفينة والعروض المسائية للترفيه، بالإضافة إلى حضور دار السينما والمسرح على السفينة. وتتكفل التكاليف أيضاً بالبقشيش للعاملين على السفينة حتى لا يضطر المسافر إلى حمل نقود معه.
وتذهب بعض الشركات إلى تقديم رحلات غير معتادة لدى الوصول إلى وجهات السفر مثل الطيران بطائرة هليكوبتر فوق المسطحات الجليدية في ألاسكا أو استعراض شاطئ الريفييرا الفرنسي من البحر بركوب يخت فاخر. ومثل هذه الخدمات الاختيارية تكون بتكاليف إضافية.
ويتم تجهيز المقصورات بحمامات خاصة ملحقة بها تشمل «الدوش» بالماء المضغوط ومرايا وأرضية مسخنة. وهي مقصورات معزولة صوتيا لتوفير الهدوء التام ليلاً، كما أن ديكوراتها هادئة وبها الكثير من أماكن التخزين وأجهزة تلفزيون مسطحة يمكن مشاهدة قنوات الأفلام عليها.
وفي أحدث رحلات الكروز لعام 2017 لا يتقيد الضيف بمواعيد محددة لتناول الطعام أو بزي رسمي في المطاعم، حيث يكفي قميص عادي أو الزي الوطني. ويختار السائح من قائمة طعام متنوعة ومختلفة يوميا، ويختار ما بين الجلوس في المطعم الرئيسي أو أي من المطاعم المنتشرة حول السفينة، ومنها ما هو حول حمام السباحة أو يتخصص في وجبات معينة. ويجلس الضيف في الموقع الذي يروق له ومع أي عدد من رفاق الرحلة. كما يمكن في المناسبات الخاصة طلب غرف خاصة لتناول الطعام فيها ببعض الخصوصية، وهي ما بين 9 و10 أفراد وتدخل أيضاً ضمن تكلفة الرحلة.
ويختار السائح من بين الكثير من الوجهات السياحية التي يفضلها ولكل منها تكلفة مختلفة وتوقيت معين، وهذه بعض النماذج لرحلات الكروز الصيفية والخريفية المتاحة هذا العام:
> جولة في موانئ ألاسكا: وهي تبدأ في شهر مايو (أيار) هذا العام وحتى شهر أغسطس (آب)، وتستمر الرحلات لمدة 11 يوما تتخللها 7 رحلات استكشافية، وتبلغ التكلفة للفرد الواحد نحو 4900 دولار. وهي تبدأ من ميناء فانكوفر الكندي بالإبحار شمالاً إلى ألاسكا. وتستعرض الرحلة بعض مجاهل المنطقة القطبية الشمالية، ويكتشف المسافر أنها مليئة بالحياة البرية من الحيتان إلى الدببة القطبية وأسود وكلاب البحر.
وفي اليوم الأول يتم استقبال السائح في مطار فانكوفر ونقله إلى السفينة، وبعد يومين من الإبحار شمالا بموازاة الساحل الكندي الغربي تصل السفينة إلى ميناء كيتشكان داخل ألاسكا الذي يقع في ظل تلال خضراء وساحل مرصع بسفن الصيد. ويعرف الميناء بأنه عاصمة السالمون في العالم. وتتاح رحلة بحرية بزورق صيد لاستكشاف المنطقة ضمن تكلفة الرحلة أو اختيار رحلات أخرى بتكلفة إضافية تشمل رحلة استكشاف بالطائرة أو زيارة غابات تونغاس وهي أكبر محمية غابات أميركية.
ثم تنطلق السفينة بعد ذلك إلى جزيرة سيتكا في ألاسكا التي كانت مركزاً تجارياً في السابق ولها تاريخ روسي يعود إلى عام 1700. وبعد استكشاف الجزيرة تستأنف السفينة رحلتها إلى جونو عاصمة ألاسكا التي يمكن الوصول إليها فقط بالطائرة أو عن طريق البحر. ويمكن التجول في المدينة أو الذهاب في رحلة استكشاف بحرية أو صعود التلال القريبة بالترام.
ثم تنطلق السفينة في اليوم السادس إلى سكاغواي التي كانت تاريخيا مقرا للباحثين عن الذهب في المناطق المحيطة. ومنها يمكن الذهاب في رحلة قطار إلى قمة الجبال القريبة أو في رحلة بحرية. وتغطي الأيام الخمسة الباقية عدداً من موانئ ألاسكا تنتهي في ميناء سيوارد حيث تنتهي الرحلة بالعودة من مطار المدينة.
> بحار الفايكنغ: وهي رحلات تبدأ في شهر يونيو (حزيران) وحتى سبتمبر (أيلول) هذا العام، وتستمر لمدة أسبوعين يتخللهما 11 رحلة استكشافية وتبلغ تكلفتها ثلاثة آلاف دولار للفرد الواحد. وتشمل الرحلة الكثير من مدن شمال أوروبا المعروفة وتبدأ من ستوكهولم، حيث يتم استقبال السياح في المطار ونقلهم إلى السفينة، ثم البقاء لمدة يومين لاستكشاف العاصمة السويدية. وتبحر السفينة في اليوم الثالث إلى هلسنكي في فنلندا، حيث يتم استكشاف المدينة والتسوق فيها مع إمكانية التجول بالدراجات الهوائية في شوارعها قبل أن تتوجه الرحلة إلى روسيا وميناء سان بطرسبورغ. وتبقى السفينة يومين في الميناء حيث يتم ترتيب رحلات استكشاف لمعالم المدينة.
وتتوجه السفينة بعد ذلك إلى ميناء تالين في استونيا ويعود تاريخها إلى العصور الوسطى. وهناك يمكن التجول في المدينة القديمة المصنفة تراثيا من منظمة اليونيسكو. ويدخل ضمن تكاليف الرحلة جولات بالدراجات أو دورات اختيارية لصناعة الشيكولاته في أحد مصانع المدينة. وبعد رحلة بحرية لمدة يومين في البحر البلطيقي تصل السفينة إلى ميناء غدانسك البولندي، وهناك يمكن زيارة ميدان التضامن الذي أشعل ثورة العمال في بولندا. وتغطي الجولة أيضاً بعض القلاع التاريخية في المدينة.
ومن بولندا تنطلق الرحلة بعد ذلك إلى برلين ثم كوبنهاغن والبورغ في الدنمارك ثم ستافنجر وبرغن في النرويج حيث تنتهي الرحلة بالعودة من مطار المدينة.
> جزر البحر الكاريبي: وتبدأ الرحلات من شهر أكتوبر (تشرين الأول) وحتى نهاية العام وتستمر لمدة 11 يوما تتخللها تسع رحلات استكشافية وتتكلف الرحلة 3150 دولاراً للفرد الواحد. وتبدأ الرحلة من سان خوان عاصمة بورتوريكو حيث تبقى السفينة في الميناء لليوم التالي لمنح السياح فرصة استكشاف المدينة من الشوارع التاريخية إلى الشواطئ الرملية التي تمتد عليها المطاعم والمقاهي البحرية. وتبقى السفينة في اليوم التالي في بورتوريكو حيث تزور ميناء سان خوان التاريخي على جانب المحيط الأطلنطي للجزيرة. ويرى السياح بعض المعالم التاريخية من الحقبة الإسبانية في الجزيرة في القرن السابع عشر بما في ذلك قلعة سان فيليبي ديل مورو. ويمكن اختيار زيارة للغابات الاستوائية لعدة ساعات.
في اليوم الثالث تذهب السفينة إلى ميناء تورتولا في الجزر العذراء البريطانية ويستقل السياح حافلة تطوف بهم في أنحاء المنطقة التي تتكون من الجبال والبحيرات والمشاهد الرائعة. ثم تواصل الرحلة مسارها إلى ميناء سان جون في انتيغا التي تضم 365 شاطئا لكل يوم من أيام العام، ويتمتع السياح بالاسترخاء على أحد الشواطئ أو الانضمام إلى رحلة استكشاف للجزيرة.
وتنطلق الرحلة بعد ذلك إلى جزر سان لوتشيا ثم باربادوس وغوادالوب وسان كيتس وسان مارتن وسان توماس قبل العودة إلى سان خوان في بورتوريكو. ولكل جزيرة من هذه الجزر هويتها الخاصة ومشاهدها الخلابة مما يجعل الكروز الكاريبي أحد أفضل الخيارات المتاحة لفصلي الخريف والشتاء المقبلين.
ولمن يفضل وجهات الإبحار القريبة هناك أكثر من خيار لرحلات كروز في البحر المتوسط يركز بعضها على المدن التاريخية والبعض الآخر على غربي البحر المتوسط.
> تغطي رحلات كروز شرقي المتوسط الكثير من المدن التاريخية بداية من روما وهي تستمر لمدة 15 يوما وتشمل تسع رحلات استكشافية تبدأ في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) هذا العام. وهي أيضاً من الأقل تكلفة بين رحلات الكروز حيث يدفع الفرد الواحد 2500 دولار تغطي كل تكاليف الرحلة.
ومن معالم هذه الرحلة البقاء في روما لمدة يومين مع رحلة استكشافية لآثار المدينة الرومانية ثم الإبحار إلى نابولي وقضاء يوم في المدينة أو الذهاب في رحلة اختيارية إلى آثار مدينة بومباي التي دمرها قديماً انفجار بركان. وتصل الرحلة بعد يومين من الإبحار إلى جزيرة كريت. وتشمل الرحلة المرور على ليماسول في قبرص ورودس وميكونوس في اليونان قبل نهاية الرحلة في أثينا والسفر منها بعد قضاء يوم كامل فيها.
ولمن يفضل التوجه إلى غرب البحر المتوسط يمكنه أن يتوجه من روما على سفينة كروز أخرى إلى فلورنسا، ثم مونت كارلو، ثم سان تروبيه، وميناء مرسيليا، وبعدها إلى برشلونة حيث تنتهي الرحلة وهي من أقصر رحلات الكروز (ثمانية أيام) وتشمل معالم أوروبية جنوبية راقية.



3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)
TT

3 معالم لبنانية بهندسة معمارية مختلفة

قصر مزهر (الشرق الأوسط)
قصر مزهر (الشرق الأوسط)

هذه المرة، لن تقتصر جولتك السياحية في لبنان على المواقع الأثرية والمناظر الطبيعية، ولا على شواطئه وجباله. فقد اخترنا لك ثلاث وجهات مختلفة في بلدات كوسبا وبخعون وحمانا، حيث تختبئ معالم مميزة تستحق الزيارة، وتروي كل منها حكاية خاصة تجعلها محطة سياحية غير تقليدية.

ففي كل بلدة من هذه البلدات قصر أثري يستحق الزيارة والتعرّف إلى قصته، وحكاية تشييده، وخصوصية عمارته. لذلك اخترنا لك ثلاثة قصور أثرية تفتح أمامك أبوابها للتعرّف إليها عن كثب، واكتشاف تفاصيلها، وخوض مغامرة سياحية فخمة ومختلفة لا تشبه سواها. وتتألف هذه المعالم من «قصر الأحلام» في بلدة بخعون.

و«القصر الأسود» في بلدة كوسبا وقصر «مزهر» المشهور باسم «لامارتين» في حمانا.

قصور بتصاميم مميزة (الشرق الأوسط)

قصر الأحلام

حين يتحول الخيال إلى حجر في أعالي الضنية، وتحديداً في بلدة بخعون، يصعب أن تمرّ من أمام «قصر الأحلام» من دون أن تتوقف للحظة. فالمبنى الذي ينتشر على مساحة تتجاوز خمسة آلاف متر مربع، ويضم طبقات وأروقة وساحات واسعة، يبدو أقرب إلى عالم من قصص الخيال منه إلى منزل تقليدي. وقد تحول مع مرور السنوات إلى أحد المعالم السياحية اللافتة في المنطقة.

لكن جمال القصر لا يكمن في حجمه فقط، بل في حكايته؛ فقد بدأ المشروع من حلم راود محمد هوشر منذ سنوات، ثم تطور إلى عمل طويل شارك فيه مع ابنته داليدا وصديقه محمد أحمد الفران. وتحوّلت الأفكار والرسومات إلى حجر وموزاييك وفسيفساء ومنحوتات، في ورشة استمرت سنوات طويلة. ويتردّد أن العمل في القصر بدأ في ثمانينات القرن الماضي. وما يميز المكان أن زائره لا يدخل إلى قصر ذي طابع معماري واحد، بل إلى عالم يجمع رموزاً مستوحاة من حضارات وحقبات مختلفة. فهناك إشارات إلى الحضارات الفرعونية والفينيقية والرومانية والعربية، إلى جانب عناصر من التراث اللبناني. كما تنتشر في أرجائه منحوتات ورسومات ونقوش وأشكال تستعيد قلاعاً ومعالم لبنانية، فيما تشكل الأرزة أحد الرموز البارزة في المكان.

حتى تفاصيل القصر الصغيرة تحمل طابعاً خاصاً؛ فالحجر الملون والموزاييك والفسيفساء والرسومات تتداخل في الجدران والأروقة، بينما تستقبل الساحات الخارجية الزائر بمجموعة من العناصر والمنحوتات الضخمة. ولهذا تبدو زيارة المكان أشبه بجولة بين صفحات كتاب مصوّر، كل زاوية فيه تحمل فكرة أو حكاية.

القصر الأسود (الشرق الأوسط)

القصر الأسود... قلعة ولدت من قلب الحرب

من بخعون ننتقل إلى كوسبا في قضاء الكورة، حيث ينتظر الزائرَ معلمٌ مختلفٌ تماماً في شكله وحكايته. هناك، في منطقة تطل على امتداد وادي قاديشا يرتفع مبنى دائري ضخم يعرف باسم «القصر الأسود» أو Château du Liban. اللون هو أول ما يلفت الانتباه.

فقد شُيّد القصر من الحجر البركاني الأسود، الذي جُلب من منطقة عكار، وهو ما منحه مظهره الداكن وجعله يبدو من بعيد كأنه قلعة خرجت من إحدى الحكايات الأوروبية القديمة. ويتألف البناء من سبعة طوابق، تحيط به مساحة واسعة تجمع بين العمارة والطبيعة.

أما وراء هذا الشكل غير المألوف، فتوجد قصة الطبيب الراحل إيلي صرّاف، الذي راوده حلم إقامة معلم ثقافي وسياحي في بلدته الأم كوسبا. وعاد إلى لبنان في خضم الحرب. وبدأ العمل على مشروعه رغم الظروف الصعبة وغياب الدعم. واختار له في البداية اسم «قلعة لبنان»، قبل أن يعرف لاحقاً باسم «القصر الأسود».

وشارك صرّاف بنفسه في هندسته وبنائه، مستعيناً بعائلته وبعض أبناء المنطقة. وبدأت الخطوة الأولى للمشروع عام 1984، فيما اكتمل البناء الأساسي عام 1990.

لكن القصر لا يكتفي بالواجهة الحجرية، فقد أراده صاحبه مساحة تجمع الفن والتراث والثقافة. وتضم أرجاؤه أعمالاً فنية ومقتنيات ومجسمات، إضافة إلى متاحف ومساحات ثقافية. ونجد فيه الأرزة اللبنانية والرماح والسيف والترس والبنادق والقارب البدائي. ومنقوشات محفورة على حيطانه ومجسمات لصخرة الروشة وقلعتي المسيلحة وعنجر وغيرها، وجميعها مصنوعة من الحجر اللبناني. فيما تظهر في محيطه عناصر تستعيد جوانب من الحياة اللبنانية القديمة. وتتحول الزيارة بذلك إلى رحلة في عالم صاحبه الفني، لا إلى مجرد جولة داخل مبنى غريب الشكل.

قصر مزهر وثّق جماله لامارتين في مؤلفاته

أما المحطة الثالثة فتأخذنا إلى حمانا، حيث يختلف المشهد كلياً؛ فهنا لا نكون أمام قصر حديث نسبياً أو مشروعاً فردياً نشأ من حلم شخصي، بل أمام بناء تاريخي ارتبط بتاريخ البلدة وبعائلة مزهر، وبشخصية أدبية تركت بدورها أثراً في ذاكرة المكان.

يقف قصر المقدمين، المعروف أيضاً بقصر عائلة مزهر، على جرف صخري تتدفق المياه عند قدميه في فصل الربيع، في مشهد يجمع بين العمارة والطبيعة. وتصفه بلدية حمانا بأنه يتميز بهندسة رشيقة وسحر خاص، فيما يستند البناء إلى صخور قديمة تحتضنه في محيطه الطبيعي.

وترتبط عائلة مزهر بتاريخ قديم في المنطقة، وكان لها دور في حكم المنطقة. واستمر القصر في لعب دور بارز في تاريخ البلدة، ولا سيما خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر.

لكن حكاية صارت تتردد على كل شفّة ولسان بعد أن سكنه الشاعر والكاتب الفرنسي ألفونس دو لامارتين. ففي مارس (آذار) 1833، وخلال رحلته إلى الشرق، حلّ لامارتين ضيفاً في القصر بعد الوفاة المأساوية لابنته جوليا. وقد ترك وصفاً للمكان عبّر فيه عن إعجابه الكبير بأناقته وموقعه، وقارنه بالقلاع القوطية الرائعة في أوروبا. وهناك ولدت قصائد وأشعار شهيرة كتبها حزناً على وفاة ابنته.

لم تغب محطّة حمانا عن كتابه «رحلة إلى الشرق». وقد وثّقها بوصفه للقصر الحمّاني فقال: «قصر شيخ حمّانا يتفوّق في الأناقة والنعمة والسمو على كل ما رأيته من هذا النوع... ولا يمكن مقارنته إلا بأحد أروع قصورنا القوطية في العصور الوسطى». وهكذا لا تكون زيارة قصر مزهر مجرد اكتشاف لبناء قديم، بل فرصة للوقوف في المكان نفسه الذي استقبل أحد أبرز أدباء فرنسا في القرن التاسع عشر. كما يمكن استكمال الجولة بالتجول في حمانا القديمة، واكتشاف أزقتها ومعالمها التراثية وطبيعتها الجبلية، لتتحول الزيارة إلى رحلة تجمع التاريخ والأدب والعمارة.


ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
TT

ريغيت البريطانية... مدينة بوجهين

طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)
طاحونة هوائية في اطارف المدينة (موقع ريغيت)

ماذا يمكن أن تخفي بلدة إنجليزية هادئة تحت شوارعها؟ في ريغيت، الواقعة في مقاطعة ساري جنوب إنجلترا، قد تكون الإجابة بداية رحلة سياحية كاملة، لا مجرد زيارة إلى موقع تاريخي واحد. فهذه البلدة التي تقع على مسافة نحو 19 ميلاً جنوب وسط لندن تجمع في مساحة محدودة بين تاريخ يعود إلى العصور الوسطى، وآثار قلعة قديمة، وحدائق واسعة، وتلال خضراء، ومواقع عسكرية، والأهم من ذلك شبكة من الكهوف والأنفاق تختبئ تحت الأرض ولا يعرف كثيرون بوجودها.

السير في ممرات ضيقة مظلمة تحت الأرض(موقع ريغيت)

تبدو ريغيت، للوهلة الأولى، مدينة إنجليزية هادئة يمكن استكشافها في يوم واحد، لكنها سرعان ما تكشف عن طبقات متعددة من التاريخ والطبيعة تجعلها محطة لافتة للباحثين عن وجه مختلف لساري، بعيداً عن صخب وسط لندن. وتقدم هذه المقاطعة مزيجاً من البلدات التاريخية والمساحات الخضراء والتلال والمناظر الطبيعية، وهي قريبة بما يكفي من لندن لتكون وجهة مناسبة للرحلات القصيرة.

آثار قلعة قديمة في وسط مدينة ريغيت (موقع ريغيت)

لكن أفضل طريقة لاكتشاف ريغيت ربما تبدأ من مكان لا يظهر في أي صورة بانورامية للمدينة؛ لأن أجمل معالمها هي تحت الأرض.

فخلف باب متواضع داخل أحد أنفاق الطرق، تظهر الجدران الصخرية والممرات الداخلية، فيما يستعيد المكان ملامحه تحت ضوء ضعيف لا يلغي تماماً الإحساس بالعزلة.

إنه مشهد يصعب ربطه بما يحدث فوق الأرض؛ ففي الأعلى تمر السيارات ويواصل السكان حياتهم اليومية، بينما في الأسفل يسود صمت مختلف تماماً، داخل كهوف احتفظت بآثار استخدامات متعاقبة على مدى سنوات طويلة.

مدخل أحد الأنفاق وسط المدينة(موقع ريغيت)

ويذكر أن بورغس، العضو في «جمعية كهوف ومناجم ويلدن»، هو واحد من المتطوعين الذين يشاركون في المحافظة على هذه الكهوف وتنظيم الجولات التي تتيح للزوار التعرف على تاريخها.

ويقول إن المكان قد يعطي الزائر إحساساً بأنه ابتعد كثيراً عن البلدة، رغم أن المسافة الفعلية قصيرة للغاية.

ويشرح: «تشعر بأنك قطعت مسافة طويلة، لكنك تستطيع على الأرجح الانتقال من أحد الطرفين إلى الآخر خلال نحو 30 ثانية فقط إذا كنت فوق سطح الأرض».ويرى بورغس أن الكهوف تمثل نوعاً خاصاً من الآثار التي لا تحتاج إلى عمليات تنقيب لاكتشافها.

غاتون بارك تجربة مختلفة لعشاق الحدائق والمناظر الطبيعية.(موقع ريغيت)

ويقول: «إنها آثار يمكنك التجول فيها من دون الحاجة إلى الحفر. إنها موجودة هنا ليراها الجميع».

ورغم أن الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار بصورة متقطعة على مدى سنوات، فإنها لا تزال مجهولة بالنسبة إلى عدد كبير من سكان المنطقة. ويقول بورغس إن بعض الزوار يصلون بعد سنوات طويلة من العيش في ريغيت ليكتشفوا للمرة الأولى أن هذا العالم موجود تحت أقدامهم.

الكهوف تمثل الوجه الخفي لريغيت(موقع ريغيت)

وتضم ريغيت مجموعة من الكهوف، لكل منها تاريخها الخاص؛ ففي أراضي القلعة، توجد أنفاق يُعتقد أنها تمثل آخر هيكل باق من القلعة التاريخية، وارتبطت هذه الأنفاق باستخدامها كقبو لحفظ المشروبات، مستفيدة من برودة البيئة الموجودة تحت الأرض. لكن التاريخ منح المكان وظيفة أكثر أهمية خلال الحرب العالمية الثانية.

خلال الحرب العالمية الثانية، تحولت الكهوف إلى ملاجئ للمدنيين، وكان تلاميذ المدارس من بين الذين استخدموا هذه المساحات تحت الأرض للحماية من القنابل.

الكهوف فتحت أبوابها أمام الزوار على مدى سنوات(موقع ريغيت)

بعد الخروج من العالم السفلي، يمكن للزائر أن يبدأ رحلة الاستكشاف من القلعة حيث تتقاطع ذاكرة المدينة مع المشهد الحضري الحديث.

من أجمل الأماكن التي يمكن إدراجها في برنامج زيارة ريغيت «برايوري بارك»، وهي مساحة خضراء ذات أهمية تاريخية في قلب المدينة.

تضم الحديقة بحيرات، ومساحات للنزهات، ومقهى، ومرافق رياضية، وملعباً للأطفال، إلى جانب مساحات واسعة مناسبة للمشي والاسترخاء. كما تتمتع بتنوع طبيعي لافت؛ إذ سجلت فيها أنواع عديدة من الطيور والفراشات.

يمكن للزائر أن يبدأ يومه بجولة في وسط المدينة وموقع القلعة، ثم يتوجه إلى برايوري بارك للاستراحة والمشي، قبل الانتقال إلى ريغيت هيل والحصن والمسارات الطبيعية.


شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
TT

شارع أكسفورد الأشهر في لندن يتحول إلى منطقة للمشاة

من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)
من المنتظر أن يتحول شارع أكسفورد إلى منطقة مخصصة للمشاة فقط (مكتب عمدة لندن)

في قلب لندن، يقف شارع أكسفورد (Oxford Street) كواحد من أشهر عناوين التسوق التي تستقطب الزوار من مختلف أنحاء العالم، ويحظى بشعبية خاصة بين السياح العرب الذين اعتادوا على زيارته خلال رحلاتهم إلى العاصمة البريطانية. فبين متاجره العالمية، وأجوائه الحيوية، وقربه من أبرز معالم وسط لندن، أصبح الشارع محطة شبه ثابتة للمتسوقين والزوار. لكن المشهد الذي اعتاده ملايين الزوار يستعد لتغيير كبير، مع بدء إغلاق جزء كبير منه أمام حركة المركبات اعتباراً من 26 أكتوبر (تشرين الأول)، في أولى خطوات تحويله تدريجياً إلى منطقة مخصصة للمشاة.

وبموجب المرحلة الأولى من المشروع، سيتم تحويل الجزء الممتد من شارع أوركارد (Orchard Street)، المحاذي لمتجر سيلفريدجز، وصولاً إلى شارع غريت بورتلاند (Great Portland Street) بالقرب من ميدان أكسفورد (Oxford Circus) إلى منطقة خالية من حركة المرور. ويمتد هذا الجزء لنحو ميل تقريباً.

وسيُمنع مرور الحافلات وسيارات الأجرة والدراجات وغيرها من المركبات في هذا القسم من الشارع، في خطوة تمثل بداية تنفيذ خطة أوسع لإعادة تصميمه وتحويله تدريجياً إلى مساحة أكثر ملاءمة للمشاة.

سيخصص جزء من شارع أكسفورد للمشاة (حركة النقل في لندن)

وأعلن عمدة لندن، صادق خان، عن الموعد الجديد للمشروع خلال مؤتمر حزب العمال، معتبراً أن الخطة تمثل خطوة مهمة في تطوير واحد من أهم المحاور التجارية والسياحية في لندن، قائلاً إن المشروع يحظى بدعم قوي من سكان لندن وقطاع الأعمال، وإن رؤيته لشارع أكسفورد «تبدأ بالتحول إلى واقع» قبل فترة التسوق المزدحمة بمناسبة عيد الميلاد.

ولا تقتصر الخطة على الجزء الذي سيغلق أمام حركة المرور في أكتوبر. فقد أُنشئت مؤسسة تطوير تابعة للعمدة لتولي قيادة مشروع إعادة تطوير شارع أكسفورد بأكمله، ما يعني أن المشروع قد يمتد مستقبلاً ليشمل الشارع بأكمله.

وعلى مدى سنوات، طُرحت أفكار مختلفة لإعادة تنظيم الشارع بهدف تقليل تأثير حركة المرور وإعطاء مساحة أكبر للمشاة وتحسين البيئة الحضرية في المنطقة. وتستند الخطة الحالية إلى تصور أوسع لإعادة تصميم الشارع، بحيث يصبح أكثر ملاءمة للمشاة والأعمال التجارية، مع التركيز على البيئة وجودة المساحات العامة.

لكن المشروع لم يخلُ من الجدل السياسي والمحلي، فبعد الانتخابات المحلية التي جرت في 7 مايو (أيار)، استعاد حزب المحافظين السيطرة على مجلس مدينة وستمنستر، وكان زعيم المجلس بول سوايدل قد تعهد بالتراجع عن خطة تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة للمشاة.

إلا أن المجلس تراجع في يونيو (حزيران) في تحدٍ قانوني للمشروع، بعدما بيّنت مشورة قانونية إلى أن طلب إجراء مراجعة قضائية للخطة سيكون من غير المرجح أن ينجح.

ومع الإعلان عن موعد بدء التنفيذ، جدّد مجلس وستمنستر مخاوفه بشأن عدد من القضايا العملية المرتبطة بالمشروع.

وقال تيم بارنز، نائب زعيم المجلس والمسؤول عن النمو والتخطيط، إن المجلس والسكان والشركات الموجودة في شارع أكسفورد ما زالت لديهم «قائمة طويلة من الأسئلة التي لم تتم الإجابة عنها».

ومن بين القضايا التي يطالب المجلس بتوضيحها الوصول إلى المنطقة، وتلوث الهواء، وتنظيف الشوارع والسلامة العامة.

كما حذّر المجلس من احتمال انتقال جزء من حركة المرور إلى الشوارع الصغيرة المحيطة بشارع أكسفورد، الأمر الذي قد يؤدي، بحسب المجلس، إلى آثار اقتصادية وبيئية على المناطق المجاورة.

ماذا يعني ذلك للسكان والزوار؟

من المتوقع أن يؤدي إغلاق الجزء الأول من شارع أكسفورد أمام المركبات إلى تغيير طريقة الوصول إلى المنطقة، سواء بالنسبة للمتسوقين أو العاملين أو السكان.

وبالنسبة للمشاة، يهدف المشروع إلى توفير مساحة أكبر للحركة وإعادة تنظيم استخدام الشارع. وفي المقابل، ستحتاج حركة النقل العام وسيارات الأجرة والمركبات التي كانت تستخدم شارع أكسفورد إلى التكيف مع التغييرات المرورية الجديدة.

ومن المرجح أن تكون الشوارع المحيطة جزءاً مهماً من تقييم نتائج المرحلة الأولى، خصوصاً ما يتعلق بحركة المرور ومستويات التلوث وسهولة الوصول إلى المتاجر والمكاتب والمناطق السكنية القريبة.

ويأتي بدء المرحلة الأولى في توقيت مهم بالنسبة للمنطقة، إذ من المقرر أن تدخل حيز التنفيذ قبل فترة التسوق الرئيسية بمناسبة عيد الميلاد.

ويجعل ذلك الأشهر الأولى من المشروع اختباراً عملياً لمدى قدرة المنطقة على استيعاب حركة المشاة الكبيرة، وفي الوقت نفسه التعامل مع التغييرات في حركة المرور والنقل والوصول إلى وسط لندن.

وبينما ترى إدارة عمدة لندن أن المشروع يمكن أن يساعد في جعل شارع أكسفورد أكثر خضرة وازدهاراً وجاذبية، يركز مجلس وستمنستر على ضرورة معالجة الآثار المحتملة على الشوارع المجاورة والسكان والشركات.

وفي نهاية المطاف، لن تحدد عملية الإغلاق نفسها مستقبل المشروع فحسب، بل ستكون النتائج الفعلية للمرحلة الأولى عاملاً مهماً في النقاش حول ما إذا كان ينبغي توسيع نطاق تحويل شارع أكسفورد إلى منطقة خالية من حركة المرور.

ومع اقتراب 26 أكتوبر، ينتقل المشروع من مرحلة الخطط والنقاشات السياسية والقانونية إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ليبدأ بذلك تحول تدريجي قد يعيد رسم شكل أحد أشهر شوارع لندن التجارية في السنوات المقبلة.