انتهت مباحثات جنيف 5 مثلما بدأت أي دون تحقيق أي تقدم ملموس. وقالت مصادر غربية لـ«الشرق الأوسط» إن نجاحها يكمن في أنها استمرت وأن المبعوث الدولي ستيفان دي ميستورا نجح «بشق النفس» في حمل الأطراف على مناقشة «السلال» الأربع بحيث تم البحث فيها بـ«العمق» مع وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» المعارضة، فيما ضغط نائب وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف على وفد النظام للقبول بـ«ملامسة» هذه الملفات بعدما كان كامل تركيزه على ملف الإرهاب.
لكن الفصل الختامي لجنيف 5 كتبه دي ميستورا شخصيا وذلك في المؤتمر الصحافي الذي عقده مساء أمس. وكعادته، سعى إلى بث بعض التفاؤل في الأجواء في الإشارة إلى «النجاحات» التي أصابها ومنها «المناقشات المعمقة والمفيدة» في «السلال» الأربع (الحوكمة والدستور والانتخابات والإرهاب)، مع الإشارة إلى أنه كان «يتمنى» التعمق في موضوع الدستور. وبالنظر إلى الأصداء التي تناهت إلى أذنيه عما قاله الوفدان في لقاءيهما الصحافيين ظهرا (وفد النظام) وبعد الظهر (وفد الهيئة العليا)، فإن دي ميستورا غمز من قناتهما وأبدى «تفهمه» لميل كل طرف إلى «نكران الاعتراف» بحصول تقدم وبتناول المسائل التي وصفها بأنها «جوهرية».
بيد أن المبعوث الدولي، رغم ما تقدم، ورغم تأكيده أن الأطراف السورية «عملت بجد»، اعتبر أن «المفاوضات الفعلية لم تبدأ بعد» وهو ما يوافقه عليه الوفدان السوريان. وحرص دي ميستورا على إعادة التذكير، لمن يتهمه بانعدام التوصل إلى نتائج ملموسة بعد خمس جولات من المحادثات الشاقة، بأن «دون التوصل إلى اتفاق تحديات كبرى ولن نتوصل فورا إلى اتفاق سلام». ولكن رغم ذلك، المفاوضات مستمرة «والكل انخرط فيها بكل جدية ومهنية». ولخص الوضع الراهن بقوله إن قطار السلام كان سابقا «جاهزا للانطلاق وها هو اليوم خرج ببطء من المحطة».
لعل ارتياح المبعوث الخاص مرده إلى أنه حصل كما يقول من الطرفين على «دلالات» لجهة استعدادهما لإجراء جولة محادثات جديدة، وأن ينخرطوا في «جنيف 6» التي رفض تحديد موعد التئامها. وبحسب ما أسر به المبعوث الخاص، فإنه سيذهب إلى نيويورك بنهاية الأسبوع القادم للاجتماع بأعضاء مجلس الأمن والتشاور مع الأمين العام للأمم المتحدة، وبعدها سيعمد إلى تحديد تاريخ جنيف 6.
وللتذكير، فإنه أعاد ورغم إصرار الصحافيين، فإن دي ميستورا رفض الإفصاح عما إذا كانت مهمته ستنتهي مع جنيف 5 أو أنها ستمدد فيما الإشاعات تحدثت عن تمديد «تقني» لـ15 يوما. بيد أن «الشرق الأوسط» علمت أن مصدرا رفيعا في مكتبه أكد لوفد المعارضة السورية إن دي ميستورا «باق في منصبه» ما يفترض أن يصدر قرار من أنطونيو غوتيريش بهذا الخصوص. وسبق أن نقلت مصادر غربية معلومات مشابهة نتيجة الاتصال الذي تم بين غوتيريش وبين وزير الخارجية الفرنسي جان مارك إيرولت بحر الأسبوع المنتهي.
في أي حال، يبدو واضحا، بعد تصريحات دي ميستورا بأن جولة المحادثات الجديدة لن تحصل قبل التئام اجتماعين مهمين: الأول للدول الثلاثة الراعية لاتفاق وقف النار - أي روسيا وتركيا وإيران - في طهران يومي 18 و19 أبريل (نيسان) الحالي والثاني الاجتماع الرابع لما يسمى «صيغة أستانة» في 4 و5 مايو المقبل، التي تضم إلى الدول الثلاث المذكورة المعارضة المسلحة السورية والولايات المتحدة الأميركية والأردن بصفة مراقبين. ونقلت مصادر غربية عن مساعد وزير الخارجية الروسي غينادي غاتيلوف أن جنيف 6 سينطلق في 8 مايو (أيار) القادم وبعد انعقاد أستانة 4. وعلمت «الشرق الأوسط» أن دي ميستورا حذر غاتيلوف عند اجتماعه به بالقول: «إذا عمدت إلى إعلان موعد جنيف 6 قبلي فإنني سأعلن موعدا مختلفا». لكن المصادر الغربية رأت إن هذا التهديد لا يعني حقيقة الشيء الكثير لأن الموعد ربما يختلف بيوم أو يومين لا أكثر. كذلك نبه دبلوماسيون غربيون المبعوث الخاص إلى أن ربط جولة جنيف القادمة بأستانة «مغامرة» لأنه في حال فشل أستانة 4 سيكون من الصعب الدعوة إلى جنيف 6.
من ناحية ثانية، عندما يتحدث دي ميستورا عن «الإنكار» فإنه كان يعلم الأجواء التي أشاعها رئيس وفد النظام بشار الجعفري في مؤتمره الصحافي، إذ مده بـ«ترجمة فورية». وكان التوتر والعدوانية واضحين في كلامه إلى درجة دفعته لملامسة حافة الشتائم إن لم يكن قد غاص فيها. ولم يتردد الجعفري في توزيع التهم على وفد «الهيئة العليا للمفاوضات» والمعارضة بشكل عام، ملصقا بهم تهم «المراهقة السياسية» والعمالة والخيانة لوطنهم وشعبهم، مشبها إياهم بـ«المتسابقين» في برامج الترفيه كـ«أراب أيدول» و«ذي فويس». وفي نظر الجعفري، فإن المعارضة التي جاءت إلى جنيف هي «أدوات ومرتزقة عند أسيادها»، وهي تحمل «التوهمات» و«الآراء المنحرفة والمنطق الأعوج». وليس همها بحسب ما قال، سوى «تسلم مفاتيح السلطة». وشكا الجعفري من مجموعة من العوائق التي حالت دون تحقيق تقدم ملموس في جنيف 5. وعدد منها اثنين: الأول، غياب الشريك الوطني والثاني غياب الإرادة السياسية «لدى رعاة الإرهاب ومشغلي» المعارضة لتحقيق تقدم سياسي، لا بل إنه اعتبر أن بعض من حضر إلى المدينة السويسرية «جاء لتقويض العملية السياسية». ولكن رغم حملة الشتائم التي أغدقها» الجعفري على «الهيئة العليا» والمعارضة السورية بشكل عام، فإنه أكد على «أهمية استمرار محادثات أستانة وجنيف»، مشددا على «ضرورة إنجاح» المساعي الروسية والإيرانية في أستانة، التي اعتبر أنها «ستساهم في تحقيق نجاح في الجولة السادسة».
لكن المعارضة ممثلة بوفد «الهيئة العليا للمفاوض»، أعادت التأكيد أنها «لم تجد الشريك المناسب الذي يفكر بمصلحة الشعب السوري» والذي يقبل السير في العملية السياسية. وقال رئيس الوفد الدكتور نصر الحريري إن النظام «حتى هذه اللحظة يرفض مناقشة أي شيء ما عدا التمسك بخطابه الفارغ عن محاربة الإرهاب، وهو أول من نسق وجذب الإرهاب إلى المنطقة، في حين يستمر في استخدام الأسلحة واستهداف المدنيين والحصار والتجويع والأسلحة الكيميائية». كذلك طالب الحريري بـ«إخراج إيران وبقية الميليشيات هو شرط أساسي لعودة الاستقرار» إلى سوريا.
{جنيف 5}... اختتام من دون اختراقات والجولة التالية في مايو
دي ميستورا «يتفهم» إنكار الأطراف السورية جدية المحادثات ويرفض الكشف عن مستقبله
نصر الحريري مغادراً مقر الأمم المتحدة في جنيف بعد المفاوضات أمس (أ.ب)
{جنيف 5}... اختتام من دون اختراقات والجولة التالية في مايو
نصر الحريري مغادراً مقر الأمم المتحدة في جنيف بعد المفاوضات أمس (أ.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة








