اقتصاد أوروبا يحلم بـ«طلاق متحضر» بين بريطانيا والاتحاد

المفوضية الأوروبية تجهض اندماج بورصتي لندن وفرنكفورت

اقتصاد أوروبا يحلم بـ«طلاق متحضر» بين بريطانيا والاتحاد
TT

اقتصاد أوروبا يحلم بـ«طلاق متحضر» بين بريطانيا والاتحاد

اقتصاد أوروبا يحلم بـ«طلاق متحضر» بين بريطانيا والاتحاد

بعد تسعة أشهر من التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، أطلقت بريطانيا عملية الخروج التاريخية من الاتحاد الأوروبي وفتحت فترة سنتين من المفاوضات الصعبة للانفصال عن هذا التكتل الذي انضمت إليه بتحفظ قبل 44 عاما.
ورسالة الانفصال التي وقعتها رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي مساء الثلاثاء، سلمها السفير البريطاني لدى الاتحاد الأوروبي تيم بارو لرئيس المجلس الأوروبي دونالد تاسك لتنطلق بذلك رسميا آلية الخروج من الاتحاد، والتي ستستمر على مدار عامين.
وتحرص بريطانيا على عدم الكشف عن الحجج التي ستستخدمها في المفاوضات، لكن المحللين يرون أن هذه المهلة قد لا تكفي لفك الروابط التي نسجت على مدى أربعة عقود والملفات المعقدة التي سيتم التباحث بشأنها سواء على صعيد التجارة أو القضاء أو القضايا الإنسانية.
وتقول كاثرين بارنارد أستاذة القانون الأوروبي في جامعة كمبردج: «الحقيقة أن النطاق واسع إلى حد أن عامين لن يكونا كافيين أبدا»، مضيفة «عند إزالة كل عثرة، سيظهر غيرها»، أما كامينو مورتيرا مارتينيز الباحثة في مركز الإصلاح الأوروبي في لندن فتتوقع «على الأرجح» ألا تنتهي المفاوضات في غضون عامين.
وتقول باتريسيا هوغوود أستاذة العلوم السياسية في جامعة وستمنستر إن «هناك عراقيل منذ الآن»، قبل انطلاق المفاوضات حتى، مشيرة إلى الكلفة التي ستترتب على الخروج من السوق الأوروبية والدخول إليها من جديد.
ولمح الوزير المكلف بملف البريكست ديفيد ديفيس إلى أن لندن لن تدفع الفاتورة التي سيقدمها الاتحاد الأوروبي، أو على الأقل لن تدفعها كاملة، خصوصا فيما يتعلق بالبرامج التي التزمت بها بلاده من قبل.
وقال مسؤول أوروبي كبير إن المفوضية الأوروبية قدرت قيمة الفاتورة بين 55 و60 مليار يورو.
وفي استطلاع أجرته «الشرق الأوسط»، حث متعاملون بالسوق البريطانية رئيسة الوزراء على تجنب اختلاف عميق بين الطرفين دون التوصل إلى اتفاق حقيقي، وتوقعوا تقلبا كبيرا في الأسواق مع بدء المحادثات.
ومن المتوقع أن تشهد المملكة المتحدة ستة أشهر أولى صعبة من المفاوضات، لذلك فإن تأمين بعض الانتصارات المبكرة في مرحلة المفاوضات الأولى أمر حيوي لوضع بريطانيا على الطريق الصحيح.
ويعد أفضل سيناريو للطرفين «الطلاق المتحضر» بمفاوضات بناءة، مما يقلل بالتالي أي تأثير سلبي محتمل على الطلب. على العكس فإن تشديد الخطاب على كلا الجانبين سيؤدي إلى تأثير أعمق على الطلب وربما حالة من الركود، وفي هذا السيناريو من المرجح أن تظل السياسة النقدية محفزة مع إمكانية بدء جولة أخرى من التيسير الكمي، في حين أن الحكومة البريطانية قد تضطر إلى تحفيز الاقتصاد من خلال تخفيف القيود المالية، وإلغاء عضوية داخل الاتحاد الأوروبي أمر غير مسبوق والآثار الاقتصادية غير مؤكدة إلى حد كبير، وبالنظر إلى عدم اليقين المرجح فإن الشركات والمستهلكين سيكونون حذرين بشأن التوقعات الاقتصادية المستقبلية، ومع ذلك فإن المملكة المتحدة لديها إمكانية الوصول إلى السوق الواحدة حتى عام 2019. الأمر الذي قد يضطر الشركات لزيادة مخزوناتها تحسبا لتعامل المملكة وفقا لقواعد منظمة التجارة العالمية بعد خروجها من الاتحاد، في حين يمكن للمستهلكين رفع معدلات الاستهلاك قبل فرض الرسوم الجمركية على الواردات القادمة من المملكة المتحدة، وبناء على ذلك يمكن تعزيز النمو الاقتصادي للجانبين على المدى القصير خلال 12 إلى 18 شهرا المقبلة شريطة ألا تقل الإيرادات الحقيقية بشكل كبير عن طريق ارتفاع معدلات التضخم ونمو الأجور الفعلية.
وسجل الإسترليني أعلى مستوى خلال جلسة أمس الأربعاء في تعاملات متقلبة، بينما هبطت أسهم الشركات البريطانية، بعد تدشين بريطانيا رسميا عملية انفصالها عن الاتحاد، وبعد أن سجل الإسترليني أدنى مستوى في ثمانية أيام في وقت سابق من نفس الجلسة عن 1.2377 دولار قفز إلى 1.2478 دولار، وبعد تأكيد إرسال الخطاب ارتفاعا من نحو 1.2448 دولار من قبل لتسجل العملة البريطانية زيادة نسبتها 0.2 في المائة عن الإغلاق السابق.
وسجل الإسترليني أعلى مستوى خلال الجلسة أمام اليورو، وسجل مؤشر فاينانشيال تايمز 100 البريطاني المقومة معظم مكاسب شركاته بعملات أخرى أدنى مستوى خلال الجلسة بانخفاض نسبته 0.3 في المائة.
فيما تراجع اليورو بعد تصريحات لصناع السياسات بالبنك المركزي الأوروبي حول قلقهم من إجراء أي تعديل على بيانهم المتعلق بالسياسة النقدية في أبريل (نيسان) المقبل، ويبدو أن تعديلات بسيطة أفرزها اجتماع البنك المركزي في وقت سابق هذا الشهر قد أغضبت المستثمرين، وأثارت احتمال ارتفاع تكاليف الاقتراض لدول جنوب منطقة اليورو المثقلة بالديون.
وهوى اليورو إلى أدنى مستوياته مقابل الدولار بفعل التقرير ونزل 0.7 في المائة إلى 1.0743 دولار، وسجلت العملة الموحدة أقل مستوياتها في شهر عند 119.05 ين.
ورغم البريكست، أعلنت الحكومة الألمانية أن بريطانيا تبقى شريكا لأوروبا والحلف الأطلسي رغم إطلاق آلية الخروج من الاتحاد الأوروبي، محذرة من أن مفاوضات الخروج «لن تكون سهلة». وأعلن المجلس الأوروبي في بيان الأربعاء أن الاتحاد الأوروبي سيعمل «بشكل موحد وسيحافظ على مصالحه» في المفاوضات بعدما أطلقت بريطانيا آلية الخروج من التكتل. وأكدت الدول الـ27 أنها ستبدأ «بالتركيز على العناصر الأساسية لانسحاب منظم»، فيما تريد لندن المضي بسرعة للبدء بمفاوضات حول مستقبل العلاقة مع الاتحاد الأوروبي وخصوصا على الصعيد التجاري.
من جهتها، دعت رئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي نواب وشعب بريطانيا إلى «الوحدة» للتوصل إلى «أفضل اتفاق ممكن» مع الاتحاد الأوروبي بعد إطلاق آلية بريكست مشددة على أنه «لا عودة إلى الوراء». وأقرت ماي بأنه سيكون هناك «عواقب» خصوصا اقتصادية على البلاد، لكنها أضافت: «لكن أياما أفضل أمامنا»، داعية البلاد إلى البقاء موحدة.
وتؤكد ماي أنها لا تخشى احتمال اتفاقات سيئة، وتقول: «عدم التوصل إلى اتفاق أفضل من توقيع اتفاق سيئ»... لكن الأوساط الاقتصادية ترى أن ذلك سيكون السيناريو الأسوأ بما أن نصف المبادلات التجارية لبريطانيا تتم مع الاتحاد الأوروبي.
في الوقت الحالي، الاقتصاد البريطاني متين، فنمو إجمالي الناتج الداخلي ثابت عند 1.08 في المائة في العام 2016. ويمكن أن يبلغ 2 في المائة في 2017. لكن تفعيل بريكست يمكن أن يحمل بعض المستثمرين على الرحيل، في الوقت الذي بدأت الأسر تشعر بتأثير التضخم الناتج عن تراجع سعر العملة الرسمية.
وفي مفارقة، منعت المفوضية الأوروبية مشروع الاندماج الضخم بين بورصتي لندن وفرنكفورت، واضعة حدا بذلك لعملية ضخمة أعلن عنها قبل عام؛ غير أنها باتت مهددة بفعل قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي.
ولا يشكل هذا القرار مفاجأة، فالعلاقات بين البورصتين ازدادت توترا في الآونة الأخيرة، ولا سيما بشأن موقع مركز القرار للهيئة الجديدة التي كان من المفترض أن تنبثق عن الاندماج، ومع قرار بريطانيا الخروج من الاتحاد الأوروبي، ازدادت صعوبة مفاوضات الاندماج إلى حد هائل.
وأوضحت المفوضة الأوروبية لشؤون المنافسة مارغريتي فيستاغر مبررة قرارها بأن «الاندماج بين البورصتين كان سيحد بشكل كبير من المنافسة بفعل إقامة احتكار» في أوروبا، وتابعت خلال مؤتمر صحافي أنه «بما أن الطرفين لم يقترحا التدابير التصحيحية الضرورية لتبديد المخاوف التي أبديناها على صعيد المنافسة، قررت المفوضية منع الاندماج».
وعلق المحلل في شركة «إي تي إكس كابيتال» في لندن نيل ويلسون أن «بريكست قضى في الواقع على هذه الصفقة قبل تسعة أشهر. ومن المنطقي بالتالي أن توجه المفوضة فيستاغر الضربة القاضية قبل ساعات من بدء بريطانيا آلية الطلاق».
وعلق بونوا لو بريه المحامي لدى مكتب «غيد» للمحاماة الذي يمثل منظمة «باري أوروبلاس» المكلفة تطوير سوق باريس المالية، أن «بريكست زاد من أهمية الانصهار من وجهة نظر ألمانيا، وخفف منها من وجهة نظر بريطانيا».
وأوضح بهذا الصدد أن إحدى النقاط التي تجري مناقشتها حاليا في حي المال والأعمال في لندن تقضي بمعرفة ما إذا يجدر الكفاح من أجل الاحتفاظ بـ«جوار السفر» الأوروبي الذي يسمح ببيع منتج مالي في مجمل أنحاء الاتحاد الأوروبي بعد الحصول على موافقة واحدة من الهيئات التنظيمية الوطنية، أو اغتنام الفرصة للتحرر من القيود الأوروبية وممارسة الإغراق.
ولو تمت عملية الاندماج، لكان البريطانيون احتفظوا بالوصاية على سلطة الإشراف الأوروبية والألمانية.
وفي فبراير (شباط) الماضي، قامت بورصة لندن باختبار الموقف، برفضها النزول عند طلب بروكسل التي تشرف على المنافسة في أوروبا، والتنازل عن حصتها البالغة الأغلبية في منصة التبادل الإلكتروني الإيطالية «إم تي إس» المتخصصة في سندات الدولة الأوروبية، وإن كان الطرفان تجنبا المبادرة إلى فسخ الاتفاق، فذلك حتى لا يتحتم على من يقوم بهذه الخطوة دفع ثمن الانفصال عن الآخر، بحسب رأي مسؤول مطلع على الملف. وأكدت بورصة فرنكفورت أنها في «موقع جيد» لمواجهة المنافسة العالمية.
من جانبها، أعلنت بورصة لندن التخلي عن بيع فرعها الفرنسي «إل سي إتش كليرنيت» لعمليات المقاصة إلى مجموعة «يورونكست» التي تدير بورصات أمستردام وبروكسل وباريس ولشبونة، ولم يعد من المطروح القيام بعملية التخلي عن هذا الفرع التي كان يفترض أن تساعد في إرساء عملية الاندماج، بعدما عارضت بروكسل الاندماج.
وهي ثالث مرة تحاول بورصتا لندن وفرنكفورت الاندماج، بعدما فشلتا في 2000 و2005. كما حاولت بورصة فرنكفورت من دون جدوى الاندماج عام 2011 مع مجموعة «بورصة نيويورك ويورونكست» للأسواق المالية، غير أنها فشلت في ذلك مع خروج يورونكست من محور المجموعة الأميركية.
ومن النادر أن تمنع المفوضية الأوروبية التي تشرف على مسائل المنافسة في الاتحاد الأوروبي عمليات اندماج، وهو ما لا يحصل سوى بمعدل مرة في السنة.
وتعود آخر مرة منعت المفوضية مثل هذه العملية إلى 11 مايو (أيار) 2016، حين جمدت صفقة إعادة شراء مجموعة «هاتشنسون وامبوا» من هونغ كونغ مشغل الخطوط الجوالة البريطاني «أو 2» الذي تملكه شركة «تيليفونيكا» الإسبانية، خشية أن تؤدي إلى ارتفاع الأسعار على المستهلكين في المملكة المتحدة.



بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في الصفقات

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد مرور عام على حزمة القرارات التاريخية التي أصدرها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان في 29 مارس (آذار) من عام 2025 لإعادة التوازن إلى سوق الرياض العقارية، بدأت ملامح خريطة طريق جديدة تترسخ في أزقة العاصمة ومخططاتها الشمالية. لغة الأرقام الصادرة عن البورصة العقارية لم تكن مجرد إحصاءات، بل إعلان صريح عن انحسار موجة المضاربات التي استنزفت السوق لسنوات، حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة، لتبدأ الرياض مرحلة «التصحيح الكبير» نحو نموذج عقاري مستدام يضع احتياجات المواطن والمطور الحقيقي في قلب المشهد.

وقد رسمت توجهات ولي العهد مساراً جديداً للسوق، عبر حزمة قرارات تنفيذية مفصلية، شملت فك الحظر عن ملايين الأمتار المربعة في شمال العاصمة، وتفعيل الرسوم على الأراضي الشاغرة لضمان تدفق المعروض السكني، جنباً إلى جنب مع تجميد زيادات الإيجارات وضبط العلاقة التعاقدية بين المؤجِّر والمستأجر. هذه الإجراءات ساهمت بشكل مباشر في استقرار تكاليف السكن والحد من القفزات السعرية غير المبررة التي شهدتها السنوات الماضية.

وانعكست آثار هذه الإصلاحات الهيكلية بوضوح في بيانات البورصة العقارية التابعة لوزارة العدل؛ حيث سجَّلت قيم الصفقات تراجعاً دراماتيكياً بنسبة 64 في المائة. إذ استقرت تداولات السوق عند نحو 53 ألف صفقة بقيمة تجاوزت 17.3 مليار دولار (65 مليار ريال)، مقارنة بنحو 48.3 مليار دولار (181 مليار ريال) في العام الذي سبق صدور القرارات. كما أظهرت البيانات تراجعاً في مساحات الصفقات الإجمالية لتسجِّل 153 ألف متر مربع، نزولاً من 228 ألف متر مربع، وهو ما يفسره الخبراء بانتقال السيولة من المضاربة في الأراضي الخام الكبيرة إلى مشروعات التطوير السكني المنظم.

إعادة تشكيل السوق العقارية

يرى مختصون ومهتمون بالشأن العقاري في تصريحات لهم إلى «الشرق الأوسط»، أن هذه الإجراءات التاريخية أعادت تشكيل السوق العقارية بمدينة الرياض، نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، وقادته نحو مراحل جديدة من التوازن والنضج والتوجه للاستقرار السعري وتوافق المنتجات العقارية مع الاحتياجات الفعلية للسوق، مضيفين أن هذا التحول يمثل خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وقال الخبير والمسوِّق العقاري، صقر الزهراني، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن أثر هذه القرارات أحدث ملامح تحول واضح في بنية السوق، مضيفاً أن التراجع المسجل في قيمة الصفقات لا يعكس ضعفاً في النشاط بقدر ما يعكس انحسار المضاربات التي كانت تدفع الأسعار إلى مستويات لا ترتبط بالطلب السكني الحقيقي.

وأوضح أن قرارات التوازن العقاري، أسهمت في وضع مرجعية سعرية جديدة للأراضي السكنية، خصوصاً مع طرح الأراضي المدعومة بسعر يقارب 1500 ريال للمتر المربع، وهو ما أعاد ضبط التوقعات السعرية في عدد من الأحياء، وحدَّ من الارتفاعات غير المبررة التي شهدتها السوق في السنوات الماضية.

وأشار إلى أن الأراضي الخام في شمال الرياض سجَّلت ما يشبه «السقوط الحر» في الأسعار، بحسب ما نشرته تقارير السوق العقارية، حيث تراجعت أسعار بعض المواقع بنسب لافتة بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة التي غذّتها المضاربات وتوقعات النمو السريع، مضيفاً إلى أنه يُنظر إلى هذا التراجع بوصفه جزءاً من عملية تصحيح طبيعية تعيد تسعير الأراضي وفق معايير أكثر واقعية ترتبط بقيمة التطوير والطلب السكني الفعلي.

خريطة لمخططات الأراضي التي تم رصدها في الرياض (واس)

من المضاربة إلى التطوير العقاري

وأوضح الزهراني أنه خلال عام من قرارات التوازن العقاري، برزت عدة سمات مهمة، من أبرزها انتقال جزء من السيولة من المضاربة إلى التطوير العقاري، مع توجَّه أكبر نحو مشروعات التطوير المنظم بدلاً من تداول الأراضي الخام، كما برز المشتري السكني الحقيقي كمحرك رئيس للسوق بعد تراجع دور المستثمرين قصيري الأجل.

وأضاف أنه بدأت تظهر باكورة مشروعات البيع على الخريطة سواء في الوحدات السكنية أو الأراضي المطورة، وهو نموذج يُتوقع أن يتوسَّع خلال المرحلة المقبلة لما يوفره من حلول لزيادة المعروض السكني وخفض تكلفة التملُّك، كما تعيش السوق حالة ترقب للتنظيمات المرتقبة، وعلى رأسها رسوم العقارات الشاغرة التي يُنتظر أن تسهم في تشغيل الأصول غير المستغلة داخل المدن ورفع كفاءة استخدام المخزون العقاري.

وتوقع الزهراني أن تتجه السوق العقارية في الرياض في الفترة القادمة إلى مرحلة أكثر نضجاً واستدامة، مع توسع متوقع في مشروعات البيع على الخريطة وزيادة المعروض داخل المدن نتيجة استمرار الإصلاحات التنظيمية، مرجحاً أن يقود ذلك إلى استقرار الأسعار وتحقيق توازن أفضل بين العرض والطلب.

وأضاف أن ما تشهده السوق العقارية في الرياض اليوم لا يمثل حالة تباطؤ بقدر ما هو مرحلة إعادة تشكيل للسوق نحو نموذج أكثر استدامة، قائم على التطوير العقاري والطلب السكني الحقيقي، بما يدعم مستهدفات التنمية العمرانية ويعزز جودة الحياة في العاصمة.

سلوك السوق

من جانبه، قال الخبير والمسوِّق العقاري، عبد الله الموسى، لـ«الشرق الأوسط»، إن السوق العقارية بمدينة الرياض دخلت مرحلة مفصلية في دورتها الاقتصادية، فالتحولات التي شهدتها خلال هذا العام لا يمكن تفسيرها فقط من خلال الأرقام المتعلقة بعدد الصفقات أو قيمتها، بل ينبغي النظر إليها ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل سلوك السوق وإعادة ضبط العلاقة بين العرض والطلب.

أضاف أنه خلال السنوات التي سبقت هذه القرارات، شهدت السوق العقارية في الرياض ارتفاعات متسارعة في الأسعار مدفوعة بعدة عوامل، من بينها زيادة الطلب والنمو العمراني المتسارع، إضافة إلى دخول فئات استثمارية متعددة إلى السوق. ومع مرور الوقت، أصبح من الضروري إعادة التوازن بما يضمن استدامة السوق ويحد من الارتفاعات غير المبررة في الأسعار.

وزاد بأن التراجع الذي شهدته الصفقات خلال العام الأخير يمكن اعتباره انعكاساً طبيعياً لمرحلة إعادة ضبط إيقاع السوق، ففي هذه المرحلة يميل المشترون إلى التريث وإعادة تقييم قراراتهم الاستثمارية، بينما يقوم المطورون والمالكون بمراجعة استراتيجيات التسعير والتسويق بما يتوافق مع المعطيات الجديدة.

وأشار الموسى إلى أن أبرز السمات التي ظهرت خلال هذه الفترة، تمثَّل في ارتفاع مستوى الوعي لدى المتعاملين في السوق، حيث أصبح القرار الشرائي أكثر ارتباطاً بعوامل القيمة والجدوى الاقتصادية بدلاً من الاعتماد على توقُّعات ارتفاع الأسعار في المدى القصير، كما بدأت بعض الشركات العقارية في إعادة هيكلة نماذج البيع والتسويق، سواء من خلال تقديم خطط سداد أطول أو إعادة تصميم المنتجات العقارية بما يتناسب مع احتياجات السوق.

وأوضح أن هذه المرحلة أسهمت في تقليص حجم المضاربات العقارية التي كانت تؤثر في حركة الأسعار في بعض المناطق، وهو ما شجَّع في المقابل على توجه أكبر نحو التطوير الفعلي للأراضي وإدخالها في مشروعات تطويرية بدلاً من الاحتفاظ بها كأصول خام بانتظار ارتفاع الأسعار.

وأضاف أن ما يحدث اليوم في السوق العقارية في الرياض لا يمثل حالة ركود بقدر ما يمثل مرحلة انتقالية تعيد صياغة قواعد السوق، بحيث تنتقل من سوق تقودها المضاربات السعرية إلى سوق أكثر نضجاً واستقراراً يعتمد على القيمة الحقيقية للأصول العقارية وكفاءة التطوير طويل الأجل، مما يجعل هذا التحول خطوة مهمة نحو بناء سوق عقارية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية التي تشهدها المملكة.

وختم متوقعاً أن تستمر السوق العقارية في الرياض خلال المرحلة المقبلة في مسار أكثر توازناً ونضجاً، حيث ستصبح المنافسة بين المشروعات العقارية مرتبطة بشكل أكبر بجودة المنتج العقاري وكفاءة التطوير ومدى توافقه مع احتياجات السوق الفعلية، مع استمرار المشروعات الكبرى التي تشهدها المدينة، مما سيبقي القطاع العقاري أحد أهم القطاعات الاقتصادية المحفزة للنمو.


«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».