د. حسن رشيد: المسرح لا ينمو إلا في ظل الحرية

الناقد المسرحي القطري يرى أنه لا خوف على «الهوية» من الانفتاح الثقافي

مسرحية «أهل الشرق» لفرقة «الدوحة» تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي
مسرحية «أهل الشرق» لفرقة «الدوحة» تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي
TT

د. حسن رشيد: المسرح لا ينمو إلا في ظل الحرية

مسرحية «أهل الشرق» لفرقة «الدوحة» تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي
مسرحية «أهل الشرق» لفرقة «الدوحة» تأليف وإخراج عبد الرحمن المناعي

عرف الناقد المسرحي والقاص والإذاعي القطري الدكتور حسن رشيد باشتغاله بقضية المسرح المحلي والخليجي، فقد واكب انطلاقة الحركة المسرحية في بلاده وفي دول الخليج، وشهد مراحل انتعاشها، وما آلت إليه اليوم. وهو يرى أن أزمة المسرح لا تقتصر فقط على ضعف الاهتمام الرسمي، أو شيوع ثقافة التلفزيون، ولكن أيضا وبشكل رئيس لانعدام هامش الحرية، حيث لا يترعرع المسرح أو ينمو إلا في مناخ الحرية. وهو يجد الحديث عن نهضة المسرح حديثا عبثيا أمام طوفان المآسي الذي يجتاح المدن العربية.
ولد الدكتور حسن عبد لله رشيد في الدوحة عام 1949، وشغل أستاذ النقد وأدب المسرح، ونائب رئيس الهيئة العربية للمسرح. وقد درس بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة، وكان ضمن أول دفعة من المذيعين القطريين، وهو أول من قال: «هنا إذاعة قطر»، بتاريخ 25 يونيو (حزيران) 1968، وعمل مديرا عاما للبرامج ثم مساعد مدير الإذاعة، كما عمل في دائرة الثقافة والفنون، وله أيضا الكثير من الدراسات والبحوث حول المسرح.
وإلى الحوار معه..

* جرى تكريمكم في بداية العام الحالي في مهرجان المسرح العربي الذي تقيمه الهيئة العربية للمسرح في الدوحة.. هل ترى أن المسرح العربي قادر على النهوض من كبوته الراهنة؟
- هذا السؤال من الصعوبة بمكان الإجابة عنه بـ«نعم، أو لا»، ذلك أن واقع المسرح العربي المغيب الآن في أمس الحاجة إلى جهد الجهات الرسمية المعنية بالأمر وخلق وشائج حقيقية مع المسرح، ذلك أننا مع الأسف قد صدقنا بعض المقولات مثل: «إن المسرح مدرسة الحياة»، و«أعطني مسرحا أعطك جيلا مثقفا»، وهذا ما زرعه البعض في ذاكرتنا الجمعية.
المسرح العربي مقارنة بالمسارح في العالم، وأعنى الإغريق والإنجليز والفرنسيين والصينيين، عمره الافتراضي قصير، مقارنة بالآخرين، فقد ظهر ذات يوم في عام 1848 على يد مارون نقاش في بيروت عبر تمثيلية قصيرة مستلهمة من تاريخنا، ولدينا أيضا عبر بعض دول المنطقة تاريخ بسيط منذ بدايات العقد السابع من القرن الماضي، فعمر المسرح العربي إذن في حدود 160 عاما.

* 160 عاما هل هي قليلة على إنتاج حراك مسرحي في منطقتنا؟
- هذا المسرح ارتبط بالأفراد وليس بحراك مسرحي. بالنسبة لنا، أسهم البعض قبل ظهور التعليم الإلزامي في وجوده عبر لعبة قصيرة وهادفة، فالهدف استلهام تاريخ العرب وعدد من الشخصيات المؤثرة مثل: يوم ذي قار، صلاح الدين، وسرد نماذج من الحكايات مثل:هارون الرشيد. وطرح نماذج من العادات والتقاليد العربية. واستمر الحال لفترة لدينا هنا. وأعني في دول المنطقة.

* من أين بدأ التراجع؟
- في قطر كانت الكبوة الكبرى بإلغاء المسرح المدرسي، الرافد الحقيقي للمسرح. أما المسرح العربي ففي ظل الصراعات المحلية والإقليمية وسيطرة البطالة والكثير من المنغصات في حياة الفرد. فهل يترعرع المسرح؟ والآلاف يموتون عبر المتفجرات في الكثير من المدن؟ وهل بمقدور المسرح أن يطرح الفن والفكر والثقافة والمتعة؟ أشك كثيرا.. المسرح لا ينمو ولا يترعرع إلا في ظل الحرية، وحرية الكلمة، وحرية الإنسان. لذا فإن واقع المسرح العربي مأزوم، سواء في إطار الكوميديا أم التراجيديا. وإلا ماذا نقول عن غياب نجوم اللعبة حتى في إطار الكوميديا؟

* درست في المعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة وزاملت مسرحيين عربا بينهم هاني صنوبر، أحد مؤسسي المسرح السوري والمسرح القطري، كما زاملت الفنان القطري غانم السليطي، كيف تجد المسرح القطري اليوم؟
- زاملت المخرج الكبير هاني صنوبر، مؤسس المسرح السوري والأردني والقطري في الإذاعة.. كان أستاذا للمسرح بكل المقاييس وتخرج على يديه كوكبة من النجوم مثل «النوخذا» عبد الرحمن المناعي، وغازي حسين وعشرات الأسماء. أما زملاء الدراسة، فهناك الكثير من المسرحيين العرب: من قطر، الفنان غانم السليطي، سالم الماجد، محمد أبو جسوم، موسى عبد الرحمن، مرزوق بشير. ومن سوريا: جهاد سعد. من الكويت: الدكتور حسين المسلم، وعشرات الأسماء من كل الأقطار العربية بجانب الأشقاء المصريين مثل الدكتور سامي عبد الحليم، الدكتور محمد عبد الهادي، عادل النادي، عادل معاطي.
أما فيما يخص المسرح القطري، فإنني أشبهه بالمثل القديم «أسمع جعجعة ولا أرى طحنا». وذلك بعد إلغاء المسرح المدرسي، وعدم وجود كيان حقيقي للمسرح، وتقليص عدد المسارح من أربعة إلى مسرحيين، وعدم وجود مواسم مسرحية ثابتة، وقلة الخشبات سوى خشبة مسرح قطر الوطني، مع وجود أكثر من مسرح ولكنها تابعة لجهات أخرى مثل: مسرح الدراما، والأوبرا، والمسرح المكشوف التابع للحى الثقافي، مسرح الريان والتابع لإذاعة وتلفزيون الريان، مسرح البلدية التابع للبلدية.

المسرح القطري
* هل لديك مقترحات محددة لإعادة بعث المسرح القطري من جديد؟
- للخروج من كل هذا لا بد من إيجاد مراكز شبابية تملك قاعات للعرض ولإجراء البروفات، ومعهد متوسط يفرخ أجيالا إثر أجيال وتكون الدراسة فيه مسائية، ووجود قسم للمسرح في جامعة قطر، وإرسال البعثات لدراسة المسرح كما كان يحدث في السبعينات من القرن الماضي، وكذلك تعزيز المشاركات الخارجية بشكل مستمر كما هو حاصل في المملكة العربية السعودية، وفي الإمارات، والكويت، وسلطنة عمان، وكذلك تشكيل لجان تعي دور المسرح وأهميته. ذلك أن اللجنة الحالية وإن كانت تضم مسرحيين مثل موسى زينل، وسعد بورشيد، والفنان علي ميرزا محمود، إلا أن رئيس اللجنة موظف لا علاقة له بالمسرح من قريب أو بعيد. ولم أشاهده يحضر أي نشاط مسرحي في أي قطاع كان. من هنا أرى أن المسرح القطري، أسوة بغيره من المسارح العربية. يملك نفس الملامح الباهتة، على الرغم من الدعم اللامحدود من قبل وزارة الثقافة والفنون والتراث وإسهامات الوزير الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري، إلا أن الواقع بخلاف المأمول.

* لماذا انحسرت الفرق المسرحية في قطر من أربع فرق إلى فرقتين، هل للأمر علاقة بالذائقة الفنية للجمهور؟
- لا أعتقد. التقليص حدث بفعل فاعل. والآن من الصعوبة بمكان خلق نواة أخرى تمارس المسرح من أجل المسرح. هذا لا يعني أن الجيل الجديد لا يحلم بمسرح آخر. وأبرزهم مثلا: أحمد مفتاح، فيصل رشيد، فهد الباكر، طالب الدوس، عبد الواحد محمد، سالم المنصوري وغيرهم. وهؤلاء يحاولون إعادة (بعض) وأضع خطا تحت مفردة (بعض)، الجماهير للمسرح. كما أن جهة أخرى تقوم بدور مواز في خلق تفاعل جماهيري، وتتمثل في: غانم السليطي، ناصر عبد الرضا، عبد الرحمن المناعي وجهدهم واضح في هذا الإطار عبر المهرجان المسرحي الأول والثاني. أما الثالث ففي علم الغيب. لكن هل يحضر الجمهور حتى يشاهد الشكل وأعني المبنى، أم المضمون – العرض؟

* أمام زخم الاهتمام بالموروث الشعبي القطري، إلا أن المسرح بقي معزولا.. لماذا لم نشهد التحاما بين النص والتراث بما يمثله من مخزون ثقافي وذاكرة شعبية ورؤية بصرية؟
- المسرح يختلف عن كل الفنون. فلا يمكن أن نقول للكاتب عبد الرحمن المناعي، حمد الرميحي، غانم السليطي، أحمد مفتاح مثلا نريد مسرحية بمواصفات كذا لأن النهضة العمرانية قائمة على قدم وساق. هنا يتحول المسرح إلى بوق دعائي إعلاني. وهنا يموت الكاتب والنص بعد شهور. الكاتب المسرحي قد يعيش سنوات وسنوات حتى يكون شاهدا على عصره. كثير من الكتاب ماتوا وهم أحياء بعد انتهاء الاحتفائية بأمر ما. ولكن الرابط بين التراث والعرض موجود في كل أعمال الفنان القدير عبد الرحمن المناعي منذ عام 1975 و«أم الزين» حتى آخر الأعمال التي قدمت في العام الماضي. وأيضا في أعمال ناصر عبد الرضا مثل «مجاريح»، «البوشية». أما فيما طرحت، فالأمر في المسرح يحتاج إلى تأمل لفترة من عمر الزمن. والسؤال الأهم مع ذلك هو: أين المسرح؟

* شاهدنا في «سوق واقف»، على سبيل المثال، عروضا سينمائية.. لماذا لم نشهد عروضا مسرحية في الهواء الطلق؟
- قدم الفنان عبد الرحمن المناعي – على سيف البحر – العرض المسرحي «الدشة والقفال» وكانت تجارب لسعد بورشيد، جاسم الأنصاري، حمد الرميحي وغيرهم في «قلعة الكوت»، ولكن «سوق واقف» سوق سياحية لجمهور لا علاقة لها بالمسرح، ويكفي أن يشنف أذنيه بأغاني عبود الخواجة، سعد جمعة، مزعل فرحان، وكفى الله المؤمنين القتال!

المسرح الخليجي

* أنت متابع لحركة المسرح الخليجي، برأيك، لماذا تراجع المسرح الخليجي؟
- بعد الغزو العراقي للكويت تغيرت خريطة كل شيء.. تحول المسرح في الكويت كرائد لمسار المسرح خليجيا، وهنا تحولت جل العروض إلى الكوميديا. والكوميديا فن راق، ولكن ما حصل أن غلف التهريج على بعض العروض، وتحول الأمر إلى قاعدة. نعم هناك صراع بين جدية الجيل الجديد عبر المهرجانات العربية، وفعاليات مسرحية في الفجيرة مثلا عبر المونو دراما، وأيام الشارقة ومهرجانات الهيئة العربية للمسرح ومهرجان الكويت في إطار المعهد العالي للفنون المسرحية، أو مهرجان الخرافي، أو مهرجان المسرح عبر الوزارات والهيئات المعنية. ولكن كل هذه الفعاليات هي فعاليات آنية، ذلك أن مسرحنا مرتبط بالأفراد، مثلا مرحلة عبد الحسين عبد الرضا وخالد النفيسي، سعاد العبد الله، حياة الفهد، عبد الرحمن الضويحي، صقر الرشود، حمد الرميحي، غانم السليطي، عبد الرحمن المناعي، عبد الله السعداوي، عبد الكريم جواد، حسن رجب، إسماعيل عبد الله، سالم الحتاوي، عبد الله صالح، وغيرهم. والمسرح لم يرتبط بكيانات. والجهد الفردي مداه قصير. مثلا حسين المسلم يبذل كل طاقاته من أجل حراك مسرحي في الكويت. في السعودية فهد ردة الحارثي، سامي الجمعان، راشد الورثان وعدد آخر من الزملاء. الجهد الشخصي يعتمد على قدرات الفرد، وعشقه للإبداع المسرحي، ممثلا، مخرجا، مؤلفا، لذا فإن ظهور واختفاء المسرح مرتبط أيضا بصاحب القرار في المؤسسات الرسمية. هناك من يعشق المسرح ويبارك كل الخطوات، وهناك من يرى في المسرح رجسا من عمل الشيطان!

* ما المعضلة التي تواجه المسرحيين الخليجيين بشكل عام؟
- أخشى ما أخشاه أن يثور الجميع على هذا الرد؛ فالمعضلة الأهم هي في الجهاز السحري: «التلفزيون» وإغراءاته، كذلك نتساءل: هل هناك دعم مؤسساتي أو من شركات أو من الحكومة لدعم العروض؟ نعم هناك معضلات عدة أبرزها في تصوري يتمثل في: مكان العرض، ارتفاع أجور الفنانين، قلة أيام العرض، ولذا يهرب المنتج بجلده إلا في المناسبات في الأعياد أو يقدم بعض الكوميديا الرخيصة التي تعتمد على التهريج أو مسرحيات الأطفال.

* في قطر هناك جيل مسرحي جديد يعبر عن موهبته في مهرجان المسرح الشبابي، هل تعول على جيل الشباب في أن ينهض بالمسرح؟
- نعم.. البركة في الجيل المسرحي الشبابي، ولكن هؤلاء في أمس الحاجة إلى رعاية وأن تجري إقامة ورش لهم تحت إشراف متخصصين وليس (نصابين). نحن في حاجة إلى هاني صنوبر آخر وإلى عوني كرومي، وعبد المنعم عيسى، وصفوت الغشم، لأننا شبعنا من النصب والاحتيال، نريد ورشا ودورات حقيقية لهم، لأنهم يملكون الإرادة وحب المسرح ويجتهدون ويشكلون النواة الحقيقية للمسرح. أما الشباب فالمسرح الآن مرتهن بجهدهم. ولكن هناك من يهبط من عزائمهم. كانت المأساة مثلا أن يجري ترشيح اسم مكرم في المهرجان الشبابي الأخير في الكويت ويستبعد اسم فهد الباكر، أحمد مفتاح، على الخلف، محمد حسن المحمدي، فيصل رشيد وغيرهم هذا الأمر خلق فجوة حقيقية في ذاكرة الشباب. ومع هذا فإن هذا الأمر لم يوقف عزيمتهم.

الهوية الثقافية
* هناك عشرات الفعاليات تقدم في الدوحة، من الأوبرا إلى فنون الاستعراض لفرق عالمية، إلى الفن التشكيلي، والمسرحي، لكن إزاء ذلك لا نجد حراكا ثقافيا يعبر عن الشخصية القطرية؟
- الثقافة في مجملها كم تراكمي.. هناك جهات عدة تحاول خلق وشائج مع الثقافة مثل نادي الجسرة الثقافي الاجتماعي، كما أن وجود الإخوة العرب من شعراء وفنانين يخلق حالة. وهي تجسد حالة قطرية. أما عن الشخصية القطرية فإن هناك باحثين في كل المجالات. يخلقون تواصلا لنبش الماضي في كل فنون الإبداع، شعرا ونثرا، من أمثال علي شبيب المناعي، وعلي فياض، والشعراء محمد خليفة العطية، محمد المرزوقي، علي عبد الله الأنصاري.. في الفن التشكيلي لدينا كوكبة من أبرز الفنانين وهم يوسف أحمد، سلمان المالك، علي حسن، وفيقة سلطان، هنادي الدرويش، أمل العاثم، محمد عتيق، وحسن الملا، وغيرهم.. هل هؤلاء لا يعبرون عن الحراك الثقافي وعن الشخصية القطرية في جل أعمالهم بجانب الكاتبات مثل الدكتورة هدى النعيمي، دلال خليفة، مريم آل سعد، نورة آل سعد، جمال فايز، محسن الهاجري وعشرات الأسماء؟ ولكن هؤلاء محصورون في الإطار المحلي. ولا ينفض الغبار عن هذه الأسماء في الملتقيات الفكرية خارج الحدود لأن تلك الرحلات الصيفية والشتوية يتزعمها رفقاء ذلك المسؤول الذي لا يربطه بالثقافة سوى اسمه!

* أصبحت قطر تحتضن مؤسسات ثقافية ذات طابع عالمي، مثل مشروع الحي الثقافي (كتارا) مع الانفتاح على الثقافة والفنون العالمية، هل تشعر أن قطر يمكنها أن تصيغ معالم هوية ثقافية عالمية؟
- بالكم التراكمي نعم، نحن في عصر آخر، الوسائط تدفع بكل الفنون باتجاه بعضها البعض، وكما حققت قطر تقدما عربيا خليجيا في المجال الاقتصادي والسياسي والرياضي، فإن تحقيق الأمر في هذا الإطار ليس بمستبعد، ولكن هذا يحتاج إلى سنوات وسنوات، ولكن البنية التحتية المتمثلة في الحي الثقافي والمتحف الإسلامي والجامعات المختلفة تسهم الآن في خلق وشائج مع الفنون والإبداع عبر خريطة العالم المتحضر. ولا أعتقد أن هذا الأمر مستبعد في ظل تلاقي وتلاقح الحضارات عبر الكثير من العواصم الخليجية الأخرى، ولكن كما أسلفت، الأمر لا يمكن أن يتحقق بين ليلة وضحاها، لأن الثقافة في شمولية المفردة مجالها أكبر بكثير من التصور الآني. كما أن الاتفاقيات مع دور النشر العالمية والمتاحف الكبيرة. ودعوة الفعاليات الفنية جزء من رسالة الثقافة القطرية المحلية.

* على ماذا تتكئ كل هذه الفعاليات المعبرة عن هويات وجنسيات عالمية، إذا كان نصيب الإنتاج القطري ما زال محدودا؟
- هل نتوقف ونتجمد ونبكي على اللبن المسكوب؟! الفن والإبداع لا وطن له، والعالم تحول إلى قرية، أنت تقرأ ماركيز الآن، وتشاهد أوبرا عايدة وكنت تستمع إلى بافاروتي، وترى وتشاهد الاستعراضات الهندية وفرق أفريقيا والباليه الروسي.. فهل علينا أن نبتعد عن مشاهدة لوحات رفائيل وسلف دور دالي وموسيقى خاتشو دريان ونكره بتهوفن وباخ وشوبان وأم كلثوم وقارئة المقام فريدة وحسين الأعظمي؟ الفنون حلقات.. دعنا نرَ ونشاهد الآخر، دعنا نقلد، وكما أسلفت ذات يوم، سيتحول الأمر إلى واقع ملموس.. هل لدينا سينما خليجية؟ مع هذا، هناك مهرجانات في مسقط ودبي، أبوظبي، البحرين، الكويت، ولدينا فعاليات سينمائية وأنتجنا فيلما بإخراج قطري وممثلين قطريين. مشوار الألف ميل كما قيل يبدأ بخطوة.. دعنا نخطُ هذه الخطوة، لعلنا ذات مساء نصل إلى مبتغانا. دعنا نعمل، نجتهد. قد نخطئ، ولكن لا بد من المحاولة، لقد جرب أديسون ألف مرة، ونجح أخيرا، ومحاولاتنا لاكتساب الخبرات مستمرة.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.