منفذ اعتداء لندن مهووس برياضة بناء الأجسام

قضى عقوبتين في السجن واستخدم 6 أسماء مستعارة

ضباط من شرطة مكافحة الإرهاب أمام مجلس العموم أمس في المكان الذي وقعت فيه العملية الإرهابية (تصوير: جيمس حنا)
ضباط من شرطة مكافحة الإرهاب أمام مجلس العموم أمس في المكان الذي وقعت فيه العملية الإرهابية (تصوير: جيمس حنا)
TT

منفذ اعتداء لندن مهووس برياضة بناء الأجسام

ضباط من شرطة مكافحة الإرهاب أمام مجلس العموم أمس في المكان الذي وقعت فيه العملية الإرهابية (تصوير: جيمس حنا)
ضباط من شرطة مكافحة الإرهاب أمام مجلس العموم أمس في المكان الذي وقعت فيه العملية الإرهابية (تصوير: جيمس حنا)

وصف نفسه بـ«الهادئ الوديع»، وأفاد بأنه يحمل شهادة جامعية في الاقتصاد، وبأنه مستمع جيد. هو إدريان روسيل أجو، الذي نفذ عملية الدهس المتعمد بسيارته لعدد من المشاة تحت ظلال ساعة «بيغ بن»، قبل أن يقتل ضابط شرطة طعنا بسكين، في واحدة من أسوأ أحداث العنف التي شهدتها بريطانيا منذ عام 2005. وهو نفسه خالد مسعود، بعد أن غير اسمه بعد اعتناقه الإسلام عندما اقترب من نهاية الثلاثينات من عمره، والآن بلغ 52 عاما وأصبح زوجا وأبا. ورغم نوبات العنف التي انتابته في حياته عندما كان شابا، فإن حياته قد سارت هادئة في السنوات الأخيرة، ولم يلفت أنظار الجيران سوى في الأوقات التي كانوا يرونه فيها يغسل سيارته في الطريق أو يجز عشب حديقة منزله. وفي أغلب الأوقات كان يصطحب طفليه الصغيرين من المدرسة الابتدائية في إحدى ضواحي برمنغهام الهادئة بمنطقة ويست ميدلاند بإنجلترا.
غير أنه في بعض الأحيان كان الجانب المظلم في شخصيته يظهر، عندما «يتحدث في الدين. ففجأة رأيناه وقد تحول إلى إنسان مختلف»، وفق أحد الجيران الذي رفض الكشف عن اسمه خوفا من أي إجراءات انتقامية، مشيرا إلى لحظات العنف والغضب والتصلب التي يظهرها بعض المسلمين في تعاملاتهم.
وعندما بدأت صور مسعود في الانتشار، كان المحققون يحاولون تجميع الصورة الكاملة لمدرس لغة إنجليزية سابق مهووس برياضة بناء الأجسام، استخدم نحو 6 أسماء مستعارة، وعاش عامين في السعودية، وقضى عقوبتين في السجن، ثم سار في طريق الإرهاب. ويسعى المحققون أيضا للتأكد مما إذا كان قد نفذ تلك الجريمة بمفرده.
والجمعة الماضي، أعطت الشرطة بعض المؤشرات إلى قرب الوصول إلى إجابات لهذه التساؤلات، بعد إعلانها القبض على اثنين من المشتبهين «المهمين». لكن بنهاية اليوم، أطلقت الشرطة سراح 7 من 11 مشتبها، من دون اتخاذ أي إجراءات إضافية، منهم سيدتان أفرج عنهما بكفالة، وبقي رجلان من برمنغهام في عهدة الشرطة لمزيد من التحقيق.
ووفق مارك راولي، مساعد مدير شرطة متروبولتان (شرطة اسكوتلنديارد)، لا تزال الشرطة تبحث عن 5 مشتبهين في عناوين مختلفة، بعد أن انتهت من البحث عن 16 مشتبها وفحص 2700 حرز، منها كميات ضخمة من بيانات الكومبيوتر وصور ومقاطع مصورة، التقطها مارة أعلى جسر وستمنستر وقت حدوث الاعتداء.
وأفاد راولي بأن عدد القتلى ارتفع إلى 4 بعد وفاة ليسي رودز (75 عاما) من منطقة ستريثام بجنوب لندن، متأثرا بجراحه. وبلغ عدد الجرحى على الأقل 50 من جنسيات مختلفة.
قبل أن يضغط مسعود على دواسة البنزين بدقائق، الساعة 2:41 بتوقيت لندن الأربعاء الماضي، بعد اعتلائه بسيارته الرصيف المخصص للمشاة بجسر وستمنستر، كان تطبيق «واتساب» على هاتف الجاني في حالة نشطة، بحسب مسؤولين أمنيين. لكن لا يزال من غير المعلوم حتى الآن ما إذا كان في ذلك الحين يتلقى تعليمات من شخص آخر داخل البلاد أو خارجها، أو يقول «وداعاً»، لزوجته مثلا.
أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن الهجوم الخميس الماضي، لكن صلة التنظيم بالاعتداء لا تزال غير مؤكدة، وإن كان بعض المسؤولين يتشككون في وجود صلة. ووفق نزار فضل، النائب العام بشمال غربي إنجلترا حتى عام 2015، والذي نشأ في مقاطعة برمنغهام: «(داعش) تبنت الهجوم لكن المنفذ لم يكن أحد جنودهم. فمسعود لم يعلن ولاءه للتنظيم الإرهابي، سواء قبل أو أثناء الاعتداء».
بيد أن مسعود، المولود في 25 ديسمبر (كانون الأول) 1964 بمنطقة «كنت»، جنوب شرقي إنجلترا، يؤمن بكثير من المبادئ التي يتبعها هذا التنظيم الذي نفذ كثيرا من الهجمات في أوروبا في الفترة الأخيرة. وعلى غرار الهجمات التي نفذت في برلين ونيس بفرنسا نهاية العام الماضي، فقد استخدم مركبة لدهس المارة، ناهيك عن سجله الإجرامي الحافل قبل اعتناقه فكر الإسلاميين المتشددين والمسلحين. فقد أدين بارتكاب عمل إجرامي عندما كان في سن الثامنة عشرة، ودخل السجن مرتين لإلحاقه أذى بدنيا جسيما بآخرين. وبحسب الإحصاءات التي رجع إليها فضل، فنحو ثلث المدانين بارتكاب أعمال عنف مرتبطة بالمتشددين في بريطانيا خلال الفترة من 2001 – 2010 هم من معتنقي الدين الإسلامي (بعد أن تحولوا من ديانات أخرى)، وهو ما يمثل 1 في المائة من الجالية الإسلامية في بريطانيا.
لكن لو نظرنا من زاوية أخرى سنرى أن سيرته غير عادية، وفق المسؤولين، ومنها عمره، «فأغلب الأشخاص الذين نقوم بمحاكمتهم هم من الجيل الثاني من المهاجرين البريطانيين، أي من الشباب»، بحسب فضل، وقال: «لكني لم أصادف بينهم من هو في سن الأربعين أو الخمسين مثلا»، مضيفا: «لكن المعلوم هو أنه اعتنق الإسلام متأخرا».
وفي لقاءات مع بعض جيران مسعود في برمنغهام التي عاش فيها مع أسرته حتى ديسمبر الماضي، وصفت مرجولي جيريكا (26 عاما) مسعود بأنه شخص هادئ، ويبدو مسلما ملتزما ظاهريا، وله لحية ويضع غطاء رأس ويرتدي الثياب التي يرتديها أغلب الإسلاميين، وكذلك ترتدي زوجته وبنتاه زيا إسلاميا. وأضافت أنه «شخص هادئ للغاية، وقريب من عائلته، وأعتقد أنه أب حنون أيضا، حيث كنت أراه يصطحب أطفاله إلى المدرسة ذهابا وإيابا، ونراه عائدا من السوق بصحبة زوجته. كان متعاونا أيضا، فعندما احتاجت صديقة والدته مكانا لانتظار سيارتها، أعطاها مكانه، وفي مناسبة أخرى عندما احتاجت إحدى الجيران من يأخذها بسيارته إلى مكان ما، كان هو من أدى لها تلك الخدمة».
غير أن المحققين يسعون إلى التحقق مما إذا كان اعتناق مسعود للإسلام حدث خلال الفترة التي قضاها في السجون البريطانية، حيث يعرف بعضها بأنه حاضنة للإسلاميين المتشددين. ففي المرة الأولى التي تعرض فيها للسجن عام 2000 وفق حكم القاضي كان عمره آنذاك 35 عاما، وذلك لاعتدائه البدني على مالك إحدى المقاهي إثر حدوث خلاف بينهما. كان مسعود، ذو العرق المختلط، يعيش وقتها بمنطقة نوثيام، قرية بجنوب شرقي إنجلترا، وكان معروفا عنه تناوله للخمور، ولم تكن تبدو عليه أي علامات للشفقة تجاه الغير، وتسبب الاعتداء في حدوث جرح قطعي في الخد الأيسر لبيرز موت، وتطلب 20 غرزة. وبحسب إفادات حديثه أثناء إجراءات المحاكمة بمحكمة هوف كراون، فأسباب العراك بين الاثنين عرقية. وأبلغ المحققون المحكمة بأن مسعود كان قد تناول الخمور قبل الاعتداء، وأنه لوح بسكينه وتفوه بالسباب أثناء العراك.
*خدمة: «نيويورك تايمز»



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended