استهدف اعتداء رجَّحَت الشرطة أن يكون إرهابياً محيط البرلمان البريطاني وسط العاصمة لندن، مساء أمس، تزامناً مع الذكرى الأولى لاعتداءات بروكسل الدامية، واجتماع دول التحالف الدولي ضد الإرهاب في واشنطن، عندما دهس المهاجم المارَّة على جسر وستمنستر، في ذروة الحركة، ثم طعن شرطياً بسكين مطبخ، قبل أن يطلق عناصر الأمن النار عليه.
وأدت العملية التي ما زالت هوية منفِّذِها مجهولة بعدُ إلى مقتل أربعة على الأقل بينهم منفذ الهجوم والشرطي الذي جرى طعنه وجرح 20 شخصاً، بينما كان البرلمان يستضيف رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي.
وفي مؤتمر صحافي أمام مقر «اسكوتلنديارد»، أمس، قال مارك راولي قائد شرطة مكافحة الإرهاب إنه إضافة إلى الشرطي والمعتدي، قُتِل شخصان آخران على جسر وستمنستر.
وأضاف راولي: «بكل حزن أؤكد الآن أن أربعة أشخاص قُتِلوا». وقال إن «ذلك يتضمن شرطياً كان يحرس البرلمان ورجلاً يُعتقد أنه المهاجم، قتلَتْه الشرطة المسلحة». وأضاف: «لقد أعلنّا أن هذا حادث إرهابي، وتقوم قيادة مكافحة الإرهاب بإجراء تحقيق واسع في الهجمات». وأوضح أن الهجوم بدأ عندما صدمت سيارة كانت تسير على جسر وستمنستر القريب من مبنى البرلمان، كثيراً من الأفراد، وأصابتهم بجراح، ومن بينهم ثلاثة رجال شرطة كانوا عائدين من احتفال».
وقال إن الشرطة نفذت «خططاً تدرَّبَت عليها بشكل جيد... على هجوم إرهابي»، وجرى إغلاق مبنى البرلمان. وقال راولي إن «عملية واسعة» تجري في جميع أنحاء العاصمة البريطانية، إلا أنه رفض الكشف عن تفاصيل.
وأوضح: «حالياً نعتقد أن شخصاً واحداً نفذ الهجوم»، مضيفاً: «هذا يوم خطَّطنا لمواجهته، ولكننا كنا نأمل ألا يحدث مطلقاً. وللأسف فقد تحول إلى حقيقة الآن».
وحسب كثير من الشهود، فإن المهاجم الذي رَجَّحَت أنباء أنه من أصول «آسيوية»، ولكنها لم تؤكَّد بعد، دهس في البداية عدداً من المشاة على جسر وستمنستر المؤدي إلى مقر البرلمان وإلى برج ساعة بيغ بين. وقالت أجهزة الإسعاف في لندن إنه «تمت معالجة عشرة أشخاص على الأقل عند جسر وستمنستر». كما أفادت وسائل إعلام عديدة بأن سيدة قفزت في نهر التيمس هرباً من السيارة التي كانت تدهس المارة، وقد تم انتشالها وهي مصابة بجروح بالغة.
وطُلِب من النواب البقاء داخل مقر البرلمان وعدم الخروج قبل أن يتم إجلاؤهم لاحقاً إلى مكاتب «اسكوتلنديارد» المجاور برفقة عناصر من الشرطة مدججين بالسلاح. وقال متحدث باسم رئاسة الحكومة إن تيريزا ماي «بخير». وتم لاحقاً تداوُلُ صور تظهر فيها ماي وهي تغادر مقر البرلمان بسرعة على متن سيارة رسمية. وأعلنت رئاسة الحكومة أن ماي ستترأس اجتماع أزمة في المساء.
وأعربت رئيسة الوزراء عن مواساتها لأقارب قتلى وجرحى الهجوم الإرهابي الذي وقع أمام مبنى البرلمان، بحسب ما صرح به متحدث باسم الحكومة.
وعلق البرلمان المحلي الاستكوتلندي الذي كان مقرراً أن يجيز أمس لرئيسة الوزراء نيكولا ستورجن طلب استفتاء جديد على الاستقلال، جميع نقاشاته في أعقاب الاعتداء.
واتخذت الشرطة البريطانية إجراءات أمنية مشددة حول قصر باكنغهام لوجود الملكة إليزابيث الثانية به عند وقوع الهجوم، حيث جرى إغلاق البوابات ونشر شرطة مسلحة عند مداخل القصر.
وقام عمدة لندن صادق خان بتعزية الضحايا في بيان صحافي، وشكر عناصر الشرطة على تفانيهم وسرعة استجابتهم.
وأصدر المجلس الإسلامي البريطاني بياناً تلَقَّت «الشرق الأوسط» نسخة منه يقول: «الحادثة أفجعَتْنا ونندد بها ودعواتنا لأهالي الضحايا ونشكر الشرطة والإسعاف لجهودهم» وأضاف: «ويستمنستر معقل ديمقراطية بلادنا ويجب أن نحرص على المحافظة عليه من أي مكروه».
وعقب الهجوم، قال مسؤولون إن مجلسي العموم واللوردات بالبرلمان البريطاني سينعقدان كالمعتاد، في تغريدة على «تويتر» نصّها: «نؤكد أن مجلسي العموم واللوردات سينعقدان غداً في مواعيدهما العادية».
ومن جانبه، أدان البيت الأبيض الهجمات، وتعهد بتقديم دعم من الولايات المتحدة للحكومة البريطانية، وقال شون سبايسر المتحدث باسم البيت الأبيض: «إننا ندين الهجوم الذي وقع اليوم في وستمنستر بالمملكة المتحدة، والذي تتعامل معه لندن باعتباره عملاً إرهابياً، ونشيد بالاستجابة السريعة للشرطة البريطانية».
وأوضح سبايسر أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتابع الوضع، وتحدث هاتفيًا إلى رئيس الوزراء البريطانية تيريزا ماي، وقال إن الولايات المتحدة تقدم الدعم الكامل لمدينة لندن و«حكومة صاحبة الجلالة في الردّ على الهجوم، وتقديم المسؤولين إلى العدالة».
كما أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل دعمها «للأصدقاء البريطانيين ولكل سكان لندن»، وذكر رئيس الوزراء الفرنسي برنار كازينوف في تغريدة: «نتضامن مع أصدقائنا البريطانيين الذين تعرضوا لهجوم مروِّع، نقدم الدعم الكامل للطلاب الفرنسيين المصابين وعائلاتهم وأصدقائهم».
وبدورها، أدانت دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشدة الهجوم. وقال الأمين العام لمجلس التعاون الدكتور عبد اللطيف بن راشد الزياني إن دول مجلس التعاون تدين بشدة هذا الاعتداء باعتباره جريمة مروّعة تتنافى مع جميع القيم والمبادئ الإنسانية والأخلاقية. وأعرب الأمين العام عن ثقته في قدرة الأجهزة الأمنية بالمملكة المتحدة على كشف ملابسات هذا العمل الإجرامي الجبان.
وزير حاول إنقاذ حياة الشرطي المطعون
* أضحى الوزير توباياس إلوود، المعني بشؤون الشرق الأوسط في الخارجية البريطانية، بطلا يوم أمس عندما حاول إنقاذ حياة الشرطي الذي طعن خلال الهجوم الإرهابي في داخل حدود البرلمان قبل ان لقى حتفه بعد نقله.
إذ سارع الوزير إلوود لإسعاف الشرطي وإنعاشه والضغط على جروحه لإيقاف تدفق الدم. وإلوود الذي كان عسكريا سابقا، وقف إلى جانب الشرطي المصاب في انتظار مروحية الإسعاف التي حطت على ميدان البرلمان لنقل الشرطي. والتقطت صور لتوباياس ويداه ملطختان بدماء الشرطي بعد مساعدته في وقت لاحق وهو يتحدث إلى عناصر شرطة انتشروا في منطقة الهجوم قبل عوده إلى مكتب الخارجية. وأكد مصدر مقرب من الوزير لصحيفة «التلغراف» أمس أن إلوود لم يفارق الشرطي، واعتنى به إلى آخر لحظة.
وسرعان ما ظهرت صور لإلوود وهو في بدلة كحلية وهو يعاون المسعفين والشرطة في مقر الهجوم. جدير بالذكر، أن إلوود كان قد خسر شقيقه جون في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2002 خلال اعتداء إرهابي في بالي أودى بحياة 202 شخص، منهم 27 بريطانيا.
ويذكر أن إلوود يشغل منصبه منذ يوليو (تموز) 2014، وهو نائب في البرلمان عن حزب المحافظين منذ عام 2005.
الاعتداء يشل العاصمة ويخيف السياح
* تسبب الاعتداء في احتجاز عدد من السياح بعجلة «عين لندن» لمدة ساعة تقريباً يوم أمس.
وتم لاحقا إخلاء زوار عجلة «عين لندن» البالغ ارتفاعها 135 مترا، وتطل على المنطقة بأكملها.
وقال المسؤولون عن «عين لندن» في تغريدة: «في الوقت الحالي نحن نتعامل مع جميع ضيوفنا هنا بحسب الإجراءات الأمنية المعهودة». وبعد ذلك قالوا في تغريدة أخرى إن السياح «ينزلون الآن من العجلة». وتتألف عجلة «عين لندن» من 32 كابينة بيضاء، تسع كل منها 25 شخصا.
وشلّت حركة قطارات الأنفاق والحافلات في المناطق المحيطة، وأغلقت بعض المحطات لبعض الوقت عقب الهجوم بسبب تحذيرات أمنية. ومددت الشرطة إغلاق محطة «ويستمنستر».
وعلق أكثر من 600 نائب ولورد وموظف برلماني داخل قاعة ويستمنستر خلال الهجوم.
واحتجز العشرات من السياح داخل مباني البرلمان لساعات قبل إجلائهم، منهم مجموعة كبيرة من الطلبة قرروا الغناء في القاعات لرفع معنويات المحتجزين.
خبراء: الاعتداء مستوحى من هجمات «داعش»
* نوه خبراء أميركيون إلى أن الحادث قد يكون مستوحى من هجمات «داعش» السابقة في برلين وأوهايو ونيس. حيث غردت مديرة موقع «سايت» لرصد المواقع المتطرفة، على «تويتر» بسلسلة تغريدات عقب الهجوم أمس، تتساءل عن دوافع منفذ الهجوم التي لم تتأكد بعد، ولكنها تشير إلى أن استخدامه لسكين ومركبة كبيرة يتماشى مع تعليمات كان نشرها تنظيم داعش مسبقاً لمناصريه الذين ينوون تنفيذ عمليات في دول غربية.
وأضافت: «الهجوم على برلمان لندن يشبه هجمات تبناها (داعش)، مثل هجوم ولاية أوهايو ونيس وبرلين». لكنها استدركت بتغريدة أخيرة: «إنه على عكس اعتداءات باريس وبلجيكا لم نشهد حتى الآن دعاية ترويجية من (داعش) على الإنترنت، ما قد يعني أيضاً أن الهجوم ليس على صلة بالتنظيم».
وعند بحث «الشرق الأوسط» على ردود الفعل على «تويتر» و«تلغرام»، رصدت بعضاً من مناصري التنظيم المتطرف يحتفلون بالهجوم ويتداولون صورة لساعة بيغ بن من أهم رموز لندن وهي تحترق. وكتب على الصورة: «قريباً... معركتنا على أرضكم تكاد تبدأ واستعدوا للمزيد».



