الأحد - 30 شهر رمضان 1438 هـ - 25 يونيو 2017 مـ - رقم العدد14089
نسخة اليوم
نسخة اليوم 25-06-2017
loading..

رواية «التوأم»... نص أدبي مدوّن بعين سينمائية

رواية «التوأم»... نص أدبي مدوّن بعين سينمائية

الثلاثاء - 22 جمادى الآخرة 1438 هـ - 21 مارس 2017 مـ رقم العدد [13993]
غلاف «التوأم»
نسخة للطباعة Send by email
لندن: عدنان حسين أحمد
صدرت عن المركز الثقافي للكتاب بالدار البيضاء، الطبعة الثانية من رواية «التوأم» للشاعرة والروائية المغربية فاتحة مُرشيد، التي بلغ رصيدها السردي حتى الآن خمس روايات. تنفرد هذه الرواية بثلاث سمات أساسية، وهي تعدد الثيمات اللافتة للنظر، ومتانة البنية المعمارية، والمقاربة السينمائية شكلاً ومضموناً. تكتظ الفصول الأربعة لهذه الرواية بمحاور رئيسية لا بد من الوقوف عندها جميعاً؛ لأنها تشكِّل لُحمة النص وسداته، وهي بحسب أهميتها في الهيكل الروائي: «لغز التوائم»، و«الحُب المستحيل»، و«الهَوَس الشبقي»، و«متلازمة ستندال»، ثم تتبعها ثيمات مُكمِّلة للنص الروائي ومُؤازِرة له، مثل «الشيبانيين» أو المهاجرين المغاربة في فرنسا، والولع بالتحف الفنية، والعزلة، والتسامح، وثيمات أخرى علمية وثقافية لا تقلّ أهمية عن سابقاتها.
قد لا يستغرب الذين يعرفون الشاعرة والروائية مُرشيد عن كثب، سبب تعاطيها مع موضوعات علمية، فهي طبيبة متخصصة تحمل شهادة الدكتوراه في طب الأطفال، ويهمّها جداً أن تفكّ بعض ألغاز التوائم التي لمّا تزل غامضة ومُبهمة حتى الوقت الراهن.
وعلى الرغم من الطبيعة العلمية لهذه الثيمة فإن الروائية استطاعت أن تروِّض هذا المُعطى العلمي وتذوّبه في نسيج النص السردي، وتجعلَ منه عنصرَ تشويق ينطوي على كثير من المعلومات المثيرة، التي هي أقرب إلى الكشوفات النفسية منها إلى أي شيء آخر.
وبغية إحاطة النص بشيء من الإثارة، فإن الروائية تضعنا أمام ثلاثة توائم، تتمثّل بطائري الحُب اللذين لا يستطيع أحدهما أن يعيش بمعزل عن الآخر، والتوأم مُراد الذي فَقد نصفه الثاني منير في حادثة سير، والتوأم الذي أنجبته نور وهما وائل وجاد. ولعل عنوان الرواية ينطبق على التوائم الثلاثة حتى وإن كان الأول مجازياً. ولعل القاسم المشترك بينها جميعاً أن التوائم لا تستطيع العيش بمنأى عن أنصافها المشطورة؛ لأنها تموت، بشكل أو بآخر، إذا ما انفصلت أو تباعدت قسراً.
تقنياً يمكننا القول إن هذه الرواية مكتوبة بعين سينمائية، ليس لأن أبطالها الثلاثة سينمائيون فحسب، وإنما لتعالقاتها النصيّة مع اقتباسات هي أقرب إلى الحِكَم والأمثال والأقوال المأثورة، لعشرة مُخرجين سينمائيين غالبيتهم فرنسيون، والبقية من إيطاليا وإنجلترا وأميركا. وقد شيّدت الروائية من هذه الشذرات المُقتَبسة عالماً حُلُمياً موازياً للعالم الواقعي الذي لا يستجيب عادة لتطلعات الشخصيات الرئيسية، ولا يرتقي إلى مخيّلاتها المجنّحة.
فالمُخرج السينمائي الحالم مراد تزوّج من نادية بينما كان يُحّب شقيقتها نور، لكن هذه الأخيرة وقعت في حُب الروائي كمال الخلفي. وعلى الرغم من انفصالهما المفاجئ فإنها كانت تفكِّر به، وتريد أن تعرف لماذا تخلى عنها بهذه السرعة.
تحتشد هذه الرواية بالمفاجآت، ولعل أشدّها صدمة هي مفاجأة «الحُب المحظور» الذي يتَّقد في صدر مراد من دون أن تشعر به نور، أو تُدركه نادية المنغمسة في عملها حدّ التفاني. فهل يظل وفياً لزوجته أم ينزلق إلى حمأة الخيانة؟
لا يختلف عنه صديقه الحميم موريس كوهن، في شخصيته الإشكالية، لكنّ عذره الوحيد هو إصابته بمرض هَوَس العِشق، وأن بيترا التي كان يعتقد أنها تحبهُ قد خُطِبت إلى شخص آخر طَعنهُ موريس بالسكّين ودخل السجن بسببه، وحينما برأتهُ المحكمة لأنه كان يعاني من هذيان مرضي، ترك دراسته في الهندسة المعمارية واشتغل مع عمّه إسحق في محل لبيع التحف القديمة، ومِن هناك نشأ ولعهُ باللُّقى الأثرية والأعمال الفنية، ثم اشترى بعد وفاة والده صالة كي يمارس فيها شغفه الفني، ويتخذ من قسمها الخلفي «مغارة» للعزلة، وصومعة لتأمل الذات المُلتاعة.
لم تكن الثيمات الفرعية لتأثيث النص وملء الفراغات؛ لأنه محبوك، وخالٍ من الزوائد. فثيمة «الشيبانيين» أو المهاجرين المغاربة في فرنسا، هي موضوع فيلمه الروائي الذي أسماه «السلسلة» أول الأمر، ثم غيّره لاحقاً إلى «ثمن الغياب».
وهو يتمحور على ثنائية الغربة والحنين، ولعل أقصى ما يطمح إليه «حُمّان» المُتقاعد المغربي المُسنّ هو أن يموت في بلده ويُدفن هناك.
المفاجأة الثانية التي صعقت مُراد تحديداً وأربكته، هي حمْل نور من كمال الخلفي قبيل الطلاق، وتضاعفت المفاجأة حينما أثبتت الفحوصات الطبية أن الجنين الذي تحمله في بطنها توأم، فيلتمس منها غير مرة أن تحتفظ بهما على أن يتحمّل هو قسطاً كبيراً من المسؤولية، خصوصاً أنه عقيم لا ينتظر من نادية أن تنجب له ذرية في السنوات القادمة. فيخترع لنادية قصة حصول نور على منحة دراسية لسنة واحدة من جامعة ميامي لتطوير مهاراتها الفنية واللغوية التي قد تفتح لها طريقاً إلى العالمية.
ورغم أن الأمور كانت تسير على وفق الخطّة المرسومة لها في التكتم والحذر الشديد فإن نادية تكتشف هذه الحكاية المُلفقة فيضطر للاعتراف بالخطة التي دبّرها مع نور للتستر على قصة الحمل التي لم تشأ أن يعرف بها أحد، لكن طلب نادية الوحيد بعد أن استفاقت من غيبوبتها وتأكيد الأطباء على إصابتها بالتهاب الكبد الفيروسي الحاد، هو أن يُخبر كمال بالحقيقة ويترك له القول الفصل في قبول الأبوة من عدمها. تتحرك شخصيات الرواية في ثلاث قارات، وهي أفريقيا وأوروبا وأميركا الشمالية. وقد اختارت مُرشيد من باريس وفلورنسا مكانين لمفاجآت من نوع آخر.
الأولى مشكلة «الشيبانيين المغاربة» الذين أفنوا أعمارهم في المصانع الفرنسية ولم يحصلوا بالمقابل على حقوقهم التقاعدية، المقرونة بإمكانية الانتقال إلى المغرب إلا بشق الأنفس، حيث انتحر بعضهم، وعاش البعض الآخر في عزلة موحشة بعيداً عن الأهل والأصدقاء.
أما أسباب السفر إلى فلورنسا فهي كثيرة، من بينها مُشاركة مراد في مهرجان فلورنسا السينمائي، واصطحاب نور بدلاً من نادية المدمنة على العمل كي تكسر عزلتها وتنفض عن نفسها غبار الكآبة قليلاً، لعله يقنعها أيضاً بعدم إسقاط التوأم اللذين انجذب إليهما بشكل غامض وكأنهما نزلا من صلبه.
وبما أن مفاجآت الرواية كثيرة، فقد صادفا كمال في نفس الفندق الذي يقيمان فيه بفلورنسا، بحجة توقيع روايته الأخيرة المترجمة إلى الإيطالية. لكن ما أغاظ نور أكثر، أن طليقها قد جاء بصحبة صديقته الجديدة لاورا وكأنه لم يمرّ بتجربة زوجية قوّضها في رمشة عين.
فلنضع سيرة كمال جانباً ونركز على حالة الإغماء التي أصيبت بها نور في كنيسة سانتا كروز، ليس لأنها حامل وإنما لإصابتها بمتلازمة «ستندال» أمام المعطيات الجمالية المذهلة التي لا يتحمّلها أصحاب الأحاسيس المُرهفة، فيسقطون في غيبوبة مؤقتة أمام النُّصب والتماثيل الفنية المتقنة التي تغصّ بها متاحف فلورنسا وكنائسها المذهلة.
أما المفاجأة الأخيرة في الرواية، فهي اعتراف والد مراد بالسبب الرئيسي الذي دفعه لطلاق زوجته؛ لأنه اكتشفها تخونه مع أحمد، جارهم الذي كان يدرس في الخارج، فلم تسمح كرامته بإبقائها على ذمته، ومع ذلك فلم يتزوج بعدها؛ لأنها المرأة الوحيدة التي أحبّها، وكرّس حياته من أجلها.
لا شكّ في أن الروائية فاتحة مُرشيد قد قامت بدراسات معمقة، سواء في مجال اختصاصها الطبي أو في المجالات الفنية والثقافية، لتغذي روايتها بهذا الكم الكبير من المعلومات الشيقة التي أثرت عملها الأدبي الذي يتوفر على معظم الاشتراطات الفنية الناجحة التي تؤهله للصمود أمام تقادم الأعوام.