مسؤول العلاقات الخارجية الكردستاني: مفاوضات تقرير المصير آتية

فلاح مصطفى أكد أن التعاون مع بغداد عسكري فقط

فلاح مصطفى («الشرق الأوسط»)
فلاح مصطفى («الشرق الأوسط»)
TT

مسؤول العلاقات الخارجية الكردستاني: مفاوضات تقرير المصير آتية

فلاح مصطفى («الشرق الأوسط»)
فلاح مصطفى («الشرق الأوسط»)

في الوقت الذي تقترب القوات العراقية مدعومة بطيران التحالف الدولي لمحاربة «داعش» من تطهير أحياء الموصل وأزقتها من التنظيم الإرهابي، تعكف حكومة إقليم كردستان على التخطيط لما بعد انتهاء المعارك وجهود إعادة الإعمار من جهة، ولمستقبل العلاقات بين بغداد وأربيل من جهة أخرى.
وفي أولى ساعات الصباح من يوم لندني مشمس، عرض فلاح مصطفى بكر، مسؤول دائرة العلاقات الخارجية في حكومة إقليم كردستان، في حوار مع «الشرق الأوسط» أبرز نقاط الاختلاف ومواطن التوتر في العلاقات مع بغداد، لافتا إلى أن أربيل عازمة على بدء مفاوضات تقرير المصير. واستعرض مصطفى مراحل الحرب ضد «داعش» في الموصل ودور قوات البيشمركة، مشددا على أن سياسات رئيس الوزراء السابق نوري المالكي الطائفية ساهمت في ظهور التنظيم الإرهابي واتساع دائرة نفوذه.
وإلى جانب الأمن والسياسة، تحدّث مصطفى عن توجه إقليم كردستان نحو تنويع اقتصاده وتشجيع القطاع الخاص، إلى جانب التحديات التي يواجهها لاستقبال ما يفوق مليونا و800 ألف نازح ولاجئ.
* بداية، حدثنا عن أبرز تطورات الحرب ضد «داعش» في الموصل في مرحلتها الأخيرة.
- عندما نريد أن نتحدث عن الحرب ضد «داعش» وتقدم القوات، يجب أن نتحدث عن جذور الأزمة وأسباب بروز «داعش». التنظيم الإرهابي برز نتيجة لسياسات الحكومة الاتحادية إبان فترة حكم المالكي، الذي بدأ بمحاربة إقليم كردستان وبتهميش وإقصاء المكون السني، وعدم التعامل مع الواقع في الأرض، وعدم احترام مبدأ التوافق. بذلك، توجه (المالكي) بالحكومة إلى سياسات طائفية ولم تكن هناك أي شراكة حقيقية (بين الجانبين).
انطلقت مظاهرات سلمية في الأنبار، طالب الناس بالعدالة والخدمات وبأن يكونوا شركاء. إلا أن مطالبهم الشرعية قوبلت بشكل عسكري ووضعت في سياق الحرب ضد الإرهاب، لذلك اختلت الأمور في البلد.
اليوم، ونتيجة للتنسيق والتعاون الجيد بين قوات البيشمركة والقوات الأمنية العراقية، كان هناك تقدم جيد. المرحلة الأولى من المعركة بدأت في 17-10-2016 عندما بدأت قوات البيشمركة في كسر الخطوط الدفاعية الأولى لـ«داعش»، وانتهت هذه المرحلة في 27-10-2016. وبعدها بدأت القوات العراقية في تحرير الجانب الشرقي للمدينة، وانتهت بعد 3 أشهر. وقبل نحو أسبوعين بدأت المرحلة الثانية من تحرير الجانب الأيمن من المدينة.
* كم بلغت خسائر البيشمركة إلى اليوم؟
- اليوم، خسائر البيشمركة وصلت إلى نحو 1700. و9790 جريحا، و62 مفقودا.
هذه الحرب كانت مكلفة من النواحي البشرية والمادية، لكن كذلك من ناحية البنى التحتية وتدمير النسيج الاجتماعي في المناطق التي دخلها «داعش». يجب أن نعمل بشکل متواصل من أجل إعادة بناء الثقة، لو أمعنا النظر إلى الإيزيديين الكرد الذين تعرضوا إلى إبادة جماعية أو إلى المسيحيين الذين عانوا من التمييز وتعرضوا إلى معاناة بالغة. كيف نستطيع أن نطمئنهم حول مستقبلهم؟ وكيف نستطيع إقناعهم بالعودة إلى مناطقهم التي حررت بعد أن نزحوا منها؟
من سيقوم بإعادة إعمار هذه المناطق؟ ومن سيقوم بإزالة الألغام؟ ومن سيقوم بتوفير الخدمات الأساسية وإعادة بناء النسيج الاجتماعي القائم سابقا؟
أعتقد أن إعادة الإعمار سهلة بوجود الموارد المادية، إلا أن الأصعب من ذلك هو إعادة الثقة.
وبهذا الصدد، أود أن أوجه رسالة للمجتمع الدولي بأن يتعامل مع إقليم كردستان باحترام وتقدير. فلولا البيشمركة لكان «داعش» اقتحم مناطق جديدة. يجب أن يثمّن دور البيشمركة التي دافعت ليس فقط عن العراق، بل عن القیم الإنسانیة العلیا والعالم الحر.
* هل ناقشتم خطط ما بعد التحرير مع بغداد؟ وكيف ستتم إدارة المناطق المحررة وإعادة إعمارها؟
- السؤال هنا هو هل يعني دحر «داعش» في الموصل نهاية التنظيم الإرهابي؟ الجواب المختصر هو لا. نحن نعتقد أنه حتى قبل انطلاق تنفيذ الخطة العسكرية، كان يفترض أن تكون لدينا خطة سياسية، لما بعد التحرير وما بعد «داعش»، خاصة عندما يتعلق الأمر بمحافظة نينوى ومدينة الموصل، حيث كل القوميات والأديان والمذاهب تتعايش. لذلك، ينبغي التركيز على ما بعد التحرير، وسبل ضمان التعايش السلمي. وهناك أكثر من سيناريو لإدارة المحافظة بعد التحرير، بين الإبقاء على الإدارة القائمة حاليا، أو مناطق حكم ذاتي أو إدارة محلية، أو مبدأ اللامركزية في الإدارة. ونعتقد أنه يجب أن تركز بغداد على هذا الجانب، وليس فقط على عملية التحرير.
* هل أنتم قلقون من ضم الحشد الشعبي إلى القوات المسلحة العراقية؟
- يجب أن نكون منصفين هنا. عندما نتحدث عن الحشد الشعبي، يجب أن نتذكر دوره في محاربة «داعش» عندما كان على مشارف بغداد. آنذاك، أطلق سماحة السيد سيستاني نداء للشباب أن ينضموا إلى القوات العسكرية للدفاع عن البلد، وكانت النية صالحة والهدف الدفاع عن البلد. لكن، كما نجد قوات من الحشد الشعبي منتظمة ومنضبطة، نجد هناك قوات أخری خارجة عن الانتظام والانضباط.
أما اليوم، فقد تم تمرير قانون في البرلمان العراقي بضم الحشد الشعبي إلى القوات العسكرية ضمن إطار قانوني. لكن، هناك قلق حقيقي من بعض الجهات عن مستقبل هذه القوات. ويبقى السؤال هنا، هل نريد بناء عراق ديمقراطي قوي بمؤسساته ومجتمعه المدني الذي يركز على حقوق المواطن، أم نريد عراقا محكوما بنظام عسكري جديد لا يختلف عن السابق.
وفيما يوجد قلق حقيقي بهذا الصدد، إلا أن هذا الحديث سابق لأوانه لأن الحرب ضد «داعش» مستمرة، حتى بعد تحرير الموصل.
* انتقدتم ضعف تعاون حكومة العبادي حيال خطط إعادة الإعمار. حدثنا عن أبرز محاور الخلاف الأخرى.
- حكومة كردستان كانت في الخط الأمامي للجبهة للدفاع عن الإقليم والعراق ضد التهديد الوجودي الذي يطرحه «داعش»، وبسبب انهيار ما يسمى «جيش المالكي»، أصبحنا على خط جبهة بامتداد 1050 كيلومترا. كما تحول الإقليم بسبب الخطر «الداعشي» والأزمة السورية، إلى ملاذ لمليون و800 ألف بين نازحين ولاجئين سوريين.
رغم ذلك، ومع الأسف الشديد، لم تتعاون حكومة بغداد معنا بالمستوى المطلوب. لا من ناحية الدعم العسكري، ولا من جانب الدعم السياسي أو حتى توفير المستلزمات المطلوبة لخوض هذه الحرب أو للتعامل مع الأزمة الإنسانية الكبيرة التي نعاني منها.
يذكر أن بغداد قطعت الميزانية على كردستان منذ فبراير (شباط) 2014، ما أدى إلى وضع اقتصادي صعب للغاية في الإقليم منذ ذلك الحين وحتى اليوم. ولم تكتف بغداد بذلك، بل إننا لا نتسلم أي حصة من القروض الدولية التي تعطى للعراق، حتى مع برنامج البنك الدولي.
وكان قرار تجميد الميزانية الصدمة الأولى التي تلقيناها، إذ لم نتوقع أنه منذ تحرير العراق، أن تقبل بغداد التي کان من المفترض أن تكون شريكتنا في الحكم على هذه الخطوة. أما الصدمة الاقتصادية الثانية، فتشكلت من أكثر من جانب. الأول دخول الإقليم على خط النار مع «داعش»، والثاني استقبال ما يفوق عن المليون نازح ولاجئ، والثالث هبوط أسعار النفط.
وأود أن أشير إلى أن أهالي إقليم كردستان رحبوا بهذا الكم الهائل من النازحين رغم الصعوبات الاقتصادية التي يعانون منها، فقد سجلنا زيادة بنحو 30 في المائة من سكان الإقليم، ما أثر على الوضع الاقتصادي، وسوق العمل، وأسعار الإيجار والموارد الغذائية وغيرها. ويرى سكان الإقليم الذين عانى قسم منهم من النزوح في السابق، أن هذه مسؤولية مشتركة ويجب أن نساعد ونفتح أبوابنا لمن یلجأ وینزح إلينا.
الخلاصة، يجب أن نقرر ما إن كنا شركاء في الحكم أم لا. إذا كنا شركاء، فلنا حقوق وعلينا واجبات. وبالتالي، فإننا نعتقد أنه يجب عقد حوار جدي ومسؤول حول علاقة بغداد وأربيل بعد تحرير الموصل من «داعش».
* ذكرتم أنه يجب على بغداد تحديد ما إذا كانت تود معاملتكم كشريك. هل يمكن أن تطالبوا بالاستقلال إذا لم تستحب بغداد لمطالبكم؟
- بالنسبة لمستقبل العلاقات بين أربيل وبغداد، فإنه يعتمد على المحادثات بين الجانبين. حكومة إقليم كردستان ملتزمة ببدء مفاوضات مع بغداد بشأن الحق في تقرير المصير، بما في ذلك الاستقلال. نحن نريد أن يكون ذلك سلميا وأن يتم عبر الحوار.
* رئيس الوزراء حيدر العبادي زار الموصل والسليمانية قبل توجهه إلى واشنطن. ماذا كان الهدف من هذه الزيارات؟
- السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي كان يريد أن يحمل رسالة إيجابية إلى واشنطن قبل زيارته الأخيرة، مفادها أن العلاقات طبيعية. ولهذا الغرض، ذهب إلى الموصل لتفقد القوات العراقية وجاء إلى أربيل للقاء القيادة في الإقليم ثم ذهب إلى السليمانية للمشاركة في ملتقى السليمانية. وخطابه هناك لم يخض في التفاصيل، وإنما اكتفى بالخطوط العريضة وبأن أربيل وبغداد متفقتان على معالجة الأمور. ولكن هناك خلافات سياسية كبيرة، ويقتصر التعاون الآن على المستوى العسكري فقط.
* كيف تنظرون لسياسات إدارة الرئيس ترمب تجاه العراق وتجاه الإقليم؟
- نحن متفائلون، لكن يجب أن ننتظر رسم السياسة الجديدة في واشنطن، إذ إن الإدارة الأميركية لم تكتمل بعد حتى اليوم.
لكن هناك مؤشرات إيجابية فعلا، فقد اتصل نائب الرئيس المنتخب مايك بنس برئيس الإقليم مسعود بارزاني، وأكد له مواصلة الدعم. كما كان هناك لقاء مع بنس ووزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس في مؤتمر الأمن الدولي في ميونيخ، وكان طبعا هناك تأكيد للالتزام بالتعاون المشترك في محاربة الإرهاب.
* كيف تنظرون إلى الوضع في سوريا ودور الأكراد هناك؟
- الوضع السوري معقد أكثر من العراق. ففي العراق، هناك جبهة واضحة، أما في سوريا فالمشهد مربك ومتعدد الجوانب. في كردستان، نود أن نرى الأكراد موحدين وأن يتقاسموا رؤية واحدة وأن يعتمدوا موقفا ثابتا موحدا. لكن مع الأسف، هنالك تشتت بينهم وهناك أطراف فرضت إرادتها على الآخرين عن طريق التنسيق مع نظام دمشق، وينكر التواجد الفعلي للآخرين.
* كيف تقيمون علاقاتكم مع تركيا؟
- نحن سعداء بمستوى العلاقات بين الإقليم وتركيا. هناك تفاهم على المستوى السياسي، كما نتشارك علاقات جيدة على المستوى الاقتصادي، خاصة فيما يتعلق بالتعاون في مجال الطاقة.
إقليم كردستان مؤمن بإقامة علاقات جيدة مع جميع دول المنطقة وخارجها، فقد عانينا كثيرا في السابق من العزلة والحرمان، وحان الوقت لبناء علاقات جديدة مبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
* وزير الخارجية السعودي عادل الجبير زار بغداد مؤخرا. كيف تنظرون إلى هذا التقارب السعودي- العراقي؟
- علاقات الإقليم مع الدول العربية جيدة. لدينا تمثيل دبلوماسي لسبع دول عربية في كردستان، منها القنصلية العامة السعودية في أربيل. نحن كنا ولا زلنا ندرك أهمية الحوار العربي- الكردي وأن يتعرف الجانب العربي على الوضع في إقليم كردستان وعلى طموحه ودوره في المنطقة. لهذه الأسباب، نحن سعداء بهذا التقارب بين بغداد والرياض ونشجع مثل هذه العلاقات التي تصب في مصلحة الطرفين. لكننا نعتقد أنه ينبغي أن يكون هناك تواجد عربي أوسع في بغداد.
* اقتصاد الإقليم يعاني من تحديات عدة. حدثونا عن جهودكم لتنويع مصادر الدخل وتحسين معدلات النمو.
- في ظل التحديات الاقتصادية التي نواجهها، لا شك لدينا أن هذه فرصتنا لنعيد النظر في سياساتنا المالية والاقتصادية. وبدءا من عام 2014، بدأنا في تطبيق إجراءات تقشف عبر تقليص المصاريف الحكومية وإعادة هيكلة وزارة المالية والاقتصاد وإيقاف الدعم الحكومي. كما وجهنا اهتمامنا لتنويع الاقتصاد، وليس فقط التركيز على النفط والغاز، عبر تشجيع الاستثمار في مجالات الزراعة والصناعة والسياحة.
إلى ذلك، أطلقنا عملية التسجيل الإلكتروني لكل المواطنين الذين هم على قوائم مرتبات الحكومة في الإقليم، ما يساعدنا على التعرف على المستفيدين وتقليص النفقات الإضافية التي تثقل كاهل الحكومة وتشجيع الانخراط في القطاع الخاص.
ولإعادة الثقة بين الحكومة ومواطني الإقليم، كلفنا شركتي «ديلويت» و«أرنست أند يونغ» بإدارة إيرادات الطاقة بشكل شفاف وواضح.
* ما سبب زيارتكم إلى لندن؟
- في بريطانيا، قدمت لتدشين مركز دراسات كردستان في جامعة ليستر، الذي يهدف إلى إلقاء الضوء على وضع كردستان ومستقبله. وبعد ذلك، أتوجه للمشاركة في منتدى الشرق بإسطنبول، حيث سنناقش الحاجة إلى هندسة أمنية جديدة في منطقة الشرق الأوسط، نظرا للحاجة إلى إعادة الترتيب الأمني في المنطقة مع التغيرات التي تشهدها، ما يستدعي تفاهما بين دول المنطقة حول نظام أمني جديد يشارك فيه الجميع لمحاربة الإرهاب، ومعالجة أزمة اللاجئين واحترام سيادة الدول، والحفاظ علی الهويات القومية والدينية في المنطقة.



إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تدرج السفح الغربي لجبل الشيخ ضمن مناطق نفوذها في لبنان

دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)
دورية للجيش الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية في الجنوب (أ.ف.ب)

وسّع الجيش الإسرائيلي موجة إنذارات الإخلاء إلى السفح الغربي لجبل الشيخ، في تمدد غير مسبوق باتجاه منطقة حدودية مع سوريا لم تكن محتلة منذ العام 1985 في جنوب شرقي لبنان، وهو ما أثار موجة أسئلة عن خريطة الحركة الجديدة التي لا تقتصر على تقييد عودة السكان فحسب، بل تعيد توجيه ثقلها العملياتي نحو الشرق.

ويشير ضم الجيش الإسرائيلي لبلدة عين عطا ضمن تمددها إلى جبل كريستوباني، وهي تسمية إسرائيلية مستحدثة للمنطقة، إلى أن المعركة لم تعد محصورة في الجبهة الجنوبية التقليدية، بل تتجه تدريجياً إلى اختبار محاور بديلة باتجاه الحدود مع سوريا، قد تعيد رسم خطوط الاشتباك. وبدل أن تتحول الهدنة إلى مساحة استقرار، تبدو مرحلة لإعادة التموضع، وتقوم على ضبط الأرض جنوباً، وفتح احتمالات التصعيد شرقاً.

خريطة نشرها الجيش الإسرائيلي للمنطقة الحدودية مع لبنان (الجيش الإسرائيلي)

وعين عطا، تتبع إدارياً قضاء راشيا في محافظة البقاع، وتقع على مرتفع استراتيجي على الجانب اللبناني من سفح جبل حرمون، وهي منطقة اتصال بين الأراضي اللبنانية والأراضي السورية التي احتلتها إسرائيل في العام الماضي في شمال القنيطرة، وتشرف في لبنان على عمق استراتيجي يربط البقاع بالجنوب.

محررة منذ 1985

ويضع مصدر نيابي لبناني هذا التصعيد بالتحذيرات في إطار مختلف، معتبراً في حديثه إلى «الشرق الأوسط» أنّها «تندرج ضمن الضغط الذي يستهدف كل اللبنانيين، عبر توسيع رقعة القلق، وزرع حالة دائمة من الترقّب، والخوف»، مضيفاً: «إنّ المشروع التوسعي الإسرائيلي لا يستثني أحداً من حيث الاستهداف».

ويوضح المصدر أنّ إدراج عين عطا ضمن هذه التحذيرات «يثير تساؤلات جدية، لا سيما أنّ البلدة ليست من القرى التي خضعت للاحتلال في مراحل التسعينات، بل تُعدّ محرّرة منذ عام 1985»، مشدداً على أنّ «الحديث عنها بهذا الشكل يفتقر إلى الدقة، سواء من الناحية التاريخية، أو الميدانية».

أطفال يلهون في سيارة مدمرة بجنوب لبنان العام 1983 (متداول)

تبدّل في التفكير العملياتي

في قراءة أوسع لهذه المؤشرات، يضع رئيس «مركز الشرق الأوسط للدراسات» العميد الركن المتقاعد الدكتور هشام جابر هذا التصعيد ضمن سياق تحوّل في المقاربة العسكرية الإسرائيلية. ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنّ «الحديث عن منطقة جنوب عين عطا لا يمكن فصله عن القراءة العسكرية لطبيعة السيطرة النارية والاستكشافية التي يؤمّنها جبل الشيخ»، موضحاً أنّ «جبل الشيخ يوفّر إشرافاً بالنار والاستطلاع يمتد إلى البقاع الغربي، ومناطق واسعة من الجنوب».

ويشير إلى أنّ «إسرائيل بعدما لم تنجح في تحقيق تقدّم حاسم في الجنوب، بدأت تبحث عن محاور بديلة، من بينها البقاع الغربي، ومنطقة عين عطا تحديداً، لما لهذه المنطقة من أهمية عملياتية»، لافتاً إلى أنّ «هذا المحور كان مطروحاً سابقاً كخيار لهجوم بري محتمل، خصوصاً أنّ التقدّم من الجنوب أثبت تعقيداته الميدانية».

جرافات إسرائيلية معززة بدبابات عسكرية تنفذ أعمال هدم داخل الأراضي اللبنانية (إ.ب.أ)

ويضيف أنّ «السيناريو الأكثر ترجيحاً كان، ولا يزال، يعتمد على اختراق من جهة البقاع الغربي، نظراً لخصوصية هذه المنطقة من حيث الطبيعة الجغرافية والديموغرافية، فهي أقل تعقيداً من الجنوب، وأرضها أكثر انفتاحاً، ما يسهّل العمليات العسكرية».

توسعة بالتحذيرات

وتتزامن التحذيرات مع استمرار تمركز القوات الإسرائيلية خلال فترة وقف إطلاق النار، وتشمل طيفاً واسعاً من القرى، من الناقورة في جنوب غربي لبنان، إلى مرجعيون وكفرشوبا وعين عطا شرقاً، مروراً ببلدات محورية، مثل بنت جبيل، والخيام، وميس الجبل، إضافة إلى مناطق حيوية كنهر الليطاني ووادي السلوقي. وعلى الأرض، تتقاطع هذه الإنذارات مع معطيات ميدانية تشير إلى استمرار تمركز القوات الإسرائيلية داخل بعض النقاط، ما يحوّل الهدنة عملياً إلى مساحة ضبابية بين وقف النار واستمرار السيطرة.

وتتقدم منطقة عين عطا في هذه القراءة بوصفها نقطة مفصلية في أي سيناريو عسكري محتمل. ويشدّد جابر على أنّ «منطقة جنوب عين عطا تشكّل نقطة مفصلية في أي حسابات عسكرية، كونها مفرق طرق يربط بين البقاع الغربي وراشيا وحاصبيا والجنوب، وبالتالي فإن السيطرة عليها تفتح مسارات متعددة لأي تقدّم عسكري»، معتبراً أنّ «أهميتها تكمن في كونها عقدة مواصلات تتيح الانتقال نحو عدة اتجاهات في وقت واحد».

نازحون يعبرون جسراً مدمراً في طريق العودة إلى منازلهم في قرية طير فلسيه في جنوب لبنان (أ.ب)

ويشير إلى أنّ السيطرة عليها تتيح التحرك شرقاً نحو عمق البقاع، وجنوباً نحو حاصبيا والعرقوب، وغرباً باتجاه القرى الأساسية في البقاع الغربي، ما يمنح أي قوة مهاجمة مرونة عالية في المناورة، والتحكم بخطوط الإمداد». ويقول إنّ «التركيبة الديموغرافية المختلطة في هذه المنطقة تجعلها، عسكرياً، أكثر رخاوة من بيئة الجنوب».

ويرى أنّ «هذا السيناريو، في حال تحقّق، قد يؤدي إلى فصل البقاع الشمالي عن الجنوب، ما يغيّر موازين المعركة بشكل جذري، ويضع القوى المدافعة أمام تحديات لوجستية وميدانية أكثر تعقيداً».

الأهداف تتجاوز الميدان

لا يقتصر هذا التحوّل، وفق جابر، على البعد العسكري، بل يتعداه إلى أهداف سياسية واضحة. ويرى أنّ «إسرائيل، في حال دخلت واحتلت نقاطاً في هذه المنطقة، قد تتكبّد خسائر، لكنها تراهن على استخدام هذا التقدّم ليكون ورقة ضغط، ولفرض شروطها السياسية على لبنان، خصوصاً فيما يتعلق بسلاح (حزب الله) وترسيم الحدود». ويضيف أنّ «الهدف من أي تحرّك عسكري إسرائيلي لا يقتصر على المكاسب الميدانية، بل يتجاوزها إلى تحقيق أهداف سياسية، أبرزها الضغط على الدولة اللبنانية لفرض وقائع جديدة، سواء لجهة سلاح (حزب الله)، أو إعادة ترتيب الحدود الجنوبية».


ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
TT

ضياء العوضي... طبيب مصري أثار الجدل في حياته وبعد مماته

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)
الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (حسابه الرسمي على «فيسبوك»)

لم تمر وفاة الطبيب المصري ضياء العوضي في دولة الإمارات قبل بضعة أيام مرور الكرام، فالجدل دائر منذ أشهر حول شخصيته و«نظريته» التي يروج لها برفض العلاج عبر الأدوية التقليدية والاعتماد على نظام غذائي أطلق عليه «الطيبات».

ورغم تأكيد محاميه أن الوفاة «طبيعية»، وصدور بيان من وزارة الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، الثلاثاء، ذكر أن الوفاة التي حدثت في أحد فنادق مدينة دبي «جاءت طبيعية، ولا توجد أي شبهات جنائية، وجاءت بسبب جلطة مفاجئة بالقلب»، فإن ملابسات الواقعة تحولت إلى مادة جدل واسع على منصات التواصل الاجتماعي.

فالعوضي عُرف بآرائه المثيرة للجدل، مثل التحذير من تناول الأطفال الذكور الدواجن بزعم تأثيرها على «الرجولة»، وتفضيل الإفطار بـ«النوتيلا» على الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، إلى جانب التحذير من الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

العوضي عُرف بالترويج لما سمّاه «نظام الطيبات» رافضاً العلاج بالأدوية التقليدية (لقطة من لقاء تلفزيوني أجراه معه الإعلامي محمود سعد)

ولا تزال صفحات مؤيدة له تضم آلاف المتابعين تعيد نشر مقاطع له وتدافع عن منهجه في التغذية، ومن بين هؤلاء مدوِّنة تُدعى رشا حجازي، قالت إن الطبيب الراحل طوّر ما يُعرف بـ«دايت الأرز» الذي وضعه الطبيب الألماني - الأميركي والتر كيمبنر.

غير أن الطبيب والإعلامي المصري الدكتور خالد منتصر روى تفاصيل موقف وحيد جمعه مع العوضي، عبر منشور على «فيسبوك»، حين علّق الراحل بشكل عدّه منتصر «غير طبيعي» وحذره من «أكل البطيخ» مظهراً «ثقة زائدة»، ولفت منتصر إلى أن «تحويل الطبيب العوضي إلى تريند» على مواقع التواصل أسهم في «زيادة حضوره الإعلامي».

وشدد منتصر على أن الوفاة لا تنفي حق نقد «الآراء الطبية غير العلمية»، مؤكداً أن «توصية الطبيب الراحل بوقف الإنسولين أو مثبطات المناعة أو الكورتيزون بشكل مفاجئ يُعد جريمة طبية»، محذراً من أن ذلك يكرّس الجهل ويغذي من وصفهم بـ«سماسرة الوهم».

اتهامات وشطب عضوية

في السياق ذاته، أشار الدكتور أسامة حمدي، أستاذ الباطنة والسكر بجامعة هارفارد الأميركية، إلى ما وصفها بـ«أخطاء طبية جسيمة» نُسبت إلى الطبيب الراحل، تمثلت في الترويج لعلاج مرض السكري بزيادة تناول السكر، والدعوة إلى وقف الإنسولين حتى لمرضى النوع الأول، إضافةً إلى وقف الكورتيزون عن مرضى يعتمدون عليه.

وأوضح أن هذه الممارسات، وفق روايات طبية، أدت إلى مضاعفات خطيرة بينها حالات تسمم كيتوني ووفاة سيدة، محذراً من خطورة تجاهل الأسس العلمية في علاج الأمراض المزمنة، حسب منشور عبر صفحته على «فيسبوك».

وفي مارس (آذار) الماضي، قررت نقابة الأطباء المصرية شطب عضوية العوضي، بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدةً أن هذه الممارسات قد تمثل تهديداً مباشراً لصحة المواطنين.

كما شملت الاتهامات الترويج لأساليب علاجية غير معتمدة علمياً في التعامل مع بعض الأمراض المزمنة، وهو ما عدّته لجنة التأديب بالنقابة إخلالاً جسيماً بأصول المهنة وقواعدها الأخلاقية والمهنية.

ويعتقد الدكتور وسام إبراهيم حمودة، استشاري ورئيس قسم جراحات التجميل والحروق بجامعة بنها، أن «الأدوية العشبية والمنتجات الطبيعية قد تلعب دوراً في الوقاية من بعض الأمراض، إلا أن فاعليتها في العلاج أو تسريع التعافي لا تزال بحاجة إلى أدلة علمية حاسمة».

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «حسم هذا الجدل يتطلب جهوداً بحثية جادة تقودها مؤسسات علمية وشركات دواء عربية، لإنتاج دراسات موثوقة قادرة على الفصل في هذا الملف، في ظل غياب يقين علمي نهائي حتى الآن».

«منظومة مصالح» أم «منظومة تغذية»؟

ووسط الجدل الدائر حول منهجه، قال مصطفى ماجد، محامي العوضي في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ملابسات وفاة موكله تواكبت مع انقطاع التواصل مع أسرته قبل أيام. لكنه أكد أن سبب الوفاة «لا تتوفر به أي شبهة جنائية»، مشيراً إلى أنه تلقى إخطاراً هاتفياً من السلطات المصرية يفيد بأن «التحقيقات الجارية في الإمارات عزت سبب الحقيقي للوفاة إلى أزمة قلبية». وهو ما أوضحته وزارة الخارجية في بيان الثلاثاء.

وسبق أن وجّه وزير الخارجية، بدر عبد العاطي، القنصلية المصرية في دبي بـ«التواصل المستمر مع السلطات الإماراتية المختصة للوقوف على ملابسات الواقعة، ومتابعة الإجراءات ذات الصلة»، إلى جانب سرعة إنهاء الإجراءات اللازمة لنقل الجثمان إلى مصر.

المحامي مصطفى ماجد (صفحته الرسمية)

ورغم الإعلان لم ينقطع الجدل، إذ كتب أحد متابعيه، ويدعى علي محمد، معبّراً عن قناعته بأن العوضي واجه ما وصفها بـ«منظومة مصالح» داخل القطاع الطبي تشمل أطباء ومعامل وشركات أدوية. وزعم أن هذه المنظومة تستفيد من المرضى عبر الإكثار من الوصفات الطبية والفحوص، وترتبط بعلاقات دعائية وتسويقية مع شركات الأدوية.

غير أن هذه الفرضية يرفضها الدكتور أسامة حمدي الذي رأى أن وقوع الوفاة نتيجة «جلطة قلبية مفاجئة» كان «أمراً متوقعاً»، وكتب في منشور عبر حسابه في «فيسبوك»: «مع الأسف، لقد توقعت تماماً ما حدث له حين رأيت نحافته الشديدة والمستمرة، وفقدانه الشديد لعضلات فخذيه، وشحوب وجهه وتوتره، نتيجة لنظام غذائي صارم ينتهجه، ويمنع عنه -عن عمد- كثيراً من الفيتامينات والأملاح المعدنية، وكثيراً من الأحماض الأمينية المهمة للعمليات الحيوية في الجسم، مع استمراره في التدخين بشراهة رغم التحذيرات المعروفة والمثبتة علمياً».

رأي خبراء الاجتماع

ويُبدي علماء اجتماع شكوكاً في أن هذا الجدل يحمل قدراً مما يُعرف بـ«الافتعال الإعلامي»، وهي أيضاً رؤية الدكتور سعيد صادق، أستاذ الاجتماع السياسي بالجامعة الأميركية، الذي لفت إلى أن العوضي «لم يكن لديه منتج علمي أو طبي ملموس يبرر فرضيات الاستهداف أو المؤامرة، مثل حالات شهيرة لعلماء في عالمنا العربي».

وأضاف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «الانشغال الواسع بالقضية يعكس خللاً في ترتيب أولويات النقاش العام، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية التي يواجهها المواطن المصري»، مضيفاً أن «تضخم مثل هذه القضايا يرتبط بطبيعة الإعلام الرقمي وسعي بعض الصفحات وراء (التريند) لما يحققه من عوائد سريعة».

وانتهى إلى أن «ثورة السوشيال ميديا أعادت تشكيل بيئة الإعلام، وأصبح البحث عن الانتشار هدفاً رئيسياً لدى كثير من المنصات»، مؤكداً أن ذلك يؤدي إلى تضخيم قضايا هامشية على حساب ملفات أكثر أهمية وتأثيراً في المجتمع.


قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
TT

قمع حوثي متصاعد في إب... واستحداث سجون سرية

حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية من حملات القمع والاعتقالات في محافظة إب، في تطور يعكس تشديداً في القبضة الأمنية على واحدة من أعلى المحافظات اكتظاظاً بالسكان وأكبرها رفضاً لسلطة الجماعة الانقلابية، وذلك بالتزامن مع تحويل منشآت مدنية سجوناً سرية.

في هذا السياق، كشفت مصادر حقوقية عن استحداث الجماعة ما لا يقل عن 14 سجناً سرياً داخل منشآت مدنية وعسكرية في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، بينها مرافق رياضية وثقافية، في وقت ارتفع فيه عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، بينهم ناشطون وتربويون وشباب، في سياق حملة تستهدف كبح أي تحرك مجتمعي معارض.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن هذه الحملة تأتي ضمن استراتيجية أمنية أوسع تهدف إلى إحكام السيطرة على المحافظة التي ظلت، خلال السنوات الماضية، بؤرة احتجاجات صامتة ومفتوحة ضد ممارسات الجماعة، خصوصاً في ظل تدهور الأوضاع المعيشية وغياب الخدمات الأساسية.

وتفيد مصادر حقوقية بأن ما يسمى «جهاز استخبارات الشرطة»، الذي يقوده علي الحوثي، نجل مؤسس الجماعة، يقف وراء موجة اعتقالات جديدة طالت أكثر من 40 شاباً في مركز المحافظة وأريافها خلال الأسابيع الأخيرة. وبذلك يرتفع عدد المعتقلين إلى أكثر من 150 شخصاً، في ظل اتهامات فضفاضة تتعلق بدعم الحكومة الشرعية أو معارضة سلطة الجماعة.

أكثر من مائة معتقل يمني في إب دون تهم واضحة خلال العام الماضي (إعلام محلي)

وأكدت منصة «ضمير»، المعنية بتوثيق قضايا المعتقلين والمُخفَين قسراً، أنها رصدت نحو 150 حالة اختطاف خلال العام الماضي والربع الأول من العام الحالي، «ضمن خطة أمنية منظمة تستهدف وأد أي نشاط مجتمعي مناهض».

ولفتت إلى أن هذه العمليات لا تجري عشوائياً، بل وفق آلية تبدأ بـ«الرصد والمتابعة، ثم تنفيذ مداهمات ليلية، تنتهي باقتياد المستهدفين إلى أماكن احتجاز سرية، دون أوامر قضائية».

وتركز الحملة، وفق تقرير المنصة، على فئات محددة في المجتمع، في مقدمتها المدرسون والناشطون المجتمعيون، «خصوصاً في فترات تشهد تصاعداً في الغضب الشعبي أو قبيل المناسبات الوطنية، حيث يُخشى من تحول هذا السخط احتجاجاتٍ ميدانية».

سجون سرية

من أبرز ما كشفت عنه المصادر الحقوقية استخدام الجماعة الحوثية منشآتٍ مدنيةً، بينها مرافق رياضية وثقافية، مراكزَ احتجاز سرية، في خطوة تعكس توسعاً في البنية الأمنية غير الرسمية.

وتشمل هذه المواقع أجزاء من معسكرات، مثل «معسكر الحمزة» في منطقة ميتم، و«معسكر القوات الخاصة» بمنطقة شبان، و«معسكر اللواء55» في مديرية يريم، إلى جانب مبانٍ أخرى توصف بأنها «بيوت آمنة».

كما جرى توسيع سجن المخابرات المعروف باسم «الأمن السياسي»، ليضم أعداداً متصاعدة من المعتقلين، وسط تقارير عن استخدام أساليب تعذيب لانتزاع اعترافات، في ظل غياب أي رقابة قضائية أو حقوقية.

تحويل منشآت رياضية في إب سجوناً حوثية سرية للنشطاء (إعلام محلي)

ويثير تحويلُ المنشآت المدنية أماكنَ احتجازٍ مخاوفَ واسعة من تآكل ما تبقى من البنية المدنية في المحافظة، فضلاً عن تداعيات ذلك على الحياة الاجتماعية والثقافية، إذ كانت إب تُعرف قبل سنوات بأنها «عاصمة السياحة» في اليمن.

على وقع هذه التطورات، أعلنت منصة «ضمير» ما سمتها «قائمة العار»، التي تضم قيادات حوثية قالت إنها مسؤولة بشكل مباشر عن إدارة السجون السرية وحملات القمع في إب. وتهدف هذه الخطوة، وفق المنصة، إلى وضع هؤلاء تحت طائلة المساءلة القانونية مستقبلاً.

وتضم القائمة هادي الكحلاني، المعين مديراً لأمن المحافظة، ونائبه حميد الرازحي، ورئيس فرع ما يسمى «جهاز الأمن والمخابرات»، زيد المؤيد، إضافة إلى عدد من القيادات المحلية المتهمة بتنفيذ الاعتقالات والتغطية على الانتهاكات، من بينهم بكيل غلاب ويحيى القاسمي وعبد الباري الطالبي وأشرف الصلاحي.

وتشير المصادر إلى أن بعض هؤلاء يلعبون أدواراً مزدوجة، تجمع بين العمل الأمني والاستفادة المالية من ملف المعتقلين، عبر شبكات وساطة تبتزّ أسر الضحايا مقابل وعود بالإفراج، غالباً ما يتبين لاحقاً أنها زائفة.

اقتصاد الابتزاز

وفق شهادات حقوقية، تحوّل ملف المعتقلين في إب مصدرَ دخلٍ غير مشروع لبعض المتنفذين، حيث تُفرض على الأسر مبالغ مالية كبيرة مقابل تسهيلات مزعومة أو وعود بالإفراج. وفي كثير من الحالات، يُشترط على الأسر عدم التواصل مع وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.

ويرى ناشطون أن هذه الممارسات تعكس ما يصفونه بـ«نظام رهائن»، حيث يُعتقل الأفراد ليس فقط لأسباب سياسية، بل أيضاً لأغراض مالية أو نتيجة وشايات كاذبة. ويشمل ذلك مدرسين يطالبون برواتبهم، وشباباً يشاركون في فعاليات وطنية، وحتى أطباء وناشطين مدنيين.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك رشاشاً على متن عربة عسكرية (إ.ب.أ)

وفي ظل هذه التطورات، تتصاعد الدعوات من قبل ناشطين ومنظمات حقوقية إلى ضرورة تحرك عاجل من المجتمع الدولي لمحاسبة المسؤولين عن هذه الانتهاكات. ويؤكد هؤلاء أن تحويل المنشآت المدنية سجوناً سرية، وممارسة التعذيب، والإخفاء القسري، كلها تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.

كما يطالبون بفتح تحقيقات مستقلة، وضمان وصول المنظمات الدولية إلى أماكن الاحتجاز، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين دون تهم واضحة، ووضع حد لسياسات القمع التي تستهدف المجتمع المحلي في إب.

ويرى مراقبون أن ما يجري في محافظة إب يمثل نموذجاً مصغراً لسياسات أوسع تتبعها الجماعة في مناطق سيطرتها، حيث تُستخدم الأدوات الأمنية لإدارة المجتمع بالقوة، في ظل غياب مؤسساتِ الدولة وسيادةِ القانون.