الذكاء الصناعي يكتسح السوق... ويلغي 50 % من وظائف الاستثمار المالي

آلات تعمل إلكترونياً وتربح المليارات

الذكاء الصناعي يكتسح السوق... ويلغي 50 % من وظائف الاستثمار المالي
TT

الذكاء الصناعي يكتسح السوق... ويلغي 50 % من وظائف الاستثمار المالي

الذكاء الصناعي يكتسح السوق... ويلغي 50 % من وظائف الاستثمار المالي

كشف بنك غولدمان ساكس «أن عدد العاملين كوسطاء متداولين في مكتبه المخصص للتداول بالأسهم في نيويورك انخفض من 600 في عام 2000 إلى اثنين فقط حالياً».
وقال مسؤول التقنيات المصرفية والمالية في المصرف مارتن شافيز، خلال ندوة عقدت مؤخراً في هارفارد إن «المكتب تم ميكنته بالكامل، وفيه مائتا مهندس كومبيوتر باختصاصات رياضيات مالية، وتقنيات تداول آلية لإدارة أنظمة في غاية الدقة والفاعلية».
وخلال الندوة التي شارك فيها عدد من ممثلي البنوك الاستثمارية الكبيرة تم ذكر بعض الأرقام عن التحول السريع في التداول الإلكتروني الذي بات يتحكم فيما نسبته 99 في المائة من تدفقات التداول لدى غولدمان ساكس، مقابل متوسط 75 في المائة في البنوك الأخرى المتعاملة في الأسهم، أما متوسط التعامل الإلكتروني بعموم الأصول (أسهم وغيرها) فيبلغ حاليا نحو 45 في المائة.
هذا التحول الجذري ليس مدفوعاً فقط بالتطور الطبيعي لاستخدام الخوارزميات الحاسوبية في مختلف القطاعات، بل بهاجس زيادة الفاعلية وخفض التكلفة. وللتوضيح، يؤكد مكتب «إيموليمونت» العالمي المتخصص في رواتب الوظائف «أن متوسط تكلفة وسيط التداول المحترف بين رواتب ومكافآت تصل إلى 600 ألف دولار سنويا، بينما لا تتجاوز تكلفة مهندس التداول الإلكتروني مائة إلى 150 ألف دولار سنويا». أما شركة «بوسطن كونسلتنغ غروب» فتشير إلى «أن أعلى تكلفة كانت تتكبدها بنوك وشركات الاستثمار هي تلك المخصصة للموظفين محترفي الوساطة والتداول والاستشارات المالية، حتى وصلت هذه المصروفات إلى 40 في المائة من الإجمالي».
ويقول مصدر من معهد المحللين الماليين المعتمدين في الإمارات إن «الآلات تحل تدريجياً محل الكوادر البشرية لا سيما في عمليات المقاصة والتسويات والمدفوعات وتنفيذ العقود، وهي الآن أقدر وأسرع من البشر في المراجعة والتدقيق وتحليل البيانات وتصحيح الأخطاء».
ومع تقدم ما بات يسمى بالإدارة الآلية للثروات، تتوقع دراسة لمكتب كواليشن للدراسات والاستشارات المالية «إلغاء 50 في المائة من وظائف تجارة الأسهم والعملات في الشركات والبنوك الكبيرة». وتشرح الدراسة تحديات هذه الصناعة التي عصفت بها أزمة 2008، مشيرة إلى القواعد الصارمة التي باتت تحكم هذا القطاع بعد سلسلة فضائح التلاعب والغش والمخاطر غير المحسوبة والمنتجات المالية المسمومة.
وتقول الدراسة: «المسألة تتجاوز التداول الإلكتروني الذي أثبت نجاحه منذ سنوات، نحن اليوم عشية ثورة تقنية مالية عالمية مع قدوم منصات إلكترونية مستقلة عن أي حضور بشري، تعمل ببرامج كومبيوتر وتتخذ وحدها قرارات الشراء والبيع، هي عبارة عن منصات بذكاء صناعي أظهرت تجاربه الأولى مؤشرات واعدة. أي أن الأمر متجه ليس إلى مزيد من التداول الإلكتروني بوتيرة عالية كسبا للوقت والحجم فقط، بل إلى آلات تعمل باستقلالية كاملة لتتخذ قرارات بالمليارات وذلك بعد برمجتها بالمعطيات اللازمة».
وتغزو الآلات المبرمجة أيضاً قطاع الاستشارات المالية. ففي شركة «ليودز بلانكفين» على سبيل المثال برنامج حاسوبي يجيب على 65 مليون سؤال محتمل، بعد أن يراجع في دقائق معدودة قاعدة بيانات ضخمة لديه تشمل الاقتصاد والسياسة والاجتماع والبيئة، وغيرها من القطاعات التي تدرس ويتم تحديث معلوماتها دورياً، ثم يجري إدخال بياناتها ومعطياتها وإحصاءاتها وأحداثها وتقلباتها... وهي بعد برمجتها تحل محل جيش من المستشارين. ويقول المبرمج الشاب دانييل نادل في مقابلة مع صحيفة «نيويورك تايمز»: «باستطاعة البرنامج أن يعطيك في دقائق قليلة كمية معلومات هائلة ردا على سؤال مثل: ما أثر الأزمة السورية على أسواق المال الآن؟». ويضيف: «لإجراء دراسة كهذه قد نحتاج إلى 40 مستشاراً ودارساً متخصصاً، لكن هذا البرنامج يغنيك مبدئياً عن معظم أو كل هؤلاء، علماً بأن الشخص من محترفي هذا المجال حول العالم يتقاضى بين 350 إلى 500 ألف دولار سنوياً، ويطلب 40 شخصا يومياً على الأقل للإجابة على سؤال مثل أثر حرب سوريا على أسواق الأسهم الدولية».
ويضيف دانييل كواريس الشريك في شركة «تك فاينانس» «إنه رداً على سؤال واحد ستحصل على أجوبة مختلفة من المستشارين التقليديين، أما المنصات المبرمجة والمزودة بكل تاريخ وحاضر الأسواق وبيانات الاقتصادات وتطور مؤشراتها، فستعطيك أجوبة محددة متشابهة ليسهل عليك القرار».
ويقوم المستشار الافتراضي (روبو أدفايزر) أولاً بطرح مئات الأسئلة على العميل ليحدد شخصيته وميوله الاستثمارية ومدى قبوله بالمخاطر، إضافة إلى ثروته والمبالغ التي يخصصها للاستثمار المالي والمدى الزمني للاستثمار وهوامش العوائد المطلوبة بين الأعلى والأدنى، كما يجمع من العميل معلومات عن الأسواق التي يثق بها والأصول التي يرغب فيها، والتنويع في تخصيص الأموال في عدد من القطاعات... وما إلى ذلك من المعلومات حتى يستطيع المستشار الافتراضي تقديم النصيحة المناسبة، ثم يترك للعميل خيار الأخذ بها من عدمه، كما يتم الأخذ بها لينفذها بنفسه أو يقبل أن ينفذها البرنامج الآلي نيابة عنه، على أن يتم الاتفاق على مراجعة دورية للنتائج وتصويب المسارات عند الطوارئ. ويتلقى العميل تنبيهات وتحذيرات يومية ليكون متابعاً للأداء أولاً بأول.
لكن الذكاء الصناعي لن يقتصر دخوله على التداول والاستشارات بحسب مارتن شافيز (غولدمان ساكس) الذي يجزم بأن القادم من التطور سيكشف عن قدرة الآلات على القيام بما هو من اختصاص البشر فقط مثل التواصل والعلاقات العامة والإقناع والتسويق والبيع المباشر! ويضيف «هناك الآن 146 عملية متتالية أو متواكبة تحضيراً لإدراج سهم في البورصة، لكن البرامج الكومبيوترية بدأت تختزل من مراحل تلك العملية الطويلة والمعقدة لتجعلها أسهل وأسرع حتماً».
وورد في دراسة أجرتها إرنست آند يونغ «أن التجارب أظهرت أن الأمر سهل جداً بوسائل رقمية مائة في المائة، وبأسعار أو عمولات لا تذكر قياساً بتلك التي يتقاضاها المستشارون الماليون العاديون». ويذكر في هذا المجال أن عمولات منصات إلكترونية مثل «وويلث فرونت» و«بيترمونت» و«شواب» تتراوح بين 0.25 في المائة و0.75 في المائة فقط مقابل واحد إلى اثنتين في المائة في صناعة إدارة الأصول بطريقة تقليدية، وبذلك يكون الفارق قد يصل إلى 8 أضعاف.
الرئيس السابق لبنك باركليز يشاطر من جهته توقعات انخفاض عدد الوظائف في عالم تداول الأسهم والاستشارات، ولا يستبعد صرف 20 في المائة من الوسطاء والمستشارين في المدى القصير ثم نحو 50 في المائة في المديين المتوسط والطويل، بسبب البرامج الكومبيوترية التي تتطور بسرعة مذهلة. أما إيلي فرح الشريك في شركة أوليفر وايمن فيحذر من عدم الإسراع في التحضير لمرحلة قريبة ستصل لا محالة ولا يحتاج فيها العميل إلا إلى كبسة زر. ويتوقع تطوراً إضافياً كبيراً في هذا المجال في غضون 3 سنوات، لكن التحدي الأكبر برأيه يبقى في القواعد القانونية التي يجب أن تواكب هذا التحول الجذري في صناعة إدارة الأصول.
وفي موازاة قدوم هذه المنصات وبدء نجاح الخوارزميات في إدارة أصول بالمليارات، تحتدم المنافسة الآن بين البنوك وشركات الاستثمار المالي لاعتماد مزيد من هذه الحلول الإلكترونية؛ لأنها تخفض التكلفة في قطاع يشهد على شراسة السباق لاستقطاب عملاء باتوا أقل ميلاً أو قبولاً لمنح عمولات عالية لقاء إدارة أصولهم وأموالهم. فمنذ أزمة 2008 تراجعت ربحية العمولات والرسوم على نحو كبير بعدما اكتشف عدد كبير من أصحاب الثروات سوء أداء من كان يدير أموالهم.
في المقابل، أكد مصدر من معهد المحللين الماليين المعتمدين في الإمارات «أن الحجم الأكبر من الثروات في العالم مملوك لأغنياء يفضلون المستشارين المباشرين، وقلما يقبل هؤلاء مبدأ إدارة أموالهم بمنصات إلكترونية مستقلة». ويوضح «أن بعض كبار الأثرياء لا يفضلون القوالب الجاهزة، لأنهم يعمدون أحياناً إلى الاستثمار التكتيكي المستفيد من ظروف الأسواق المتقلبة الكاشفة عن فرص لا تكتشفها الآلات، بل يستشعرها الوسطاء الأذكياء فقط». كما أن الأسواق تجهل المنطق أحيانا، وتتحرك صعوداً أو هبوطاً بقوى دفع المشاعر والأحاسيس البشرية، لا سيما مع حالات التفاؤل المفرط الصاعدة بالمؤشرات إلى قمم لا يمكن لأي كومبيوتر توقعها، أو حالات الهلع الجارفة التي يتصرف فيها الجميع بقرار واحد، فتهبط المؤشرات إلى حضيض أدنى بكثير من القيم العادلة للأسهم.



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.