لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

الفيلسوف يلبس قناعاً ليكتب في زمن الرقابة

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها
TT

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

لو لم يتحايل غاليليو لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها

لا تجد الفكرة الثورية قبولاً سريعاً عند الناس إلا بعد نضال طويل. فدائماً تكون الفكرة السابقة عليها مهيمنة ومتغلغلة في نسيج الذهن، إلى درجة أن اقتلاعها أو تغييرها يكون عسيراً جداً. ومن جهة أخرى، يكون ثمن ميلاد الأفكار الجديدة باهظاً على حامليها؛ إذ إن الجماعة العلمية المتشبثة بالأفكار القديمة، لها من السلطة والقوة بحيث تهاجم كل من يقول بعكس ما هو مألوف. لأن الأمر، أحيانا، يهدد مصالحها التي اكتسبتها عبر الزمن. لهذا نجدها تجيش الجمهور ضد كل من يقول بالجديد المشوش على السير المعتاد للأمور. وأحياناً تلجأ هذه الجماعة العلمية بدعم من السلطة، التي دائماً تتزاوج معها ما دامت تشكل الغلاف الآيديولوجي الذي تجري به تعبئة الناس، إلى توجيه الاتهامات إلى المجددين بـالمروق، والخيانة، وإفساد عقول الشباب، والطعن في ثوابت المجتمع، وغير ذلك. وكل هذا يضع ممثلي الأفكار الجديدة في مآزق كبرى. فهم يكونون بين المطرقة والسندان، بين جاذبية الجديد وسحره وإغرائه، باعتباره المثال والخلاص والأمل المنشود بعد طول احتقان، وبين المخاوف من الرقابة وتهديدها لحياتهم. فالمعركة فيها قطع رقاب وتهديد لحق البقاء. فيكون حامل الفكر الثوري ما بين ثلاثة اختيارات، أو لنقل إن هؤلاء الثوريين، هم ثلاث فئات، وهي:
الفئة الأولى: ترضخ للقديم وتقبل بالمعتاد، وتطيع الجماعة العلمية المهيمنة، طلباً للسلامة وإبعاداً للذات عن كل سوء.
الفئة الثانية: تدخل في المواجهة بشكل علني وتجعل الذات قرباناً للمثال المنشود.
الفئة الثالثة: تلجأ إلى التحايل وتمرير الخطابات بشكل سري، والتلميح عوضاً عن التصريح. بعبارة أخرى، يعمد حامل الثورة إلى التحرك بقناع، أي أنه يقوم بارتداء أزياء تنكرية مضمراً تصوراته، وآنذاك، ما على اللبيب إلا أن يقرأ ما تحت السطور ليفهم المقصود.
إذن في لحظات الذروة، حيث المنعطفات التاريخية والانقلابات في تصور الإنسان للعالم، تكون عيون الرقابة على أشدها، لأن الجماعة العلمية الحاضنة للآيديولوجية السائدة تكون خائفة، كما قلنا، على نفسها من الضياع والاندثار. ولمزيد من إلقاء الضوء على هذه اللحظات، سنحاول أن نقف عند نموذج صارخ من الفلاسفة، كتب والخوف يسكن قلبه، واختار أن يكون من الفئة الثالثة، أي من الذين لجأوا إلى التحايل والكتابة المقنعة، إنه «ديكارت» وهنا بيان ذلك:
الفيلسوف المقنع
نشر كوبيرنيكوس في سنة 1543 وهو على فراش الموت، كتاباً هو «في دوران الأجرام السماوية». وهو كتاب يضم نظريته المعروفة بمركزية الشمس. وهي الفكرة التي تم قبولها، بداية، من طرف الكنيسة، نظراً لطابعها الافتراضي، ولما ستسديه من ضبط في التقويم والحسابات الفلكية وتجاوز لعيوب الفلك القديم. لكن الأمر سيلتقطه مغامر وثائر وعبقري، هو مؤسس الفيزياء الحديثة غاليليو (1564 - 1642)، الذي دخل وبعناد شديد، في نزاع مع الكنيسة لمدة عشرين سنة دفاعاً عن الكوبرنيكية. بل هو من زج بها بشكل علني، في الصراع، ببحثه عن الدلائل الملموسة وليس الرياضية فقط، لإثبات مركزية الشمس. ولم يكتف بذلك، بل عمد إلى الكتابة بالإيطالية بدل اللاتينية، لجعل أفكاره تصل إلى عامة الناس، ما كلفه محاكمة مست بكرامته وهو شيخ عجوز، وجعلته يقضي ما تبقى من عمره في إقامة جبرية. وهو ما أثر أيضاً على الفيلسوف ديكارت المعاصر له، الذي طارده شبح غاليليو؛ حيث كان يعتزم إصدار بحثه «العالم»، أو «بحث في الضوء» في سنة 1634. ولكنه بعد أن سمع ما حدث لغاليليو، بسبب تأييده العلني لكوبرنيكوس، قرر أن يحرق أوراقه كافة، أو الاحتفاظ بها لنفسه على الأقل، من دون أن يدع أحداً يطلع عليها. ففي كتابه هذا، يدافع عن دوران الأرض. كان ديكارت لا يريد البتة الدخول في نزاع مع الكنيسة. بل كان يتودد لها عله يربح رهان تعويض الفكر القديم الأرسطي، بفلسفة جديدة ملائمة. الأمر الذي جعله يمسك عن نشر الكتاب الذي لم ير النور إلا بعد وفاته بأكثر من ربع قرن. ولنترك ديكارت يعبر عن مخاوفه في رسالة نهاية نوفمبر (تشرين الثاني) 1633، إلى صديقه الأب مرسن:
يقول فيها: «... أرسلت من يتحرى لي عما إذا كان كتاب (نظام العالم) لغاليليو موجوداً في ليد وأمستردام، لما سمعت من أنه قد طبع في إيطاليا في السنة المنصرمة، جاءني الخبر بأن الكتاب طبع فعلا، ولكن جميع النسخ التي طبعت منه أحرقت في الوقت ذاته بروما، فيما حكم على غاليليو ببعض الغرامة. وهذا ما أدهشني كثيراً، إلى حد أني عقدت العزم أو أكاد على إحراق جميع أوراقي، أو عدم إطلاع أي شخص عليها على الأقل».
ويستمر ديكارت في حديثه: «إني لا أتصور كيف أمكن أن يحال غاليليو، وهو الإيطالي، بل والمرغوب من طرف البابا، على محكمة جنائية، لا لشيء سوى أنه أراد، من دون ريب، أن يثبت حركة الأرض...».
ليصرح ديكارت بعد ذلك، وبعبارة واضحة جدا: «إني لأعترف بأنه إذا كانت فكرة حركة الأرض خاطئة، فإن جميع أسس فلسفتي ستكون باطلة كذلك». ثم يضيف أيضا: «وبما أني لا أحب أن يصدر عني، بأي حال من الأحوال، خطاب به أدنى كلمة مما تستنكره الكنيسة، فإني لأفضل أن ألغي كتابي هذا، على أن أصدره (مبتوراً) معطوباً».
وفي نهاية رسالته، يرجو ديكارت صديق طفولته في مدرسة لا فليش «مرسن» قائلا: «أرجوكم أن تخبروني أيضاً عما تعرفونه عن قضية غاليليو».
وفي رسالة أخرى إلى مرسن، أيضا، في أبريل (نيسان) 1643، يقول: «إنك تعلم من دون شك، أن غاليليو قد أدين منذ وقت قصير، من قبل محكمة التفتيش، وحكم على رأيه المتعلق بحركة الأرض بأنه بدعة...».
ثم يقول أيضا: «ولكني سأقول لك إن كل الأشياء التي شرحتها بمصنفي، ومن بينها، أيضا، هذا الرأي المتعلق بحركة الأرض، يرتبط بعضها ببعض، إلى درجة يكفي معها أن تكون واحدة خاطئة حتى نعلم أن كل الحجج التي اعتمدتها فيه واهية. وعلى الرغم من اعتقادي بأن (هذه الحجج) ترتكز على براهين جد يقينية، وجد جليّة، فإني مع ذلك، لا أريد مهما كان الأمر، أن أؤكدها ضد سلطة الكنيسة...» وعندما قرر ديكارت معاودة الكتابة ثانيا، قال لأصحابه إنه سيتحرك مقنّعا.
إذن، وجراء الخوف من الاصطدام بالكنيسة والجماعة العلمية التي تشتغل في ظلها، والتي تدافع بقوة عن الأطروحة الفلكية القديمة، قرر ديكارت أن لا يكتب بصريح العبارة، بل قرر أن يلجأ إلى أسلوب التلميح. ولتوضيح ذلك، نعطي مؤشراً واحداً وقوياً وهو التالي:
إن القارئ لكتاب «تأملات ميتافيزيقية»، سيعتقد للوهلة الأولى، أن الكتاب يدافع عن الإيمان بالله وبخلود النفس من أجل أغراض لاهوتية. لكن ديكارت كان آخر همه ذلك. فبالنسبة له، فإن مسألة وجود الله وخلقه للعالم، ومسألة خلود النفس، هي مسائل عبارة عن تحصيل حاصل، وأمر مسلم به، ولا يستحق كل ذلك العناء الذي أنجز عبر التاريخ لإثباته، بينما في الحقيقة، كان أكبر همه هو إيجاد أرضية ميتافيزيقية للفيزياء الميكانيكية الناشئة آنذاك، والتي تزعمها غاليليو فلنشرح ذلك:
يصرح ديكارت لصديقه مرسن عن نواياه الحقيقية التي لم يكن يجهر بها: «أقول لك فيما بيننا إن هذه التأملات الستة تتضمن كل الأسس الفيزيائية، لكن يجب كتمان ذلك»، كما أن ديكارت سيعطي لكتابه عنوانين مختلفين. ففي الطبعة الأولى جاء العنوان: «تأملات في الفلسفة الأولى حيث البرهنة على وجود الله وخلود النفس»، وبه إهداء لعمداء اللاهوت بباريس يقول فيه: «وإن كان يكفينا التسليم نحن معشر المؤمنين، بأن ثمة إلهاً وبأن النفس البشرية لا تموت بموت الجسم، فمن غير الممكن أن نجعل الكافرين يسلمون بحقيقة دين ولا حتى بفضيلة أخلاقية، إذا كنا لا نثبت لهم أولا، هاتين المعضلتين بالعقل الطبيعي».
أما عنوان الطبعة الثانية، فكان: «تأملات في الفلسفة الأولى حيث البرهنة على وجود الله والتمييز بين النفس الإنسانية والبدن». وهو موجه للفلاسفة الجدد، أمثال صديقه إسحاق بيكمان، الذي كان يسعى إلى تأسيس الفيزياء على أساس رياضي.
من هذا التغيير، يظهر أن ديكارت لم يكن مهتماً بقضية خلود النفس، التي تعطي الأمل في حياة ثانية بعد الموت. فهذه القضية لم تعد تشغله أبداً. بل كان أكبر همه هو التأسيس لمبدأ «القصور الذاتي»، وإعلان التمايز بين الجسد والنفس، ليس لإغراض لاهوتية بل لأغراض علمية بحتة.
كان ديكارت مؤمناً، لكنه أراد أن ينشئ فلسفة جديدة تتلاءم والمتغيرات العلمية في زمانه. ولما أحس أن طريقته غير مسموح بها دينياً، اختار طريقاً متحايلاً وذكياً، فكتب بقناع وبمراوغة، واستطاع أن يمرر الكثير بغطاء يبدو أنه دفاع عن الدين ولكن هو في الحقيقة دفاع عن العلم الحديث. فعلاقته بالكنيسة كانت استراتيجية فقط. فالفلسفة عنده ليست خادمة للدين بل خادمة للعلم الناشئ.
لقد كان ديكارت يكتب وهو خائف، إلى درجة أنه أصدر كتابه «مقال في المنهج» من دون توقيعه. ومما يثبت أيضاً فزعه من الرقابة، أنه كان لا يفصح عن عنوانه، ويعطي فقط عنوان ناشره أو أحد أصدقائه. بل بعض كتبه لم تنشر إلا بعد موته، ونقصد كتاب «العالم» وكتاب «المحاورة». ناهيك عن أنه كان يحرص على أن يقرأ رجال الدين كتاباته قبل النشر. والأكثر من ذلك، نحن نعلم أنه هاجر إلى هولندا باعتبارها بلد الأمن والتسامح آنذاك، وعاش فيها خلوة لمدة عشرين سنة.
إن ممارسة ديكارت للتقية مع الكنيسة، كان هدفه إتمام مشروع علمي وفلسفي لا يريده أن يتعطل. نعم يتهم البعض ديكارت بالجبن، إلى درجة رواج قضية في العصر الراهن سميت «صمت ديكارت» على أساس عدم دفاعه عن غاليليو. لكن لو لم يتحايل فأكيد لما بلغتنا كتبه ولأجهضت ثورة بكاملها.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».