«تقرير أوبك» يهبط بأسعار النفط... وتصريحات سعودية «تعدل الأوضاع»

المخزونات تواصل الارتفاع... وروسيا تشير إلى «عوامل ضغط» أميركية

عامل في حقل الشيبة النفطي بمحافظة البصرة العراقية يفحص الصمامات والأنابيب للتأكد من خلوها من الأعطال (رويترز)
عامل في حقل الشيبة النفطي بمحافظة البصرة العراقية يفحص الصمامات والأنابيب للتأكد من خلوها من الأعطال (رويترز)
TT

«تقرير أوبك» يهبط بأسعار النفط... وتصريحات سعودية «تعدل الأوضاع»

عامل في حقل الشيبة النفطي بمحافظة البصرة العراقية يفحص الصمامات والأنابيب للتأكد من خلوها من الأعطال (رويترز)
عامل في حقل الشيبة النفطي بمحافظة البصرة العراقية يفحص الصمامات والأنابيب للتأكد من خلوها من الأعطال (رويترز)

هبطت أسعار النفط أمس، بعد أن أظهر التقرير الشهري لمنظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، أن السعودية رفعت إنتاجها في فبراير (شباط) الماضي بأكثر من ربع مليون برميل يوميا، لكن الأسعار عادت وصعدت إلى حد ما بعد تصريحات لمصدر على دراية بسياسة الإنتاج السعودي، أوضح فيها أن زيادة المملكة لم تكن موجهة للسوق العالمية.
وانخفضت الأسعار إلى أدنى مستوى في ثلاثة أشهر أمس، مع إعلان أوبك عن زيادة مخزونات الخام في الدول المتقدمة فوق متوسط خمس سنوات في يناير (كانون الثاني) رغم تخفيضات الإنتاج التي ينفذها بعض كبار المصدرين في العالم. ومما زاد من الهبوط هو إعلان السعودية أن إنتاجها ارتفع فوق 10 ملايين برميل يومياً، رغم أنه لا يزال ضمن حدود الاتفاق مع أوبك، حيث تعهدت المملكة بإنتاج 10.058 مليون برميل يومياً. وتفاعلت السوق مع تصريحات أخرى من الكويت، حيث حذر وزير النفط الكويتي، عصام المرزوق، برلمان بلاده أمس، من أن الأسعار قد تصل إلى 45 دولارا هذا العام مع ارتفاع النفط الصخري. كما قالت أوبك، التي خفضت الإنتاج أكثر مما تعهدت به العام الماضي في تقريرها الشهري، إن إنتاج النفط الصخري الأميركي وإنتاج المنتجين من خارج أوبك آخذ في الارتفاع.
وبحلول الساعة 13:21 بتوقيت غرينتش، انخفضت العقود الآجلة لخام القياس العالمي مزيج برنت 67 سنتا إلى 50.68 دولار للبرميل، بعد أن لامست مستوى 50.55 دولار للبرميل في وقت سابق من الجلسة، وهو أدنى مستوياتها منذ 30 نوفمبر (تشرين الثاني).
وهبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 82 سنتا إلى 47.58 دولار للبرميل بعدما تراجع خلال الجلسة إلى 47.47 دولار، وهو أدنى مستوياته منذ نوفمبر أيضا.
وتخلت أسعار النفط تقريبا الآن عن معظم المكاسب التي حققتها منذ قالت أوبك في 30 نوفمبر، إنها ستخفض الإنتاج. لكن الأسعار تحسنت مرة أخرى مع الساعة الثالثة والنصف بتوقيت غرينتش، بعد أن خرج مصدر على دراية بسياسة الإنتاج السعودي في تصريحات نشرتها «بلومبيرغ»، قال فيها إن كل الزيادة التي شهدها إنتاج المملكة في فبراير ذهبت للمخزونات المحلية ولم يتم تصديرها. وفي الوقت الذي قالت فيه مصادر أوبك الثانوية، إن إنتاج النفط السعودي هبط في فبراير شباط إلى 9.797 برميل يوميا، أبلغت السعودية أوبك أن إنتاجها زاد إلى 10.011 مليون برميل يوميا، وهو ما سيخفض مستوى الالتزام. وتستخدم أوبك مجموعتين من البيانات لرصد الإنتاج، وهي الأرقام التي تقدمها كل دولة وتلك التي تقدمها المصادر الثانوية والتي تتضمن وسائل إعلام مهتمة بالقطاع. ويرجع ذلك إلى إرث من الخلافات القديمة بشأن مستويات الإنتاج الحقيقية. وأكد المصدر المقرب من السعودية لـ«بلومبيرغ»، أن المملكة ملتزمة باتفاق أوبك، كما أنها تتوقع هبوط المخزونات في الربع الثاني من العام الجاري، بسبب الالتزام العالي باتفاق أوبك.
وقالت أوبك، في تقريرها أمس، إن مخزونات النفط تواصل الارتفاع رغم بدء سريان اتفاق عالمي لخفض الإمدادات، ورفعت توقعاتها للإنتاج من خارج المنظمة في 2017، بما يشير إلى تعقيدات تواجه جهود التخلص من تخمة المعروض. وتخفض أوبك إنتاجها بنحو 1.2 مليون برميل يوميا اعتبارا من الأول من يناير، وهو أول خفض في ثماني سنوات. ووافقت روسيا وعشرة منتجين آخرون على خفض إنتاجهم بما يصل إلى نصف تلك الكمية. لكن أوبك قالت، في تقريرها الشهري، إن مخزونات النفط في الدول الصناعية زادت في يناير لتبلغ 278 مليون برميل فوق متوسط السنوات الخمس. وبلغ فائض الخام 209 ملايين برميل، والباقي من المنتجات المكررة.
وقالت أوبك في التقرير: «رغم تخفيض الإنتاج، فإن المخزونات تواصل الارتفاع ليس في الولايات المتحدة فحسب لكن أيضا في أوروبا... إلا أن الأسعار حصلت من دون شك على دعم من اتفاقيات الإنتاج». وهبطت أسعار النفط بعد صدور التقرير إلى ما يقرب من 50 دولارا للبرميل، وهو أدنى مستوياتها منذ نوفمبر. وما زال الخام مرتفعا من نحو 40 دولارا للبرميل في الفترة نفسها قبل عام، ومن 27 دولارا للبرميل وهو أدنى مستوى في 12 عاما الذي سجله في يناير 2016. وأشارت أوبك، في التقرير إلى زيادة في امتثال أعضاء المنظمة باتفاقهم لخفض الإنتاج.
وهبط إنتاج أعضاء أوبك الأحد عشر بموجب الاتفاق إلى 29 مليونا و681 برميلا يوميا الشهر الماضي، وفقا لبيانات من مصادر ثانوية اعتادت أوبك على استخدامها لرصد الإنتاج. وأبقت أوبك على توقعاتها بأن مخزونات النفط ستبدأ في الهبوط بفضل خفض الإنتاج، قائلة إن «من المتوقع أن تبدأ السوق في استعادة توازنها أو أن تشهد حتى انخفاضا للمخزونات» في النصف الثاني من العام. ورفعت أوبك توقعاتها للطلب العالمي على النفط في 2017، وقالت إن الطلب على خامها سيبلغ في المتوسط 32.35 مليون برميل يوميا - بما يفوق الإنتاج حاليا - مما يشير إلى هبوط المخزونات إذا لم يزد الإنتاج.
من جهة أخرى، أعلن وزير التنمية الاقتصادية الروسي، مكسيم أوريشكن، أمس الثلاثاء، أن آفاق إجراءات «أوبك» ونمو الإنتاج في الولايات المتحدة الأميركية يشكلان ضغطا على أسعار النفط.
وقال المسؤول في تصريح صحافي: «توجد مجموعة من عوامل نمو إنتاج النفط بشكل كبير في الولايات المتحدة، بالإضافة إلى مواضيع أخرى في سوق النفط الأميركية على شكل إصدار موافقات الحفر في خليج المكسيك والشائعات حول إمكانية تغيير أسلوب أوبك... هذا بالتأكيد يؤثر على حالة الترقب».
وأكد أوريشكن أن الوزارة لم تتوقع أبدا بقاء أسعار النفط عند مستوى 55 دولارا أميركيا للبرميل لمثل هذه الفترة الطويلة. وفي إجابة عن سؤال حول المدى الذي سترفع فيه الوزارة توقعاتها حول السعر الوسطي للنفط لعام 2017، أكد الوزير أن التقييم سيكون مرتبطا بما في ذلك وبوضع الأسعار في الثلاثي الأول من السنة الجارية.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.