مهرجان الإمارات للآداب يحقق نقلة كبيرة في الرعاية والإدارة والتنظيم

استضاف كتّاباً من 30 دولة... وأبرز منجزاته جيل جديد يقرأ

بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
TT

مهرجان الإمارات للآداب يحقق نقلة كبيرة في الرعاية والإدارة والتنظيم

بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني

أنهى مهرجان الإمارات للآداب في دبي مساء السبت الماضي 11 مارس (آذار) الحالي، أعماله التي بدأت في الثالث من الشهر الحالي، بحفل ختامي على مستويين، حضره عدد كبير من المشاركين، الذين تجاوز عددهم 180، بين كاتب، وروائي، وفنان تشكيلي، ومذيع، ومقدم برامج، قدم عدد منهم «رسائل حب إلى الإمارات» في هذه المناسبة، فيما قدمت مديرة المهرجان إيزابيل أبو الهول، كلمة الاختتام التي كانت الأكثر أهمية، بتلخيصها الحماسي المؤثر لتجربة سنوات من العمل لرفع مستوى المهرجان على كل المستويات. وبالفعل حقق المهرجان السنوي في ختام أعماله، طموح الجهات القائمة عليه، في أن يكون الأضخم والأكثر تنظيما وفعالية، بين ما يقام من مهرجانات أدبية على امتداد الساحة العربية. وكانت لافتة مشاركة فريق عمل إداري كبير، اعتمد على جهود مئات المتطوعين الذين شكلوا القوة التنفيذية الأكثر نشاطا، وأظهروا مستوى من التنظيم بلغ درجة عالية من الدقة والرقي، بدءا من استقبال المدعوين، وتنظيم الندوات وورشات العمل، ومسابقات القراءة، وزيارات الأطفال وتلاميذ المدارس والجامعيين، والأجنحة الخاصة بعرض الكتب وبيعها، وحفلات التوقيع، والخدمات الإعلامية، وتأمين اللقاءات الصحافية، وإدارة البرامج وتأمين النشرات الخاصة بالمهرجان، والرحلات والزيارات الخارجية، انتهاء بالحفل الختامي وتأمين عودة الضيوف بانطباعات تليق بدورة المهرجان هذا العام، الذي زينه أيضا، وجود عدد كبير من مضيفات شركة طيران الإمارات، الراعي الرئيسي للمهرجان، بالشراكة مع «دبي للثقافة». يذكر أن المهرجان يقام سنويا تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء.
على المستوى الثاني للاحتفال، انتقل المدعوون إلى حفل عشاء ترفيهي امتد حتى العاشرة والنصف. قبيل مغادرتي قاعة الاحتفال، اقتربت من السيدة إيزابيل أبو الهول، الرئيسة التنفيذية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب، ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب، فيما كانت تنهي حوارا مع الشاعر الفلسطيني، مريد البرغوثي، صاحب «رأيت رام الله»، و«ولدت هنا ولدت هناك»، وقلت لها: «كنت ضيفا على المهرجان قبل خمس سنوات، بدا لي كل شيء مختلفا هذا العام».
ردت بكلام كنت سأضيفه: «تقصد حفلات توقيع الكتب».
نعم. قبل خمسة أعوام، ترددت في الجلوس إلى الطاولة المخصصة لي لتوقيع روايتي «السيدة من تل أبيب». في الواقع شعرت بكثير من الخجل والإحراج. لم يكن ينتظر توقيعي وقتها، سوى عدد محدود من القراء، وقعت لهم وابتعدت. كانت طوابير الشباب الذين يحملون مؤلفات كتابهم المفضلين من غير العرب، تمتد من طاولات التوقيع حتى المدخل الزجاجي البعيد للفندق. كانت أعدادهم بالمئات. في مهرجان هذا العام، تغير كل شيء».
علقت مجاملة: «وجود كتاب من أمثالكم هو ما أحدث هذا التغيير. نحن من جانبنا بذلنا كل الجهد خلال السنوات الخمس الماضية لتغيير هذا الواقع. لقد نجحنا في خلق عدد كبير من مجموعات القراءة بين شباب الإمارات، خصوصا الفتيات الجامعيات، وطلاب المدارس، الذين بات لهم كتابهم العرب أيضا».
كان ما قالته إيزابيل واقعيا تماما، إذ تحقق لي شخصيا، ما كان للكتاب الأجانب. امتد طابور من ينتظرون توقيع روايتي «مصائر» و«السيدة من تل أبيب»، إلى أبعد مما حلمت به قبل حضوري. بل كان الحضور يتجدد خلال أكثر من ساعة من الوقت. وتكرر ذلك في حفلات توقيع مريد البرغوثي، والروائية الكويتية بثينة العيسى، وعدد آخر من الروائيين العرب، بنسب متفاوتة.
وكانت أبو الهول قالت قبل بدء المهرجان إن «الكتب تسمح لنا بارتياد العالم، والذهاب أبعد من محيطنا (...) إنها هدية تجعلنا نفهم الثقافات والمجتمعات الأخرى، ما يساعدنا أن نصبح مجتمعا متناغما منسجما. هذه هي رؤية المؤسسة، الهيئة المسؤولة عن المهرجان، التي تستمد رؤيتها من تطلعات دولة الإمارات العربية المتحدة، وتسعى لترجمتها على أرض الواقع، من خلال الفعاليات على مدار العام، والمهرجان على وجه الخصوص (...) شعارنا هو السعادة والتسامح والتنوع والسلام - وكل هذه القيم تعززها الكتب وتنميها في نفوسنا، وتبذر بذور نفعها في عقولنا. لقد اخترنا مجموعة استثنائية من الكتّاب من أكثر من 30 جنسية، ممن يعلون من شأن القيم الإنسانية المنشودة، ويدافعون عنها، ونأمل أن يشجع المهرجان الرائع هذا العام الجماهير على قراءة الكتب، وأن يساعد على غرس محبة المطالعة في نفوسهم».
المهرجان أقيم، كما في كل عام، في شهر القراءة، وتميز بحضور أكثر من 180 كاتبا، بينهم 90 يشاركون للمرة الأولى، وبموضوعه الرئيسي «الرحلات»، (على سبيل المثال: رحلة المراسلة كريستينا لاوب، واللاجئة السورية نوجين مصطفى في رحلة 4 آلاف ميل من سوريا إلى المجر على كرسي متحرك، وتجارب عبد الله جمعة في دول أميركا الجنوبية).
من بين المشاركين العام الحالي، الباكستانية الأميركية سنا أمانات، التي أسهمت في ابتكار شخصية البطلة المسلمة كامالا خان، ضمن سلسلة السيدة مارفل، ونادية حسين، الفائزة ببرنامج المخبوزات البريطانية عام 2015. والبريطانية سارة ماكنتاير، صاحبة «فيرن والخس»، و«سمك القرش في الحمّام»، و«شرطة الديناصورات» وغيرها، ومبتكر مسلسل الرسوم المتحركة «فريج»، الإماراتي محمد سعيد حارب، وكاتبة أدب الجريمة كاثي ريشز، ومقدم برامج التلفزيون آلان تشيتشمارش، والكاتب البريطاني جيفري آرتشر، وفرانشيسكا سايمون.
حضور الروائيين والكتاب العرب، اقتصر على الفلسطينيين مريد البرغوثي وابنه الشاعر تميم، والدكتور عز الدين أبو العيش (الملقب بمارتن لوثر كينغ الشرق الأوسط)، صاحب كتاب «لن أكره أبدا» الذي قتلت بناته الثلاث في الحرب الإسرائيلية على غزة (عملية الرصاص المصبوب)، والكاتبة هدى الشوا صاحبة «كشف الأسرار»، و«رحلة الطيور إلى جبل قاف»، وغيرهما، التي أظهرت قدرات متميزة في إدارة الحوار كما في ندوة تناولت أدب الناشئة، شارك فيها الروائي المصري إبراهيم فرغلي، الذي تحدث عن «مصاصو الحبر»، والبريطانيان فرنسيس هاردينغ وفيليب ريف. ومن بين المشاركين العرب أيضا، المصريون منصورة عز الدين، ومحمد ربيع، وأحمد خالد توفيق، والسعوديان بدرية البشر ومنذر القباني، والسودانية الأصل، ليلى أبو العلا، وياسمينة خضرا (اسم مستعار للجزائري الأصل محمد مولسهول) الذي يكتب بالفرنسية، بالإضافة إلى كاتب هذه السطور.
لكن حضور هذا العدد المحدود انعكس بقوة خلال النشاطات التي شارك بها؛ إذ خصصت لكل من هؤلاء ندوة ومشاركة أو مشاركتين مع آخرين من جنسيات مختلفة، ما حقق قدرا من التآلف وأغنى الحوار بين كتاب ينتمنون إلى جنسيات وثقافات مختلفة، وحيث توفرت ترجمات مباشرة لكل النشاطات.
غير أن المشهد الأكثر تأثيرا في أنشطة المهرجان الأدبي كان «الغزو الثقافي» الجميل لطلاب المدارس، إذ حضر آلاف منهم إلى المهرجان، حاملين اختياراتهم من الكتب، وحصلوا على تواقيع كتابهم المفضلين. كان مشهد طوابير الأطفال ينتظمون في صفوف طويلة من أكثر مشاهد المهرجان إثارة للفرح، وكانت أصواتهم تشي بانفعالاتهم الجميلة.
على لوحة جانبية، على مقربة من طابور التوقيعات ألصق الكثير من الفتيات الصغار وطالبات الجامعة قصاصات تشرح، بالإنجليزية، تلك الانفعالات: «كان المهرجان مدهشا». و«شكرا لمن وفر لي لقاء سارة ماكنتري». و«سعيدة بأنني هنا». و«المهرجان أضاء قلبي».
سألت عددا من الطالبات الجامعيات: لماذا تكتبن ملاحظاتكن بالإنجليزية؟ تباينت الإجابات التي غلفها عتاب ذاتي خجول، خصوصا أن بعضهن كان يحمل روايات لبثينة العيسى ولمنصورة عز الدين. في النهاية، حصلت على إجابة متفق عليها: بالإنجليزية سيقرأ الجميع ملاحظاتنا، أما بالعربية فسيقتصر ذلك على القراء العرب في مدينة أغلب سكانها من الأجانب.
من الأمور اللافتة أيضا، وهي كثيرة، حضور الفنانة العمانية ابتهاج الحارثي، التي كانت تساعد الأطفال على سرد قصص يرسمونها ويلونونها ويخرجون بحكايات مصورة.
في يومه قبل الأخير، جرت مناقشة لكتاب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «تأملات في السعادة والإيجابية».
مهرجان العام الحالي، كان «رحلة ثقافية أدبية لا تنسى، مع الكثير من محاور النقاش، والجلسات، والمناظرات القيّمة، والأمسيات الشعرية، وعروض الأداء، وورشات العمل وجلسات الخبراء».



التين والزيتون في رؤية توماس مان

توماس مان
توماس مان
TT

التين والزيتون في رؤية توماس مان

توماس مان
توماس مان

نقع في المجلد الحادي عشر من الأعمال الكاملة للروائي الألماني الكبير توماس مان على نصٍّ بالغ الأهميَّة ظلّ خارج اهتمام الدارسين العرب والمسلمين، بعنوان: (أشجار الحديقة: خطابٌ من أجل أوروبا الجامعة). ويتخذ النصُّ أسطورة شجرتي التين والزيتون مدخلاً إلى نقد تحولات موقع ألمانيا في الفضاء الأوروبي، وما يعتريه من توتر بين خصوصيتها الثقافيَّة العميقة وانخراطها في المشروع الأوروبي الحديث.

ألقى توماس مان هذا النص عام 1930 في برلين أمام جمعية (خطة أوروبا)، قبل أن يعيد توظيف بنيته الرمزية لاحقاً في روايته الكبرى «يوسف وإخوته»، التي صدرت بالعربية سنة 2024 في أربعة مجلدات. ومن أجل التحضير لهذه الرواية، انكبَّ على دراسة التاريخ المصري القديم والأساطير الشرقية حتى غدا مختصّاً فريداً بتلك الموضوعات، إلى درجة أن Jan Assmann خصَّص كتاباً للحديث عن معارف توماس مان ومعالجاته، عنوانه: Thomas Mann und Ägypten: Mythos und Monotheismus in den Josephsromanen.

وعلى الرغم من مرور قرابة قرن على نشر هذا النصِّ/الخطاب، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة؛ إذ لم يُستثمر حتى الآن في ضوء النصِّ القرآني وتأويلاته التراثية الإسلامية.

يبدأ توماس مان خطابه بالقول: «تتكلم الأساطير الشرقيَّة عن شجرتين في حديقة العالم تُنسب إليهما دلالة كونيَّة أساسيَّة ومتعارضة جذرياً. الأولى شجرة الزيتون، التي يُدهن بزيتها الملوك ليحيَوا. فهي شجرة الحياة، المقدسة للشمس؛ فمبدأ الشمس، بما فيه من عقل ورجولة ووضوح، متصل بجوهرها. وما يصدر عنها هو القداسة والعزم والثقة. إنِّها عزاء للشعوب وباعث طمأنينة لها من الألم والمخاوف.

أما الثانية فشجرة التين، المملوءة ثمارها حلاوة، ومن يأكل منها يموت. فهي شجرة الموت، غير أن معناها يمتدُّ أيضاً إلى المعرفة والتمييز والنشاط الجنسي. إنَّها شجرة القمر، المتصلة بعالم قمري ساحر من الليل والخصب والعمق الحسي، وتهب العالم والروح أشياء كثيرة مما لا تدركه بركة شجرة الزيتون الملكية المشرقة.

في ظلِّ التضاد الكوني كما يتجلى في أسطورة هاتين الشجرتين في حديقة العالم، بقي طموح البشريَّة نحو الحقيقة وسعيها إلى غاياتها محكوماً عبر جميع العصور بهذا الانقسام الثنائي، إلى حدٍّ يمكن معه القول: إن التاريخ الفكري نفسه لا يعدو أن يكون سلسلة من الجدل والصراع بين هذين المبدأين المتقابلين»، (انظر: توماس مان، (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 861).

يتابع توماس مان تقريره بأنَّ العالم الغربي بنى جزءاً كبيراً من حضارته على قيم العقل والتنظيم والفعل السياسي وإرادة التقدم. أما ألمانيا فهي، في هذا السياق، تميل إلى تعميق الجانب الداخلي للحياة: التأمل والغموض واللاوعي الإبداعي والانغماس في التجربة الروحيَّة. وهذه الخصوصية ليست سلبية في ذاتها، بل هي مصدر غنى ثقافي وروحي، لكنَّها تصبح مؤذية عندما تنزلق نحو سياسية تغذّي الفاشيَّة واللاعقلانيَّة الجماعيَّة، فتعزل نفسها عن الفضاء الأوروبي المشترك.

بهذا المعنى، يصبح النصُّ دعوةً إلى مصالحة داخليَّة بين ما هو داخلي وما هو خارجي في الإنسان، بين التجربة الفردية العميقة والمسؤوليَّة العامة، بين الفن والسياسة، وبين الحياة كما تُعاش والحياة كما تُنظَّم.

فالتين والزيتون مبدآن متكاملان ومتعارضان في الوقت نفسه. والحضارة الإنسانيَّة تقوم على جدل دائم بين الروح والعقل من جهة، والنفس والليل والرغبة من جهة أخرى. والإنسان يحتاج إلى عالم الزيتون، لكنَّه لا يستطيع أن يعيش من دون عالم التين أيضاً. ومن هنا تأتي الطبيعة التراجيديَّة لرؤية مان، حيث يصبح التوتر بين الليل والنهار جزءاً من بنية الوجود نفسه.

ويبدو جليّاً أن توماس مان يضع هذا البناء الأسطوري منذ البداية ضمن أفقٍ قابلٍ للمقارنة الثقافيَّة والدينيَّة، ولذلك كان من الطبيعي أن يقفز ذهن المسلم إلى إجراء مقارنة بين ثنائيته الرمزيَّة (التين/الزيتون) والسورة القرآنيَّة (التين) وما تراكم حولها من شروح تراثيَّة، في إطار رؤية أوسع لتاريخ الرموز بوصفه حقلاً مشتركاً بين الحضارات، لا ملكيَّة حصريَّة لأيِّ تقليدٍ بعينه.

«وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ > وَطُورِ سِينِينَ > وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ > لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ > ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ > إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ > فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بالدِّينِ > أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ».

للوهلة الأولى يتبادر إلى الذهن أن التين والزيتون هما الثمرتان المعروفتان، وهذا ما يرجّحه إمام المفسرين الطبري، ولكن كثيراً من المفسرين، ومنهم ابن تيمية، يذهبون إلى أنَّ التين والزيتون يشيران إلى جغرافيا الوحي والتاريخ المقدَّس. يقول ابن تيمية: «والتين والزيتون، وطور سينين، وهذا البلد الأمين: إقسامٌ منه بالأمكنة الشريفة المعظَّمة الثلاثة التي ظهر فيها نوره وهداه، وأنزل فيها الكتب الثلاثة: التوراة والإنجيل والقرآن». وبهذا تصبح شجرتا التين والزيتون، أو ثمرتاهما، خريطة رمزية لمسار النبوُّة الإبراهيميَّة، حيث تتصل الطبيعة بالوحي، والأرض بالتاريخ الروحي للإنسان، في إطار رؤية توحيديَّة تجعل الكون كله علامات على الهداية الإلهيَّة ووحدة الرسالات السماويَّة.

ونحن هنا أمام تناول رمزي أيضاً لشجرتي التين والزيتون، لكنه لا يظهرهما قوتين متصارعتين علينا أن نجمع ونوفّق بينهما؛ ففي التأويل القرآني يدخلان في قَسَم إلهي واحد يسبق إعلان الحقيقة الوجوديَّة عن الإنسان: «لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات». فالحقيقة الوجوديَّة حول صراع القوى الكونيَّة لدى توماس مان هي، في القرآن الكريم، حقيقةٌ أخلاقيَّة وروحيَّة تتعلق بمصير الإنسان، وداخل الذات الإنسانيَّة نفسها.

وهكذا يتبدّى الفرق بين مشروعين تأويليين: أحدهما يجعل من الرموز ساحة لصراع حضاري مأساوي بين التين والزيتون، والشمس والقمر، والعقل والليل، والآخر يدمجها في أفق الهداية ووحدة المعنى الكوني.

لقد كان توماس مان النذير العريان الذي نفخ بالبوق في أجواء ألمانيا، منبِّهاً إياها إلى ضرورة التوازن وعدم الانزلاق من عالم الشمس إلى عالم القمر، أو من رمزيَّة الزيتون إلى رمزيَّة التين، حتى لا تهوي في درك النازيَّة المنغمسة في رومانسيتها المظلمة. وهذا ما جعل خطابه يتجاوز التنظير إلى التنبُّؤ التحذيري، لكنّه، في أثناء ذلك، لم يقف عند حدود التأويل الميتافيزيقي؛ إذ سرعان ما تحوّلت الرموز لديه إلى أداة تصنيف للحضارات على الطريقة الاستشراقيَّة الفجّة والتبسيطيَّة المشوِّهة، فنراه يقول في هذا الخطاب:

«ولا شكَّ في أنَّ قارتنا، وكلَّ ما يحمل بصمتها، أي العالم الغربي، منذ أيام الإغريق الذين عبدوا زيوس، ومنذ ظهور المسيحية، قد التزمت في جوهرها، بإيمانها وحياتها الدينيَّة، بالمبدأ الشمسي، عالم قدسية الإرادة والحرية والحكمة والعمل. نعم، إذا كنّا نتحدث هنا عن الوحدة الثقافيَّة لأوروبا والتجربة الأوروبيَّة الحاسمة، التي هي يونانيَّة، فمن الطبيعي أن نستند إلى هذين العنصرين المشتركين، وأن نعتبر الإيمان الروحي الرابط الأوروبي الحقيقي، بينما نُحيل تأليه المبدأ القمري، الأمومي والروحاني السلبي، إلى الشرق، إلى آسيا وطبيعتها الباهتة والهمجيَّة»، (انظر: توماس مان، (Gesammelte Werke)، المجلد الحادي عشر، ص 486).

وهكذا تتحول هذه الثنائيات إلى نموذج لتفسير التوتُّر الحضاري في أوروبا الحديثة، ثم يقترح حلّها بإقامة نوع من التركيب أو المصالحة بين الأضداد داخل وحدة ثقافيَّة أعلى، أما النصُّ القرآني فلا يقدّم هذه الثنائية بوصفها بنية أنطولوجية للعالم أو معادلة رمزية داخل الطبيعة، بل يدرجها ضمن سياق قَسَمي يُحيل إلى معنى توحيدي شامل يتعلق بالإنسان، الكائن المكرّم ابتداءً، ثم الممتحن باختبارٍ أخلاقيٍّ حرٍّ، فيه إمكان السقوط ابتداءً، وإمكان الارتقاء استمراراً وانتهاءً.

إنَّ هذه المقارنات الثقافيَّة قد تُغني أفق القراءة، وتكشف عن تشابكات رمزيَّة إنسانيَّة واسعة، لكنَّها تظلُّ أدواتٍ للفهم لا مصادرَ للمعنى النهائي.

أمَّا سؤال: إلى أي مدى يسمح النصُّ القرآني بأن يُقرأ عبر خرائط رمزيَّة عابرة للثقافات؟ فجوابه يظلُّ مفتوحاً بين حذر مناهج التفسير الكلاسيكيَّة، وخصوبة الدراسة المقارنيَّة.

* باحث سوري

على الرغم من مرور قرابة قرن على نشر نص/ خطاب توماس مان، فإنَّه ما زال بكراً في حقل الدراسات المقارنيَّة


التناقض محرك العالم

هيغل
هيغل
TT

التناقض محرك العالم

هيغل
هيغل

حين كتب هيغل أن «التناقض هو المبدأ المحرّك للعالم نفسه»، لم يكن يقصد مجرد لفظ قانوني في لعبة ذهنية داخل كتب المنطق، بل كان يرى أن التاريخ، كما نعرفه، يتحرك عبر صراعات لا تبقى ساكنة، وأن الأمم التي تتعامل مع التناقض بوصفه قدراً نهائياً تسقط في العجز، في حين الأمم التي تحوّله إلى لحظة عبور تخرج من الأزمة أكثر وعياً بقوتها وموقعها. لأنها أدركت أن الأزمة ليست سجناً مغلقاً، بل انكشاف لإمكانات كانت كامنة فيها، وفرصة لاختيار صورة جديدة لذاتها ومستقبلها. ولهذا يُضيف هيغل أن التناقض «ليس نهاية الأمر، بل إنه يلغي نفسه». فالفكر الحقيقي لا يقف عند الصدام، بل يبحث عمّا يتجاوز الصدام.

ولذلك كان هيغل يرفض النظر إلى التناقض بوصفه خطأً في التفكير أو عيباً ينبغي التخلص منه. فالتناقض عنده هو العلامة التي تكشف أن فكرة ما أو نظاماً ما قد بلغ حدوده الداخلية، وأنه لم يعد قادراً على الاستمرار بالصورة نفسها. ولهذا فإن كل مرحلة تاريخية تحمل في داخلها عناصر نفيها الخاص. فالدول، والمؤسسات، والأفكار، لا تواجه أزماتها بسبب ضغوط خارجية فقط، بل لأن تناقضاتها الداخلية تدفعها إلى مراجعة نفسها، والبحث عن صورة جديدة لوجودها.

ومن هنا تأتي أهمية ما يُسميه هيغل «الرفع»، أي الحركة التي لا تكتفي بإلغاء أحد الطرفين لصالح الآخر، بل تتجاوزهما معاً في مستوى أعلى. فالتاريخ لا يتقدم عبر الانتصار البسيط لأحد الأضداد، وإنما عبر نشوء وضع جديد يستوعب ما كان صحيحاً في الطرفين، ويتجاوز ما كان محدوداً فيهما. ولهذا لم يكن هيغل مفتوناً بالصراع لذاته، بل بما ينتجه الصراع من وعي جديد. فالأمم التي تنجح في تحويل الأزمات إلى فرصة لإعادة تعريف موقعها في العالم تخرج من التناقض أقوى مما دخلته، أما الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل فإنها تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف. ومن هنا كان التناقض ليس علامة انهيار بالضرورة، بل قد يكون بداية مرحلة أكثر نضجاً واتساعاً.

الحرب الأميركية الإيرانية، بما حملته من تهديد للممرات البحرية، واضطراب في مصير الطاقة، وتوتر في الخليج، وضعت المنطقة كلها داخل تناقض تاريخي حاد. فمن جهة، هناك مشروع إيراني يقوم على توسيع النفوذ عبر الأذرع المسلحة، وتحويل المنطقة إلى ساحات استنزاف مفتوحة. ومن جهة أخرى، هناك تدخل أميركي لا ينظر إلى المنطقة إلا من زاوية التوازنات الاستراتيجية والمصالح الكبرى. وبين هذين القطبين كان يمكن للمنطقة أن تتحول إلى مجرد مسرح لصراع الآخرين، وأن تُختزل دولها إلى ردود أفعال متوترة تعيش داخل التناقض دون القدرة على تجاوزه.

لكن الحكماء في السعودية تحركوا بطريقة مختلفة. لم تتعامل السعودية مع الحرب باعتبارها فرصة للانفعال الخطابي، ولا باعتبارها لحظة للاندفاع غير المحسوب، بل بوصفها اختباراً تاريخياً لوعي الدولة بنفسها. فالدول الصغيرة في التاريخ تذوب عادة داخل التناقضات الكبرى، أما الدول التي تمتلك رؤية فتبحث عن موقع يجعلها قادرة على عبور الصراع، لا الارتهان له.

هنا يظهر المعنى العميق لفكرة هيغل. التناقض ليس محطة أخيرة. والخطر الحقيقي ليس وجود الصراع، بل التحول إلى أسير له. المنطقة عاشت عقوداً طويلة داخل ثنائية مرهقة، إما الانخراط الكامل في المحاور، وإما الانهيار تحت ضغطها. أما السعودية الجديدة فبدأت تبحث عن شيء آخر، عن بناء مركز ثقل سياسي واقتصادي يجعلها قادرة على حماية مصالحها دون أن تتحول إلى تابع لهذا الطرف أو ذاك.

ولهذا لم يكن التركيز السعودي منصباً فقط على إدارة الأزمة الأمنية، بل على منع الحرب من ابتلاع المستقبل كله. ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة تتجه إلى لغة الصواريخ والردود المتبادلة، كانت السعودية تدفع باتجاه تثبيت الاقتصاد، وحماية أسواق الطاقة، واستمرار مشروعات التحول الكبرى، لأن الدولة التي تعيش داخل التناقض وحده تفقد قدرتها على رؤية ما بعده.

إن أخطر ما في الحروب ليس الدمار المباشر فقط، بل إنها تدفع المجتمعات إلى التفكير اللحظي، وتجعلها سجينة الخوف والانفعال. وهنا يمكن فهم جانب من التحول السعودي خلال السنوات الأخيرة. فالمملكة لم تعد تريد أن تُعرّف نفسها فقط عبر موقعها داخل الأزمات، بل عبر مشروعها الخاص. ولهذا أصبح الحديث عن المدن الجديدة، والاستثمار، والتقنية، والسياحة، والثقافة، جزءاً من الأمن القومي نفسه، لا مجرد ملفات منفصلة عنه.

لقد فهمت السعودية أن العالم لا يحترم الدول التي تعيش داخل رد الفعل الدائم، فالقوة الحقيقية ليست في رفع مستوى التوتر، بل في القدرة على منع التوتر من تدمير الداخل. ومن هذه الزاوية يمكن القول إن الموقف السعودي كان محاولة لتحويل التناقض إلى لحظة إعادة تموضع تاريخي، لا إلى هاوية مفتوحة.

لقد كان بإمكان المنطقة كلها أن تنزلق إلى ما يُشبه ما وصفه هيغل بـ«الليلة السلبية»، أي ذلك الظلام الذي يبتلع المعنى ولا يترك سوى التدمير المتبادل. لكن السياسة لا تُقاس فقط بما يُقال في لحظات الغضب، بل بما يُبنى أثناء هدير العاصفة. ولهذا بدت السعودية أكثر ميلاً إلى تثبيت التوازنات، ومنع الانهيار الشامل، والعمل على إبقاء الخليج فضاءً قابلاً للحياة الاقتصادية والسياسية، لا مجرد جبهة حرب مفتوحة.

إن التفكير في التناقض، وفق المعنى الهيغلي، ليس تمجيداً للصراع، بل رفضٌ لتحويله إلى قدر أبدي. والتاريخ لا يتقدم لأن الحروب تقع فقط، بل لأن بعض الدول تنجح في الخروج من الحروب وهي أكثر قدرة على فهم نفسها والعالم. وربما كانت هذه هي اللحظة التي سعت السعودية إلى أن تصنعها اليوم؛ أن تتحول من دولة تستهلكها تناقضات المنطقة إلى دولة تُعيد تشكيل معنى المنطقة نفسها.

* كاتب سعودي

الأمم التي تبقى أسيرة ردود الفعل تظل تدور داخل الحلقة نفسها مهما تغيرت الظروف


حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك
TT

حائزة «نوبل» توكارتشوك تؤلّف مستعينة بالذكاء الاصطناعي

أولغا توكارتشوك
أولغا توكارتشوك

أثارت الكاتبة البولندية أولغا توكارتشوك، الحاصلة على «جائزة نوبل» لعام 2018، موجة من الغضب بعد تصريح لها، خلال مشاركتها في «مؤتمر إمباكت 26» في مدينة بوزنان، الشهر الماضي، اعترفت خلاله أنها استخدمت الذكاء الاصطناعي، لإتمام بعض المهمات في كتابة روايتها الأخيرة. وصل السخط في البعض إلى حدّ المطالبة بسحب الجائزة العالمية من الأديبة. قالت توكارتشوك إنها اشتركت في نموذج متقدم للذكاء الاصطناعي، وانبهرت من النتائج التي حصلت عليها، ووصفته بأنه «يوسّع الآفاق ويعمق التفكير الإبداعي».

ومن بين ما قالته إنها بينما كانت تكتب روايتها التي تصدر الخريف المقبل، وتدور أحداثها في القرن التاسع عشر، لجأت إلى برنامجها الأثير وسألته عن الأغاني التي رقصت عليها شخصياتها في تلك الفترة من الزمن لإتمام مشهد تكتبه عن حفل راقص. وحسب الأديبة، فإن أسماء إحدى الأغنيات لم تكن صحيحة، لذلك تحذر من الهلوسة.

اعترافات مثيرة

زادت تورتشوك الطين بلة حين شرحت أنها أحياناً تعود إلى برنامج الدردشة، وتسأله: «كيف يمكنني يا عزيزي أن أطور هذه الفكرة بشكل جميل؟»، وهو ما يعني أنها تطلب المساعدة حتى في بناء الرواية. واعتبرت الأديبة أن هذه التقنية حسب ما اكتشفت «لها نتائج وأبعاد لا تصدق».

انتشر الخبر، وتسبب بنقاشات واسعة، خصوصاً حول أحقية استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الروايات، وفي العمليات الإبداعية بشكل عام. اضطرت الأديبة النوبيلية لإصدار بيان توضح فيه أنها لا تلجا للذكاء الاصطناعي في الكتابة، إنما في البحث عن المعلومات والأرشفة. وأوضحت أن كتابها الجديد، لم تكتبه باستخدام الذكاء الاصطناعي ولا بمساعدة أي شخص آخر. «لقد كتبتُ بمفردي لعقود عديدة»، وهي تتعامل مع هذه التقنية الحديثة كأداة تسمح لها بتوثيق الحقائق والتحقق منها بشكل أسرع، مستعيضة عما كانت تفعله حين تبحث في الكتب والمراجع.

الذكاء الاصطناعي قدر محتوم

بصرف النظر عن مدى استفادة النوبيلية الشهيرة من إمكانات الذكاء الاصطناعي، وهي أديبة لها رواياتها وتاريخها ونتاجها المتميز، وهو ما يحمي نسبياً سمعتها الإبداعية. إلا أن الخطورة الفعلية هي في صعوبة مقاومة الأدباء لمهارات التطبيقات التوليدية. والسؤال المطروح، هل بقي للكاتب من وظيفة؟ وهل الإبداع عملية بشرية متجددة، أم قضية تقنية يمكن استنساخها وتقليدها؟ وإذا كان الأمر كذلك، هل الذكاء الآلي سيكون سبباً في موت الإبداع والتجدد الإنسانيين؟

للأسف أياً تكن الإجابة ثمة من يعتقد أن فرملة هذا التطور التقني هو أمر شبه مستحيل، بسبب التنافس التجاري المتوحش بين الشركات الكبرى التي بلغت اسثماراتها مئات مليارات الدولارات، وهي تتنافس كي تتمكن من تعويض ما استثمرته في أسرع ما يمكن، قبل أن تحل بها خسارة فادحة. بالتالي يصعب التمييز في كلام مسؤولي هذه الشركات الكبرى بين الوعود الترويجية المزيفة والواقع الفعلي. لكن علماء كثيرين، بعضهم حاصلون على «نوبل» وجوائز علمية، يعتبرون أن العقل البشري بتمايزه لا يزال إلى الآن العامل الأساسي في الابتكار والتحليل والتفسير العلمي.

جوائز للبشر أم للآلة

لكن في خضم هذه الفوضى، فازت الكاتبة اليابانية ري كودان بجائزة «أكوتاغاوا» المرموقة عام 2024 رغم اعترافها بأن نحو 5 في المائة من روايتها «برج التعاطف في طوكيو» أنشئ بواسطة الذكاء الاصطناعي، وأثارت جدلاً واسعاً. وبين من يريد أن يبيع الكتب ويربح المال بأي ثمن، ومن يود أن يستفيد من الأدوات المتوفرة ليدفع بإبداعه إلى الأمام، تختلف نوايا الكتاب وأهدافهم من استخدام التقنيات المتاحة. فقد خاض الكاتب الكندي المعروف ستيفن مارش مغامرته عام 2023 تحت اسم مستعار هو «أيدان مارشين»، وقام بإصدار رواية سماها «موت المؤلف». وقال إن 95 في المائة من النص تم توليده عبر الذكاء الاصطناعي. الرواية لم تكن بديعة، لكنها محاولة ووصفتها «نيويورك تايمز» بأنها «أول رواية ذكاء اصطناعي قابلة للقراءة إلى حدّ ما».

هناك من يعترف من الأدباء ومن لا يعترف بأن البرامج التوليدية باتت لا غنى عنها أثناء الكتابة، سواء في البحث أو الأرشفة. ومنهم من يبلغ به الحال حدّ المساعدة في تطوير الشخصيات والحبكات، أو البحث عن الاحتمالات الممكنة للأحداث، والاستخدامات تتوسع.

الأديبة أولغا توكارتشوك التي أثارت نقاشاً حساساً حول حدود إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي، هي واحدة من أبرز أدباء جيلها، إضافة إلى «نوبل» حاصلة على جائزة «بوكر مان». وهي ناشطة حقوقية وكتاباتها تعكس اهتمامها بالإنسان والهوية وسؤال الحرية والبيئة، وتحليل النفس البشرية. «عرفت بخصب خيالها السردي الذي يتميز بشغف موسوعي يجسّد عبور الحدود كوسيلة للحياة»، حسب لجنة «نوبل».

لذلك فإن رأيها في التحديات التي يتعرض لها الأدب، بسبب التطورات التقنية يجب أن يؤخذ على محمل الجد. وهو رأي انتشر كالنار في الهشيم لأنه تم تناقله بكثافة على وسائل التواصل عبر تسجيل مصور.

أصالة أم تزييف؟

تابعت توكارتشوك قائلةً: «على عكس ما يتردد، أعتقد أننا نحن الكُتّاب، بحكم خصوصية حرفتنا، سنكون الأكثر انسجاماً مع أدوات مثل الذكاء الاصطناعي». بالطبع لم يعتبر محبو توكارتشوك ما تقوله خبراً ساراً أو مطمئناً. وعلقت صحافية بولندية بالقول: «يجدر التذكير بأن هذه الجائزة تُؤكد على فردية الكتابة وأصالتها. ومن الصعب الحديث عن هذه الأصالة عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بإنشاء الحبكات والجمل نيابةً عنا. كما أن نماذج اللغة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي تتعلم من أعمال الكُتّاب، بمن فيهم كُتّاب من بولندا، غالباً دون موافقتهم أو حتى علمهم».

لا روايات بعد اليوم

الأهم من اعتراف الأديبة باللجوء إلى النماذج التوليدية هو قولها إن روايتها التي تستعد لإصدارها ستكون الأخيرة من هذا الصنف الطويل الذي يحتاج جهد سنوات. «لأن العالم، يبدو وكأنه دخل في حالة جمود مدمر، ولم يعد يستحق روايات طويلة وشيقة. كما يتناقص عدد الراغبين في قراءة هذا النوع من الكتب باستمرار»، وتضيف أنه في الماضي، كانت هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة. «أما الآن، فبالنسبة للكثيرين، تُعد قراءة رواية تحدياً شاقاً». وهي تأسف لأن غالبية القراء يسعون لمعرفة نهاية روايتها التي قضت سبع سنوات في تأليفها «كتب يعقوب» وتقع في ألف صفحة باللجوء إلى ملخصات صغيرة، وهو ما يحرم العمل حقه والكاتب أن يرى مردوداً لجهده وصبره.

الخطير في الأمر أن نرى أديبة عالمية الصيت، بلغت 64 من عمرها، قضت عمرها كله في كتابة الروايات، نالت أعظم الجوائز، وتوجت متفوقة على كل أقرانها، تقول إن هذا الصنف من الكتابة لم يعد له من قراء، وتعبر عن يأسها ومرارتها وكأنما كل ما كتبته يفقد قيمته بسرعة. «أتألم حين أفكر في أن أعمالاً أدبية كلاسيكية، كرّس لها أفرادٌ ذوو وعي كامل حياتهم، تتلاشى. أشعر بأسف بالغ على بلزاك، وسيوران، ونابوكوف الفريد، لأنه على الرغم من حماسي، لا أعتقد أن أي غرفة دردشة حديثة قادرة على نقل مثل هذا المعنى الرائع».

الذكاء الاصطناعي في نظر توكارتشوك قد يكون وسيلةً لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق

ووسط يأس بلغ غايته تخبرنا توكارتشوك، وهي الأديبة التي اشتهرت بموسوعيتها، بأنها لن تكتب رواية طويلة بعد اليوم، وذلك «لأسباب مالية»، وتفضل أن تتفرغ لكتابة القصص القصيرة. «لا يستطيع أي ناشر في السوق الحالية تحمل عبء عمل ضخم بسعر معقول، ودفع أجر عادل. من جهة أخرى، بعد كل هذه السنوات، أرهقتني عملية الكتابة والطباعة جسدياً ونفسياً. لذلك، سأركز على القصص القصيرة».

الأدب لا يستحق التضحية

تقول: «إذا قارنا عدد الساعات التي قضيتها في تأليف (كتب يعقوب) بأجر عامل، فلن يشتريها أي ناشر». الذكاء الاصطناعي، في نظرها، قد يكون وسيلة لاختصار الوقت والجهد المبذول في البحث والتوثيق، مما يجعل إنتاج الروايات الطويلة مجدياً اقتصادياً. لكن هل حقاً بات الهدف الوحيد للكتّاب هو الربح المالي، ومن دون ذلك يتوقفون عن الكتابة. وإن كان الأمر كذلك فالأديبة البولندية حصدت من الأدب ما لم يحلم به غيرها. فإضافة إلى ما نالته من الجوائز، ترجمت إلى أكثر من 25 لغة وباعت ملايين النسخ. فهل حقاً لا يزال بمقدورها اعتبار نفسها مظلومة كأديبة وعليها أن تتوقف؟ ثم أليس هناك من عودة وحنين إلى كبار الكتاب الكلاسيكيين؟ وهناك طلب مستجد حتى على الكتب الورقية القديمة؟ فلماذا تستعجل أديبة بمستوى توكارتشوك وبحكمتها لاستخلاص النتائج؟

كتبت صحافية بولندية مرموقة رداً على الأديبة النوبلية تقول لها إن أي مجتمع يسعى باستمرار إلى إيجاد قدوة. وبالنسبة لكثيرين، كانت الحائزة البولندية على جائزة «نوبل» إحدى هذه القدوات. فهل ستظل كذلك بعد تصريحاتها الجريئة والمثيرة التي تستدعي إعادة التفكير في أمور عديدة حساسة ومفصلية؟

كلام توكارتشوك يكشف عن أزمة وجودية عميقة تواجه الأديب مهما بلغت مكانته، ومستواه الإبداعي وهو يعيش مزاحمة الآلة له، وتهميش دوره، ولجوء القراء لقرصنته، وتلخيص أعماله، والاكتفاء منها بما يختصره الذكاء الاصطناعي في جمل قليلة وسريعة.