مهرجان الإمارات للآداب يحقق نقلة كبيرة في الرعاية والإدارة والتنظيم

استضاف كتّاباً من 30 دولة... وأبرز منجزاته جيل جديد يقرأ

بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
TT

مهرجان الإمارات للآداب يحقق نقلة كبيرة في الرعاية والإدارة والتنظيم

بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني
بعض الكتاب المشاركين خلال زيارة المتحف الوطني

أنهى مهرجان الإمارات للآداب في دبي مساء السبت الماضي 11 مارس (آذار) الحالي، أعماله التي بدأت في الثالث من الشهر الحالي، بحفل ختامي على مستويين، حضره عدد كبير من المشاركين، الذين تجاوز عددهم 180، بين كاتب، وروائي، وفنان تشكيلي، ومذيع، ومقدم برامج، قدم عدد منهم «رسائل حب إلى الإمارات» في هذه المناسبة، فيما قدمت مديرة المهرجان إيزابيل أبو الهول، كلمة الاختتام التي كانت الأكثر أهمية، بتلخيصها الحماسي المؤثر لتجربة سنوات من العمل لرفع مستوى المهرجان على كل المستويات. وبالفعل حقق المهرجان السنوي في ختام أعماله، طموح الجهات القائمة عليه، في أن يكون الأضخم والأكثر تنظيما وفعالية، بين ما يقام من مهرجانات أدبية على امتداد الساحة العربية. وكانت لافتة مشاركة فريق عمل إداري كبير، اعتمد على جهود مئات المتطوعين الذين شكلوا القوة التنفيذية الأكثر نشاطا، وأظهروا مستوى من التنظيم بلغ درجة عالية من الدقة والرقي، بدءا من استقبال المدعوين، وتنظيم الندوات وورشات العمل، ومسابقات القراءة، وزيارات الأطفال وتلاميذ المدارس والجامعيين، والأجنحة الخاصة بعرض الكتب وبيعها، وحفلات التوقيع، والخدمات الإعلامية، وتأمين اللقاءات الصحافية، وإدارة البرامج وتأمين النشرات الخاصة بالمهرجان، والرحلات والزيارات الخارجية، انتهاء بالحفل الختامي وتأمين عودة الضيوف بانطباعات تليق بدورة المهرجان هذا العام، الذي زينه أيضا، وجود عدد كبير من مضيفات شركة طيران الإمارات، الراعي الرئيسي للمهرجان، بالشراكة مع «دبي للثقافة». يذكر أن المهرجان يقام سنويا تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء.
على المستوى الثاني للاحتفال، انتقل المدعوون إلى حفل عشاء ترفيهي امتد حتى العاشرة والنصف. قبيل مغادرتي قاعة الاحتفال، اقتربت من السيدة إيزابيل أبو الهول، الرئيسة التنفيذية، وعضو مجلس أمناء مؤسسة الإمارات للآداب، ومديرة مهرجان طيران الإمارات للآداب، فيما كانت تنهي حوارا مع الشاعر الفلسطيني، مريد البرغوثي، صاحب «رأيت رام الله»، و«ولدت هنا ولدت هناك»، وقلت لها: «كنت ضيفا على المهرجان قبل خمس سنوات، بدا لي كل شيء مختلفا هذا العام».
ردت بكلام كنت سأضيفه: «تقصد حفلات توقيع الكتب».
نعم. قبل خمسة أعوام، ترددت في الجلوس إلى الطاولة المخصصة لي لتوقيع روايتي «السيدة من تل أبيب». في الواقع شعرت بكثير من الخجل والإحراج. لم يكن ينتظر توقيعي وقتها، سوى عدد محدود من القراء، وقعت لهم وابتعدت. كانت طوابير الشباب الذين يحملون مؤلفات كتابهم المفضلين من غير العرب، تمتد من طاولات التوقيع حتى المدخل الزجاجي البعيد للفندق. كانت أعدادهم بالمئات. في مهرجان هذا العام، تغير كل شيء».
علقت مجاملة: «وجود كتاب من أمثالكم هو ما أحدث هذا التغيير. نحن من جانبنا بذلنا كل الجهد خلال السنوات الخمس الماضية لتغيير هذا الواقع. لقد نجحنا في خلق عدد كبير من مجموعات القراءة بين شباب الإمارات، خصوصا الفتيات الجامعيات، وطلاب المدارس، الذين بات لهم كتابهم العرب أيضا».
كان ما قالته إيزابيل واقعيا تماما، إذ تحقق لي شخصيا، ما كان للكتاب الأجانب. امتد طابور من ينتظرون توقيع روايتي «مصائر» و«السيدة من تل أبيب»، إلى أبعد مما حلمت به قبل حضوري. بل كان الحضور يتجدد خلال أكثر من ساعة من الوقت. وتكرر ذلك في حفلات توقيع مريد البرغوثي، والروائية الكويتية بثينة العيسى، وعدد آخر من الروائيين العرب، بنسب متفاوتة.
وكانت أبو الهول قالت قبل بدء المهرجان إن «الكتب تسمح لنا بارتياد العالم، والذهاب أبعد من محيطنا (...) إنها هدية تجعلنا نفهم الثقافات والمجتمعات الأخرى، ما يساعدنا أن نصبح مجتمعا متناغما منسجما. هذه هي رؤية المؤسسة، الهيئة المسؤولة عن المهرجان، التي تستمد رؤيتها من تطلعات دولة الإمارات العربية المتحدة، وتسعى لترجمتها على أرض الواقع، من خلال الفعاليات على مدار العام، والمهرجان على وجه الخصوص (...) شعارنا هو السعادة والتسامح والتنوع والسلام - وكل هذه القيم تعززها الكتب وتنميها في نفوسنا، وتبذر بذور نفعها في عقولنا. لقد اخترنا مجموعة استثنائية من الكتّاب من أكثر من 30 جنسية، ممن يعلون من شأن القيم الإنسانية المنشودة، ويدافعون عنها، ونأمل أن يشجع المهرجان الرائع هذا العام الجماهير على قراءة الكتب، وأن يساعد على غرس محبة المطالعة في نفوسهم».
المهرجان أقيم، كما في كل عام، في شهر القراءة، وتميز بحضور أكثر من 180 كاتبا، بينهم 90 يشاركون للمرة الأولى، وبموضوعه الرئيسي «الرحلات»، (على سبيل المثال: رحلة المراسلة كريستينا لاوب، واللاجئة السورية نوجين مصطفى في رحلة 4 آلاف ميل من سوريا إلى المجر على كرسي متحرك، وتجارب عبد الله جمعة في دول أميركا الجنوبية).
من بين المشاركين العام الحالي، الباكستانية الأميركية سنا أمانات، التي أسهمت في ابتكار شخصية البطلة المسلمة كامالا خان، ضمن سلسلة السيدة مارفل، ونادية حسين، الفائزة ببرنامج المخبوزات البريطانية عام 2015. والبريطانية سارة ماكنتاير، صاحبة «فيرن والخس»، و«سمك القرش في الحمّام»، و«شرطة الديناصورات» وغيرها، ومبتكر مسلسل الرسوم المتحركة «فريج»، الإماراتي محمد سعيد حارب، وكاتبة أدب الجريمة كاثي ريشز، ومقدم برامج التلفزيون آلان تشيتشمارش، والكاتب البريطاني جيفري آرتشر، وفرانشيسكا سايمون.
حضور الروائيين والكتاب العرب، اقتصر على الفلسطينيين مريد البرغوثي وابنه الشاعر تميم، والدكتور عز الدين أبو العيش (الملقب بمارتن لوثر كينغ الشرق الأوسط)، صاحب كتاب «لن أكره أبدا» الذي قتلت بناته الثلاث في الحرب الإسرائيلية على غزة (عملية الرصاص المصبوب)، والكاتبة هدى الشوا صاحبة «كشف الأسرار»، و«رحلة الطيور إلى جبل قاف»، وغيرهما، التي أظهرت قدرات متميزة في إدارة الحوار كما في ندوة تناولت أدب الناشئة، شارك فيها الروائي المصري إبراهيم فرغلي، الذي تحدث عن «مصاصو الحبر»، والبريطانيان فرنسيس هاردينغ وفيليب ريف. ومن بين المشاركين العرب أيضا، المصريون منصورة عز الدين، ومحمد ربيع، وأحمد خالد توفيق، والسعوديان بدرية البشر ومنذر القباني، والسودانية الأصل، ليلى أبو العلا، وياسمينة خضرا (اسم مستعار للجزائري الأصل محمد مولسهول) الذي يكتب بالفرنسية، بالإضافة إلى كاتب هذه السطور.
لكن حضور هذا العدد المحدود انعكس بقوة خلال النشاطات التي شارك بها؛ إذ خصصت لكل من هؤلاء ندوة ومشاركة أو مشاركتين مع آخرين من جنسيات مختلفة، ما حقق قدرا من التآلف وأغنى الحوار بين كتاب ينتمنون إلى جنسيات وثقافات مختلفة، وحيث توفرت ترجمات مباشرة لكل النشاطات.
غير أن المشهد الأكثر تأثيرا في أنشطة المهرجان الأدبي كان «الغزو الثقافي» الجميل لطلاب المدارس، إذ حضر آلاف منهم إلى المهرجان، حاملين اختياراتهم من الكتب، وحصلوا على تواقيع كتابهم المفضلين. كان مشهد طوابير الأطفال ينتظمون في صفوف طويلة من أكثر مشاهد المهرجان إثارة للفرح، وكانت أصواتهم تشي بانفعالاتهم الجميلة.
على لوحة جانبية، على مقربة من طابور التوقيعات ألصق الكثير من الفتيات الصغار وطالبات الجامعة قصاصات تشرح، بالإنجليزية، تلك الانفعالات: «كان المهرجان مدهشا». و«شكرا لمن وفر لي لقاء سارة ماكنتري». و«سعيدة بأنني هنا». و«المهرجان أضاء قلبي».
سألت عددا من الطالبات الجامعيات: لماذا تكتبن ملاحظاتكن بالإنجليزية؟ تباينت الإجابات التي غلفها عتاب ذاتي خجول، خصوصا أن بعضهن كان يحمل روايات لبثينة العيسى ولمنصورة عز الدين. في النهاية، حصلت على إجابة متفق عليها: بالإنجليزية سيقرأ الجميع ملاحظاتنا، أما بالعربية فسيقتصر ذلك على القراء العرب في مدينة أغلب سكانها من الأجانب.
من الأمور اللافتة أيضا، وهي كثيرة، حضور الفنانة العمانية ابتهاج الحارثي، التي كانت تساعد الأطفال على سرد قصص يرسمونها ويلونونها ويخرجون بحكايات مصورة.
في يومه قبل الأخير، جرت مناقشة لكتاب الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم: «تأملات في السعادة والإيجابية».
مهرجان العام الحالي، كان «رحلة ثقافية أدبية لا تنسى، مع الكثير من محاور النقاش، والجلسات، والمناظرات القيّمة، والأمسيات الشعرية، وعروض الأداء، وورشات العمل وجلسات الخبراء».



«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي
TT

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

«صفر فاصل خمسة».. سردية تقاوم أحلام الذكاء الاصطناعي

تؤسس رواية «صفر فاصل خمسة» للكاتب المصري أحمد القرملاوي عالماً تتداخل فيه الحدود بين الإنساني والاصطناعي، ويختلط فيه وعي بطلها البشري بـ«طموحات» الآلة، وتختبر الرواية موقع الإنسان أمام تكنولوجيا لم تعد مجرد أداة مسخّرة لخدمته، وإنما عقل موازٍ يشارك في تشكيل تجربته واختبار إرادته.

صدرت الرواية أخيراً عن دار ديوان للنشر بالقاهرة، ومنذ استهلالها بعبارة «الريلز تحاصرني»، يدخلنا القرملاوي إلى وعي بطله وراويه بضمير المتكلم، وتمارس عليه الريلز (مقاطع فيديو سريعة) صورة من الضغط، عبر خلق عالم بديل يبدو أكثر إغراءً من واقعه؛ فرغم عمله مديراً لشؤون العاملين في شركة متعددة الجنسيات، وما يبدو عليه من استقرار مادي واجتماعي، يصف وظيفته بأنها مغموسة «في سخام الروتين وقانون العمل واللوائح الداخلية»، ويتصوّر أنه لو استُبدل مدير آخر به «لما شعر أحد بفارق يُذكر»، ولا ينفصل خوفه من أن يصبح «قابلاً للاستبدال» عن انجذابه إلى تجربة تعده بأن يكون مركز عالم يُصنع من أفكاره ورغباته.

يضعنا السرد أمام خريطة لوعي البطل، يبدو فيها «السأم» جزءاً من تكوينه منذ الطفولة، قبل أن يتفاقم إلى أزمة وجودية وشعور بانعدام المعنى مع انتصاف عمره، عندئذ يجد في المقاطع التي تروّج لتجربة «أخوية صفر فاصل خمسة» وعداً بعالم آخر، خصوصاً أنها تخاطب أزمته مباشرة، كما يقول: «يعرفون كيف يسحبونني من خيط السأم حيث يريدونني أن أكون»، فالإعلان لا يعرض عليه متعة عابرة فحسب، إنما يلتقط شعوراً قديماً بالعجز عن احتمال حياته كما هي، ويقدّم الدخول إلى التجربة كأنه فرصة للخروج منها.

عالمان وذهنان

يتشكّل المستوى الأول في الرواية من حياة البطل اليومية، بداية أزمته العمرية، ووظيفته، وعلاقته بعائلته الصغيرة، ويبدأ المستوى الثاني داخل الشقة التي يُعزل فيها المشاركون في تجربة «صفر فاصل خمسة»، كلٌّ في غرفة منفصلة، ليخوض تجربته مرتدياً «نظارة المحاكاة»، ليجمع المكان الواحد بين المشاركة والعزلة؛ فيدخل كل مشارك عالماً لا يصاحبه فيه سوى وعيه والعقل الاصطناعي.

أما المستوى الثالث فهو العالم الذي تفتحه النظارة أمام البطل، فيخوض رحلة سفر طويلة يلتقي خلالها بـ«باتريشيا»، راقصة المهرجانات التي ينجذب إليها، قبل أن تنزلق علاقتهما نحو الجنون. وتقوده مفاجآت الرحلة إلى مواجهة ذاته «الأخرى»، وإعادة اكتشاف علاقته بزوجته وعالمه العائلي، وكأن العقل الاصطناعي يعيد تركيب ما يكمن داخل البطل، ويمنحه هيئة أشخاص وأماكن ومواقف يستطيع التفاعل معها. فتغدو الرحلة مواجهةً مع الذات.

وتتجسد الصلة بين العالمين في «سلمى»، وهي كيان مطوّر من الذكاء الاصطناعي يتجسد للبطل وراء النظارة «بسمرة لطيفة وبشرة ملساء». يراها ويتفاعل معها، لكنه يظل يسألها: «هل أنت حقيقية؟»، وهو سؤال يزيد الالتباس والشك في الحدود بين الخوارزمي والواقعي. فملامحها البشرية لا تحسم طبيعتها، بقدر ما تجعل التمييز بين ما يشعر به البطل وما يعرفه عنها أكثر صعوبة.

تكشف «سلمى» طبيعة التجربة بعبارة تبدو «نزيهة» في اعترافها بحدود العقل الاصطناعي: «أنت تخوض هذه التجربة بمفردك، ليس ثمة سواك أنت والعقل الاصطناعي، هو من يتغذى على أفكارك وهواجسك، يترجمها إلى حياة وأحداث، وقد يقع في أثناء الترجمة في أخطاء جسيمة، فلا يزال أمامه كثير لكي يتعلمه»، وهكذا يتشكل وراء النظارة عالم «هجين» من ذهنين؛ فالبطل يمدّ الآلة بأفكاره وهواجسه، وهي تحوّلها إلى أمكنة وشخصيات وأحداث. فلا يكون المكان الروائي امتداداً خالصاً لوعيه، ولا ابتكاراً مستقلاً للعقل الاصطناعي؛ إذ إن ما يراه ينشأ من التفاعل بين ما يعرفه عن نفسه وما تصنعه الخوارزمية من تلك المادة.

من هذا التبادل تنشأ سردية الرواية المضادة؛ فالعقل الاصطناعي يحتاج إلى خبرة البطل كي يتعلم ويطوّر أدواته، بينما يتعلّق البطل بالعالم الذي تفتحه له التجربة، تعلقاً يقترب من «الإدمان»، إذ يختبر فيه احتمالات ومشاعر لا تبدو له أقل «حقيقية» مما يعيشه خارجها. ويصبح في الوقت نفسه مشاركاً في صنع التجربة ومادةً تتغذى عليها، وكلما أمدّها بالمزيد من ذاته، ازدادت قدرتها على منحه عالماً يصعب عليه الانفصال عنه.

اختبارات فلسفية

يصف البطل تجربته بمفردات تستدعي أسئلة قديمة عن الحقيقة والوجود وإرادة الإنسان، فهو يتحدث عن «الحقيقة» و«حُلكة العدم»، ويتساءل عن حدود اختياره في عالم تستخدم فيه الخوارزمية رغباته وهواجسه لتقوده إلى مسار قد تكون رسمته له مسبقاً، وهنا لا يتعلق الشك بما إذا كانت الصور التي يراها مصنوعة، فهو يعرف أنه يرتدي نظارة محاكاة، بل بما إذا كانت معرفته هذه تمنحه قدرة فعلية على مقاومة تأثيرها فيه.

فيصف «باتريشيا»، التي يلتقيها خلال التجربة، بأنها «حقيقية، مطلقة، جوهرية، داحضة للشك»، فتبدو هذه الصفات محاولةً منه للتمسك بيقين واحد، في وقت لم يعد يستطيع فيه الجزم بما إذا كان ما يراه نابعاً من وعيه أم من العالم الذي تصنعه له الخوارزمية، كلما اشتد يقينه بحقيقة شعوره تجاهها.

تحافظ لغة الرواية على صلتها بالتفاصيل اليومية الراهنة، من حصار مقاطع «الريلز»، وأداة الذكاء الاصطناعي «جيميناي»، إلى حضور السجائر الإلكترونية «الأيكوس» بديلاً للسجائر التقليدية، وهي مفردات يستخدمها القرملاوي لرسم عالم بطله قبل دخوله المحاكاة، فلا تبدو التجربة قطيعة مفاجئة مع حياته، إنما امتداد لواقع تتدخل فيه التكنولوجيا بالفعل في انتباهه وعاداته اليومية، وصورته عن نفسه. ومن هذا الواقع نفسه ينتقل البطل تدريجياً ليصبح أحد «مواد» العالم الاصطناعي وموارده.

ويكثف عنوان «صفر فاصل خمسة» المنطقة البينية التي تتحرك فيها الرواية؛ فرغم غموض دلالته، يوحي الرقم الكسري، الواقِع بين الصفر والواحد، بحالة البطل المعلّقة بين الحقيقة والمحاكاة، والاختيار والخضوع، وربما موقع ذكاء اصطناعي لم يكتمل تعلّمه، وإنسان لم يصل إلى يقين بعد.


«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل
TT

«مائة عام من العزلة»... ذاكرة الأدب وسلطة الشاشة

مشهد من المسلسل
مشهد من المسلسل

لطالما كان الأدب تأريخاً لما تجاهله التاريخ، وصوتاً لمن تواطأ المنتصرون على تغييبهم، فهو يستعيد من هوامش ذاكرة الناس ما لا تقوله الروايات الرسمية، ويمنح المنسيين مكاناً في الحكاية. وبإطلاقها الجزء الثاني من مسلسل «مائة عام من العزلة»، أعادت منصة «نتفليكس»، رائعة الأديب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز إلى قلب نقاش سياسي وثقافي محتدم يتجاوز حدود التقييم الفني للعمل التلفزيوني، ليمس جوهر تلك العلاقة الملتبسة بين الأدب والسلطة وتاريخ أميركا اللاتينية. ويتعلق الأمر بصراع حول تفسير النص الروائي وامتلاكه، وبمدى شرعية تحويله إلى منتج بصري، وبالرسائل السياسية التي يحملها، وهو نقاش تتداخل فيه خلفية ماركيز السياسية المعروفة، وتاريخ كولومبيا المضطرب، وموقف ورثته من إرثه.

منذ صدورها عام 1967، لم تكن «مائة عام من العزلة» مجرد عمل أدبي خالص، بل استقبلت على نطاق واسع كتشريح سياسي لتاريخ أميركا اللاتينية. يرى النقاد أن الرواية، بكونها عملاً مؤسساً للواقعية السحرية، استخدمت الأسطورة كأداة لنقل التاريخ، حيث يصبح المتخيل وسيلة لفهم الواقع السياسي والاجتماعي. هذه القراءة أتت من حقيقة أن أحداثاً مركزية في الرواية، مثل حرب الألف يوم (1899-1902) ومذبحة عمال الموز عام 1928، هي أحداث تاريخية موثقة استخدمها ماركيز لفضح العنف السياسي والاستغلال الإمبريالي في كولومبيا.

لقد أتى تصريح المخرجة الكولومبية لورا مورا، المشرفة على الجزء الثاني من المسلسل، بمثابة اعتراف بهذا البعد السياسي المنسي أو المهمّش. فقد أكدت أن هدفها الأساس كان «إعادة الطابع السياسي إلى المسلسل الذي فقد بعضاً منه»، محذرة من أن تصنيف «الواقعية السحرية» قد دفع بالرواية نحو خانة الخيال، مُبعداً إياها عن جوهرها الاجتماعي والسياسي بما يطرح سؤالاً حول ما إذا كان الجمهور العالمي قد اختزل الرواية في صورها الغرائبية الخلابة، متجاهلاً السياق التاريخي الذي أنتجها، وهو سياق يعيد إنتاج نفسه في الحاضر بصور جديدة من العنف السياسي والفساد.

يقع الجدل الأكثر حساسية حول شرعية الاقتباس في موقف عائلة ماركيز نفسها، وهو موقف ينطوي على تناقض ظاهري. فمن ناحية، كان ماركيز نفسه يرفض طوال حياته تحويل روايته إلى فيلم، ليس لأنه احتقر السينما، بل لأنه كان يرى أن قيود الزمن السينمائي (ساعتان أو ثلاث) لن تسمح أبداً بتقديم سيرة سبعة أجيال وتاريخ قارة كاملة بعدالة. وقد عبر عن رفضه القاطع في مناسبات عدة، حتى أنه رفض عرضاً بمليون دولار من الممثل أنتوني كوين، قائلاً إن كوين لن يكون أبداً الكولونيل أوريليانو بوينديا بالنسبة له.

في المقابل، يبرر نجله رودريغو غارسيا باركا قرارهما، هو وشقيقه غونزالو، بالمضي قدماً في المشروع بأن والدهما كان قد قال لهما: «عندما أموت، افعلوا ما تشاءون»، وهو ما فسّراه كإشارة ضمنية للموافقة. يضيف رودريغو أن المنصة الأميركية قدمت ظروفاً مثالية لم تكن متاحة في السابق: التصوير باللغة الإسبانية، والمواقع الأصلية في كولومبيا، وممثلين محليين، ومدة كافية لتغطية الرواية. هذا التبرير يثير سؤالاً أخلاقياً حول حقوق الورثة مقابل الإرادة الصريحة للمؤلف، وهو نقاش انقسمت حوله الأوساط الأدبية في أميركا اللاتينية، حيث اعتبر بعضهم أن في هذا خيانة لإرادة الأديب الراحل.

ما يجعل الجدل حول الرواية والمسلسل سياسياً بامتياز هو أن نسيجها السردي يفضح آليات السلطة والقمع في أميركا اللاتينية. فتحضر في الرواية «حرب الألف يوم» كحرب أهلية عبثية بين المحافظين والليبراليين، وهي حرب لم تكن سوى مسرح للتدخل الأجنبي ونهب الثروات تحت غطاء أيديولوجي. كما أن «مذبحة عمال الموز»، التي شهدها أحد أبطال الرواية، ليست مجرد حدث مأساوي، بقدر ما كانت نموذجاً لسياسة الإنكار الرسمي والتواطؤ بين الدولة والشركات الأجنبية لإخفاء الحقيقة.

وتكتسب إشارة الرواية إلى «الدكتور غير المرئي» (الرئيس الكولومبي السابق) وقدرته على إخفاء قمعه، بعداً عالمياً كدليل على أن الأحداث التي صورها ماركيز، بوصفها «واقعية» أكثر منها «سحرية»، لا تزال تتكرر في غير بلد في المنطقة والعالم. وهذا البعد يجعل من إعادة إنتاج الرواية في مسلسل تلفزيوني، بحسب مورا، «مفتاحاً لفهم الحاضر» في عالم «يتجه نحو الجنون والاستعمار الجديد»، حيث إن قصة نهاية ماكوندو تعكس بشكل مقلق دورة الاستغلال والنسيان التي لم تنكسر بعد.

ولعله من المثير أن تتجاوز معركة الاقتباس كونها مسألة فنية، لتصبح صراعاً على رواية التاريخ وتملّكه. فالمسلسل، بوصفه منتجاً عالمياً، يطرح إشكالية تحويل تاريخ كولومبيا الدامي إلى سلعة استهلاكية للجمهور العالمي. وهذا ما يفسر الانتقادات القاسية التي وجهتها الكاتبة الكولومبية كارولينا سانين، التي اعتبرت أن المسلسل «يؤذي الروح» لأنه يحول «ألحان» الرواية إلى «موسيقى خلفية»، ويستبدل قوتها الروحية والتحريرية بقوة المال والتكنولوجيا. هذا الرأي يجد جذوراً في حقيقة أن «نتفليكس»، وهي شركة أميركية معولمة، تتحكم في إنتاج وتوزيع صورة تاريخ أميركا اللاتينية، وهو ما يثير أسئلة حول «الاستعمار الرقمي» ومدى قدرة أي منتج أجنبي على فهم تعقيدات هذا التاريخ.

ربما أزيلت «لعنة» ماركيز عن الاقتباس بحكم الضرورة التاريخية والتكنولوجية بعدما تحولت روايته إلى صورة متحركة وموضوع للاستهلاك البصري للمليارات من البشر حول العالم، لكن هذا التحول لم يلغِ الرمزية السياسية للنص، بل أعادها إلى الواجهة. فكما أن الرواية استخدمت الواقعية السحرية لفضح واقع مسحوق، فإن المعركة حولها اليوم تكشف عن واقع جديد: واقع تسعى فيه الذاكرة الجمعية لأميركا اللاتينية إلى إيجاد صوت لها في ظل هيمنة منصات عابرة للحدود. ولهذا لم يعد السؤال ما إذا كان المسلسل وفياً للرواية، بل ما إذا كان قد نجح في جعل العالم يتذكر أن حكاية عائلة بوينديا، بكل دوراتها وعنفها، هي حكاية قارة لم تحصل أبداً على فرصة ثانية، تماماً كما جاء في خاتمة «مائة عام من العزلة».


مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
TT

مجسمات أموية من قصر الحير الغربي

مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي
مجسّمات أمويّة من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرها قصر الحير الغربي

ازدهرت العمارة المدنية في الحقبة الأموية، وتميّزت بحللها الزينية المتعدّدة الأشكال التي جمعت بين الحجر والطوب والآجر، وحوت عدداً كبيراً من المجسّمات التصويرية الآدمية، وصل أغلبها على شكل كتل مهشّمة، بدت أشبه بالقطع المنحوتة. يحتفظ متحف دمشق الوطني بمجموعة كبيرة من هذه الكتل، مصدرها قصر يقع جنوب غرب تدمر، يُعرف بقصر الحير الغربي. تحضر في هذه المجموعة سلسلة من القامات تشهد لتنوّع كبير في الأساليب الفنية المتبعة، منها قامة تمثّل فتًى يحمل بين ذراعيه بهيمة من دواب البر، وقامة تمثل صبية تحمل بيدها اليمنى إناءً صغيراً يحوي باقة من الزهور، وقامة تمثّل شاباً يضمّ بيده اليسرى طيراً.

ظلّ قصر الحير الغربي مطموراً تحت الرمال إلى أن كشفت عنه بعثة فرنسية قادها العالم دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938. خرجت هذه الحملة بكمّ هائل من القطع المنقوشة، نُقل الجزء الأكبر منها إلى متحف دمشق، حيث خصّص لها ركن واسع في جناح الفن الإسلامي. يعود جزء من هذه القطع إلى واجهة القصر الخارجية، ويعود الجزء الآخر إلى فناء يقع خلف هذه الواجهة، تحدّه كذلك واجهة عريضة. جمع فريق المنقّبين هذه القطع المبعثرة، وعددها بالآلاف، وأعادوا تركيب جزء منها بجهد جهيد. هكذا تشكّلت واجهة القصر الخارجية من جديد، ورُفعت عند مدخل المتحف، وباتت واجهة له. كذلك تشكّلت الواجهة الداخلية، ورُفعت في الركن المخصص لقصر الحير ضمن جناح الفن الإسلامي.

في المقابل، عجز فريق المنقبين عن تحديد موقع قسم من هذه القطع المنقوشة بدقّة، وشكّل هذا الموقع المجهول أساساً لسلسلة متواصلة من الأبحاث العلمية. من هذه القطع، تبرز مجموعة من القامات تعود على الأرجح إلى الفناء الداخلي. تتميّز كلّ منها بحركة حية خاصة، ويتبيّن عند دراسة هذه المجسّمات أنّها ترتبط بخيط جامع، يتراءى في حركتها الحية. تبرز في هذا الميدان ثلاث قطع من الحجم المتوسّط، تشكّل كما يبدو ثلاث عينات مترابطة، بالرغم من اختلافها الظاهر في التكوين.

تحضر إحدى هذه العينات على شكل لوح مستطيل سقط القسم الأسفل منه، يزيّنه نقش ناتئ يلامس في نتوئه الشديد فن النحت، ويمثّل فتىً أمرد يحضر في وجهية نصف جانبية، حاملاً بين ذراعيه بهيمة سقط رأسها للأسف، ويوحي تكوين هذه البهيمة وحجمها بأنّها من فصيلة الغنم. رأس الفتى دائري، وملامحه جليّة، قوامها عينان حافظتا على بنيتهما، وأنف صغير ناتئ، وأذن ظهر صيوانها بشكل كامل، وثغر ارتسمت على شفتيه النحيلتين ابتسامة خفيّة. تكلّل هذا الوجه النضر كتلة من الشعر، تعلوها خصل متموّجة تتسّم بطابعها الحي. يرتدي هذا الفتى ثوباً من الطراز الروماني، تعلوه ثنايا تلتف حول الصدر والحوض. ضاع ساقا هذه القامة نتيجة سقوط الجزء الأسفل من اللوح، وما تبقّى من الصورة المجسّمة يوحي بأن هذا الرداء يلفّ كذلك الساقين. حركة هذه القامة واضحة، وتتمثّل بذراعين مرفوعتين تحملان الخروف في وضعية التقدمة. تظهر الذراع اليسرى بشكل كامل، وتتبع مفاصلها التشريح الكلاسيكي الذي يحاكي المثال الطبيعي الحي. يظهر الساعد، وتظهر اليد بأصابعها الخمس، وفقاً لناموس الجمالية الكلاسيكية المكرّسة.

يتجلّى هذا الأسلوب في عينة أخرى تمثّل قامة أنثوية ترتدي ثوباً تعلوه ثنايا محدّدة بدقّة. فقدت هذه القامة ذراعها اليسرى وقدمها اليمنى، وحافظت على رأسها بشكل كامل. الوجه الأنثوي صاف ونضر، مع ثغر صغير ترسم شفتاه ابتسامة رقيقة. تلتفّ ضفائر الشعر حول هذا الوجه، وتشكلّ كتلتين هلاليّتين يفصل بينهما شقّ في الوسط، وفقاً لتسريحة تقليدية تُعرف بـ«التسريحة الكنيدية»، نسبة إلى مدينة كنيدوس في إقليم كاريا في جنوب غرب آسيا الصغرى، وهي التسريحة التي عُرفت بها في وجه خاص، المعبودة أفروديت، في تمثال صنعه قديماً براكستيليس، النحات البارع الذي يختصر اسمه جمالية النحت الإغريقي القديم.

يستقرّ رأس هذه الصبية الحسناء فوق عنق عريضة، وتظهر في موازاة استدارة الذقن، استدارة ناتئة في أعلى العنق، تُعرف في قاموس الفن اليوناني بـ«الذقن المزدوجة». ترتدي هذه الصبية ثوباً تلف ثناياه قامتها، مع زنار علوي يلتفّ حول الخصر. ترتفع الذراع اليمنى نحو أعلى الصدر، وتحتضن إناءً يستقرّ وسط اليد، وتظهر في وسط هذا الإناء باقة من الزهور، تتكوّن كلّ منها من أربع بتلات متناسقة. يتبنّى هذا التمثال النسق الإغريقي الكلاسيكي، ويتجلّى في الأسلوب الواقعي المعتمد في صياغة مختلف أعضاء الجسد الأنثوي، كما في صياغة ثنايا الثوب الذي يلفّ هذا الجسد.

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو على شكل قامة منتصبة فقدت قدميها، وتمثّل هذه القامة شاباً يحضر في وضعية المواجهة، معتمراً قبّعة عريضة قمّتها مدبّبة، رافعاً ذراعيه نحو وسط صدره. يرتدي هذا الشاب ثوباً فضفاضاً ينسدل عند الركبتين، مع زنار عريض معقود حول الخصر. ويكشف هذا الثوب القصير عن سروال فضفاض، ويتبع زياً تقليدياً يُعرف بالزي الإيراني القديم، وتتبع القبّعة زياً يُعرف بالقلنسوة الفريجية، نسبة إلى إقليم فريجيا القديم في الوسط الغربي من الأناضول. ويشكّل الثوب والقلنسوة زياً جامعاً شاع بشكل واسع في العالم المتوسّطي بأقاليمه المختلفة. يحضن هذا الشاب بيده اليسرى طيراً سقط رأسه، يبدو أشبه بحمامة، ويرفع يده اليمنى في حركة موازية، حاضناً أداة سقطت بشكل كلّي، بحيث يصعب تحديد هويها. يجمع هذا المجسّم بين التقليد الروماني والتقليد الساساني، ويتبع تكوينه نموذجاً اعتُمد بشكل واسع في الفن الجنائزي الخاص بمدينة تدمر الأثرية.

في الخلاصة، يحضر كلّ من هذه المجسّمات في حركة خاصة، حاضناً خيرة من خيرات هذه الأرض، وهي هنا خروف وطير وباقة من الزهور، وتمثّل بعضاً من نِعم الأرض، وهي الأرض التي جعلها فراشاً للإنسان، كما تقول الآية الكريمة (البقرة 22)، فباتت «مهاداً، وموطأً، وقراراً يستقر عليها» كما جاء في تفسير الطبري.