«عام السرطان»... سيرة روائية لمقارعة المرض العُضال

سالمة صالح تكتب عن تجربتها المؤلمة

«عام السرطان»... سيرة روائية لمقارعة المرض العُضال
TT

«عام السرطان»... سيرة روائية لمقارعة المرض العُضال

«عام السرطان»... سيرة روائية لمقارعة المرض العُضال

صدر عن «منشورات الجَمل» كتابٌ جديد يحمل عنوان «عام السرطان» للقّاصّة والروائية العراقية سالمة صالح المُقيمة في برلين حالياً. ونظراً لصعوبة تصنيف هذا الكتاب السردي فقد وضَعَتهُ الكاتبة في خانة «تجارب» بينما ارتأى الشاعر فاضل العزاوي أن يسمّيه «رواية» في الكلمة المُعبِّرة على دبجها على الغلاف الأخير. وعلى الرغم من صحّة التصنيفَين أعلاه إلاّ أن سالمة صالح تُعرِّج في الصفحات الأخيرة من الكتاب لتصِفهُ بما يُشبه «التقرير» عن تجاربها الشخصية مع مرض السرطان. وبما أن العمل أدبي بامتياز وليس تقريراً، فيمكن تصنيفه «بالسيرة الروائية» التي تتماهى فيها المؤلفة مع راوية النص، كما يذهب الناقد عبد الله إبراهيم، ليقدّم لنا في خاتمة المطاف خطاباً أدبياً مُهجّناً يستمد مادته الأساسية من الرواية والسيرة الذاتية في آنٍ معا.
تُشْبِه بِنية هذه السيرة الروائية سجادة مُتقنة الصنع لا تحتمل الخطأ في حياكة نسيجها، ورسم أشكالها المجسّمة بطريقة فنية مُبهِرة لا تُخطِئها العين الحصيفة. فعلى الرغم من ضراوة المرض الذي تعرّضت له الراوية إلاّ أنها حافظت على حبكة الرواية، وحرصت على إيقاعها الداخلي المُتوازن، والتزمت بلغة مشذّبة خالية من الزوائد والاستطرادات.
تمتلك سالمة صالح رؤية أدبية في تجربتها القصصية والروائية، ويستطع القارئ الكريم أن يتلمّس في منجزها السردي بعض المحمولات الفنية والفكرية والجمالية التي استلهمتها من قراءاتها الواسعة، وتخصصاتها الدقيقة فهي ترسم، وتعزف، وتصوِّر، وتترجم، وتكتب نصوصاً قصصية وروائية يعتمد بعضها على أبحاثٍ عميقة كما هو الحال في سيرتها الروائية «عام السرطان» التي تغصّ بمعلومات علمية دقيقة عن نوعين من السرطان وهما بالألمانية «الموربوس هودجكِن والكارزينوم» حيث أُصيبَت بهما في بداية 2013 وتماثلت للشفاء قبل نهاية العام ذاته بثلاثة أيام، وقد سمت ذلك العام بـ«العام المفقود» وهو توصيف مجازي جميل كان يصلح أن يكون عنواناً مثيراً للسيرة الروائية برمتها.
الإحساس بالفراغ
لم تشعر الراوية بالصدمة حتى بعدما عرفت أنّها مُصابة بالسرطان وأنّ هذين النوعين غير قابلين للشفاء لكنها شعرت بفراغ كبير، وتوصّلت إلى قرار سنعرفه عند اللحظة الحاسمة التي تمثلت بصدمة زوجها «فاضل» وهو يتلقّى خبر إصابتها بصوت متهدِّج اضطّرها لأن تشدّ من عزيمته قائلة: «لا تبكِ فإنني لم أمتْ» (ص11) وكأنها توحي لنا بأنها ستقاتل هذا المرض اللعين بكل ما أوتيتْ به من قوة. لم يحضر فاضل كثيراً في النص السيري ولا الابن الوحيد محمد لكننا نتحسس وجودهما وانعكاس ظلالهما على تطورات الأحداث التي تشهدها بطلة النص وكائنته السرديّة الوحيدة، وتحسباً لأسوأ الاحتمالات أوضحت لفاضل طريقة استعمال الغسّالة الكهربائية، والصرّاف الآلي، وأين يجد المواد الاستهلاكية في السوق في أثناء غيابها في أروقة المستشفى التي تتحمّلها على مضض.
لا يمكن متابعة مراحل المرض كلها بدءاً من التشخيص الأولي وانتقاله من الغدد اللمفاوية في الرقبة إلى الطحال، مروراً بالعلاج الكيماوي والتأثيرات الجانبية لبعض الأدوية، وانتهاءً بمرحلة الشفاء التام وقهر المرض كلياً بعد أن سبب لها الكثير من الألم، والإرهاق، وسقوط الشعر، وتخفيض الكريّات البيض، وتضاعف دقّات القلب، والشعور بالغثيان، وألم شديد في الأسنان وعظام الجمجمة، ووجع في المعدة والأمعاء، وتجلّط في الرئة، وتورّم في الساقين، والتهاب في الأوردة، وخدر في أصابع اليدين والقدمين، وحالات الإغماء القصيرة وسواها من الأعراض المُوجعة والمُحرجة في بعض الأحيان. لنمعن النظر في هذه الجُمل المُقتضبة التي تكشف عن حجم الألم الذي كانت تعانيه الراوية حينما تقول: «أَفقتُ في الهزيع الأخير من الليل وصرتُ أعوي مثل ذئب جريح وأنا أتنقّلُ في المنزل» (ص28). وفي موضع آخر سبب لها بعض الحُقَن الطبية ذعراً لا مثيل له حيث تصفه الساردة كالآتي: «كنتُ أسمع ضربات قلبي تدقُّ طوال الوقت فتجعل النوم متعذراً، كان ذلك هو الجحيم بعينه» (ص64).
المعطيات الثقافية
من أبرز المحمولات الفكرية في هذا النص السيري هو إحساس الراوية التي دهمها المرض العُضال في سنّ متقدمة بعض الشيء بأنها أصبحت مثل «ذرّة غبار معلّقة في الهواء» (ص86). يمكن استنتاج أفكار كثيرة من متن هذا النص الذي يتمحور في جانب منه على الضعف البشري من جهة، وعلى المكابرة من جهة أخرى، وقد رفضت زيارات جميع المعارف والأصدقاء لأنها لا تريد لأحد أن يراها في أشدّ حالاتها ضعفاً.
على الرغم من المخاطر الجمّة التي كانت تُحاصرها من الجهات الأربع إلاّ أنها كانت تفكر بشجيرة «الحبّة الخضراء» وقد طلبت من أحد أصدقاء البستنة أن ينقلها من الحديقة المُستأجرة إلى أصيص، كما كانت تستمع إلى مقاطع من سيمفونية لبرامز، وتتمنى لو أنها سجّلت الموسيقى الوحشية التي انطلقت من إحدى الكنائس المجاورة، وترغب في تصوير بعض الأزهار النادرة التي تشبه قناديل مشتعلة.
لا بد أن تُثير الراوية طبيعة العناية المركّزة التي تتلقاها سواء في المستشفى أو في دار النقاهة وتستغرب لهذه المؤسسة الطبية التي تبذل قصارى جهدها لإنقاذ حياة أي مريض سواء أكان طفلاً رضيعاً أم شيخاً طاعناً في السن فتبوح لأحد الأطبّاء قائلة: «إننا نُجاهد هنا من أجل حياتي الشائخة، وفي مكان آخر يموت في الحروب آلاف من الشبّان» (ص85).
تُمجِّد الكاتبة أهمية المعرفة، فلا المنصب، ولا الجاه، ولا اللقب هو ما يضفي على الإنسان هيبته لأنها موقنة تماماً بأنّ «المعرفة تمنح المرء مهابة لا يمنحها المال ولا المركز الوظيفي أو السلطة» (98). وهي تنتمي من دون شك إلى أصحاب المعرفة الذين يرون الأشياء على حقيقتها، ويتلذذون بالمعطيات الثقافية والفكرية والجمالية.
وعلى الرغم من الآلام الممضّة التي تعرّضت لها الراوية إلاّ أنها تمكنت في خاتمة المطاف من قهر هذا المرض اللعين، ولعل النهاية السعيدة التي رسمتها الكاتبة سالمة صالح تعزّز انتصارها في هذه الملحمة الفردية حينما واجهت ضراوة الموت بأقسى أشكاله المرعبة. صحيح أنها نسيت بعض الأشياء التي جاءت لشرائها من السوق وهي في طريقها إلى محطة القطار لكنها رأت شخصاً في «مايباخ أوفر» لم تتذكر اسمه، وربما لم تعرف اسمه من قبل لكنها تذكّرت هذا الإنسان الذي كان طالباً في معهد الفنون الجميلة قبل 47 سنة فقالت في سرِّها: «ما زلتُ أحتفظ بذاكرة يقظة. لقد نجوت» (ص118).
تتمتع هذه السيرة الروائية بحضور قوي لعنصري الزمان والمكان ومن خلالهما يمكن التعرّف على شبكة العلاقات الشخصية للكائنة السيرية وأنشطتها الثقافية المتعددة سواء في برلين أو بعض المدن الألمانية أو خارج البلاد، كما أن حركتها خلال عام كامل من البيت إلى المستشفى أو دار النقاهة أو السوق أو الأندية الثقافية تكشف عن خريطة المدينة وما تنطوي عليه من معالم عمرانية حديثة، وحدائق غنّاء طالما توقفت الكاتبة عند شجيراتها وأزهارها الجميلة التي لا يكّف بعضها عن مقارعة الموت الذي يختبئ وراء أقنعة مخيفة.
لا مفرّ من الإشادة بالبناء العضوي الرصين لهذه السيرة الروائية الصادقة التي عالجت فيها الكاتبة ثيمة حسّاسة وخطيرة دوّنت تفاصيلها بلغة أدبيّة رفيعة لا تخلو من الجديّة والدُعابة والفرح.



ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر
TT

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

ابنة ألبير كامو: والدي شعر بالوحدة بعد القطيعة مع سارتر

بمناسبة الذكرى الـ66 لرحيل ألبير كامو، حاورت «الشرق الأوسط» ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، «المؤتمنة الأولى» على أرشيفه. عن علاقتها بوالدها تقول: «كان الشخصَ الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي».

وحول العزلة التي فرضتها النخبة الباريسية على والدها، خاصة بعد قطيعته مع جان بول سارتر، روت: «أتذكّر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كانَ والدي جالساً بمفرده (...) أتذكر أنّني سألته: (بابا، هل أنت حزين؟)، فرفع رأسه وأجابني: (أنا وحيد)».

ورفضت انتقادات بعضِ المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، لوالدها لـ«تغييبه» العربَ في سردياته، وتقول إنَّ سعيد تناسى أنَّه «كتب (بؤس منطقة القبائل)، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة (ألجي روبليكان) حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية». وتضيف: «لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني».


ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو
TT

ابنة ألبير كامو لـ«الشرق الأوسط»: إدوارد سعيد ظلم والدي

البير كامو
البير كامو

بمناسبة الذكرى السادسة والستين على رحيل الكاتب والفيلسوف ألبير كامو، أجرت «الشرق الأوسط» حواراً مع ابنته كاترين كامو (80 عاماً)، التي تتجاوز علاقتها بوالدها الرابطة العائلية، إذ أصبحت «المؤتمنة الأولى» على واحد من أهم الأرشيفات الأدبية في القرن العشرين. وهي تتولى منذ عقود، إدارة حقوق أعماله والإشراف على نشر المخطوطات التي لم ترَ النور في حياته. وكانت وراء النشر التاريخي لروايته غير المكتملة «الرجل الأول» في التسعينات، وهو العمل الذي غيّر الكثير من القراءات النقدية حول سيرة والدها. ورغم إطلالتها الصحافية القليلة فإن السيدة كاترين قبلت حصرياً الإجابة عن أسئلة «الشرق الأوسط» بمناسبة الذكرى السادسة والستين لوالدها. هنا نص الحوار:

> بصفتك المسؤولة عن التركة الأدبية لوالدك ألبير كامو منذ عقود، ما المبادئ التوجيهية التي تعتمدينها عند الترخيص بنشر أي عمل أو فتح أرشيفه للباحثين؟

- لقد كتب والدي الرواية والمسرح والمقال، لذا فإن تعداد المبادئ التي أطبقها عند اتخاذ أي قرار يتطلب وقتاً طويلاً. وبشكل عام، فإني أعتمد في قراراتي على «الحدس» والشعور الداخلي الذي ينتابني في ذلك الوقت. وفي كل الأحوال، فإنني أعدّ أن النتاج الأدبي لوالدي ملك لقرائه أكثر مما هو ملك لي، لذا نادراً ما أجبت بالرفض أو المعارضة.

كاترين كامو

> هل لا تزال هناك في الأرشيف الذي تحتفظين به، شذرات أو مفكرات أو رسائل تعدينها شديدة الخصوصية بحيث لا يمكن عرضها على الجمهور، أو أنك ترين أن كل ما يخص كامو بات ملكاً للتاريخ؟

- لا أرى أن كل ما يخصّ ألبير كامو صار ملكاً للتاريخ بالضرورة. علينا أن نستحضر رؤية والدي للتاريخ، حيث كان يرى أن الكائن البشري أسمى وأهم من التاريخ. وأنا أشاطره هذا الرأي تماماً.

> بعد عقود من القراءة المتأنية لكل ملاحظات والدك، هل لديك شعور بأن ما تعرفينه اليوم أكثر مما كنت تعرفين وقت وفاته، أو أن جانباً منه لا يزال مستعصياً على الإدراك؟

- أعتقد أن المرء لا يمكنه معرفة أي شخص معرفة كاملة، ولا حتى معرفة نفسه... لذا، فإن رؤيتي لوالدي تظل جزئية ونسبية، وهي رؤية قابلة للنقاش والجدل بكل تأكيد.

> كيف تصفين علاقتك بوالدك؟ وما الذكريات الشخصية التي تحبين استحضارها عند تقديم أعماله للجمهور؟

- أكتفي بالقول إن والدي كان الشخص الوحيد في العائلة الذي كان يبدو سعيداً بوجودي.

> في معظم مداخلاتك وكتاباتك غالباً ما تقدمين ألبير كامو بصفته أباً في المقام الأول. ما السّمة في شخصيته الإنسانية التي لا تزال في نظرك مجهولة لدى الجمهور أو لدى كُتّاب السيرة الذين يحللون حياته باستمرار؟

- أقول إن الجانب الذي يجهله الكثير عن والدي هو أنه كان يتمتع بروح الدعابة. هو نفسه صرح ذات مرة بأن عنصر الفكاهة في أعماله لم يحظَ بالدراسة والاهتمام الحقيقيين.

> سيدة كامو، كثيراً ما تقولين بإن والدك ظّل طوال حياته ذلك «الطفل الفقير» القادم من الجزائر العاصمة. كيف أثرت هذه الأصول المتواضعة، في تقديرك على علاقته بالآخرين؟

- والدي كان بطبعه، إنساناً يهتم بالآخرين ويستمع إليهم وأنا لا أعتقد بأن لأصوله المتواضعة صّلة بهذا الجانب من شخصيته.

> كان لنشر الرسائل التي تبادلها والدك مع عشيقته ماريا كازاريس وقع الصدمة في الأوساط الأدبية. كيف تم حسم الصراع بين احترام الخصوصية العائلية والأهمية التاريخية لإظهار كامو بوصفه رجلاً تملأه العاطفة؟

- لن أذهب للقول إنني «حسمت صراعات»، بل إنني عملت بجهد دؤوب كالثور في حرثه؛ وكلما كنت أنتهي من مراجعة جزء من هذه النصوص، بدأت في مراجعة الجزء الآخر. فبعد إصدار «الدفاتر» أو كارني (الجزء 7 و8 و9 دار نشر غاليمار) التي جمعنا فيها كل نصوص والدي التي لم تكن قد نشرت، أشرفت على نشر رواية «الرجل الأول» عام 1994. وقد اشتغلتُ على نسخ مصورة من المخطوطة، حيث كانت الصعوبة الكبرى تكمن في فك رموز خط يد والدي التي غالباً ما كانت غير مفهومة، وهو ما نجحتُ فيه في نهاية المطاف، بعدها قامت الزميلة الكاتبة بياتريس فايان بجمع الرسائل التي تبادلها والدي مع ماريا كازاريس، وفي عام 2016 بدأت أشعر بأن ذكرى ماريا قد طواها النسيان فاقترحت على أنطوان غاليمار نشر تلك المراسلات.

كان والدي الشخص الوحيد في العائلة الذي يبدو سعيداً بوجودي

كاترين كامو

> يُقال إن ألبير كامو عانى في فترة من حياته من عزلة شديدة، فرضتها عليه الدوائر النخبوية الباريسية، خاصة بعد قطيعته مع المفكر جان بول سارتر. هل شعرت بصفتك ابنته بذلك؟

- نعم، لقد استشعرتُ وحدته. أتذكر حين كنتُ في الثامنة من عمري، دخلتُ غرفة الاستقبال العائلية، حيث كان والدي جالساً بمفرده على مقعد منخفض جداً، فكنتُ أبدو أطول منه. أتذكر أنني سألته: «بابا، هل أنت حزين؟»، فرفع رأسه وأجابني: «أنا وحيد»، وقد روت ليي فلورانس مالرو (ابنة الكاتب أندريه مالرو)، التي كانت تعمل مع أبي في تلك الفترة، بأنها التقت مجموعة من الأصدقاء عند خروجهم من دار «غاليمار»، اقترحوا عليها الذهاب لتناول مشروب في مكان ما، فأجابتهم: «لا أستطيع، لدي موعد مع كامو»، فقالوا لها مندهشين: «ماذا؟ ألبير كامو، هل جننتِ؟».

> تذكرين دائماً أن منزل «لورماران» الواقع في جنوب فرنسا كان مهماً في حياة والدك فكيف ذلك؟

- بالفعل، لطالما راودته الرغبة في امتلاك منزل في جنوب فرنسا، لكن إمكانياته المادية لم تكن تسمح بذلك. وقد مكنته جائزة نوبل التي حازها في 1957من تجسيد هذا الحلم، فمنطقة «لورماران» تشبه إلى حد كبير إقليم «توسكانا» الإيطالي (كما ورد في كتابه «الوجه والقفا»).

> انتقد بعض المثقفين العرب، مثل إدوارد سعيد، «غياب» العرب في سرديات ألبير كامو. كيف تتلقين هذه الانتقادات القائمة على فكر «ما بعد الاستعمار»؟

- بالنسبة لإدوارد سعيد، فقد كتب قبل سنوات في صحيفة «لوموند ديبلوماتيك» أن والدي كان «استعمارياً»، متناسياً أنه كتب «بؤس منطقة القبائل»، وهي مجموعة تحقيقات كتبها حين كان يعمل في صحيفة «ألجي روبليكان» حول فقر الجزائريين في الفترة الاستعمارية وهذا قبل رواية «الغريب» بفترة طويلة. ومع ذلك، لا تزال هذه النظرية تسبب أضراراً، وهو أمر يؤسفني.

> كيف يتم الاستعداد لتسليم مشعل هذه الذاكرة للأجيال القادمة من عائلة كامو؟

كما يقال: «من بعدي الطوفان...» أو إذا شئتم «مكتوب»! (قالتها بالعربية).


إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً
TT

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

إعادة تدوير المهمَّش... سرديّاً

في روايتها «الخروج من غيط العنب»، تُعيد الكاتبة الروائية المصرية مي المغربي تشكيل المهمَّش، لا باعتباره تفصيلاً فائضاً في الحكاية، بل بصفته بؤرة العالم، ومركز ثقله، ممتداً من مكان السرد إلى زمنه، وشخصياته المركزية.

ففي الرواية، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» للنشر بالقاهرة، لا تُطل مدينة الإسكندرية الساحلية بحلّتها الكوزموبوليتية مركزاً للسرد، بل تزيحها الكاتبة إلى الخلفية، فيما تنقل منطقة «غيط العنب» المهمشة إلى مركز الحكي، لتخلق بين المدينة وغيط العنب حالةً تكشف عن «عملقة» الإسكندرية في مقابل «تقزّم» غيط العنب؛ تلك المنطقة «الهجينة» التي تصفها الراوِية: «لم تكن شعبية ككرموز، ولا ريفية كالقرى التي أتينا منها، كانت بين البينين».

تختار الكاتبة أن تمنح بطلتها المركزية «ناصرة» هامشاً من التخفي في مستهل السرد، فلا تُفصح مبكراً عن تعقيد علاقتها بذاتها، وبمدينتها، وبأسرتها دفعةً واحدة، وبدلاً من ذلك، تجعلها تتوارى خلف حكايتها عن جدتها «أسما» وجدها «رجب»، اللذين كانا أول من أدخلاها إلى «غيط العنب»، وفي تتبّعها لحكاية الجدة، يبدو استدعاء الذاكرة العائلية شرطاً أصيلاً لعودة البطلة إلى ذاتها.

فصل عائلي

خلال تتبّع خُطى الجدة، ينحو السرد استرجاعاً عكسياً لا يخلو من منطق جمالي، إذ يستعيد الماضي، ويعيد تدويره داخل سيرة بطلة الرواية، فهي تستدعي ذاتها على خُطى رحلة جدتها، فتقول: «مؤكد أن شبشبها علق في التربة عدة مرات. وأنا أيضاً شبشبي علق في البوص»، يتماهى صوت البطلة مع سيرة جدتها «أسما» التي رحلت تقتفي أثر زوجها بعد أن هجرها خمس سنوات كاملة، ويبدو هذا التماهي مشحوناً بتعاطف واضح مع انكسار جدتها وتيهها، وهي تُقدم وحيدة على رحلة مجهولة: «كانت تخاف القطر، تراه دودة كبيرة وضخمة، وهي لا تريد أن تصبح لقمة في أحشائه، كيف فعلتها وحدها؟».

غير أن هذا التعاطف لا يبلغ حدّ الإعفاء من الذنب، فالبطلة تُحمّل الجدة «أسما» الثمن الذي ترتّب على هذا الرحيل: «كرهت أسما لأنها السبب في وجودي داخل غيط العنب».

لا يبدو «التمرّد» على المكان «المهمّش» الذي انتمت إليه البطلة مبكراً تمرّداً اجتماعياً أو طبقياً فحسب، بل يتبدّى، في جوهره، بوصفه انعكاساً كثيفاً لعالمها الداخلي المترع بمشاعر النقص والاغتراب، ذلك العالم الذي يجعلها تشعر بأنها «فائضة عن الحاجة»، كما تصف نفسها بلغة لا تخلو من مواجهات قاسية مع الذات. وهو توصيف لا يرد عابراً، بل يلازم استدعاءها لمواقف يومية متفرقة، سواء داخل بيت الأسرة، أو في خروجها إلى العالم، كاشفاً عن إحساس متراكم بالهشاشة، وعدم الانتماء.

ويبدو السرد، الذي يدور على لسان البطلة، أقرب إلى متاهة وعي تدخلها بعد أن بلغت الخمسين من عمرها، في لحظة قدرية ارتبطت بقرار «تطوير» غيط العنب، وتسليم شقق جديدة لسكانه، وهي لحظة لا تُستعاد فيها الذاكرة بدافع الحنين، بل بدافع السؤال المؤلم عن جدوى الاسترجاع ذاته، حين تتساءل: «لماذا أدرك كل ذلك الآن، وأنا في الخمسين من عمري وعلى مشارف ترك بيتي؟ ما الذي سأستفيده من إعادة تذكّر ما حصل لي بعد كل هذا العمر؟».

لا يبدو فعل التذكّر هنا مجرد استدعاء متتابع لفصول من حياة متفرقة، إذ تتبدى حياة البطلة كلها كأنها فصل واحد ممتد، يعاد داخله تدوير مشاعر قديمة مُختزنة داخل ألوان، وروائح، ومشحونة بحيرة مستمرة إزاء هُوية ظلت مهمَّشة، سواء على مستوى المكان، أو في علاقتها بجسدها، أو في محاولتها تعريف الأنوثة خارج شروط النقص، والوصم.

هنا تتجاور البنية المكانية للنص مع البنية النفسية، والعائلية للبطلة بوصفهما منظومة مرايا مزدوجة، تعكس الذات بقدر ما تنفّرها من صورتها، فالمكان لا يعمل خلفية محايدة، بل إنه وسيط كاشف، يضع البطلة في مواجهة مباشرة مع تاريخها الشخصي والطبقي معاً. أما الزمن الذي تتساءل عن جدواه، فليس زمناً مفقوداً فحسب، بل حياة كاملة لم يعد ممكناً استعادتها، أو إعادة ترتيبها، وهو ما يتكثف في تساؤلاتها الموجعة: «لماذا تأخر ردم الترعة حتى كبرت؟ لماذا لم يحدث وأنا أصغر، أو قبل أن أولد؟ الترعة التي طاردتني كلما حاولت الصعود لمصادقة أحد من الإسكندرانية. ما إحنا لسنا إسكندرانية لأننا نعيش جانب الترعة».

في هذا المقطع، لا تُقدَّم «الترعة» على أنها عنصر مكاني صامت، بل باعتبار أنها حدّ فاصل يُبرر الإقصاء الاجتماعي، ويحوّل الانتماء إلى معادلة مشروطة بمعادلات الجغرافيا والسُلطة، فتنحت الأزمة الطبقية لغة السرد بشيء من الغضب المكتوم، حيث تتحول اللغة إلى أثر مباشر للإهمال، والتفاوت. وهو ما يفتح سؤالاً روائياً أعمق عن «التطوير» و«الإهمال» لا بوصفهما سياسات عمرانية فحسب، بل باعتبارهما آليتين لإعادة توزيع القيمة الإنسانية، وتحديد من يُسمَح له بالانتماء، ومن يُترك عالقاً على الهامش.

لا يظلّ المكان الهجين في الرواية مجرّد خلفية اجتماعية أو معطى مكاني محايد، بل يتقدّم بوصفه انعكاساً لذاتٍ هجينة بدورها، تتأرجح بين تعريفات غير مستقرة للجسد والهوية. فكما يقع «غيط العنب» في منطقة لا هي مدينة مكتملة ولا ريف خالص، تعيش البطلة حالة مماثلة من الالتباس النفسي والجندري، تفقد تدريجياً قدرتها على تعريف ذاتها داخل ثنائية المرأة/ الرجل، لتظل عالقة في بحثٍ قَلِق عن تفسير طبي لتشوّه مُحتمل أصاب جسدها، غير أن هذا التشوّه يتجاور في البنية الفنية للرواية مع تشوّهات إنسانية أعمق.

ويبدو الهروب من الواقع، عبر استعانة البطلة بالكثير من الخيال، محاولةً لمقاومة واقعها الوجودي المثير للغثيان؛ فتُعيد، على سبيل المثال، تخيّل الأب الذي تمرّس على القسوة، لا كما كان، بل في صورة فانتازية هشّة: «أحب أن أتخيّل بابا طاير بالفيزبا... ويبكي»، وبهذا المنطق، تتجاوز «غيط العنب» حدود الهامش، لتصبح فضاءً تتشكّل داخله الخسارات والخيالات معاً.