الرواية بين نزع الأساطير والإبحار في عالم صوفي

الفعالية الثقافية الأولى لمعرض الرياض الدولي للكتاب

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
TT

الرواية بين نزع الأساطير والإبحار في عالم صوفي

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب

في الفعالية الثقافية الأولى لمعرض الرياض الدولي للكتاب، شارك الروائي الإريتري حجي جابر، الذي قدم من قبل ثلاثة أعمال روائية هي: «سمراويت» - 2012. و«مرسى فاطمة» - 2013 (طُبعت أربع مرات ويجري ترجمتها للغة الإيطالية)، و«لعبة المغزل» - 2015، التي وصلت القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، كما شاركت الدكتورة هيفاء الفريح، التي تعمل كأستاذ مساعد في قسم الأدب، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة، في الندوة بورقة عنوانها: «الشخصية الصوفية في نماذج من الخطاب الروائي المعاصر»، وهي كاتبة وقاصة نشرت الكثير من قصصها القصيرة والقصيرة جداً في بعض الصحف المحلية وبعض المجلات الأدبية. صدر لها عن المركز الثقافي العربي كتاب بعنوان: (تقنيات الوصف في القصة القصيرة السعودية)، ولها قيد الطبع مجموعة قصصية بعنوان: (قدر)، وقصة للناشئة بعنوان: (حكاية قارئ).
وتغيب (لظرف صحي) الروائي السعودي عبده خال.
أدارت الندوة الروائية والكاتبة السعودية رحاب أبو زيد، التي قالت في مقدمتها للندوة، إن «المعرض يمتلأ بالروايات والقصص والإصدارات العتيقة والحديثة، وقد قيل إن الألم مبراة للقلم الحر الجاد في الكتابة، ففسد الكثيرون مع قليل من الاستثناءات والكثير من التحديات أمام من بقوا صامدين بوجه التحولات الخطيرة التي مرت بها الآيديولوجيات والمفاهيم والقيمة خلف القضبان... بتهمة الشفافية، القيمة في عمل ما هي المجد للروائي الجاد والظفر للقارئ الحصيف»...
وتساءلت: في البدء لماذا كانت الرواية ولماذا هي الفن المستمر والدائم في كل الأزمان والأماكن، لعشق الناس للحكايات علاقة بقصص الجدّات منذ عبق سني الطفولة الأولي، إلاّ أن هذا العشق لا يفتأ يكبر مع ثرثرات المارة ونميمة الأشجار عن بعضها البعض، بل وتكبر معنا في أحاديثنا السرية كلما أطلنا البحلقة في الجدران والمرايا...
* ‏أساطير حول الرواية
في ورقته بعنوان «‏أساطير حول الرواية»، يقول حجي جابر: برأيي أن ثمة أساطير، وليكن عددها عشراً، تحيط بالرواية كتابة ونشراً وتلقياً من قبل القراء قد يفاجأ بها من يخوض مجال الكتابة للمرة الأولى. وهو ربما أكثر من يحتاج للتفكير فيها واستحضارها قبل أي شيء.
سأقوم بإيراد هذه الأساطير بشكل متتال. ولكني قبل ذلك بحاجة للتأكيد على صعوبة التعميم هنا بطبيعة الحال، فالاستثناء حاضر ووجهات النظر المخالفة مرحب بها بكل تأكيد.
أولى هذه الأساطير هي «الوقت المناسب للكتابة»، وهنا أقصد أن يتأخر الواحد في كتابة روايته انتظاراً للحظة غير معلومة على وجه الدقة يعتقد أنه يكون فيها قد بلغ الجاهزية الكاملة. هذه اللحظة المناسبة قد لا تأتي إلى الأبد، فالوقت المناسب دائماً هو الآن. ولعل أحد أسباب هذا الانتظار هو الحرص على الاقتراب من الأعمال العظيمة التي يقرأها الشخص في حياته ويستصعب أن يأتي بنصوص دونها في الجودة. لكن يفوته هنا أنّ غالب أصحاب هذه الأعمال لم يبدأوا من القمة إذ لا قمة في الكتابة إنما هي مشوار طويل يبدأ ويتدرج في التطور.
الأسطورة الثانية هي «الإلهام»، وهي حيلة أخرى لتجنّب الكتابة ورهقها برهنها للمزاج وتقلباته، بينما يجدر بالكاتب أن يملك مشروعاً ويلتزم ويتفانى في إنجازه بعيداً عن تلك التقلبات. وهنا من المهم أن نورد مقولة ماركيز الذي يعتقد أنه لا يوجد شيء اسمه إلهام، وأن الأمر يقتصر على مجرد الجلوس والكتابة. نعم هكذا بكل بساطة يقول ماركيز أجلس واكتب دون الالتفات لفكرة واهمة هي ضرورة انتظار الإلهام والبقاء تحت رحمته.
الأسطورة الثالثة تقول: «إن الموهبة وحدها تكفي». الموهبة قد تصنع رواية أولى، لكنها لا تضمن بناء مشروع. لا تضمن الاستمرار. رحلة الكتابة بحاجة إلى حفر واشتغال وتعلّم وتمرين. هي نجارة كما يقول ماركيز. على الكاتب أن يسابق قارئه، وألا يتخلى عن فكرة إدهاشه... وهذه أمور لا تضمنها الموهبة وحدها.
الأسطورة الرابعة التي تحيط بعالم الرواية وكتابتها هي «بلوغ ذروة التجويد»، وهنا ينبغي أن يعرف كل مقبل على الكتابة أن عملية مراجعة النص وتجويده لن تصل إلى نهاية أبداً، وأننا سندفع بالكتاب إلى المطبعة دون بلوغه تلك الذروة.
الأسطورة الخامسة هي أن «الكتاب يشقّ طريقه وحيداً» هناك من يتشبث بالفعل بهذه الفكرة. تنتهي علاقته بكتابه بمجرد صدوره، لا يأتي على ذكره، لا يتحمّس للنقاشات حوله. هو يتمنى نجاح العمل... هذا صحيح، لكنه في المقابل يرفض فكرة السوق، وأن الكتاب سلعة خاضعة لتلك الفكرة.
الأسطورة السادسة هي أن «الناشر سيوصل كتابك لكل قارئ». لنتخيّل هنا السيناريو التالي: سيقرأ الناشر الكتاب وهو بالضرورة على تماس حقيقي بالأدب، سيعيده إليك في زمن معقول مع عدد من الملاحظات الجوهرية ليأخذ موافقتك قبل أن يدفع به إلى محرر الدار الذي سيغربل الكتاب ليخرجه في صورة مثالية. بعد ذلك ستجد حملة ترويج كبيرة، سيقام لك حفل تدشين، وستجد اسمك في وسائل إعلام مختلفة. والأهم أنه لن تجد مكتبة ليس فيها هذا الكتاب.
الأسطورة السابعة وهي أن «الناقد سينتشلك من العَتمة» سيخرج الناقد من بيته إلى جنوب المدينة، وهناك وفي شارع فرعي سيوقف سيارته ليمشي في شارع أصغر لا يسع السيارة. سيجد مكتبة صغيرة بالكاد ينتبه لها المارة. لن يتضايق من الكتب المبعثرة، ولا من الغبار. سيتجه من فوره إلى آخر الممر وكأنه يتبع خريطة الكنز... سيجثو على ركبتيه ليلتقط كتابك المدفون في الرف الأخير. سيزيل عنه الغبار ويقرأه ثم يقدمك إلى العالم كاكتشاف أصيل.
الأسطورة الثامنة هي أن «الاعتراف يحدث بمجرد صدور عملك» وأقصد بالاعتراف هنا أن تجد نفسك تلقائياً قد انخرطت في عالم الروائيين فتدعى إلى المؤتمرات ومعارض الكتب ويصبح الاسم متداولا... الاعتراف غالباً لن يحدث مع كتابك الأول... ولا العاشر بالمناسبة. هو يحدث حين تحصل على جائزة.
الأسطورة التاسعة... تتعلّق بالقارئ، ففي غياب الاعتراف الذي غاب بدوره لأن الناقد الذي تعرفون لم يخرج من بيته إلى جنوب المدينة... ربما تعتقد أن القارئ وحده سيجسر الهوة ويصل إليك. هذا لا يحدث في الغالب.
الأسطورة العاشرة أنك «ستغتني من عوائد كتابك». هذا لن يحدث غالباً. الأمر هنا لا علاقة له بطبيعة عقدك مع الناشر، ولا بضعف القدرة الشرائية في بلدك، ولا بانصراف القراء إلى أمور أخرى ولا بقرصنة الكتب. الأمر يتعلق بالدرجة الأولى في أنك ستكون قادراً على معرفة شيفرة المفاعلات النووية في كوريا الشمالية، وفي فك لغز وفاة الليدي ديانا، وفي فهم الطريقة التي ارتقى فيها ماجد عبد الله عاليا جدا جدا وأحرز هدفه الشهير بالرأس في الهلال. لكنك في المقابل، لن تكون قادراً على معرفة كم طبع الناشر من كتابك بالفعل!
* الشخصية الصوفية
في ورقتها بعنوان: «الشخصية الصوفية في نماذج من الخطاب الروائي المعاصر»، تقول الدكتورة الفريح: أحاول من خلال هذه الورقة أن أفهم سرّ هذا التهافت عبر بضاعتي (السرد)، لا سيما أن الروائيين التفتوا إلى تلك الشخصيات ببعثها من مرقدها وجعلها الشخصية الرئيسية في رواياتهم؛ الأمر الذي زاد من شغفي في السعي لمعرفة سر إحياء تلك الشخصيات في الأدب خاصة، وترديد مقولاتها في مواقع التواصل الاجتماعي عامة.
وهذا الأمر ليس خاصاً بعالمنا العربي، فجلال الدين الرومي وصفته الـ«بي بي سي» سنة 2007 بأكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وإعادة ترجمة المثنوي إلى لغات عدة يثبت ذلك الاهتمام. ومع شهرة إليف شافاق الروائية التركية، وتأليفها لروايات عدة؛ فإن أكثر رواياتها مبيعاً رواية «قواعد العشق الأربعون».
وتضيف: لا يفوتني التنويه على أني لا أتحدث عن الخطاب الصوفي في الرواية؛ فذلك الخطاب عرف منذ زمن عند الفرنسي جيلبرت سيونيه في «اللوح الأزرق»، وعند نجيب محفوظ في بعض رواياته كـ«رحلة ابن فطومة» 1983. والطاهر وطار في «الحوات والقصر» وجمال الغيطاني في «كتاب التجليات». واستمر في الأدب المعاصر كـ«عرس الزين» للطيب صالح، «سيدي وحدانة» و«مسرى يارقيب» لرجاء عالم. و«مجنون الحكم» لسالم بن حميش، و«منافي الرب» لأشرف الخمايسي، و«ممالك تحت الأرض» لعبد الواحد الأنصاري، و«شوق الدرويش» لحمور زيادة، و«سيدي براني» لمحمد صلاح العزب، و«الظل الأبيض» لعادل خزام.
وتشير إلى أن ورقتها لا تبحث في الخطاب الصوفي الذي طُرق مرارا. إنما تركز على الشخصية الصوفية بوصفها الشخصية الرئيسة التي تقوم الرواية عليها. ولأن وقت الورقة قصير فقد حصرت المدونة على ثلاثة نماذج لروائيين متنوعي الأقطار وعن شخصيات صوفية مختلفة:
الرواية الأولى عالمية: «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة التركية «إليف شافاق»، وعن شخصيتين صوفيتين هما: جلال الدين الرومي وشمس التبريزي،
الرواية الثانية عربية: «الجنيد: ألم المعرفة» للكاتب المغربي عبد الإله بن عرفة، وهي عن شخصية الجنيد البغدادي.
الرواية الثالثة: محلية «موت صغير» للروائي محمد حسن علوان، وهي عن شخصية ابن عربي.
هذا التوجه المحموم من قبل العالم نحو الصوفية برموزها نحاول فهمه ومن ثم نرى إلى أي مدى أسهمت الرواية في تعزيز ذلك التوجه.
وتلخصت محاور ورقتها في ثلاثة محاور: الشخصية الصوفية بين الخطابين التاريخي والتخيلي. والرموز الصوفية في ملامح الشخصية. وخصائص خطاب التصوف.
وفي ختام الورقة تتساءل: لماذا بعثت الشخصيات الصوفية من مرقدها؟ لتجيب بأن الأدب لا يعود إلى الماضي إلا لكي يطرح أسئلة الحاضر.
وتشرح ذلك قائلة: لقد شهد القرن الثالث الهجري فتنا عدة منها السياسي: كفتنة القرامطة، ومنها الثقافي كفتنة خلق القرآن، ومثله القرن السابع الهجري حيث النزاعات السياسية بالدويلات الإسلامية المتفرقة ففي بغداد الخلافة العباسية، وفي الأندلس الموحدون والمرابطون، والدولة الأيوبية في مصر والشام، والسلاجقة في تركيا. وفي الغرب احتل الصليبيون القسطنطينية وهم في طريقهم لاحتلال القدس، وفي الشرق انتشرت جيوش المغول. والمسيحيون كانوا يقاتلون المسيحيين والمسلمون يقاتلون المسيحيين ويتقاتلون فيما بينهم. ومثل القرنين السابقين قرننا هذا الذي يشهد حروبا سياسية طاحنة، كم مضى على الحرب في سوريا؟! متى تهدأ الصراعات بين السنة والشيعة في العراق وغيرها؟! أي دين أتاح لـ«داعش» حثهم قتل الابن لأبيه والجار لجاره؟...
لتختم بالقول: أليس في العودة تلك الشخصيات (الصوفية) الداعية إلى الحب، وإلى السلام دعوة مبطنة من الأدباء إلى أن نحيي معها الإنسان المحب للسلام في دواخلنا؟



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».