تسمح معظم النوافذ بمرور الضوء من خلالها إلى الداخل حتى لا يكون المكان معتماً، لكن «نافذة» فترة انتقالات اللاعبين في الصين تعمل بشكل مختلف تماماً، إذ تبدو وكأنها «مرآه ذات وجهين». فعالم كرة القدم هناك يتماشى تماماً مع الشخصية المتنوعة لهذه الدولة الغامضة والمترامية الأطراف، لكن أي شخص ينظر إلى الصورة من الخارج سوف يكون معذوراً لو اعتقد أن قصة كرة القدم الصينية تبدأ وتنتهي بفترتي انتقالات اللاعبين الصيفية والشتوية والتي تتعاقد خلالهما الأندية الصينية مع لاعبين جدد بمبالغ مالية طائلة.
وتركز وسائل الإعلام العالمية على الصفقات الضخمة التي تبرمها الأندية الصينية مع لاعبين أجانب، لأن ذلك شيء سهل ويسهم في زيادة مبيعات الصحف. ولا يكاد يعرف أي لاعب صيني خارج حدود بلده، علاوة على أن جيل اللاعبين الذين حققوا بعض النجاح بالخارج مثل فان زهي وجنغ جي وصن جيهاي قد اعتزلوا جميعاً. ولكن هناك الكثير من الأسباب التي تدعوك إلى عدم تجاهل الكرة الصينية حتى بدء فترة انتقالات اللاعبين المقبلة.
ومع انطلاق الدوري الصيني الممتاز هذا الأسبوع، وإذا ما نظرنا إلى ما هو أبعد من الصفقات المدوية التي عقدتها الأندية مع لاعبين بارزين، فسوف نرى أن هناك منافسة مذهلة بين الفرق الصينية، ناهيك بتمتع البطولة بتاريخ وخصائص لا تقل عن كثير من الدوريات الأخرى. وفي بداية الأسبوع الأول استضاف قوانغتشو إيفرغراند الحاصل على لقب الدوري ست مرات غريمه التقليدي بكين غوان على ملعب تيانهي، وهي المباراة التي دائماً ما كان لها أهمية كبرى في تحديد وجهة اللقب خلال السنوات الأخيرة، ونجح حامل اللقب في الفوز 2 / 1 بفضل لاعب الوسط البرازيلي باولينيو صاحب الهدفين.
ويفصل بين هذين الناديين 1300 ميل، ويتحدث كل منهما لغة مختلفة تماماً (الكانتونية والماندرين)، ناهيك باختلاف المناخ والمأكولات وحتى طريقة التفكير. ويمثل كل فريق الفجوة الثقافية الهائلة بين الشمال والجنوب في الصين. ومن المعروف أن سكان العاصمة بكين يتسمون بالشراسة، ويشعلون النار قبل انطلاق كل مباراة ولا يخشون المواجهة تماماً، فضلاً عن قدرتهم الهائلة على توجيه أفظع الشتائم بلكنتهم الحادة، ولذا يُنظر إليهم على أنهم مجموعة من البشر لا يجوز العبث معهم على الإطلاق.
أما نادي قوانغتشو، الذي يقع على الساحل الجنوبي للصين، فهو موطن للمشجعين الذين يسخر منهم البعض بسبب تناولهم لطعام خفيف وعدم قدرتهم على الاتزان في حال تناول قليل من المشروبات الكحولية، فضلاً عن عدم تحملهم للطقس البارد. فهل كل هذا يبدو مألوفا؟.
يبني مشجعو نادي قوانغتشو إيفرغراند هويتهم المتميزة على الحماس الذي يوجد في أي شيء في الشمال، ويفخرون بتعليق لافتة باللغة الإنجليزية في ملعبهم تقول «نحن الناطقون باللغة الكانتونية»، في حين يتهمهم مشجعون آخرون بأنهم حديثو العهد بالبطولات وليس لهم تاريخ - صحيح أن أعداد الجمهور الذي يحضر المباريات قد تضاعف منذ أن بدأت مجموعة إيفرغراند العقارية استثماراتها في النادي وساعدته على الفوز بلقب الدوري ست مرات متتالية - لكن الفريق كان أيضاً أحد أكثر الفرق دعماً من الناحية الجماهيرية حتى قبل وصول صاحب مجموعة إيفرغراند، شو جياين، للنادي في عام 2009.
ودائماً ما تكون المباريات شديدة الحماس بين هذين الناديين الذين يقدمان أفضل عروض في كرة القدم الصينية. لقد كافح بكين غوان بكل قوة لإنهاء الموسم الماضي في مركز قريب من إيفرغراند، لكن جمهور النادي يمني النفس بحسم لقب البطولة هذا الموسم. صحيح أن إيفرغراند قد حصل على اللقب نهاية الموسم الماضي، لكن كان هذا هو الموسم الأقرب لحصول بكين غوان على اللقب الذي لم يفوزوا به منذ عام 2009.
ولسوء الحظ، لا تهتم وسائل الإعلام العالمية بمثل هذه الأحداث في ظل حالة الزخم التي تحيط بانتقالات اللاعبين للدوري الصيني. في الحقيقة، هناك نقص واضح في المعلومات الآتية من الصين، ويدرك الصحافيون تماماً أنه يمكنهم ربط أي لاعب بالانتقال إلى الدوري الصيني من دون أن يتعرضون لأي عقاب نتيجة تلك الأخبار الكاذبة، لأنهم يعرفون أنه لن يتم تكذيبهم من أي شخص داخل الصين. ويتسم هذا المكان بالعتيم الشديد، ولا تختلف ثقافة كرة القدم فيه عن ذلك أيضاً، فوسائل الإعلام الصينية غالباً ما تستشهد بمصادر لم تسمها، وخصوصاً إذا كان الأمر يتعلق بأي شيء مثير للجدل، وبناء على ذلك لا تكون هناك مساءلة لمن يروج لأخبار كاذبة. وأصبحت عبارة «مصدر مطلع على القضية» هي أحد أكثر الجُمل شيوعاً في الأخبار الرياضية التي تقرأها في الصحف الصينية. ولا يريد أي شخص أن يكون مسؤولاً عن الإخلال بالسياسة الداخلية الحساسة لكثير من الأندية.
وحتى عندما يتم تأكيد المعلومات رسمياً، لا يتم الكشف عن اللاعبين المحليين الذين تتعاقد معهم الأندية، لأن أي صفقة قد تُلغى قبل انتهاء فترة الانتقالات في حال تعاقد النادي مع لاعب أفضل.
هذا هو حال وسائل الإعلام الرياضية في الصين، فالأمور غير واضحة حتى في أفضل الأوقات. ويجب الإشارة أيضاً إلى أن معظم ما يقال عن انتقال لاعبين أجانب إلى الصين يكون منقولاً من مصادر إعلام غربية، والتي تنقل بدورها عن «مصدر في الصين». ونتيجة لذلك، فإن وسائل الإعلام في كلا الجانبين تنقلان عن بعضها البعض في حلقة مفرغة. لقد أصبحت الأمور أكثر فوضوية الآن للدرجة التي تجعل وكلاء اللاعبين يستخدمون عروضاً من «نادٍ صيني لم يكشف عن اسمه» كورقة مساومة وضغط في المفاوضات مع الأندية الأوروبية.
وفي ظل صعوبة الحصول على المعلومات، وتناقضها في كثير من الأحيان، يركز كثير من الصحافيين على انتقالات اللاعبين، على الرغم من وجود كثير من الأحداث الهامة والمثيرة للاهتمام مثل فوز قوانغتشو إيفرغراند بدوري أبطال آسيا للمرة الأولى، أو رؤية مشجعي فريق يانبيان الكوري وهم يحتفلون بشكل غريب بصعود فريقهم للدوري الممتاز عام 2015.
ويواجه كثير من اللاعبين الذين انتقلوا إلى الصين في فترة الانتقالات الشتوية انتقادات حادة، لكن يجب التعامل مع كرة القدم الصينية بصورة أكبر من الاحترام. ويجب أن نعرف جميعاً أن الدوريات الأوروبية الكبرى أقوى بفارق كبير عن الدوري الصيني وأن إنفاق أي مبالغ مالية لن يغير هذه الصورة في وقت قريب، لذا يجب ألا تكون كرة القدم الصينية في موقف دفاعي أمام الهجوم عليها. وعلاوة على ذلك، لا تخفي الصين حقيقة أنها تحترم كرة القدم الأوروبية وتسعى للوصول إلى مستواها.
ويجب أن نتفق أيضاً على أن كرة القدم في الصين بعيدة كل البعد عن الكمال، وما زال هناك طريق طويل يجب قطعه قبل أن تتمكن الصين من تحقيق طموحاتها في عالم كرة القدم، لكن يجب ألا ننتقدها بقوة لمجرد أنها تجرأت على جلب أفضل اللاعبين للعب في الدوري الصيني. وإذا كنتم تريدون أن تحكموا على كرة القدم الصينية، فيتعين عليكم أن تنظروا إلى ما هو أبعد من انتقالات اللاعبين وتركزوا على العمل الذي يتم هناك وتكتشفوا القصص التي تحدث في هذا البلد مترامي الأطراف.
ارتباط كرة القدم الصينية بسوق الانتقالات اعتقاد خاطئ
تعاقد الأندية مع نجوم كبار لا يستحق الانتقادات بل الاحترام لأن الهدف هو إثراء المسابقة
الأرجنتيني كارلوس تيفيز أحد أبرز صفقات الدوري الصيني بانضمامه لفريق شنغهاي شينهوا (إ.ب.أ)
ارتباط كرة القدم الصينية بسوق الانتقالات اعتقاد خاطئ
الأرجنتيني كارلوس تيفيز أحد أبرز صفقات الدوري الصيني بانضمامه لفريق شنغهاي شينهوا (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




