انقسام ألماني حول التعامل مع سياسات ترمب الاقتصادية

برلين تخشى خسارة أهم شركائها التجاريين

أنجيلا ميركل
أنجيلا ميركل
TT

انقسام ألماني حول التعامل مع سياسات ترمب الاقتصادية

أنجيلا ميركل
أنجيلا ميركل

تتواصل ردود الفعل الألمانية على انتخاب الولايات المتحدة رجل الأعمال الملياردير دونالد ترمب رئيساً للجمهورية، لكنها منقسمة، فهناك من يهاجم سياسته بشدة، كونها ستلحق الضرر باقتصاد أوروبا، وآخرون يؤيدونها ويطالبون بالنظر بشكل واقعي إلى ما يخطط له الرئيس الجديد من أجل إنقاذ اقتصاد بلاده الذي يعاني من مشكلات كبيرة.
وهناك أيضاً من لا يريد اتخاذ موقف نهائي، وبانتظار بلورة واشنطن لسياستها بالأخص على صعيد العلاقات الاقتصادية والتجارية، مبررين موقفهم بوجوب الحفاظ على العلاقات التقليدية التي يتجاوز عمرها نصف القرن، منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.
بالطبع تلعب بعض الأقلام الإعلامية اليوم دوراً كبيراً على الجانبين، فعلى صعيد الشارع الألماني، ما زالت نسبة ليست صغيرة رافضة لسياسته، ولكن الرفض الحاد قد خف بعض الشيء، بعد أن وصل إلى ذروته بعد فرض عقوبات جمركية على المصانع الألمانية التي تنتج في المكسيك وتصعب دخولها إلى الولايات المتحدة.
بعض رجال الحكومة والاقتصاد لهم أسبابهم الخاصة في اتخاذ موقف سلبي منه. فهم يرون في سياسته محاولة لحل مشكلاته الداخلية على حساب بلدان أخرى، خصوصاً عبارة «أميركا أولاً» وربطها بعزمه نشل اقتصاد بلاده من الركود، حتى ولو كان ذلك على حساب الصداقات التاريخية.
وما زاد قلق الألمان هو رفضه المعاهدة التجارية الحرة بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، لأنه يريد حسب تقديرهم العمل أولاً لمصلحة بلاده ثم التفكير بصالح الشركاء التقليديين، لذا سارع سياسيون ألمان للدفاع عنها، واللافت أنها كانت مرفوضة قبل عام من قبل الكثيرين وخرجت مظاهرات تشجب شروطها، لأنها لا تناسب أسواقهم الوطنية، حتى أن المستشار الألمانية أنجيلا ميركل أكدت في محاضرة لها أنها مستعدة «للقتال من أجل تجارة حرة وفتح الأسواق»، وطالبت القطاعات الإنتاجية والصناعية في بلادها بالانضمام إلى هذه المعركة، وذكّرت بأن العالم تمكن من تخطي الأزمة المالية عام 2008 عبر الانفتاح والتعاون معاً وليس العكس. وهي على قناعة بأن الانفتاح وقبول المنافسة هما أفضل وسائل الحفاظ على الازدهار في العالم. ومن دون ذكر اسم ترمب تابعت القول: «هناك من يسعى مرة أخرى للعثور على وسائل من أجل حماية الإنتاج الوطني لبلادهم بلا حدود». ولقد تُرجم موقف المستشارة أيضاً على أنه بمثابة رد على مطالبة الرئيس الأميركي ترمب أصحاب مصانع السيارات الألمانية، ومنها مصنع سيارات «فولكس فاغن»، نقل مصانعهم من المكسيك إلى الولايات المتحدة، وإلا عليهم دفع رسوم جمركية عالية على منتجاتهم عند تصديرها إلى بلاده.
وألمانيا لا يمكنها الاستغناء عن صناعاتها في المكسيك، فالتقديرات تشير إلى أن عدد السيارات التي تصنع في المكسيك ستصل إلى 5 ملايين سيارة حتى عام 2020، مما زاد من أهمية هذا البلد بالنسبة لشركات مثل «ديملر»، و«بي إم دبليو»، و«فولكس فاغن»، التي تتوقع توسيع موقعها في بلدة بوابلا المكسيكية حيث مكاتب إدارتها منذ عام 1964. ففي هذا الموقع يتم تصدير 90 في المائة من الإنتاج إلى أكثر من 100 بلد من بينها الولايات المتحدة الأميركية.
وفي أنحاء مختلفة من المكسيك، هناك نحو 1900 فرع لمصانع ولشركات ولمؤسسات إنتاجية ألمانية، لذا لم تخفِ وزيرة الاقتصاد الاتحادية بريجيت سيبرس انزعاجها من قرارات الرئيس ترمب فرض حواجز جمركية جديدة على كل ما ينتج من المكسيك بالأخص السيارات الألمانية وإلغاء الاتفاقيات، فهذا من وجهة نظرها يهدد الاقتصاد الألماني برمته وينعكس سلباً على الاقتصاد الأميركي، لأن الولايات المتحدة الشريك التجاري الأول لألمانيا. مع ذلك ترفض الوزيرة الحديث عن إمكانية اندلاع حرب تجارية إذا ما واصل ترمب التمسك بسياسته وتنصح بالتزام الهدوء والثقة بالنفس. وتسعى برلين إلى إجراء محادثات مع واشنطن، خصوصاً أن رجال أعمال أميركيين ينتقدون خطط ترمب الاقتصادية لأنها تلحق الضرر بمصالحهم في أوروبا والعالم. كما أن التصعيد لا يفيد الاقتصاد الأمريكي أيضاً، فالعجز في الميزان التجاري للولايات المتحدة كان أعلى من المتوقع في يونيو (حزيران) الماضي.
إذ تشير بيانات وزارة التجارة في واشنطن إلى أن الخسارة الصافية بلغت 44.5 مليار دولار. وكان اقتصاديون يتوقعون عجزاً لا يتجاوز الـ43 مليار دولار، ووصل العجز في شهر مايو (أيار) الماضي 41 مليار دولار والحديث اليوم عن عجز مزمن في الميزان التجاري، مما يجعل أكبر اقتصاد في العالم يستهلك أكثر مما ينتجه في الداخل حالياً، وهذا سيدفع واشنطن إلى رفع الفوائض المالية في رأسمال لأنه سيصبح أمراً مطلوباً. وحسب رأي اقتصاديين ألمان، فالسبيل الوحيد الذي قد ينهض بالاقتصاد هو استثمار ترمب في البنى التحتية، فهذا سينعش الاقتصاد في 2017 بنسبة 2 في المائة و2.4 في المائة العام المقبل.
ويرى أصحاب المصانع الألمان في سياسة ترمب أيضاً تهديداً مباشراً لأعمالهم، لذا يعربون في كل مناسبة عن هذا القلق، خصوصاً تقييد التجارة الأميركية مع الدول الأخرى وإدخال تعريفات عقابية وإبرام اتفاقيات تجارية مع كل بلد على حدة، فهذا يهدد مصير الآلاف من أماكن العمل بالأخص في قطاع صناعة السيارات الذي يعتبر أحد أهم أعمدة الاقتصاد الألماني، وفي حالة تضرره تدخل أسواق المال في حالة من عدم الاستقرار وينعكس سلباً على تطور الأسعار في منطقة اليورو.
وبرأي كيلنماس فوست، رئيس مؤسسة إيفو للدراسات الاقتصادية في ميونيخ، فإن اعتماد الرئيس الأميركي لهذه السياسة سيهدد وجود 1.6 مليون مكان عمل في قطاع صناعة السيارات ويسيء إلى العلاقات الاقتصادية الألمانية - الأميركية.
* صناعات ألمانية مستفيدة من سياسات ترمب
الجانب الألماني الذي لا يبدي قلقاً من سياسة الرئيس الجديد هو قطاع الصناعة الكيماوية والصيدلة، فالرئيس ترمب أعلن أنه يريد الحفاظ على الفرص متوازنة وكثير من المصانع الألمانية تنتج في بلاده، وتكثيف الاستثمار في البنية التحتية يعود بالفائدة أيضاً على الشركات الألمانية هناك، ولا يريد التفريق بين شركة أميركية وأخرى ألمانية إذا ما تم إحداث وظائف في بلاده. وفي المناقصات لمشاريع في البنى التحتية وبناء الطرق والجسور، تأمل للشركات الألمانية مثل «توسين كروب» و«سيمنز» إرساء مناقصات كثيرة عليها.
وما يجب ذكره هنا أيضاً أن الشركات والمصانع الألمانية الموجودة في الولايات المتحدة تلعب دوراً في سوق العمل بالأخص مصانع السيارات، فعلى سبيل المثال تشغل مصانع «دايملر» 22 ألف عامل أميركي لصنع السيارات الشخصية وسيارات الدفع الرباعي وشركة «سيمنز» توفر فرص عمل لأكثر من 50 ألف عامل في صناعة القاطرات ومعدات الموجات فوق الصوتية وتوربينات الغاز. كما يمكن للأميركيين قيادة سيارات «بي إم دبليو» من دون استيرادها من ألمانيا ويكون سعرها مناسباً لميزانيتهم، ويعمل في مصانع الشركة بالولايات المتحدة نحو 10 آلاف أميركي، ولدى شركة «فولكس فاغن» 12 ألف عامل. ومقارنة مع صناعة السيارات الألمانية في المكسيك، فإن عدد العاملين فيها أقل بكثير من العاملين في الولايات المتحدة الأميركية، وإذا ما أضيفت الأعداد الهائلة من الأميركيين العاملين في مصانع ألمانية أخرى، فإن العدد يتجاوز الـ600 ألف عامل. ففي «إس إيه بي» الألمانية وهي أكبر شركات البرمجيات الأوروبية، ورابع أكبر شركة برمجيات في العالم يعمل في فروعها الـ31 نحو 40 ألف أميركي، أي أكثر من العدد في ألمانيا.
ويلاحظ المراقبون في الأروقة الحكومية بعد تلطيف ترمب لهجته أن بعض السياسيين في الأحزاب الحاكمة وبعكس المعارضة يعملون على تهدئة الأجواء مع واشنطن والدعوة لرؤية الأمور بعيداً عن الانفعالية.
السياسيون يتفهمون أن ترمب يعتمد في رؤيته للأمور على خبرته كرجل أعمال ومال وليس كسياسي، وهذا ما أخاف الكثيرين. وترى وزيرة الدفاع أورسولا فو دا لاين، فيما يتعلق بالعلاقات التجارية بين أميركا وأوروبا، أن ترمب سوف يعمل على تحسينها بحيث يكون مضمونها مناسباً للطرفين.
وقد يكون دانيال أندريخ مندوب الاقتصاد الألماني في واشنطن العاصمة الشخص الذي يرسم الصورة الأوضح للوضع، ففي الوقت الذي تذكر فيه الصحف أن ترمب ألغى الاتفاق التجاري الحر يذكر أندريخ أن الإدارة الأميركية لم تتخلّ عن المعاهدة، بل جمدتها لفترة ولم تصرح بأي شيء حيالها، بل قالت إنها تفضل عقد اتفاقيات ثنائية مع كل بلد على حدة. وبرأيه أن مثل هذا الاتفاقات تؤدي أيضاً إلى تحرير السوق وليس إلى حرب تجارية. وبشأن تهديدات ترمب برفع الرسوم الجمركية على المصانع الألمانية التي تنتج في المكسيك وتصدر إلى الولايات المتحدة، قال أندريخ: «رغم تصريحات الحكومة الأميركية الجديدة تظل ألمانيا الشريك الأهم بالنسبة للولايات المتحدة عندما يتعلق الأمر بالتجارة والاستثمار وفرص العمل، فالشركات الألمانية في الولايات المتحدة تستثمر 225 مليار دولار، وتوفر بذلك 672 ألف مكان عمل للأميركيين نصفهم يعمل في الإنتاج».
وعلى مدى السنوات السبع الماضية زاد إنتاج السيارات الألمانية «صُنع في أميركا» 4 مرات، أكثر من نصفها يُصدر إلى بلدان أخرى. وهدف الحكومة في واشنطن إحياء إنتاجها الوطني، ويقدم نموذج الإنتاج الألماني المزدوج مثالاً جذاباً يحظى باهتمام السياسيين من كلا الطرفين. وبناء عليه من المبكر جداً إصدار أحكام مسبقة لمصير علاقات متشابكة على كل الأصعدة بين بلدين شريكين، فلم تتسلم بعد كل المؤسسات التنفيذية الجديدة أعمالها، وفيما يتعلق بالسياسة الاقتصادية فلم تصدر بعد مراسيم كثيرة بالأخص ما يتعلق بمعاهدة التجارة الحرة.
وبرأي مندوب الاقتصاد الألماني في واشنطن ربما حان الوقت بالفعل لتحديث اتفاقيات تجارية وقعت قبل نحو ربع قرن وتشمل قضايا لم تعد ذات أهمية بالنسبة للوقت الحالي ولم تخلُ من قضايا لم تكن موجودة في ذلك الوقت مثلاً ما يتعلق بالتجارة الرقمية.



قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
TT

قرار ترمب بشأن النفط الروسي يرفد خزينة الكرملين بمليارات الدولارات

العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)
العلمان الروسي والأميركي على المبنى الرئيسي للسفارة الأميركية في موسكو (إ.ب.أ)

في خطوة أثارت جدلاً واسعاً، ودفعت بحلفاء واشنطن إلى التعبير عن قلقهم، اتخذت إدارة الرئيس دونالد ترمب قراراً برفع العقوبات عن النفط الروسي المنقول بحراً لمدة 30 يوماً. وبينما تسعى واشنطن من خلال هذا الإجراء إلى كبح جماح أسعار الطاقة التي اشتعلت بفعل الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، ترى روسيا في هذا القرار «اعترافاً» دولياً لا غنى عنه، في وقت تحذِّر فيه كييف وعواصم أوروبية من أن هذه التنازلات قد تمنح الكرملين شريان حياة مالياً لتمويل حربه في أوكرانيا.

روسيا تحتفي

تسود حالة من الابتهاج في موسكو، بعد قرار وزارة الخزانة الأميركية السماح لتجار الطاقة بشراء النفط الروسي المحمَّل بالفعل على الناقلات، دون الخوف من «العقوبات الثانوية». وقد اعتبر المبعوث الخاص للرئيس الروسي لشؤون للاستثمار والتعاون الاقتصادي، كيريل ديميترييف، أن الولايات المتحدة «أقرَّت أخيراً بالواقع»، مؤكداً أن سوق الطاقة العالمية لا يمكن أن تبقى مستقرة من دون النفط الروسي.

وفي رسالة عبر «تلغرام»، توقع ديميترييف أن يكون المزيد من تخفيف القيود «أمراً حتمياً» مع ازدياد أزمة الطاقة العالمية، رغم ما سماه «مقاومة بيروقراطية بروكسل».

معضلة التمويل

كانت العقوبات التي فرضتها واشنطن في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي على عملاقَي النفط الروسي: «روسنفت» و«لوك أويل»، قد أجبرت موسكو على البيع بخصومات تصل إلى 30 دولاراً للبرميل، ما أدى إلى تقلص إيراداتها بنسبة 40 في المائة في فبراير (شباط). لكن الحرب على إيران قلبت الموازين؛ إذ تضاعف سعر مزيج «أورال» الروسي ليصل إلى 80 دولاراً للبرميل، وهو ما منح موسكو إيرادات إضافية تقدر بـ150 مليون دولار يومياً. ويرى اقتصاديون أن هذه الأموال ستسمح لموسكو بموازنة ميزانيتها، وحتى البدء في تراكم الفوائض في «صندوق الثروة القومي»، مؤكداً أنه «في الصراع بين أميركا وإيران، بوتين هو الرابح الأكبر».

رافعة مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

غضب أوروبي

واجه القرار الأميركي انتقادات حادة من حلفاء واشنطن؛ حيث حذَّر الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي من أن هذا التنازل قد يمنح موسكو 10 مليارات دولار إضافية لتمويل الحرب، واصفاً ذلك بأنه «لا يساعد على تحقيق السلام».

ومن جانبه، أبدى المستشار الألماني فريدريش ميرتس موقفاً حازماً بقوله: «نحن نؤمن بأن تخفيف العقوبات الآن، لأي سبب كان، هو أمر خاطئ».

في المقابل، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن القرار، مؤيداً وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الذي زعم أن التأثير المالي على روسيا سيكون «محدوداً»؛ لأن معظم إيرادات الطاقة الروسية تُستمد من الضرائب عند نقطة الاستخراج، وليس من بيع الشحنات العالقة.

«توازن هش»

يرى الخبراء أن هذا القرار يهدد بتعميق الانقسامات داخل مجموعة السبع، ويخشون من أن تراهن روسيا على أن هذا الإجراء هو مجرد بداية لتفكيك نظام العقوبات بالكامل.

وعلى الصعيد الاستراتيجي، تظل موسكو في موقف «توازن هش»؛ فهي تحاول الحفاظ على تحالفها مع إيران، بينما تسعى في الوقت ذاته إلى تجنب أي صدام مع إدارة ترمب، آملة في لعب دور الوسيط في صراعات الشرق الأوسط، رغم أن مراقبين يرون أن فرص القيام بوساطة حقيقية تبدو ضئيلة للغاية في ظل الظروف الراهنة.

وبينما يتطلع الصقور في الكرملين إلى الفوضى التي قد تلي إغلاق مضيق هرمز، يبدو أن الكرملين يفضل حالياً عدم استفزاز البيت الأبيض، مفضلاً الاستفادة المالية من أزمة الطاقة العالمية على الانخراط المباشر في تصعيد قد ينهي قنوات الحوار مع واشنطن.


«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.