حرب الموانئ والطرق البحرية بين الهند وباكستان

يعتبرها معلقون أكثر أهمية من القواعد الجوية

حرب الموانئ والطرق البحرية بين الهند وباكستان
TT

حرب الموانئ والطرق البحرية بين الهند وباكستان

حرب الموانئ والطرق البحرية بين الهند وباكستان

الميناءان، جابهار وغوادر، باتا يهيمنان على المشهد الجيوسياسي الإقليمي في شبه القارة الهندية، بين الهند وباكستان. وتسعى الدولتان إلى إبرام اتفاقيات لتقويض الميناء المنافس.
الميناءان اللذان يفصل بينهما 72 كيلومترًا فقط يشكلان أكثر من مجرد نقطتي تجارة وترانزيت، فهما أيضا نقطتان جيوسياسيتان على درجة بالغة من الأهمية. وفي الوقت الذي تخطط فيه الصين لاستخدام غوادر في الوصول إلى المناطق المائية حول الهند، فإن الأخيرة تطمح إلى استغلال جابهار في الوصول إلى الطرق البرية داخل آسيا الوسطى، لتشكل بذلك تهديدًا تنافسيًا للصين.
تعكف باكستان، بدعم كبير من الصين، على تطوير ميناء غوادر الواقع على مياه دافئة عميقة عند نقطة التقاء البحر العربي وخليج عمان. وفي ظل مشروع الممر الاقتصادي الصيني ـ الباكستاني الطموح الذي تقدر تكلفته بـ46 مليار دولار أميركي، سيخضع الميناء على مدار الأعوام الـ40 المقبلة لإدارة صينية. ويعتبر الممر بمثابة بوابة اقتصادية تمتد لمسافة 3000 كيلومتر تبدأ من إقليم سنغان الصيني الذي يعاني من بعض الاضطرابات والقلاقل مرورًا بباكستان وصولا إلى الشرق الأوسط. ويعتبر هذا الممر طريقًا مختصرًا للوصول إلى المحيط الهندي دون الحاجة للمرور عبر مضيق ملقا الاستراتيجي والمكتظ بالحركة البحرية. ونشرت باكستان 10 آلاف جندي لحماية المشروع، بما في ذلك نحو 600 جندي مخصصين لحماية العمال والموظفين الصينيين ومرافقة الشاحنات عبر إقليم بلوشستان بمجرد أن يبدأ تشغيل الطريق التجاري.
في المقابل، يعتبر جابهار البديل الذي تطرحه الهند لغوادر. وقررت نيودلهي ضخ 20 مليار دولار أميركي في جهود تنمية الميناء في إيران، الذي يجري تطويره باعتباره مركزاً تجارياً هندياً للوصول إلى أسواق آسيا الوسطى، من خلال ربط الهند بأفغانستان دون المرور بالأراضي الباكستانية. كان اتفاق إقامة هذا المشروع قد أبرم عام 2003، لكن تباطأت وتيرة تنفيذه بسبب العقوبات التي فرضت ضد إيران. في ظل قيادة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، تبدو الهند حريصة على إتمام مشروع ميناء جابهار كخطوة مضادة للتغلب على استراتيجية التطويق التي تنتهجها الصين وباكستان تجاه الهند على الجانب الشمالي الغربي منها.
الملاحظ أن جابهار يمد الهند بطريق بري ـ بحري للوصول إلى أفغانستان، التي من المتوقع أن تتحول إلى لاعب محوري بالمنطقة خلال الفترة اللاحقة لانسحاب القوات الغربية منها بصورة كاملة. نيودلهي بدأت تنفق بالفعل أموالا ضخمة على تشييد بنية تحتية في أفغانستان وتنوي تنمية محور أفغاني - إيراني - هندي في المنطقة بهدف مواجهة التحالف الباكستاني - الصيني - على الصعيدين الجيوسياسي والاقتصادي.
ومن المقرر أن ييسر اتفاق جابهار وصول الهند إلى منطقتي الخليج العربي وآسيا الوسطى الغنيتين بالغاز الطبيعي والنفط. وبخلاف تطوير الميناء، تخطط الهند لمد خط أنابيب لنقل النفط والغاز الطبيعي من تركمانستان عبر أفغانستان إلى داخل إيران، ومن هناك إلى كوجارات. وبذلك، تتجنب الهند المرور عبر الأراضي الباكستانية، رغم أن مشروع خط الأنابيب المار عبر تركمانستان وأفغانستان وباكستان والهند يوفر طريقًا أقصر بكثير.
من جانبه، قال مستشار المخاطر الأمنية والسياسية المستقل إندرانيل بانيرجي: «كانت الهند بمثابة سلحفاة في إطار اللعبة الجيوسياسية بآسيا، لكن اتفاق جابهار يوحي بأنها أصبحت منغمسة في اللعبة التي ربما تنتقل رقعتها غدًا إلى صحراء بلوشستان القاسية».

سر أهمية ميناء غوادر للصين

تعتمد الصين بشدة على نفط الخليج العربي، ذلك أن قرابة 70 في المائة من وارداتها النفطية تأتي من هذه المنطقة عن طريق سفن تضطر لقطع مسافة 16 ألف كيلومتر حتى تصل إلى الميناء التجاري الوحيد لدى الصين في شنغهاي. ويستغرق الأمر قرابة ثلاثة شهور كي تنقل النفط من خليج عمان عبر المحيطين الهندي والهادي. أما غوادر فسيساعد الصين على تقليص فترة النقل، مع ضمان ممر آمن في الوقت ذاته، وتدفق مستمر للنفط من الخليج العربي في مختلف الظروف المناخية على مدار العام.
كما أن غوادر سييسر أمام الصين استخدام ذات الطريق في الاتجاه المعاكس لتصدير سلعها إلى الشرق الأوسط وباقي دول العالم في إطار مبادرة «طريق الحرير للقرن الـ21» التي أعلنتها. وعليه، تتحمل بكين قرابة 80 في المائة من تكلفة بناء الميناء.
من جانبه، أعرب غازي حسن، أستاذ الدراسات الدولية في جامعة ميليه إسلامية في نيودلهي: «أصبح الصراع الجيوسياسي متركزًا الآن بدرجة أكبر حول الاقتصاد... ويدرك الجانبان جيدًا أن الحروب والمعارك العسكرية لا طائل من ورائها وتعتبر بمثابة انتحار. أما الانتصار الحقيقي اليوم فيكمن في كبح جماح العدو من خلال صراع قوى يتركز أكثر حول جني مكاسب اقتصادية. وعليه، يجري النظر إلى الموانئ باعتبارها أكثر أهمية من القواعد الجوية في إطار الشؤون الدولية في عصرنا الحاضر».

المخاوف الهندية

يشير الواقع إلى أن غوادر يتفوق على جابهار من حيث الموقع الجيوسياسي. أما جابهار فهو جزء من خليج عمان وليس جزءًا من المحيط الهندي، حيث تتمتع الهند بالهيمنة. إضافة لذلك، تملك باكستان قاعدة بحرية بالمنطقة، الأمر الذي يثير قلق الهند. وحال سماح باكستان للصين بإرساء سفن حربية أو غواصات في ميناء كوادر، فإن هذا سيفاقم من الشعور بعدم الأمان لدى الهند.
إلا أن الحال ربما يختلف بالنسبة للهند، ذلك أن إيران ربما لا تسمح لها باستخدام جابهار لأغراض عسكرية. كما أن الروابط الهندية - الأميركية سيكون لها بالتأكيد تأثير كبير على المفكرين الاستراتيجيين الإيرانيين. كما أن التحالف الهندي - الأميركي داخل المحيط الهندي يناهض المصالح الإيرانية. والملاحظ أن مخاوف الهند من أن الصين تحاول تطويقها يقابلها مخاوف باكستانية من أن الهند تحاول فرض عزلة ضد باكستان داخل فنائها الخلفي. وعليه، فإن جنوب آسيا على موعد مع صعود لعبة قوى جديدة.
من ناحيته، قال شوبهام غوش، الخبير في الشؤون الإقليمية: «من خلال مثل هذه الاتفاقات، تدخل الهند وإيران وأفغانستان في تحد مع الشراكة الاستراتيجية الباكستانية - الصينية داخل المنطقة، وحتمًا سيتزعزع توازن القوى الإقليمي».
ومع ذلك، عند إمعان النظر في الأمر يتضح أن الهند لا تسعى لتحقيق توازن بالقوى، وإنما تسعى لتوسيع نطاق قوتها. والمؤكد أن جابهار لن يشكل منافساً اقتصادياً لغوادر فحسب، وإنما سيؤثر كذلك على الأوضاع الأمنية بالمنطقة.
من ناحيتها، تشعر الصين بالقلق حيال المشاركة الهندية في جابهار. في هذا الصدد، أشارت صحيفة «غلوبال تايمز» المملوكة للدولة الصينية إلى أن: «جابهار لا يمثل سوى قمة جبل الجليد الذي يمثل الطموحات الجيواستراتيجية الهندية».

غوادر له اليد لعليا

يرى خبراء أن غوادر يتفوق على جابهار من حيث مدى النفع والموقع الجغرافي الذي يسمح بالهيمنة على الممرات المائية والقرب من الصين برًا. وأوضح غازي أنه «لا يطل جابهار على المحيط الهندي حيث تتمتع الهند بالعديد من الموانئ العاملة الأخرى مثل مومباي وكلكتا وغوا وتتمتع جميعًا بحماية الأسطول الهندي. من سوء حظ الهند يقع غوادر وجابهار عند نقطتين متقاربتين، في وقت يقع فيه الأول بمنطقة يهيمن عليها الأسطول الباكستاني، الأمر الذي سيظل دومًا مصدر قلق للهند. وحال تسليم ميناء غوادر إلى الصين، ستتفاقم محنة الهند. والمعروف أن باكستان ترتبط بعلاقات طويلة الأمد ووثيقة مع الصين».
مما سبق يتضح أنه حال إدارة باكستان مشروع غوادر بفاعلية، فإنها بذلك ستضمن التواصل الفاعل مع العالم. في المقابل، فإن إخفاقها في ذلك، سيتيح للهند وإيران جني مكاسب كبرى.



تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
TT

تقارير: أميركا تستعد لشحن أسلحة من كوريا الجنوبية إلى الشرق الأوسط

رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)
رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ (د.ب.أ)

قال رئيس كوريا الجنوبية لي جاي ميونغ، اليوم الثلاثاء، إن بلاده لا تستطيع منع القوات الأميركية من شحن بعض الأسلحة خارجها، لكن ذلك لن يؤثر على قدرة الردع في مواجهة كوريا الشمالية، وذلك بعد تقارير عن تجهيز هذه الأسلحة لإعادة نشرها في الشرق الأوسط.

وأضاف: «يبدو أن هناك جدلاً في الآونة الأخيرة بخصوص شحن القوات الأميركية المتمركزة في كوريا بعض الأسلحة خارجها»، مشيراً إلى أنه على الرغم من أن سيول قد عبّرت عن معارضتها، فإنها ليست في وضع يسمح لها بتقديم مطالب، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وذكر وزير الخارجية الكوري الجنوبي تشو هيون، يوم الجمعة، إن الجيشين الأميركي والكوري الجنوبي يناقشان إمكان إعادة نشر بعض منظومات الدفاع الصاروخي «باتريوت» الأميركية المتمركزة في كوريا الجنوبية لاستخدامها في الحرب على إيران.

بدوره، قال وزير الدفاع التايواني ويلينغتون كو، الثلاثاء، إن الولايات المتحدة لم تتواصل مع تايبه بشأن نقل أسلحة إلى الشرق الأوسط.

وقال كو، في حديثه لصحافيين في البرلمان، إن إعادة نشر أي من الأسلحة الأميركية الصنع لدى تايوان لن تحدث إلا إذا طلبت الولايات المتحدة ذلك. وأضاف أنه في حالة حدوث ذلك، ستكون الولايات المتحدة مسؤولة عن نقلها.

وقال كو: «لكن حتى الآن، لم يتصلوا بنا بشأن استخدام أي من عتادنا ذي الصلة في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران».

والولايات المتحدة هي المورد الرئيسي للأسلحة لتايوان، التي تمتلك صواريخ «باتريوت» في ترسانتها.

وتواجه تايوان، التي تحكمها حكومة ديمقراطية، ضغوطاً عسكرية متزايدة من الصين، التي تعتبر الجزيرة جزءا من أراضيها. وترفض حكومة تايوان مطالبات بكين بالسيادة.

وأفادت تقارير إعلامية نقلاً عن مصادر في الحكومة الكورية الجنوبية أن أنظمة باتريوت يجري تجهيزها لإعادة نشرها في الشرق الأوسط، حيث وصلت طائرات نقل عسكرية أميركية ثقيلة إلى أوسان لنقلها.


إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
TT

إندونيسيا: فقدان 3 بحارة في غرق قاطرة استُهدفت بمضيق هرمز

ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات قبالة ساحل الفجيرة في الإمارات وسط تهديدات إيران باستهداف السفن في مضيق هرمز (رويترز)

فُقد ثلاثة بحّارة إندونيسيين بعد غرق سفينة قاطرة، الجمعة، في مضيق هرمز، وفق ما أعلنت وزارة الخارجية الإندونيسية.

وأفادت الوزارة في بيان أن «ناجياً إندونيسياً يعالَج حالياً من حروق بمدينة خصب في عُمان. وما زالت السلطات المحلية تبحث عن الإندونيسيين الثلاثة الآخرين»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وشهدت السفينة قبل أن تغرق انفجاراً تسبّب في اندلاع حريق، وفق بيان الوزارة التي أشارت إلى فتح تحقيق.

 

 

وأثارت الحرب اضطرابات في الأسواق العالمية وارتفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوياتها منذ عدة سنوات مع إغلاق مضيق هرمز فعلياً.


في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
TT

في عالم المحاور والاصطفافات... هل يقع الصدام الكبير بين الولايات المتحدة والصين؟

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (رويترز)

يتخوّف العالم من تداعيات الحرب الدائرة في الشرق الأوسط، ومن احتمال توسّعها، ودخول أطراف أخرى فيها لتتحوّل إلى حرب عالمية تحمل الرقم ثلاثة، مع العلم أن ثمة من يرى أن هذه الحرب بدأت قبل سنوات من دون أن تتخذ الطابع العسكري والجغرافي الكلاسيكي المباشر.

وفي السياق، يتساءل كثيرون في واشنطن عمّا يعنيه الهجوم على إيران بالنسبة إلى الصين. وهؤلاء هم من «صقور» السياسة الذين يضعون روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران في محور واحد موحّد يعمل لضرب قوة الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام الدولي.

من هنا ترى بعض الأوساط المتشددة في واشنطن أن الحرب الراهنة تشكّل في بُعدها الأعمق خطوة استراتيجية ضد الصين التي لا خلاف في أروقة السياسة الخارجية الأميركية على كونها الخصم الأول الذي يهدّد مكانة بلادهم، ومرتبتها الأولى في الاقتصاد، والسياسة، والقوة العسكرية، وباختصار في النفوذ العالمي.

ما هي إذن أسباب الصدام المحتمل بين أميركا والصين واحتمالات وقوعه؟

مقاتلتان أميركيتان من طراز «إف 18 - هورنيت» تقلعان من حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

السباق الاقتصادي

دخل الصراع الاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين مرحلة حاسمة في عامي 2025 وبداية 2026، عبر فرض رسوم جمركية مرتفعة، وهدنة هشة لاحقة أسفرت عنها محادثات في جنيف. وكانت هذه الحرب التجارية التي انطلقت في عام 2018 قد تصاعدت حدتها منذ عودة دونالد ترمب إلى سدّة الرئاسة في أوائل عام 2025.

بلغة الأرقام، يبلغ الناتج المحلي الصيني 20.6 تريليون دولار مع نمو متوقع نسبته 5 في المائة في 2026، مقابل 31.4 تريليون دولار، ونسبة نمو متوقع 2.2 في المائة في 2026 للولايات المتحدة. ويتوقع محللو «سيتي غروب» أن يتجاوز حجم الاقتصاد الصيني نظيره الأميركي في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، تبعاً لوتيرة نمو الناتج المحلي الإجمالي في كل من البلدين. لكن آراء أخرى تقول إن الاقتصاد الصيني قد لا يتجاوز الاقتصاد الأميركي، أقلّه في المدى المنظور، بالنظر إلى القوة الهائلة، والمزايا الجيوسياسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة على الصين.

ويقول الباحث يانجونغ هوانغ في تقرير نشره مجلس العلاقات الخارجية (مقرّه نيويورك): «قبل سنوات، تحدث الرئيس الصيني شي جينبينغ عن صعود الشرق وتراجع الغرب للدلالة على أن الصين، بعد أن نهضت وتجددت، كانت على وشك أن تحل محل الحضارة الغربية المتراجعة، التي تمثلها الولايات المتحدة». إلا أن الموازين تبدّلت نسبياً، خصوصاً في مرحلة ما بعد جائحة «كوفيد 19»، إذ تعافى الاقتصاد الأميركي بقوة، في حين تعثر الاقتصاد الصيني، وتراجعت وتيرة نموّه، بحيث صار بعيداً عن نسبة 7 في المائة وما فوق التي حققها على مدى سنوات.

مهما يكن من أمر، سيبقى السباق الاقتصادي قائماً ومحموماً بين الجانبين اللذين يملك كل منهما أدواته: الصين تتسلح بروح الابتكار، والولايات المتحدة تستثمر نفوذها وجبروتها على مستوى العالم. ولا شك في أن واشنطن وبكين تنظر إحداهما إلى الأخرى بعين الحذر والتخوّف، لذا تمضي الأولى في سياسة التضييق على الثانية التي تمضي في سياسة بناء القوة العسكرية لتحصّن نفوذها الذي لا بد منه لتواصل تقدّمها الاقتصادي.

نقاط الاشتباك

في موازاة الاشتباك الاقتصادي–التجاري (الرسوم والمعادن النادرة ومبادرة «الحزام والطريق» وسوى ذلك...)، هناك نقاط اشتباك قد تتحول إلى فتائل اشتعال وتفجير يمكن تعدادها على النحو الآني:

1- بحر الصين الشرقي: تعيش الصين واليابان حالة توتر حاد في بحر الصين الشرقي، وطالما أن الولايات المتحدة تؤكد أن جزر سينكاكو (تسميها الصين دياويو) يجب أن تديرها اليابان -أي إنها تقع تحت مظلة الحماية التي يوفرها التحالف الأميركي الياباني-، فإن احتمال وقوع صدام بين بكين وواشنطن يبقى قائماً. بل إن اندلاع قتال بين الصين واليابان قد يرغم واشنطن على دعم طوكيو، وخوض مواجهة عسكرية مباشرة مع بكين.

2-بحر الصين الجنوبي: يصف الكاتب السياسي الأميركي روبرت كابلان بحر الصين الجنوبي بأنه «مرجل آسيا». وهو مسرح توتر دائم بين والصين والدول المشاطئة الأخرى، خصوصاً تايوان، والفلبين، وماليزيا، وبروناي، وإندونيسيا، وفيتنام، حليفة الولايات المتحدة. فمع إعلان بكين ما يُعرف بخط النقاط التسع الذي يقول عملياً إن المنطقة بحيرة صينية شاسعة، يبقى احتمال أن يشعل أي احتكاك أزمة أكبر قد تشعر الولايات المتحدة بأنها مضطرة للتدخل فيها، خصوصاً أن حجم الرهانات في هذه المياه كبير، لأن سلعاً تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات تسلك هذا الممر البحري الحيوي، وقد تكون تريليونات أخرى من الموارد كامنة تحته في شكل نفط، وغاز طبيعي، ومعادن ثمينة.

«لياوننغ» أول حاملة طائرات صنعتها الصين التي تملك الآن 3 حاملات (أرشيفية - رويترز)

3- تايوان: معلوم أن الصين لم تتخلَّ عن سياسة «صين واحدة» التي تؤكد أن تايوان جزء لا يتجزأ منها، وأنها ستستعيدها عاجلاً أم آجلاً عبر «إعادة التوحيد السلمي» في إطار دولة واحدة ونظامين، لكنها ترفض استبعاد استخدام القوة العسكرية، لا سيما إذا أعلنت تايوان استقلالها، أو تدخلت قوى أجنبية في الخلاف الذي قد يتحوّل إلى نزاع.

ومعلوم أيضاً أن الولايات المتحدة تتبنى سياسة «الصين الواحدة» التي تعترف بجمهورية الصين الشعبية مع تعزيز علاقات قوية وغير رسمية مع تايوان، بهدف الحفاظ على الوضع الراهن، ومعارضةً أي تغييرات أحادية الجانب من أي من الجانبين، مع تقديم الدعم العسكري الدفاعي لتايوان، ودعم مشاركتها في المنظمات الدولية من دون الاعتراف بها كدولة.

4- حادث عرَضيّ: قد يؤدي أي حادث عرضيّ في البحار أو الأجواء بين أميركا والصين إلى احتكاك عسكري فاشتباك، وربما ما هو أوسع. والموقع الأخطر في هذا السياق هو المحيط الهادئ، الأكبر في العالم، والذي يشكل ممراً حيوياً، بل شريان حياة للاقتصاد الصيني. فمن دون حرية الملاحة هناك ستصاب حركة التصدير ومعها الاقتصاد الصيني ككل بمقتل. ويجب ألا ننسى أن تحالف «أوكوس» الأمنيّ الثلاثي بين أستراليا والمملكة المتحدة والولايات المتحدة الذي أُعلن إنشاؤه في 15 سبتمبر (أيلول) 2021 يحمل هدفاً معلناً هو جعل المحيطين الهندي والهادئ مساحة مفتوحة، وآخر مضمراً هو إقفال ما أمكن من المسالك المائية في وجه الصين وطموحاتها.

العالم يترقّب

الواضح أن الصين التي نكرر أنها تعمل بدأب على تعزيز قوتها العسكرية التقليدية والنووية وبالطبع السيبرانية، تتجنب اتخاذ مواقف حادة وصدامية فيما يدور من صراعات، إلا أن صراعها الاقتصادي المرير مع الولايات المتحدة مستمر ومتصاعد. وبالتالي يجدر السؤال: هل يمكن لصاحبي الاقتصادين الأول والثاني في العالم ألا يتصادما؟

المدمرة الأميركية «ديلبرت دي بلاك» تطلق صاروخ «توماهوك» في إطار عملية «ملحمة الغضب» (رويترز)

رغم أن فكرة وقوع هذا الصدام تبدو بعيدة، فإن عدد نقاط التوتر التي قد تشعل النزاع كبير بما يكفي لعدم استبعاد هذا الاحتمال تماماً، خصوصاً إذا قررت الصين اعتماد استراتيجية جيوسياسية مماثلة لما تعتمده أميركا...

هل سيعمل الطرفان النوويان على إيجاد سبل لخفض التوترات التي قد تقود إلى مواجهة عسكرية مباشرة ستشارك فيها أطراف أخرى مصطفة علناً وضمناً في عالم يعجز عن الخروج من سياسة المحاور والاستقطابات؟

تلك هي المسألة...