بوفاة جيرالد كوفمان هذا الأسبوع خسر الشعب الفلسطيني صديقا في البرلمان البريطاني. كوفمان الذي توفي عن عمر 86 عاما كان صديقا حميما لإسرائيل منذ بداية عمره السياسي أيام الدراسة الجامعية، وفي مجلس العموم، خصوصا خلال حكومة هارولد ويلسون، الذي كان معروفا بانحيازه السياسي لإسرائيل. كوفمان، الذي عمل كحلقة وصل بين الحكومة الإسرائيلية وحكومة ويلسون، ظل وفيا لإسرائيل حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي. اتفاق أوسلو قلب هذا اليهودي، الذي هاجر والداه من أوروبا الشرقية، 180 درجة وبعدها أصبح من أشد منتقدي إسرائيل وقادتها، ومن أكبر المدافعين عن حقوق الشعب الفلسطيني. خلال حرب غزة أعلن أنه لن يزور إسرائيل أبدا ما دام حيا.
وفي إحدى الجلسات في البرلمان، وصف كوفمان رئيس الوزراء الإسرائيلي شارون بأنه «مجرم حرب» و«أحمق». وقال النائب المخضرم جيرالد كوفمان إن «شارون جعل من إسرائيل دولة منبوذة على الصعيد الدولي لطخت بأفعالها نجمة داود بلون الدم».
وقد جاء الهجوم الساخن الذي شنه النائب البريطاني ضد شارون أثناء نقاش داخل مجلس العموم للأزمة في الشرق الأوسط، خلال حكومة توني بلير العمالية. وأدان خلاله كوفمان الانتحاريين الفلسطينيين ووصفهم بأنهم «يمارسون القتل الجماعي»، ولكنه قال أيضا إن على أعضاء البرلمان التفكير في الأسباب التي تدعو الشباب الفلسطيني إلى تحويل أنفسهم إلى قنابل حية. وقال كوفمان: «علينا أن نسأل أنفسنا عن شعورنا لو كنا خاضعين للاحتلال الأجنبي لمدة 35 عاما، احتلال يمنع عنا أبسط حقوقنا كبشر ويحرمنا من العيش الكريم. بل علينا رؤية ما فعله اليهود أنفسهم في ظروف مشابهة، فقد فجرت منظمة أرجون التي كان يقودها مناحيم بيغن فندق الملك داود بالقدس، وقتلت 91 شخصا بمن فيهم 17 يهوديا». وكان النواب قد استمعوا في وقت سابق لوزير الخارجية جاك سترو الذي قال إن سلام الشرق الأوسط «أصبح على شفا الهاوية».
وقال كوفمان في كلمته إن «شارون أمر القوات الإسرائيلية باستخدام وسائل وحشية ضد الفلسطينيين وإنه قد حان الوقت لتذكيره بأن نجمة داود تخص اليهود جميعا وليس حكومته المثيرة للاشمئزاز فقط».
كان السير جيرالد كوفمان أحد أطول أعضاء حزب العمل البريطاني في البرلمان عمرا، وأحد أكثر أعضاء الحزب ولاء لقضايا الحزب، وأكثرهم حدة في انتقاد سياساته كذلك. وكان قد أعرب عن تأييده لعدد من زعماء الحزب الكبار بدءا من هارولد ويلسون وعبر كثير من التقلبات والصراعات التي شهدها الحزب، وكان كثيرا ما يتصدر قوائم استطلاعات نواب حكومة الظل خلال سنواته الأولى في مجلس العموم البريطاني، وكان من النواب البارزين الملتزمين بأصول الحزب، وأكثرهم صراحة. ولقد وصفه أحد حلفائه بقوله: «زعيم السياسيين، والنائب جليل القدر، والرجل الألمعي في البرلمان، والذكي للغاية من ناحية الإقناع».
ولد كوفمان في مدينة ليدز في شمال إنجلترا وكان الطفل السابع وأصغر أبناء لويس، الذي كان يعمل في حياكة الملابس، وزوجته جين، اللاجئة اليهودية التي فرت من المذابح المريعة في بولندا ليستقر بها الحال في مقاطعة يوركشاير البريطانية. وفاز جيرالد بمنحة دراسية من المدرسة الابتدائية للالتحاق بالمدرسة المتوسطة في ليدز، وكانت الدراسة فيها تتطلب دفع رسوم. وعندما فاز بجائزة المدرسة طلب الحصول على نسخة من كتاب رأس المال لكارل ماركس. ثم فاز مرة أخرى بمنحة دراسية للالتحاق بجامعة أكسفورد، وهناك درس الفلسفة، والسياسة، والاقتصاد، وترأس نادي حزب العمال في الجامعة.
وخاض كوفمان أولى الانتخابات البرلمانية في عام 1955 في منطقة بروملي المحافظة، ضد هارولد ماكميلان، الذي تولى فيما بعد حقيبة الخارجية في الحكومة والذي اتهمه بـ«صناعة السلام السياسي» بسبب أنه كان غائبا لمتابعة أعماله التجارية الدولية خلال أغلب فترات حملته الانتخابية. كما تعرض للهزيمة مرة أخرى في عام 1959 في جيلينغهام، قبل أن يفوز في نهاية المطاف في انتخابات عام 1970 ويحوز على مقعد تمثيل مدينة مانشستر لمنطقة لأردويك العمالية، ثم بعد ذلك مثل منطقة غورتون في مدينة مانشستر أيضا بدءا من عام 1983. واحتفظ بمقعده ذلك حتى وفاته، حيث فاز بأغلبية مقدراها 24 ألف صوت في الانتخابات العامة لعام 2015، والتي أصبح بعدها أقدم عضو في مجلس النواب، أي النائب الذي أمضى أطول فترة في المجلس من دون انقطاع. وبدأ كوفمان، في عهد هارولد ويلسون رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، صعود درجات السلم الوزاري، كوزير صغير في وزارة البيئة، ثم في وزارة الصناعة. ومع وصوله نهاية الأربعينات من عمره مني حزب العمال بهزيمة ساحقة عام 1979 مع وصول المرأة الحديدية مارغريت ثاتشر، التي وصفها كوفمان لاحقا بـ«الأنثى موسوليني»، إلى داونينغ ستريت. لسانه السليط، كما كان يقال عنه، كان وراء إبعاده عن وزارة الخارجية لاحقا بعد عودة الحزب إلى السلطة في نهاية التسعينات، حتى لا يتسبب بأي إحراج للحكومة. موقفه الداعم لحقوق الشعب الفلسطيني، كان السبب وراء إبعاده عن هذه الحقيبة.
الفلسطينيون يخسرون حليفاً في مجلس العموم
اليهودي جيرالد كوفمان تحول من صديق حميم لإسرائيل إلى أشد منتقديها
جيرالد كوفمان في الأمام يرافقه عضو المجلس التشريعي الفلسطيني عزيز دويك من حركة حماس (الثاني من اليمين) خلال زيارة لمدينة الخليل والجامع الإبراهيمي عام 2010 (أ.ف.ب)
الفلسطينيون يخسرون حليفاً في مجلس العموم
جيرالد كوفمان في الأمام يرافقه عضو المجلس التشريعي الفلسطيني عزيز دويك من حركة حماس (الثاني من اليمين) خلال زيارة لمدينة الخليل والجامع الإبراهيمي عام 2010 (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

