البيت الأبيض أمام مأزق قانون الرعاية الصحية

فريق ترمب منقسم حول استراتيجية تغيير «أوباما كير»

البيت الأبيض أمام مأزق قانون الرعاية الصحية
TT

البيت الأبيض أمام مأزق قانون الرعاية الصحية

البيت الأبيض أمام مأزق قانون الرعاية الصحية

لم يفلح اجتماع عقد الجمعة بين الرئيس دونالد ترمب وحاكم أوهايو، جون كاسيك، الذي كان خصمه في الانتخابات التمهيدية داخل الحزب الجمهوري للفوز بالترشح للرئاسة، في إقرار أجندة واضحة. ومع ذلك، قدم كاسيك للاجتماع متسلحًا بالأمل في التخفيف من حدة التغييرات الراديكالية التي يسعى بعض المحافظين داخل واشنطن إلى إدخالها على نظام الرعاية الصحية.
على مدار 45 دقيقة، تبعًا لما أفاده كاسيك وآخرون، طرح حاكم أوهايو وجهة نظره، بينما استدعى ترمب الكثير من كبار مساعديه، ثم أجرى اتصالاً هاتفياً بوزير الصحة والخدمات الإنسانية توم برايس. وخلال الاجتماع، ذكر جاريد كوشنر، أحد كبار مستشاري الرئيس، أبا زوجته بأن الجمهوريين داخل مجلس النواب يعكفون على صياغة توجه مغاير لتوفير الرعاية الصحية. وتبعاً لما ذكره أحد مستشاري كاسيك، أجاب ترمب على ذلك بقوله: «أعجبني هذا المقترح أكثر».
ويأتي هذا الاجتماع الذي انتهى بتوجيه الرئيس برايس ورئيس فريق العاملين رينس بريبوس بمقابلة كاسيك اليوم التالي، ليسلط الضوء على الأسلوب غير التقليدي الذي يعمل به البيت الأبيض في وقت يعكف فيه الجمهوريون على تفكيك قانون الرعاية الصحية الذي أقره الرئيس باراك أوباما واستبداله بآخر. وخلال اليوم ذاته، الذي شهد لقاء كاسيك مع الرئيس، قضى ترمب فترة الغداء في مناقشة الأمر ذاته مع حاكمين آخرين ينتميان إلى الحزب الجمهوري لديهما رؤية مختلفة تماماً، وهما سكوت والكر من ويسكونسن وريك سكوت من فلوريدا.
من جانبه، قال سكوت، الأحد، إنه استغل الغداء للضغط من أجل المبادئ التي يؤيدها علانية، مثل التعويض المالي للولايات التي لم توسع نطاق منظومة الرعاية الصحية في ظل قانون الرعاية الصحية الذي أصدره أوباما وأهمية فتح المجال أمام المنافسة والسماح للأفراد «بشراء التأمين المناسب لهم».
في الوقت الذي تركوا معظم التفاصيل للمشرعين، انقسم كبار المساعدين داخل البيت الأبيض بينهم على مدى التغييرات الراديكالية على النظام القائم. وتبقى البطاقة الرابحة هنا الرئيس نفسه، الذي لم يخصص حتى الآن سوى جزء متواضع من وقته لمهمة صياغة سياسة رعاية صحية جديدة، لكنه ألمح مرارًا بأن خطته الجديدة الكاسحة لإصلاح الرعاية الصحية أوشكت على الاكتمال. ومن المنتظر أن يتجلى هذا الموقف الغامض عندما يلتقي ترمب داخل البيت الأبيض ببعض كبريات جهات التأمين الصحي على مستوى البلاد. ومن المقرر أن يشارك في الاجتماع هذا الأسبوع ممثلون عن مؤسسات «بلو كروس» و«بلو شيلد» و«سيغنا» و«هومانا»، لكن من غير المتوقع أن يصدر عنه بيان يكشف عن سياسة جديدة كبرى. ومع ذلك، يشكل هذا الاجتماع فرصة أمام قطاع مهم من الناخبين لكسب تأييد الرئيس لموقفهم حيال واحدة من القضايا التي أعلن أنها على رأس أجندته.
من جانبهم، يعمد الديمقراطيون وحلفاؤهم بالفعل إلى دفع أنصارهم لشن هجوم حاد ضد المشرعين بخصوص التأثير المحتمل لإلغاء نظام الرعاية الصحية القائم. وبالفعل، نظموا أكثر من 100 مسيرة في مختلف أرجاء البلاد، السبت. وتسلح الديمقراطيون بتحليل جديد صادر عن الاتحاد الوطني للحكام حول تداعيات فرض حد أقصى على الإنفاق على الرعاية الصحية، وهو عنصر محوري في استراتيجية الجمهوريين داخل مجلس النواب، إذ إنه خلص إلى أن أعداد الأميركيين الذين يتمتعون بتأمين صحي قد تتراجع بحدة حال حدوث ذلك.
من ناحيته، لا يزال ترمب يعرب عن ثقته في خطة إدارته، وألمح الأربعاء أنه سيعلن عنها في غضون بضعة أسابيع.
وقال أمام حشد من المراسلين أثناء اجتماع للموازنة داخل قاعة روزفلت: «إننا نبلي بلاءً حسناً فيما يخص الرعاية الصحية، ونمضي قدماً على نحو جيد للغاية، وربما نطرح في مارس (آذار) المقبل، ربما منتصفه أو مطلعه، خطة سينبهر بها المواطنون كثيرًا». ومع ذلك، قال بعض المشرعين والقيادات على مستوى الولايات والخبراء بالمجال السياسي ممن ناقشوا الأمر مع ترمب أو بعض كبار مساعديه، إن البيت الأبيض نقل الجزء الأكبر من مسؤولية صياغة بديل لقانون الرعاية الصحية الحالي إلى «كابيتول هيل». ويبدو الرئيس أكثر اهتماماً بالتوسط في مسائل بعينها، مثل كيفية التفاوض حول أسعار العقاقير، بدل توجيه جهود صياغة الخطة.
في هذا الصدد، قال النائب توم كول، الجمهوري من أوكلاهوما، إن: «السلطة التشريعية، وعلى رأسها مجلس النواب، تتولى صياغة السياسة الجديدة». ومن المفترض أن تضطلع سيما فيرما، التي رشحها الرئيس لقيادة المراكز المعنية بخدمات الرعاية الصحية، بدور محوري في أي جهود لإصلاح المنظومة القائمة حال التصديق على تعيينها.
من ناحية أخرى، فإنه داخل صفوف الإدارة، ثمة جدل قائم بين مساعدي البيت الأبيض حول إلى أي مدى ينبغي وبأي سرعة يمكن للجمهوريين التحرك فيما يتعلق بتفكيك عناصر محورية من قانون الرعاية الصحية القائم.
من ناحيتهم، رفض مسؤلون بالبيت الأبيض التعليق على الأمر من أجل هذا المقال.
يذكر أن الكثير من الأشخاص المحيطين بترمب يبدون متلهفين لإقرار تغييرات جريئة تقلص دور الرعاية في منظومة الرعاية الصحية. ويضم هذا المعسكر نائب الرئيس مايك بنس، الذي أخبر نشطاء محافظين الأسبوع الماضي أن «كابوس قانون الرعاية الصحية الذي أقره أوباما على وشك الاختفاء» - وكذلك مساعدي مجلس السياسات الداخلية، أندرو بريمبرغ وكيتي تالنتو، ومساعد المجلس الاقتصادي الوطني، بريان بليز.
في المقابل، أفادت كثير من المصادر، رفضت كشف هويتها، أن مستشارين آخرين بالبيت الأبيض شددوا على التكاليف السياسية المحتملة وراء التحرك بقوة في هذا الاتجاه. ومن بين أبناء هذا المعسكر كوشنر ومدير المجلس الاقتصادي الوطني غاري كون، والمستشار البارز لشؤون السياسات ستيفين ميلر وكبير الاستراتيجيين ستيفين بانون. حتى هذه اللحظة، لا يزال الغموض يكتنف النقطة التي ستقف عندها جهود ترمب على صعيد إصلاح منظومة الرعاية الصحية، وإن كان قد شدد خلال الاجتماعات الخاصة والمعلنة على أهمية توفير رعاية صحية «للجميع»، مع العمل على تقليل تكلفة ذلك. ومع ذلك، قال برايس خلال جلسات الاستماع للتصديق على تعيينه، إن الإدارة ستسعى لتوفير للأميركيين القدرة على الحصول على تغطية صحية، لكن دون ضمانها.أما المقترح الذي أيده ترمب بقوة، وإن كان على نحو غير متناغم، فهو الضغط على شركات الأدوية لتخفيض أسعارها من خلال التفاوض حول مشتريات الحكومة من الأدوية عبر منظومة الرعاية الصحية. وتحظى الفكرة بتأييد كبير في أوساط الديمقراطيين وبعض الجمهوريين، لكنها محظورة حاليًا بحكم القانون.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص لـ«الشرق الأوسط»



حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
TT

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)
صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

يقول كثير من الخبراء الاستراتيجيّين إن عالم اليوم هو عالم اللاتماثل بامتياز (Asymmetry). عالم يمرّ في مرحلة انتقالية بين نظام عالميّ لم يعد ناجعاً، وعالم مُنتظر ما زال في طور التبلور؛ عالم لا مرجعيّة فيه سوى فوّهة البندقيّة. عالم تغيب فيه الدبلوماسيّة التقليديّة؛ عالم تصبح فيه الحرب الإعلاميّة تسير جنباً إلى جنب مع المعركة الفعليّة في ساحات الحرب لترسم صورة نصر قد لا تكون حقيقيّة؛ عالم تتبدّل فيه نظريات النصر.

ماذا يعني، مثلاً، أن تُعلن دولة ما انتصارها تحت شعار «ربحنا لأننا لم نخسر»؟ فهل يُقاس النصر استناداً إلى نسبة ما حقّق العدو من أهدافه المُعلنة؟ هل يُقاس النصر بعدم سقوط النظام ولو كان على حساب الدولة والمجتمع؟

لقطة من حرب أوكرانيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

في مثل هذا العالم أصبح «المُعطّل» (Disruptor) يتحكّم بديناميكيّة العلاقات الدوليّة وحركيتها. عالم مترابط «رقميّاً» (Digital) إلى حدّ الذوبان، لكنه مُفتّت فعلياً على مستوى العلاقة بين الدول، وعلى مستوى سلاسل التوريد. في هذا العالم، ماذا يعني ميزان القوى؟ تتمثل عناصر قوّة الدولة بـ: القوة العسكريّة، القوة الاقتصاديّة، القوة السياسيّة، وكذلك القوة التكنولوجيّة، ولكن ماذا يعني ذلك عندما تصبح تكلفة الحرب مُتدنّية جدّاً، بحيث تسمح للاعب من خارج الدولة أن يستحصل على التكنولوجيا المتطوّرة ذات الاستعمال المزدوج (Dual use)، وتحويلها عند الحاجة سلاحاُ فتّاكاً؟

انطلاقاً من ذلك، بات يُطرح سؤال عما هو فنّ الحرب في عالم اليوم، وكيف يتم تطبيقه. يقول المفّكر الفرنسي جيرارد شاليان في كتابه «فن الحرب الجديد»، إن العالم الغربي أصبح في حاجة إلى فن حرب جديد، بعد أن كشف باقي العالم (المُستعمَر) أسرار هذا الفنّ ووسائله. فبدل النصر المُطلق الذي كان ولا يزال يعتمده الغرب، أصبح فن الحرب الجديد لا يقوم على تدمير الخصم فقط، بل على تعطيل نظامه، وإرباك إدراكه، وضرب شبكاته الحيوية بأدوات رخيصة ولا متماثلة. تنطبق أكثر ما تنطبق هذه المعادلة على الفريق الأضعف في الحرب. أما الأقوى، فلا يزال يعتمد على استعمال القوّة المفرطة، حتى تصل إلى حدّها الأقصى، لتنتقل الحرب بعدها، وفي حال صمود الأضعف، إلى مرحلة الانسداد (Stalemate). في هذه الحالة، لا يمكن للأقوى الحسم الكامل والشامل، خاصة إذا قرر الأضعف عدم التنازل عن أي شيء.

صورة نشرتها وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» من إطلاق قذائف صاروخية من قارب سريع خلال مناورات حربية في مضيق هرمز (أرشيفية)

في هذا الإطار، كتب الصحافي البريطاني، جنان غانيش، في «فاينانشال تايمز» مقالاً تحت عنوان «قرن الانسداد»، قال فيه إن الانسداد هو سيّد الموقف في عالم اليوم، حتى مع القوى العظمى: روسيا غارقة في أوكرانيا. أميركا حائرة ماذا تفعل في الخليج. وفي الوقت نفسه، تأخذ الصين الدروس من هاتين التجربتين لرسم الاستراتيجيّة المستقبليّة تجاه تايوان. لكن الفكرة الأهم التي وردت في المقال ترتكز على معنى الاستقرار (Stability) في العصر الحالي مقابل القرن الماضي. ففي القرن العشرين، كان الاستقرار ينتج من انتصار فريق على فريق آخر. هكذا حصل في الحرب العالميّة الثانية. لكن تعريف الاستقرار اليوم، في القرن الـ21، قد يرتكز على فكرة «الانسداد»، أو على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب»، وعلى قبول الأفرقاء بالواقع والتعايش معه، وكأنه الحالة الطبيعية. يعيد ذلك التذكير بالتجربة الكورية من عام 1950 وحتى اليوم: منطقة عازلة؛ وقف للنار، لكن دون معاهدة سلام. ومن الواضح أن هناك جهوداً اليوم لتكرار شيء شبيه بالتجربة الكورية في أوكرانيا، وتحديداً ما يخص إقليم الدونباس في شرق البلاد، الذي تسعى روسيا إلى إكمال سيطرتها عليه.

تفرض هذه الخلفية طرح تساؤلات حول كيف يُفكّر المُنظّرون الجيوسياسيّون اليوم في النظريّات التي وضعها مفكّرو الغرب بعد الثورة الصناعيّة. فهل لا تزال نظريات البريطاني هالفورد ماكندر، حول أهميّة السهل الأوراسيّ (هارتلاند) قائمة في القرن الحادي والعشرين؟ كان ماكندر يرى أن من يسيطر على أوروبا الشرقية يسيطر على الهارتلاند، ومن يسيطر على الهارتلاند يتحكّم بمصير العالم. وماذا عن الريملاند (Rimland)، أو الحافة الساحلية لأوراسيا والتي نظّر فيها المفكر الأميركي نيكولا سبايكمان قائلاً إن من يسيطر على الحافة الساحلية لأوراسيا يسيطر على أوراسيا، ومن يسيطر على أوراسيا يسيطر على العالم. فأين أصبحت هذه النظريات؟

عندما رسم الرئيس الصيني شي جينبينغ مشروعه الكوني «الحزام والطريق» أراد جمع نظريتيّ كل من ماكندر وسبايكمان، أي الهارتلاند والريملاند، على أن تكون الصين مركز الثقل الأساسيّ. حالياً، يعاني الريملاند، المفترض أن يُشكّل خط الاحتواء للصين بعد أن كان خطّ الاحتواء للاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة، من صعود الهند وباكستان، ومن تداعيات الحرب الحالية مع إيران. وفي الوقت نفسه، يتوطّد مسار الهارتلاند بين روسيا والصين بشكل يمكن القول فيه إنه للسيطرة على الهارتلاند ليست هناك ضرورة للسيطرة على أوروبا الشرقية، بعكس ما نظّر ماكندر. فأوروبا الشرقية أصبح أغلبها ضمن حلف «ناتو» المترنّح. وتبدّلت المعادلة الآن على الشكل التالي: بدل السيطرة على أوروبا الشرقية كنقطة انطلاق للسيطرة على السهل الأوراسي، قد يمكن البدء من شرق آسيا، ومن الصين بالتحديد، والتمدّد نحو أوروبا الشرقيّة للسيطرة على السهل الأوراسيّ. فهل بدأ التحول لتكون الصين أولى بين متساوين؟ والجدير ذكره هنا، أن التأثير الصيني قد وصل إلى أوروبا الشرقيّة، عبر روسيا، بحيث استفادت الصين من الأخطاء الجيوسياسيّة التي ارتكبها الغرب، سواء ما يتعلق بتوسعة حلف «ناتو»، أو الحرب الروسيّة على أوكرانيا. ولكن ماذا لو فُتحت طريق الشمال بعد ذوبان الجليد القطبي بحيث تصبح الطريق سالكة على مدار السنة: هل ستستمرّ النظريات الجيوسياسيّة الغربيّة القديمة في تأثيرها، أم لا بد من البحث عن تعديلات جذريّة لأنه لا يمكن الهرب من قدريّة الجغرافيا، خاصة في السهل الأوراسيّ؟

طائرات تنطلق من على سطح حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» خلال الحرب على إيران 3 مارس 2026 (رويترز)

تماهي الخطوط في الحرب والسلم

لا يزال المفكرون العسكريون يتحدّثون عن ثلاثة مستويات للحرب هي: الاستراتيجيّة، العملانيّة، والتكتيك. في هذه المعادلة، تعوّدت الجيوش على وضع الاستراتيجيّات، وتمريرها إلى المستوى التكتيكي، وعبر المستوى العملانيّ كي تُختبر ميدانيّاً. وبعد الاختبار، لا بد من أخذ الدروس، تحليلها، ومن ثم القيام بالتعديلات اللازمة. كانت هذه الدورة (Cycle) تأخذ وقتاً طويلاً للتحليل، واقتراح اللازم، ثم إدراجها في العقيدة القتاليّة. لم يعد هذا الأمر قائماً. فالمُصنّع والمقاتل أصبحا معاً في أرض الميدان خلال القتال. يختبر المقاتل السلاح الجديد إلى جانب المهندس الميكانيكي، أو مهندس الكمبيوتر، أو المُبرمج (Coder). وبذلك تكون هذه الدورة، قد تقلّصت إلى أيام وأسابيع بعدما كانت تُقاس بالسنين.

غيّر الفيلسوف الأميركي الفيزيائي الراحل، توماس كون، فهمنا لتاريخ العلوم. فهو كان قد نظّر حول مفهوم الثورات العلميّة، ونقد الفهم القديم التراكميّ والتدريجيّ في التطوّر العلميّ. ففي الثورة العلمية، حسب كون، تسقط النظريات القديمة لتحلّ مكانها نماذج فهم جديدة. هكذا هي حال عالم اليوم، خاصة وأن النماذج العلميّة القديمة لم تعد تقدّم الحلول الناجعة، وتحديداً في الحروب الحديثة. فالعقيدة العسكريّة القتاليّة ترتكز عادة على الوسائل المتوافّرة. وكلّما قدّم العلم وسائل جديدة، ارتقت العقيدة العسكريّة مع هذا التحوّل. ومن يُهمل هذا التحوّل العلميّ سيدفع الأثمان الكبيرة. هكذا هي حال أوروبا وحلف «ناتو» بعد الإهمال الأميركيّ. في عالم اليوم، انتقلت صناعة الأسلحة إلى القطاع الخاص بكل أبعادها. وبدأت الشركات الناشئة تقدّم الحلول للعسكر بسرعة فائقة، أو حتى أصبحت هذه الشركات تقدّم الحلول العسكريّة. بكلام آخر، أصبح العالم مُعسكراً بكل أبعاده (Militarized)، حسب ما يقول المفّكر الأميركيّ، ستيفن بيتر روزن. وبذلك، تحوّل كل إنجاز إلى الاستعمال المزدوج (Dual Use). فالذكاء الاصطناعي الذي من المفروض أن يسهِم في كشف الأمراض والمساعدة على شفائها، أصبح يُستعمل في المُسيّرة الانتحاريّة. كذلك الأمر، سقطت القوانين الدوليّة التي من المفروض أن تحمي الإنسان خلال الحرب، لتصبح المدينة الحضريّة (Urban) هي المسرح الأساسيّ للحرب. هكذا الحال في قطاع غزّة، وكذلك في لبنان. ففي الحالتين تُمارس عقيدة الأنقاض (Rubble Doctrine)، حسب ما قال بعض الخبراء العسكريّين.

لقطة من فيديو وزَّعه «حزب الله» تُظهِر عنصراً منه يجهّز مسيّرات لإطلاقها باتجاه الأراضي الإسرائيلية

يُصنّف عالم اليوم على أنه الأكثر شفافيّة (Transparent) من حيث انتشار الأفكار، التكتيكات والوسائل العسكريّة. فما ينجح في مكان مُحدّد، يأخذه مكان آخر، يُدخل عليه التعديلات اللازمة كي يتلاءم مع محيطه المباشر وحربه الخاصة. وهكذا دواليك.

في الختام، قد يمكن القول إن كل هذه التحوّلات إنما تحصل على حساب الدولة - الأمّة التي أصبحت عاجزة عن أداء مهامها الأساسيّة، خاصة في مجال «احتكار» استعمال وسائل العنف، كما بشّر ماكس ويبر. فهل نحن أمام ظاهرة «الحرب الدائمة، والمنخفضة الحدّة والتكلفة»؟ وهل انضمّ اللاعب «المُعطّل» واللاعب «اللادولتيّ» إلى مجال العلاقات الدوليّة على حساب الدولة- الأمّة، أو بصفته شريكاً لها؟


الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو

تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
TT

الأمم المتحدة تتوقع ارتفاع درجات الحرارة بفعل ظاهرة النينيو

تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)
تجربة تشغيل نظام ضباب تبريد في وسط مدينة بوسان بكوريا الجنوبية استعداداً لموجة الحر الصيفية (إ.ب.أ)

توقعت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية التابعة للأمم المتحدة، الثلاثاء، حدوث ظاهرة النينيو بقوة متوسطة أو ربما شديدة؛ ما قد يؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة العالمية وزيادة مخاطر التعرض لظواهر جوية متطرفة خلال الأشهر المقبلة.

ووفقاً للمنظمة العالمية للأرصاد الجوية، فإن ظاهرة النينيو هي ارتفاع دوري في درجات حرارة سطح الماء في وسط المحيط الهادئ وشرقه، وتستمر عادة ما بين تسعة أشهر و12 شهراً.

وقالت المنظمة إن مياه المحيط الدافئة تغذي تطور ظاهرة النينيو، وتوقعت درجات حرارة أعلى من المتوسط في معظم أنحاء العالم من يونيو (حزيران) إلى أغسطس (آب). ورجّحت المنظمة استمرار الظاهرة حتى نوفمبر (تشرين الثاني)، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

شخص يحتمي تحت مظلة خارج كاتدرائية نوتردام وسط موجة حر شديدة في باريس (رويترز)

وقالت الأمينة العامة للمنظمة سيليسي ساولو: «علينا الاستعداد لظاهرة النينيو التي قد تكون قوية؛ ما سيؤدي إلى تفاقم الجفاف وهطول الأمطار الغزيرة وزيادة مخاطر موجات الحرارة، سواء على اليابسة أو في المحيط». وأضافت ساولو أن ظاهرة النينيو الأحدث، التي شهدها العالم في 2023 -2024، أسهمت في جعل عام 2024 الأشد حرارة على الإطلاق. وذكرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أنه لوحظ تغير في المنطقة الواقعة على جانبي خط الاستواء في المحيط الهادئ؛ إذ ارتفعت درجات حرارة سطح المحيط بسرعة من أواخر أبريل (نيسان) إلى منتصف مايو (أيار)؛ ما يشير إلى تطور ظروف ظاهرة النينيو.

أحد الركاب الهنود يرتشف ماء الليمون البارد خلال ظهيرة يوم حار في كلكتا (إ.ب.أ)

ومن المعروف أن هذا النمط يؤثر في ظروف المناخ الإقليمية؛ إذ قد يؤدي إلى زيادة هطول الأمطار في جنوب الولايات المتحدة وأميركا الجنوبية وأجزاء من القرن الأفريقي وآسيا الوسطى، في حين يتسبب بجفاف في أستراليا وأميركا الوسطى وإندونيسيا وأجزاء من جنوب آسيا. وقالت المنظمة إنه يمكن أن يسبب ارتفاع درجات الحرارة عالمياً، ويؤجج الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه.

يستمتع الرجال بالبحر بجوار ميناء دوفر في بريطانيا بينما صدرت تنبيهات صحية برتقالية اللون بجميع أنحاء المملكة المتحدة تحسباً لموجة حرّ (رويترز)

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش: «يجب على العالم أن يتعامل مع الأمر على أنه تحذير مناخي ملح. ستؤجج ظروف النينيو الاحترار العالمي»، وحث على التحول من الوقود الأحفوري إلى الطاقة المتجددة.


انتقادات واشنطن تختبر تماسك «الناتو»

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
TT

انتقادات واشنطن تختبر تماسك «الناتو»

هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)
هيغسيث برفقة نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

صعّدت الولايات المتحدة لهجتها تجاه حلفائها في حلف شمال الأطلسي خلال عطلة نهاية الأسبوع في سنغافورة، لكنّ مسؤولين من أوروبا الغربية شدّدوا على أن الحلف لا يزال متماسكاً.

وفي كلمة أمام «حوار شانغريلا»، أشاد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث بالشركاء الآسيويين لزيادة إنفاقهم الدفاعي واصطفافهم الوثيق مع واشنطن، في ظل تصاعد التوترات مع الصين. وقال: «عندما تتوافق مصالحنا، نتحرك معاً بعزم مركّز». وأضاف: «عندما تتباعد مصالحنا، نكيّف مواقفنا بواقعية، من دون دراما أو وعظ. أعتقد أن أوروبا الغربية قد تستفيد من ملاحظة ذلك». وتابع: «أمام أوروبا و(الناتو) قرارات كبيرة ينبغي اتخاذها».

زيادة الإنفاق الدفاعي

اتهمت إدارة الرئيس دونالد ترمب مراراً الحكومات الأوروبية بعدم الاستثمار بما يكفي في جيوشها، وبالاعتماد المفرط على الحماية الأميركية، في وقت حضّت فيه كلاً من أوروبا والحلفاء الآسيويين على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى 3.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

جانب من جلسات «حوار شانغريلا» في سنغافورة يوم 31 مايو (أ.ف.ب)

وأعلنت واشنطن في مايو (أيار) خططاً لسحب 5 آلاف جندي من ألمانيا، فيما هدّد ترمب بالانسحاب من «الناتو». وسعى مسؤول رفيع في «الناتو» إلى التقليل من شأن سحب القوات الأميركية، قائلاً إن الخطوة كانت مقرّرة سلفاً، وإن تماسك الحلف لم يتأثر، كما نقلت وكالة «رويترز».

وقال الأدميرال جوزيبي كافو دراغوني، رئيس اللجنة العسكرية في «الناتو»: «في تحالف ناضج، إذا احتاج أحد الحلفاء (...) إلى إعادة توجيه بعض القوة إلى مكان آخر، فبوسعه أن يفعل ذلك، وعلى الآخرين أن يكونوا قادرين على سدّ الفراغ».

بدوره، قال نيلس هيلمر، وزير الدولة في وزارة الدفاع الاتحادية الألمانية، إن برلين تسرّع استثماراتها العسكرية بصرف النظر عن الانتشار الأميركي مستقبلاً. وأضاف: «ما نعرفه على وجه اليقين... هو أنه ستكون هناك تحولات في هذا المجال». وتابع: «لهذا السبب نحن بصدد تولّي أمننا بأيدينا».

«مصداقية الناتو» وترابط المسارح

استخدم وزراء أوروبيون المنتدى أيضاً لطمأنة الشركاء الآسيويين إلى أن «الناتو» لا يزال يحظى بالمصداقية خارج جواره المباشر.

وقالت وزيرة الدفاع الفرنسية كاترين فوتران في كلمة أمام المندوبين إن «مصداقيتنا في آسيا تعتمد أيضاً على صلابتنا في أوروبا، في الدفاع عن أوكرانيا في مواجهة العدوان الروسي».

هيغسيث يتوسط نظيريه الأسترالي والبريطاني خلال مؤتمر صحافي في سنغافورة يوم 30 مايو (رويترز)

وقال وزراء دفاع أوروبيون آخرون إن مسارح الأمن باتت أكثر ترابطاً على نحو كبير. وقال وزير الدفاع النرويجي توري ساندفيك، مشيراً إلى أن قوات كورية شمالية تقاتل في أوكرانيا، إن «المسرحين الأوروبي - الأطلسي والهندي - الهادئ أصبحا غير قابلين للفصل». وأضاف: «ستكون الولايات المتحدة منشغلة في مسارح أكثر».

لكن، على الرغم من كل الانتقادات الصادرة عن البنتاغون، قال عدد من أعضاء مجلسَي الشيوخ والنواب الأميركيين إنهم يسعون إلى طمأنة الحلفاء الأوروبيين والآسيويين إلى أنهم يحظون بدعم الحزبين في الكونغرس.

وقالت السيناتورة الأميركية تامي داكوورث: «سمعت القلق نفسه من الجميع، وليس فقط في المنطقة». وأضافت: «هناك بالفعل حلفاء في (الناتو) قلقون بشأن التزام أميركا بمنطقة المحيطين الهندي والهادئ».

ومع ذلك، لا يزال التشكيك قائماً بين مندوبين آخرين بشأن وتيرة التحرك الأوروبي للاستثمار في الأمن الجماعي. وقال بافلو كليمكين، الزميل الأول غير المقيم في «مؤسسة كارنيغي»، ووزير الخارجية الأوكراني السابق: «على أوروبا أن تتعلم كيف تصبح لاعباً». وأضاف: «لا سبيل للالتفاف على ذلك. لكنه قد يكون مفيداً للغاية لشراكتها مع الولايات المتحدة، لأن الولايات المتحدة ستحترم مثل هذا الزخم الأوروبي».

عاجل وزارة الداخلية البحرينية: إطلاق صافرات الإنذار