أنقرة تعلن اكتمال السيطرة على «الباب» واستمرار تطهيرها من «داعش»

اتهام تركي لإيران بإرسال اللاجئين الفارين إليها إلى ساحات الحروب

مقاتلون من «درع الفرات» يتقدمون أمس داخل مدينة الباب بريف حلب لإخراج تنظيم داعش منها (أ.ف.ب)
مقاتلون من «درع الفرات» يتقدمون أمس داخل مدينة الباب بريف حلب لإخراج تنظيم داعش منها (أ.ف.ب)
TT

أنقرة تعلن اكتمال السيطرة على «الباب» واستمرار تطهيرها من «داعش»

مقاتلون من «درع الفرات» يتقدمون أمس داخل مدينة الباب بريف حلب لإخراج تنظيم داعش منها (أ.ف.ب)
مقاتلون من «درع الفرات» يتقدمون أمس داخل مدينة الباب بريف حلب لإخراج تنظيم داعش منها (أ.ف.ب)

في حين تواصل القصف العنيف والاشتباكات بين قوات الجيش السوري الحر المدعومة من تركيا وعناصر تنظيم داعش الإرهابي في مدينة الباب معقل «داعش» في ريف حلب الشرقي، قال نعمان كورتولموش، نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة، إن الباب باتت تحت السيطرة التامة، وإن العملية العسكرية فيها ستنتهي قريبا، وفي الوقت نفسه تواصل التلاسن بين أنقرة وطهران على خلفية تصريحات تركية اتهمت إيران بمحاولة تحويل سوريا والعراق إلى دولتين شيعيتين.
وأعلن رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم في كلمة أمام المجموعة البرلمانية لحزب العدالة والتنمية الحاكم بالبرلمان التركي في أنقرة أمس الثلاثاء، أن مدينة الباب باتت بالكامل تحت سيطرة القوات المشاركة في عملية «درع الفرات»، داعيا أميركا مجددا إلى وقف دعمها للقوات الكردية في شمال سوريا، التي عدّها تشبه تنظيم داعش الإرهابي.
وكان المتحدث باسم مجلس الوزراء التركي أعلن مساء الاثنين عقب اجتماع لمجلس الوزراء عقد برئاسة الرئيس رجب طيب إردوغان أن العملية العسكرية في مدينة الباب أوشكت على النهاية، وأن الجيش السوري الحر وبدعم من القوات المسلحة التركية أحكم سيطرته على كامل مدينة الباب تقريبا.
وأكد كورتولموش أن الجيش السوري الحر والقوات التركية يواصلان عمليات تطهير المدينة بحذر كبير لاحتمال وقوع هجمات انتحارية من جانب «داعش»، وأن أهالي الباب سيعودون إلى مدينتهم عقب تطهيرها بالكامل في أقرب وقت.
وتابع كورتولموش: «نريد استخدام الأسلوب نفسه في الرقة، كما في الباب، من خلال دعم العناصر المحلية من أهالي المدينة، وتقديم الدعم اللوجيستي لهم من قبل المجتمع الدولي، وتركيا، وأميركا، لتطهيرها من (داعش)، وعدم دخول تنظيمات إرهابية أخرى إليها».
وأضاف أن أنقرة وواشنطن تربطهما علاقات استراتيجية في إطار حلف الناتو منذ سنوات طويلة، وأنه ثمة علاقة وثيقة أيضًا بين البلدين في الحرب ضد الإرهاب، وأن أنقرة تنتظر مؤشرات إيجابية من الإدارة الأميركية الجديدة؛ منها إنهاء الدعم المقدم إلى «وحدات حماية الشعب» الكردية، وأن القوة التي ينبغي دعمها من قبل تركيا والولايات المتحدة الأميركية في العمليات العسكرية هي المعارضة المعتدلة في سوريا، وليس القوات الكردية، وأن زيارة مسؤولين أميركيين إلى تركيا هي إشارة إلى بدء حل بعض الخلافات في وجهات النظر، وعلى الأخص في الملف السوري.
وفي السياق نفسه، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، في مؤتمر صحافي خلال زيارته لشمال قبرص أمس الثلاثاء، إن عملية الرقة يجب أن تنفذ دون مشاركة القوات الكردية، لافتا إلى أن تركيا وأميركا عضوان في التحالف الدولي للحرب على «داعش» الذي يضم أكثر من 30 دولة؛ وإن هذه الدول ومنها السعودية وقطر لها قوات خاصة في التحالف، ويمكنها زيادة هذه القوات، وبالتالي فلا داعي لأن تتمسك واشنطن بالقوات الكردية في عملية الرقة.
في سياق متصل، أكد السيناتور الجمهوري عن ولاية أريزونا الأميركية جون ماكين أن بلاده بحاجة للتعاون مع تركيا للقضاء على تنظيم داعش الإرهابي بشكل سريع ودائم.
وأصدر ماكين، الذي يشغل أيضا رئاسة لجنة الخدمات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي، بيانا ليل الاثنين - الثلاثاء حول لقائه في أنقرة مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أكد فيه أنه يدعم دائما التحالف الأميركي - التركي القائم على قيم ديمقراطية مشتركة، مؤكدا أن أهمية هذا التحالف بين الجانبين أكثر من أي وقت مضى بسبب ازدياد وتيرة الاضطرابات في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا، لافتا إلى أنه تبادل وجهات النظر مع الرئيس التركي حول التطورات الأخيرة على الساحة السورية بشكل تفصيلي، وأوضح أن تولي الرئيس الأميركي دونالد ترمب مهامه يعد فرصة مهمة لإعادة تقييم السياسة الأميركية فيما يخص الشأن السوري.
وأشار ماكين إلى أن الرئيس التركي تقدم باقتراحات بشأن إقامة منطقة آمنة وتحرير مدينة الرقة من تنظيم داعش الإرهابي، داعيا الإدارة الأميركية للتفكير بهذه المقترحات بشكل جدي.
وفي سياق المعارك الدائرة في الباب، أعلن الجيش التركي في بيان مقتل أحد جنوده وإصابة اثنين آخرين أمس الثلاثاء، إضافة إلى مقتل 44 من مسلحي تنظيم داعش ليل الاثنين.
وقال البيان إن 15 من عناصر «داعش» قتلوا في اشتباكات وقصف مدفعي وضربات جوية خلال العمليات في الباب، فيما قتل 29 ودمرت 4 مبان في الضربات الجوية للتحالف الدولي.
إلى ذلك، تواصل التلاسن بين أنقرة وطهران على خلفية التوتر الذي نشأ عن تصريحات للجانب التركي تتهم إيران بالسعي إلى إقامة دولتين شيعيتين في سوريا والعراق، وبأن سياساتها تؤدي إلى زعزعة استقرار وأمن المنطقة.
وقال المتحدث باسم الخارجية التركية حسين مفتي أوغلو، إنّه «لا يمكن فهم أو تقبل الاتهامات الإيرانية للآخرين بينما لا تتورع عن إرسال من لجأوا إليها بسبب الأزمات في المنطقة، إلى ساحات الحروب، وهي المسؤولة عن التوتر وعدم الاستقرار في المنطقة».
وقال مفتي أوغلو، في بيان صدر ليل الاثنين - الثلاثاء، ردا على تصريحات بهرام قاسمي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية التي وصف فيها تصريحات وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو والمسؤولين الأتراك بأنها غير بناءة وتنبع من اضطرابات داخلية تعيشها تركيا.
وأوضح مفتي أوغلو، أنّ «إشادة قاسمي بسياسات بلاده الإقليمية ووصفه لتلك السياسات بالعادلة، تتعارض بشكل كبير مع مخاوف الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي من سياسات طهران الإقليمية».
وأكد أن «المنتظر من إيران هو الإقدام على خطوات بنّاءة وإعادة النظر في سياساتها تجاه دول المنطقة، بدلا من اتهام الدول التي توجه إليها انتقادات».
وكان وزير الخارجية التركي تطرق أمام «مؤتمر ميونيخ للأمن»، الأحد الماضي، إلى الدور الإيراني في المنطقة، قائلاً: «إنه يزعزع الاستقرار، بخاصة أن طهران تسعى لنشر التشيّع في سوريا والعراق وتحويلهما إلى دولتين شيعيتين خالصتين».
كما انتقد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إيران ضمنا في كلمة له بمعهد السلام الدولي في البحرين الأسبوع الماضي، مؤكدًا رفضه توجهات البعض لتقسيم سوريا والعراق.
واستدعت وزارة الخارجية الإيرانية السفير التركي في طهران رضا هاكان تكين، الاثنين الماضي، فيما يتعلق بتصريحات جاويش أوغلو وإردوغان، وأبلغته احتجاج طهران.
وقلل نعمان كورتولموش، نائب رئيس الوزراء التركي المتحدث باسم الحكومة، من شأن أنباء عن توتر، وقال في مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس الوزراء برئاسة إردوغان الاثنين، إن «إيران وتركيا بلدان صديقان. هناك اختلاف في وجهات النظر من حين لآخر، لكن لا يمكن أن تولد عداوة بسبب تصريحات. حتى لو ظهرت خلافاتنا السياسية مع إيران، فإنه ينبغي عدم تضخيمها بشكل كبير».



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.