«معارك الصحراء»... عفوية السرد وسلاسته

رواية مكسيكية تدور أحداثها بعد الحرب العالمية الثانية

المؤلف المكسيكي خوسيه إميليو باتشيكو في إحدى ندواته الأدبية - غلاف الرواية
المؤلف المكسيكي خوسيه إميليو باتشيكو في إحدى ندواته الأدبية - غلاف الرواية
TT

«معارك الصحراء»... عفوية السرد وسلاسته

المؤلف المكسيكي خوسيه إميليو باتشيكو في إحدى ندواته الأدبية - غلاف الرواية
المؤلف المكسيكي خوسيه إميليو باتشيكو في إحدى ندواته الأدبية - غلاف الرواية

صدرت عن دار «الأهلية» بعمّان رواية «معارك الصحراء» للروائي المكسيكي خوسيه إميليو باتشيكو، وقد ترجمها عن الإسبانية مباشرة شادي روحانا. لم تكن هذه «النوفيلا» هي العمل السردي الوحيد لباتيشكو، فقد سبق له أن أصدر أربع مجموعات قصصية وروائية وهي «دماء ميدوسا»، و«مبدأ اللذة»، و«سوف تموت بعيدًا» و«الريح وقصص أخرى» التي تناول فيها موضوعات الحُب، والصداقة، والفساد، والنبذ الاجتماعي، والتطهير العِرقي وما إلى ذلك. لا بدّ من الإشارة إلى أن باتيشكو هو واحد من أهم شعراء أميركا اللاتينية في النصف الثاني من القرن العشرين وقد نال الكثير من الجوائز المحلية والعالمية عن مجمل أعماله الشعرية والنثرية.
إذا كان شعر باتيشكو يتّسم «بالدقة الشديدة، والبساطة المُخادِعة» فإن نثره يتميّز «بعفوية السرد وسلاسته»، كما أن الجزء الناتئ من جبل الجليد العائم في قصصه ونوفيلاته يُغري القارئ بالغوص في الأعماق السحيقة التي تتيح له رؤية الأشياء على حقيقتها. ومَن يقرأ «معارك الصحراء» بدقة وأناة سوف يرى في المشهد البانورامي صورًا متداخلة تجمع بين الثقافة، والسياسة، والاقتصاد، والدين، وعلم النفس، والتاريخ، والحضارة إن شئتم في 68 صفحة لا غير!
تدور أحداث الرواية بعد الحرب العالمية الثانية لكن أنساقها السردية تتشظى في بعض الأحيان لتمتدّ إلى عام 1926 حينما قام الرئيس بلوتاركو إليّاس كاييس بالحدّ من نفوذ الكنيسة الكاثوليكية وهيمنتها على عقول الناس البسطاء لكن الأساقفة أنشأوا ميليشيات شعبية لمقاومة سياسات الحكومة العلمانية فأفضت بالنتيجة إلى الحرب الأهلية «الكريستيروس» عام 1929 مُخلِّفة وراءها نحو 250 ألف قتيل.
يبدأ الراوي كارلوس في مستهل النوفيلا الحديث بصيغة المتكلم المراوغة التي تنطوي على تناقض ظاهري: «أتذكر، لا أتذكر» (ص9) ليمهِّد لنا الطريق إلى العالَم القديم الذي كان يهيمن عليه شلل الأطفال، والحمّى القِلاعية، والفيضانات وسواها من أمراض العصر وكوارثه المميتة. وبالمقابل انتشرت من جديد أغنية «البوليرو» القديمة من بورتوريكو التي يقول مطلعها: «مهما كان علوّ السماء/ مهما كان عمق البحر/ حبّي العميق لكِ سيحطِّمُ من أجلكِ كل جدار» (ص10) لكن هذا العالَم الموبوء سرعان ما يتلاشى ليحل محله عالَم جديد يتسم بالثراء الفاحش لحفنة من البشر، بينما يطغى الفقر على السواد الأعظم من الناس. لا أحد يشكّ في فساد الرئيس ميغيل أليمان وحلقته الضيقة لكن الصناعة، والزراعة، والإعمار، وتعبيد الشوارع قد وجدت طريقها إلى العاصمة مكسيكو وغيّرت ملامحها الحضارية، بل إن الحداثة نفسها قد غزت هذه المدينة الكبيرة وصار الناس يسمعون كلمات وعبارات جديدة لم يألفوها من قبل.
ما إن نتعرّف على دلالة «معارك الصحراء» التي تدور رحاها بين الأطفال على أرض حمراء خالية من الأشجار والنباتات حتى نلج إلى بوابة الأحداث ونُمسِك بالخيط الأول الذي يفضي بنا إلى والد «جيم»، الشخص الغامض، الرجراج الذي لا نعرف عنه سوى صداقته للرئيس أليمان، وظهوره المتكرر إلى جواره في الاحتفالات الرسمية، وصوره المنشورة في الصحف والتي لا تشي بأي شبه بينه وبين ولده جيم، بينما يؤكد هذا الصبي بأنه يشبه أمه كثيرًا. تتسارع الأحداث فنعرف أن ماريانا، والدة جيم، هي مجرد عشيقة لذلك المليونير. أما والد جيم الحقيقي فهو صحافي أميركي اصطحب ماريانا ذات مرة في رحلة استجمامية إلى سان فرانسيسكو من دون أن يتزوجها فحملت منه هذا الطفل الذي يتحدث الآن اللغتين الإنجليزية والإسبانية بطلاقة.
توطدّت علاقة الراوي «كارلوس» بصديقه «جيم» بعد أن رفض الطعن بشرف هذه العائلة من قبل بقية التلاميذ فدعاه هذا الأخير إلى منزله، وما إن رأى ماريانا، والدة جيم اليافعة والأنيقة والجميلة حتى تعلّق بها، وكان يجيب على أسئلتها الكثيرة ويستمع في الوقت ذاته إلى أغنية «البوليرو» ويحاول المحافظة على هذه اللحظة من النسيان لأن ما يشعر به من حُب قد لا يتكرر أبدًا.
لم تتأخر ذروة هذا الحدث العاطفي كثيرًا فقد تسلل كارلوس من المدرسة بعد أن استأذن من مدرِّس اللغة الإسبانية وتوجّه إلى شقّة ماريانا ليقول لها: «عذرًا مدام، إنني وقعتُ في حُبِّك» (ص38) لم تغضب منه، ولم تسخر من بوْحِه لأنها كانت تفهمه، وعليه أن يُدرك بأنه مثل ابنها، وأنها أم لأعزّ صديق عنده، وطلبت منه أن يتعامل مع الموضوع كمزحة عابرة سوف يتذكّرها بعد سنوات طويلة بابتسامة مرسومة على وجهه، لكن الأبوين لم يتعاملا معه بهذه الدماثة والحنوّ وإنما أجبراه على المثول أمام الكاهن للاعتراف بذنبه والذهاب إلى طبيب نفسي لمعالجة اضطراباته العقلية على الرغم من توبته، وتعّهده بالعودة إلى الطريق الصحيح، ومع ذلك فقد أثبتت الفحوصات بأن سلوكه الشاذ ناجم عن الشعور بالإهمال من قبل الوالدين، وقسوتهم المفرطة عليه. لم يكن بقية أشقائه أفضل حالاً منه، فهيكتور حاول اغتصاب الخادمة فنُقل إلى السرداب. فيما أحبّت شقيقته «إيسابيلا» الممثل «استيبان» الذي أساء الأدب أمام والدها فطرده من البيت ثم أشبعهُ هيكتور لكْمًا حتى ضرّجه بالدماء، الأمر الذي دفعهُ لاحقًا إلى الانتحار في غرفة فندق بائس.
يشكِّل اللقاء الحاسم بين كارلوس وروساليس، أفقر الطلاب ماديًا في الصف، انعطافة شديدة في الرواية وعليه أن يتلقى الأخبار الصادمة التي وقعت في غيابه، إذ تبيّن أن ماريانا قد ماتت، وأن «جيم» قد ترك المدرسة وهو يعيش في سان فرانسيسكو مع والده الحقيقي. وأن سبب وفاة الأم يعود إلى عشيقها المليونير الذي صفعها أمام الجميع وأسمعها كلمات نابية لأنها انتقدت السرقات الكبيرة التي تحدث داخل الحكومة. وحينما عادت إلى البيت انتحرت فتعددت الشائعات بين تناول حبوب النيمبوتال، وقطع الوريد بشفرة الحلاقة، وإطلاق النار على الرأس مباشرة أو أنها فعلت ذلك كله تباعًا لكن الشيء المؤكد أن «جيم» الذي استفاق صباحًا وجدها ميتة وغارقة في الدماء.
لم تنتهِ الأحداث المثيرة عند هذا الحدّ، فالناس يقولون إنّ ماريانا قد كتبت رسالة إلى «جيم» بالإنجليزية تعتذر له فيها عمّا فعلت، وربما هناك رسالة أخرى كتبتها لكارلوس مَن يدري؟ وحينما غادر المطعم الذي دعا روساليس إليه رأى الموت في كل مكان، ومع ذلك فقد ظل يفكر فيما إذا كانت قصة انتحارها حقيقية أم لا؟ كيف له أن يعرف هذه القصة الغامضة بعد أن هُدِّم حي روما برمته ولم تبقَ أي ذكرى من مكسيك تلك السنوات؟ لكن الشيء الوحيد الذي يعرفه جيدًا هو «إذا كانت ماريانا على قيد الحياة فهي اليوم ابنة ستين عامًا» (68)، أما الراوي كارلوس الذي «يتذكّر ولا يتذكّر» فهو في منتصف العمر وقد سرد لنا قصته كمراهق أحب امرأة بعمر أمه في «العالم القديم» الذي تقوّض وحلّ محلهُ عالَمًا حديثًا يشعر فيه الإنسان المكسيكي بالغُربة والاغتراب معًا.
لابد من الإشارة في خاتمة المطاف إلى أن شادي روحانا لم يكن موفقًا تمامًا في ترجمة هذا النص الذي تسللت إلى صفحاته كثير من الكلمات والجمل العامية مثل «الطوش» و«قفشته على حقيقته» و«أطلطل من الباب» وكان بإمكانه استعمال «المشادّة»، و«كشفته» و«أشرئب برأسي» كي تكون الترجمة دقيقة وأمينة في الوقت ذاته.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».