رحيل محمد بوستة... القوة الهادئة في «الاستقلال» المغربي

عد أحد البناة الأولين لصرح الدبلوماسية المغربية مع الوزير أحمد بلافريج

محمد بوستة
محمد بوستة
TT

رحيل محمد بوستة... القوة الهادئة في «الاستقلال» المغربي

محمد بوستة
محمد بوستة

توفي السياسي المغربي، والأمين العام لحزب الاستقلال الأسبق محمد بوستة، الليلة قبل الماضية، بالعاصمة الرباط، في سن الـ 92 بمدينة مراكش.
وبعث العاهل المغربي الملك محمد السادس برقية تعزية ومواساة إلى أفراد أسرة الفقيد، أعرب فيها «لكافة أهله وذويه، ومن خلالهم لعائلته السياسية الوطنية وفي حزب الاستقلال عن أحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة في هذا المصاب الجلل، الذي لا راد لقضاء الله فيه».
وأمضى الراحل سنوات حياته موزعا بين اهتمامين كبيرين: الانخراط حتى النخاع في العمل السياسي منذ شبابه المبكر، ما أهله ليصبح عضوا في الحكومات المغربية الأولى بعد استقلال البلاد؛ إذ يعد الراحل أحد البناة الأولين لصرح الدبلوماسية المغربية إلى جانب الوطني الكبير الحاج أحمد بلافريج، أول من تقلد منصب وزارة الخارجية ووضع أسسها المادية والمعنوية.
والمتأمل في سجل الوظائف الحكومية التي تقلدها بوستة سيلاحظ أنه تولى المسؤوليات التي تتطلب التفكير وبعد النظر والحكمة والبصيرة السياسية، انسجاما مع خلفيته الفكرية وهدوء الطبع والمرح المتأصل فيه مثل أغلب سكان مراكش؛ وكذلك على اعتبار أنه درس القانون والفلسفة في جامعة «السوربون» بباريس، حيث زامل فيها الراحل عبد الرحيم بوعبيد، واشتركا معا في النشاط الوطني.
والتخصص الأول، أي الحقوق، أهله لممارسة المحاماة لسنين طويلة بالرباط، انتخب خلالها نقيبا مرتين للمهنة، وترك فيها السمعة الطيبة. أما ولعه بالفلسفة فقد ساعده من جهته على تعميق التفكير في الشأن السياسي لبلده سواء من خلال اضطلاعه بمهامه الرسمية في وزارات سيادية: العدل والوظيفة العمومية والخارجية، وكذا من خلال نشاطه الحزبي، ليصبح ساعدا أيمن لزعيم حزب الاستقلال الراحل الكبير علال الفاسي، الذي فاجأته المنية في بوخارست عام 1974، حيث كان يقوم رفقة بوستة بزيارة حزبية من أجل الدفاع عن قضيتي الصحراء وفلسطين.
وكان اصطحابه من طرف الزعيم علال في الكثير من زياراته إلى الخارج، إشارة ضمنية على أنه الخليفة غير المسمى، ومن سيقود سفينة الحزب بعد رحيل الرئيس، خاصة أنه يعرف أن مرض القلب لا يستأذن أحدا. وفعلا صار بوستة ملازما كالظل للرئيس علال، منذ أن أصيب الأخير بأزمة قلبية شديدة بداية السبعينات خضع على إثرها للعلاج والراحة أياما بإحدى مصحات الرباط، بمتابعة يقظة على مدى الساعات من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، الذي وإن اختلف أحيانا مع زعيم «الاستقلال»، فإنه كان يقدر فيه عاليا وطنيته الصادقة ودفاعه عن الملكية، فضلا عن ثقافته الموسوعية.
ولم يكن بوستة في حاجة لبذل مجهود أو خوض حملة من أجل الوصول إلى مقعد الأمين العام لحزب الاستقلال، بدل لقب «الرئيس» الذي قرر المؤتمر العام للحزب أن يظل مقرونا باسم علال الفاسي إلى الأبد؛ ولا أحد يحمله بعده، تعبيرا عن وفاء مطلق لشخصه، وتثمينا لجهاده وتضحياته من أجل الوطن.
وطوال مدة عمله قريبا من رئيس الحزب، لم يبد بوستة في وقت من الأوقات، رغبة معلنة أو خفية في تبوأ قيادة التنظيم. ولم يعرف في الوسط الحزبي أن له تيارا مؤيدا متعصبا له، أو سعى شخصيا لتأسيسه. كان يعتبر نفسه حقا واحدا من أفراد العائلة الاستقلالية، لذلك وقع عليه الإجماع بسهولة في المؤتمر الموالي لوفاة علال الفاسي.
ولم يفصح الراحل بوستة في يوم من الأيام عن حقيقة أنه حظي بسند معنوي قوي من خارج حزب الاستقلال، حسم في أمر اختياره، من دون غيره من الطامعين الذين لم يجرؤوا على رفع رؤوسهم، إن خطر ذلك ببالهم. ولم يكن ذلك السند الذي فصل في النازلة، سوى الملك الحسن الثاني الذي طالما أعجبه في بوستة هدوء طبعه وتكوينه القانوني، وإلمامه الجيد باللغة الفرنسية التي تتيح له متابعة ما يجري.
وأشعر الحسن الثاني ورثة علال الفاسي، بالتلميح والإشارة أنه لا يرى أنسب من بوستة لقيادة الحزب، بل ربما أفهمهم أنها الرغبة والوصية الضمنية لزعيمهم الراحل. وقطعا ساهم الملك الحسن الثاني في تمهيد الطريق أمام بوستة ليصبح أمينا عاما، ليس لأن الأخير كان في وضعية ضعيفة داخل الحزب، بقدر ما يعكس حرص الملك على أن يظل الحزب محصنا من الصراعات بين التيارات والأشخاص. بل يمكن القول إن «الاستقلال» شكل احتياطا استراتيجيا وسياسيا للملك الحسن الثاني، يلجأ إليه عند الضرورة؛ ولا يمانع في نشوب خلاف بين الطرفين أحيانا، فيغضب الملك ويرفع «الاستقلال» صوته في صفوف المعارضة المطالبة بالإصلاحات الدستورية والسياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية، إن في إطار «الكتلة الوطنية» التي أسست عام 1971 على عهد علال الفاسي، احتجاجا على انفراد الملك الراحل بكتابة دستور عام 1970 الذي شكل تراجعا كبيرا مقارنة مع الدستور الأول عام 1962، لذلك وصف علال الفاسي التحالف بين أعضائها بالزواج الكاثوليكي، وهو تعبير مجازي أزعج الملك الراحل في حينه. واستمر النضال في إطار الكتلة الديمقراطية (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) من أجل ذات مطالب الإصلاح حتى استجيب إليها جزئيا خلال تسعينات القرن الماضي، (عقد التصالح السياسي بامتياز). ومن حسن حظ بوستة أن زعامة الحزب آلت إليه، وقد حدث تحول كبير في الحياة السياسية بالبلاد، علامته المميزة شعار «المغرب الجديد» الذي أطلقه الملك الحسن الثاني خريف 1974 لطي جزء من صفحات الصراع بينه وبين الأحزاب الوطنية الثلاثة، بغاية لم الصف الوطني وحشد الطاقات من أجل قضية الصحراء؛ ما مكن العاهل الراحل من تنظيم المسيرة الخضراء، المحطة المفصلية في مسار استعادة الحق المهدور.
وبدءا من منتصف سبعينات القرن الماضي حدث تقارب كبير بين القصر والمعارضة، وأمكن خوض معارك سياسية مجيدة في الساحة الخارجية، لكن بوادر الخلاف بخصوص التدبير السياسي كانت تندلع بين الفينة والأخرى؛ أعطى بوستة خلالها أكثر من دليل على أنه ليس سياسيا طيعا سهل الانقياد، يأتمر بأوامر القصر، خاصة إذا اشتم أنها من تدبير أشخاص لا يضمرون لحزب الاستقلال الود، ضمن محيط الملك الحسن الثاني، يؤمن أنهم من شجعوا الملك الراحل على التخلص من حزب الاستقلال، حيث ينعتونه بالمحافظ فكريا والتقليدي اجتماعيا؛ فاقترحوا على الملك تأسيس بدائل تنظيمية عصرية للأحزاب الوطنية التاريخية للتخلص من عبئها.
لم يسع بوستة إلى القطيعة مع القصر في أي لحظة، متحملا من أجل ذلك نقدا في حزبه ومن حلفائه بالمعارضة، وخاصة من الاتحاد الاشتراكي الذي حرص على عدم التفريط في حزب الاستقلال. ويمكن القول إن التناغم الذي حصل بين الحزبين خلال العقود الأخيرة ساهم في صنعه إلى حد كبير بوستة وعبد الرحيم بوعبيد، أكمله خليفته عبد الرحمن اليوسفي، الذي حقق مع بوستة إنجازا سياسيا وتاريخيا غير مسبوق، تمثل في تقديم مرشحين مشتركين باسم الحزبين لخوض الاستحقاقات التشريعية لعام 1992 التي كان يفترض أن تمهد للصيغة الأولى من حكومة التناوب، برئاسة بوستة، ويقال إن الذي عرقلها بكل ما أوتي من دهاء أمني هو الوزير الراحل إدريس البصري، الذي استغل اعتراض بوستة على استمراره وزيرا للداخلية في حكومة يفترض أن يرأسها، فما كان من الوزير النافذ إلا أن أوغل صدر الملك ضد بوستة فأجهضت محاولة التناوب الأولى.
بات من الطبيعي أن يخلي بوستة مقعد الأمانة العامة للحزب لشريكه المحامي عباس الفاسي، الذي سيصبح رئيس حكومة فاجأها حراك الربيع العربي فلم تكمل ولايتها القانونية.
ويصعب اختزال مسار زاخر بالعطاء والتجارب المريرة للسياسي الراحل الذي لم يعذبه المرض طويلا، فودع الدنيا بعد أن عبر في تصريح تلفزيوني عن خوفه على مستقبل الحزب الذي تتقاذفه الرياح الهوجاء في الوقت الراهن، على خلفية مستجدات الحياة السياسية في المغرب وأسلوب التعاطي معها، ولا تدري القيادة كيف تتعامل معها مثل باقي مكونات الطبقة الحزبية.
كان بوستة حكيما، قولا وفعلا. سيرته السياسية نقية بيضاء. فهو لم يتنازل عن كرامته الشخصية، ولم يتاجر بالرصيد السياسي لحزبه، لكنه بذات الوقت لم يكن خنوعا ولا مزايدا بمعارضته. كان وطنيا غيورا، بعيد النظر، عفيف اللسان، لطيف المعشر، متواضعا إلى أقصى الحدود، يخالط الناس من مختلف المستويات، حريصا على الإصغاء للفئات الشعبية، مخلصا لمهنته الأصلية أي الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم.



مصر تعلن دعم مبادرة حوض النيل ورفض الإجراءات الأحادية

وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي (د.ب.أ)
وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي (د.ب.أ)
TT

مصر تعلن دعم مبادرة حوض النيل ورفض الإجراءات الأحادية

وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي (د.ب.أ)
وزير الخارجية والهجرة المصري بدر عبد العاطي (د.ب.أ)

أعلنت مصر، الأربعاء، دعمها مبادرة حوض النيل والعملية التشاورية الجارية في إطارها، بما يسهم في استعادة الشمولية، مؤكدةً رفضها أي إجراءات أحادية.

وذكرت «وكالة الأنباء الألمانية» أن ذلك جاء خلال استقبال وزير الخارجية والهجرة، بدر عبد العاطي، اليوم، ماندي سيمايا كومبا، وزير الخارجية والتعاون الدولي في جنوب السودان؛ حيث تناول اللقاء تطورات العلاقات الثنائية وسبل تعزيز التعاون القائم بين البلدين، وفق بيان صادر عن «الخارجية المصرية».

وأكد الوزيران أهمية البناء على نتائج زيارة وزير خارجية جنوب السودان إلى القاهرة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وكذلك اللقاء الذي جمع وزيري خارجية البلدين على هامش القمة الأفريقية في أديس أبابا، بما يُسهم في دفع أطر التعاون المشترك وتعزيز وتيرة التنسيق والتشاور بين الجانبين.

كما شدد الوزير بدر عبد العاطي على دعم مصر الكامل لجهود تحقيق الأمن والاستقرار في جنوب السودان، بما يعكس عمق الروابط بين البلدين، ويخدم المصالح المشتركة للشعبين.

وفيما يتعلق بملف نهر النيل، شدّد الوزير عبد العاطي على أهمية تعزيز التعاون وتحقيق المنفعة المتبادلة بين دول حوض النيل وفقاً للقانون الدولي، ولا سيما مبادئ الإخطار المسبق والتشاور وعدم الإضرار ورفض الإجراءات الأحادية، مؤكداً الحرص على استمرار التنسيق مع جنوب السودان بما يُعزز فرص التوافق، ويحافظ على استدامة النهر ويصون بيئته ويعظم موارده بوصفه مصدراً للتعاون والتنمية المشتركة لجميع دول حوض النيل.

وكانت إثيوبيا قد افتتحت رسمياً سد النهضة الكبير في الخريف الماضي، في حين عارضت مصر إنشاءه، عادةً أنه سيؤثر سلباً في حصتها من مياه نهر النيل، التي تعتمد عليها بصورة شبه كاملة في الزراعة وتلبية احتياجات أكثر من 100 مليون نسمة.

وبوصفه الأكبر في أفريقيا، يقع سد النهضة على النيل الأزرق بالقرب من حدود إثيوبيا مع السودان، ومن المفترض أن ينتج أكثر من 5 آلاف ميغاواط، ما يضاعف قدرة توليد الكهرباء في إثيوبيا.

وفي الرابع من سبتمبر (أيلول) الماضي، قبيل افتتاح السد، صرح تميم خلاف، المتحدث باسم وزارة الخارجية المصرية، بأن إثيوبيا شرعت في بناء السد «بشكل أحادي، من دون إخطار مسبق أو مشاورات ملائمة أو توافق مع دول المصب، بما يُعدّ انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي، ويمثل تهديداً وجودياً».


الحوثيون يفرضون آليات أمنية لمراقبة منزل الأحمر بصنعاء

منزل الأحمر الذي تعرض للحصار الحوثي في شمال صنعاء (فيسبوك)
منزل الأحمر الذي تعرض للحصار الحوثي في شمال صنعاء (فيسبوك)
TT

الحوثيون يفرضون آليات أمنية لمراقبة منزل الأحمر بصنعاء

منزل الأحمر الذي تعرض للحصار الحوثي في شمال صنعاء (فيسبوك)
منزل الأحمر الذي تعرض للحصار الحوثي في شمال صنعاء (فيسبوك)

انسحبت القوات الأمنية الحوثية من محيط منزل الزعيم القبلي حمير الأحمر؛ أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية، في حي الحصبة شمال العاصمة المختطفة صنعاء، بعد أيام من الحصار، وذلك بعد فرض آليات رقابة مشددة على المنزل بطريقة غير مباشرة.

وأفادت مصادر محلية بأن «الجماعة الانقلابية سحبت مسلحيها الذين كانوا يطوقون المنزل منذ أيام»، في خطوة بدت مفاجئة للسكان المحليين، خصوصاً بعد مدة من التوتر الأمني والحصار المشدد على الحي. غير أن المصادر أكدت أن الانسحاب لم يكن كاملاً؛ بل تزامن مع ترتيبات أمنية جديدة وُصفت بأنها أكبر تعقيداً.

ووفق تلك المصادر، فقد عيّنت الجماعة مشرفاً أمنياً ينحدر من محافظة صعدة للإشراف المباشر على محيط المنزل والتحركات فيه ومنه وإليه، في خطوة عدّها مراقبون مؤشراً على استمرار السيطرة الأمنية رغم إزالة المظاهر العسكرية العلنية.

الشيخ حمير الأحمر أحد أبرز مشايخ قبيلة حاشد اليمنية (فيسبوك)

وأوضحت المصادر أن المسلحين الحوثيين، وبناءً على توجيهات صادرة من قيادات عليا في الجماعة، «زرعوا أجهزة تنصت ومراقبة متطورة في محيط المنزل وعدد من المباني المجاورة؛ بهدف رصد الاتصالات ومتابعة الحركة داخل المنطقة بشكل دائم».

وروى سكان في حي الحصبة أن المشرف الحوثي الجديد يتمركز مع مجموعة من المسلحين عند البوابة الرئيسية للمنزل، حيث يجري التدقيق في هوية الزائرين وتتبع حركة الداخلين والخارجين، «خصوصاً من مشايخ ووجهاء قبيلة حاشد وقبائل أخرى كانوا يتوافدون للتضامن مع الأحمر خلال الأيام الماضية».

ورغم استمرار وصول شخصيات قبلية إلى المنطقة، فإن «الإجراءات الأمنية المفروضة حالت دون تمكّن كثير منهم من دخول المنزل أو لقاء الشيخ الأحمر»؛ مما فُسّر على أنه محاولة لعزل الشخصية القبلية البارزة وتقليص مساحة تواصلها الاجتماعي والسياسي.

الحوثيون حولوا منازل الخصوم السياسيين مخازن أسلحة ومعتقلات (إكس)

وتأتي هذه التطورات في سياق أوسع من الإجراءات الحوثية التي تشهدها صنعاء، حيث كثّفت الجماعة، خلال الأسابيع الأخيرة، حملات الدهم والاعتقالات التي استهدفت منازل قيادات عسكرية وأمنية سابقة وشخصيات اجتماعية، في مؤشر على تصاعد حالة الحذر داخل مناطق سيطرتها.

ويرى ناشطون سياسيون في صنعاء أن «الإجراءات الجديدة تعكس استمرار سياسة الإحكام الأمني التي تعتمدها الجماعة تجاه الشخصيات ذات النفوذ القبلي والسياسي، خصوصاً تلك القادرة على التأثير في المزاج الاجتماعي داخل العاصمة».

إحكام الرقابة

ويعتقد مراقبون أن سحب القوات الأمنية الحوثية من أمام منزل الأحمر «لا يعني انتهاء الأزمة، بل يمثل تحولاً تكتيكياً في أسلوب التعامل، من الحصار العسكري المباشر، إلى السيطرة الإدارية والأمنية غير المعلنة، بما يخفف من حدة الانتقادات القبلية، دون التخلي عن أدوات الرقابة».

وأشاروا إلى أن «الجماعة تسعى على ما يبدو إلى تقليل مظاهر الاستفزاز العلني التي قد تؤدي إلى توتر أوسع مع القبائل، مع الإبقاء في الوقت ذاته على مراقبة لصيقة تضمن التحكم في تحركات الشخصية المستهدفة ومحيطها الاجتماعي».

مسلحون حوثيون خلال تجمع في صنعاء (إ.ب.أ)

وأكدت مصادر قبلية في صنعاء على أن «الأعراف القبلية اليمنية تمنح حرمة المنازل مكانة خاصة، وأي إجراءات تُفهم بوصفها انتهاكاً لهذه الحرمة، فقد تؤدي إلى تصاعد الاحتقان»، خصوصاً في ظل التوازنات الحساسة داخل العاصمة التي تضم خليطاً قبلياً واجتماعياً معقداً.

ووفق المصادر، فإن الجماعة «تحاول احتواء الغضب القبلي عبر خطوات تبدو شكلية، مثل تقليص الوجود المسلح الظاهر، مقابل تعزيز أدوات السيطرة غير المباشرة؛ مما يعكس محاولة لتحقيق توازن بين فرض الهيمنة الأمنية وتجنب انفجار مواجهة اجتماعية أوسع».

وكان الحوثيون قد فرضوا قبل أيام حصاراً أمنياً على منزل الشيخ حمير الأحمر بحي الحصبة، بناءً على توجيهات أصدرها القيادي الحوثي يوسف المداني، في خطوة أثارت استنكاراً واسعاً داخل الأوساط القبلية والسياسية.


«الدفاع اليمنية» تمضي لتوحيد بيانات الجيش وتعزيز الانضباط

التزام بتفعيل العمل المؤسسي والانضباط في القوات المسلحة اليمنية (إعلام حكومي)
التزام بتفعيل العمل المؤسسي والانضباط في القوات المسلحة اليمنية (إعلام حكومي)
TT

«الدفاع اليمنية» تمضي لتوحيد بيانات الجيش وتعزيز الانضباط

التزام بتفعيل العمل المؤسسي والانضباط في القوات المسلحة اليمنية (إعلام حكومي)
التزام بتفعيل العمل المؤسسي والانضباط في القوات المسلحة اليمنية (إعلام حكومي)

مع عودة الحياة إلى طبيعتها في المناطق المحررة من اليمن، عقب الأحداث التي شهدتها محافظة حضرموت، مطلع الشهر الماضي، أكدت وزارة الدفاع اليمنية عزمها المضي قدماً في تنفيذ خطوات إصلاحية تهدف إلى توحيد بيانات القوات المسلحة، وإنهاء مظاهر الازدواجية في الإدارة والقرار العسكري، وتطبيق منظومة الحوكمة الإلكترونية لمعالجة الاختلالات التنظيمية والإدارية، في إطار توجه أوسع لترسيخ العمل المؤسسي داخل المؤسسة العسكرية.

وأكدت الوزارة، وفق ما نقل الإعلام العسكري، التزامها بتفعيل العمل المؤسسي وتعزيز الكفاءة والشفافية والانضباط في القوات المسلحة، بما يسهم في رفع مستوى الأداء العسكري والإداري، وتحقيق قدر أكبر من التنسيق بين الهيئات والوحدات المختلفة، خصوصاً في ظل المرحلة التي تمر بها البلاد وما تتطلبه من إعادة تنظيم وترتيب الأولويات الأمنية والعسكرية.

وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، الذي يواصل في العاصمة المؤقتة عدن اجتماعاته اليومية مع رؤساء الهيئات وقادة المناطق والمحاور العسكرية ودوائر وزارة الدفاع، شدد على ضرورة المضي في توحيد قواعد البيانات العسكرية وإنهاء أي ازدواجية في الصلاحيات أو المهام، بما يضمن وضوح المسؤوليات وتعزيز الانضباط الإداري.

العقيلي يقود مهمة إنهاء الازدواج وتطبيق الحوكمة في وزارة الدفاع اليمنية (إعلام حكومي)

وخلال الاجتماعات التي حضرها نائب رئيس هيئة الأركان العامة اللواء الركن أحمد البصر، ومساعد وزير الدفاع للشؤون اللوجيستية اللواء الركن صالح حسن، ومساعد وزير الدفاع للشؤون البشرية اللواء الركن محمد باتيس، أكد العقيلي أن المرحلة الراهنة تتطلب مضاعفة الجهود والعمل بروح الفريق الواحد، مشيراً إلى أن إعادة بناء المؤسسة العسكرية على أسس حديثة تمثل خطوة ضرورية لتعزيز الاستقرار واستعادة فاعلية مؤسسات الدولة.

وأوضح وزير الدفاع أن الالتزام الصارم باللوائح والأنظمة يمثل حجر الأساس في عملية الإصلاح، داعياً القيادات العسكرية إلى إعداد خطط مدروسة تستجيب لمتطلبات المرحلة، مع منح مساحة أكبر للقيادات الشابة والكوادر الواعدة للمشاركة في مسار التطوير والبناء المؤسسي.

كما شدد على أهمية تقييم الأداء خلال الفترة الماضية بصورة شاملة، بما يشمل مراجعة الإنجازات والتحديات وتصحيح أوجه القصور، إلى جانب تفعيل آليات الرقابة والمتابعة لضمان تنفيذ الخطط وفق المعايير المحددة.

وأشاد العقيلي بالتضحيات التي قدمها منتسبو القوات المسلحة، مؤكداً أن تلك التضحيات ستظل محل تقدير حتى تحقيق الأهداف المتمثلة في استكمال تحرير البلاد واستعادة مؤسسات الدولة، مشيراً في الوقت ذاته إلى عمق العلاقة مع تحالف دعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، ومثمناً دعمها المستمر للقوات المسلحة اليمنية.

تحركات أمنية في وادي حضرموت

بالتوازي مع التحركات العسكرية والإدارية، شهدت محافظة حضرموت نشاطاً أمنياً مكثفاً عقب الأحداث التي شهدتها مديريات الوادي والصحراء خلال الأسابيع الماضية، حيث ترأس مدير عام الأمن والشرطة في وادي وصحراء حضرموت، العميد الركن عبد الله بن حبيش، اجتماعاً موسعاً ضم قادة الوحدات والمصالح والإدارات الأمنية.

وناقش الاجتماع القضايا المرتبطة بالوضع الأمني العام، إلى جانب مراجعة آثار المواجهات الأخيرة، كما استعرض المجتمعون الخطة الأمنية الخاصة بشهر رمضان المبارك، وسبل تعزيز الجاهزية الأمنية ورفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات.

أمن وادي حضرموت يعزز حضوره رغم الأضرار التي تعرضت لها مؤسساته (إعلام حكومي)

وبحسب الإعلام الأمني، جرى تقييم مستوى الإنجاز في القضايا الجنائية خلال العام الماضي، حيث بلغت القضايا المضبوطة 747 قضية بنسبة ضبط وصلت إلى 87 في المائة، وهو ما اعتبر مؤشراً يعكس الجهود المبذولة في ترسيخ الأمن والاستقرار رغم التحديات القائمة.

كما ناقش الاجتماع الأضرار التي لحقت بعدد من الإدارات الأمنية نتيجة الأحداث الأخيرة، مؤكدين استمرار عمل الأجهزة الأمنية وفق الإمكانيات المتاحة، والعمل على تجاوز التحديات الراهنة.

وأكد مدير أمن وادي حضرموت أن الاستهدافات التي طالت بعض الوحدات الأمنية والعسكرية لن تؤثر في عزيمة منتسبي المؤسسة الأمنية، مشدداً على مواصلة الحملات الأمنية وتعزيز الوجود الميداني لضبط الخارجين عن النظام والقانون.

ووجّه المسؤول الأمني بتكثيف الانتشار في الشوارع الرئيسية، وتفعيل أعمال التحري والمتابعة الميدانية، بما يضمن تنفيذ الخطة الأمنية بكفاءة عالية والحفاظ على السكينة العامة، إلى جانب إعادة تأهيل الإدارات التي تعرضت للنهب، ومنها الإدارة العامة للأمن والشرطة وشرطة السير ومكافحة المخدرات وقوات الأمن الخاصة وأمن الطرق.

وأشاد بن حبيش بجهود الضباط والأفراد وصمودهم خلال الفترة الماضية رغم ضعف الإمكانيات، مثنياً على دور إدارة البحث الجنائي والسجن المركزي وشرطة الدوريات وبقية المصالح الأمنية التي واصلت أداء مهامها في ظروف استثنائية.

كما ثمّن الدعم الذي تتلقاه الأجهزة الأمنية من عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ حضرموت سالم الخنبشي، ووزير الداخلية اللواء الركن إبراهيم حيدان، إلى جانب دعم التحالف بقيادة السعودية، مؤكداً أهمية تعزيز التعاون المجتمعي عبر التنسيق مع مكاتب شؤون الأحياء لعقد لقاءات دورية مع ممثلي المجتمع المحلي.

رفع الجاهزية في المهرة

وفي محافظة المهرة، عقد اجتماع أمني موسع برئاسة مدير عام الأمن والشرطة العميد مفتي سهيل، وبمشاركة قيادات الأجهزة الأمنية ومديري الإدارات وفروع المصالح ومديري المديريات، لمناقشة سبل رفع الجاهزية الأمنية وتنفيذ الخطة الخاصة بشهر رمضان.

وركز الاجتماع على مضاعفة الجهود لمكافحة الجريمة وتعزيز الانتشار الأمني في مختلف المديريات، مع التشديد على تكثيف الدوريات وتأمين الأسواق خلال فترات الذروة، خصوصاً مع زيادة الحركة التجارية خلال الشهر الفضيل.

رفع الجاهزية الأمنية وتكثيف الدوريات في المهرة (إعلام حكومي)

وأكد مدير أمن المهرة ضرورة العمل على الحد من الاختناقات المرورية وتنظيم حركة السير بما يسهم في تسهيل تنقل المواطنين والحفاظ على السكينة العامة، مشدداً على أهمية التنسيق المستمر بين الإدارات والوحدات الأمنية لرفع مستوى الأداء وتحقيق الاستجابة السريعة لأي طارئ أمني.

وتأتي هذه التحركات الأمنية والعسكرية في إطار مساعٍ حكومية أوسع لتعزيز الاستقرار في المحافظات المحررة، وإعادة بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية وفق أسس مؤسسية حديثة، بما يسهم في تثبيت الأمن وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز ثقة المواطنين بأجهزة الدولة.