رحيل محمد بوستة... القوة الهادئة في «الاستقلال» المغربي

عد أحد البناة الأولين لصرح الدبلوماسية المغربية مع الوزير أحمد بلافريج

محمد بوستة
محمد بوستة
TT

رحيل محمد بوستة... القوة الهادئة في «الاستقلال» المغربي

محمد بوستة
محمد بوستة

توفي السياسي المغربي، والأمين العام لحزب الاستقلال الأسبق محمد بوستة، الليلة قبل الماضية، بالعاصمة الرباط، في سن الـ 92 بمدينة مراكش.
وبعث العاهل المغربي الملك محمد السادس برقية تعزية ومواساة إلى أفراد أسرة الفقيد، أعرب فيها «لكافة أهله وذويه، ومن خلالهم لعائلته السياسية الوطنية وفي حزب الاستقلال عن أحر التعازي وأصدق مشاعر المواساة في هذا المصاب الجلل، الذي لا راد لقضاء الله فيه».
وأمضى الراحل سنوات حياته موزعا بين اهتمامين كبيرين: الانخراط حتى النخاع في العمل السياسي منذ شبابه المبكر، ما أهله ليصبح عضوا في الحكومات المغربية الأولى بعد استقلال البلاد؛ إذ يعد الراحل أحد البناة الأولين لصرح الدبلوماسية المغربية إلى جانب الوطني الكبير الحاج أحمد بلافريج، أول من تقلد منصب وزارة الخارجية ووضع أسسها المادية والمعنوية.
والمتأمل في سجل الوظائف الحكومية التي تقلدها بوستة سيلاحظ أنه تولى المسؤوليات التي تتطلب التفكير وبعد النظر والحكمة والبصيرة السياسية، انسجاما مع خلفيته الفكرية وهدوء الطبع والمرح المتأصل فيه مثل أغلب سكان مراكش؛ وكذلك على اعتبار أنه درس القانون والفلسفة في جامعة «السوربون» بباريس، حيث زامل فيها الراحل عبد الرحيم بوعبيد، واشتركا معا في النشاط الوطني.
والتخصص الأول، أي الحقوق، أهله لممارسة المحاماة لسنين طويلة بالرباط، انتخب خلالها نقيبا مرتين للمهنة، وترك فيها السمعة الطيبة. أما ولعه بالفلسفة فقد ساعده من جهته على تعميق التفكير في الشأن السياسي لبلده سواء من خلال اضطلاعه بمهامه الرسمية في وزارات سيادية: العدل والوظيفة العمومية والخارجية، وكذا من خلال نشاطه الحزبي، ليصبح ساعدا أيمن لزعيم حزب الاستقلال الراحل الكبير علال الفاسي، الذي فاجأته المنية في بوخارست عام 1974، حيث كان يقوم رفقة بوستة بزيارة حزبية من أجل الدفاع عن قضيتي الصحراء وفلسطين.
وكان اصطحابه من طرف الزعيم علال في الكثير من زياراته إلى الخارج، إشارة ضمنية على أنه الخليفة غير المسمى، ومن سيقود سفينة الحزب بعد رحيل الرئيس، خاصة أنه يعرف أن مرض القلب لا يستأذن أحدا. وفعلا صار بوستة ملازما كالظل للرئيس علال، منذ أن أصيب الأخير بأزمة قلبية شديدة بداية السبعينات خضع على إثرها للعلاج والراحة أياما بإحدى مصحات الرباط، بمتابعة يقظة على مدى الساعات من طرف الملك الراحل الحسن الثاني، الذي وإن اختلف أحيانا مع زعيم «الاستقلال»، فإنه كان يقدر فيه عاليا وطنيته الصادقة ودفاعه عن الملكية، فضلا عن ثقافته الموسوعية.
ولم يكن بوستة في حاجة لبذل مجهود أو خوض حملة من أجل الوصول إلى مقعد الأمين العام لحزب الاستقلال، بدل لقب «الرئيس» الذي قرر المؤتمر العام للحزب أن يظل مقرونا باسم علال الفاسي إلى الأبد؛ ولا أحد يحمله بعده، تعبيرا عن وفاء مطلق لشخصه، وتثمينا لجهاده وتضحياته من أجل الوطن.
وطوال مدة عمله قريبا من رئيس الحزب، لم يبد بوستة في وقت من الأوقات، رغبة معلنة أو خفية في تبوأ قيادة التنظيم. ولم يعرف في الوسط الحزبي أن له تيارا مؤيدا متعصبا له، أو سعى شخصيا لتأسيسه. كان يعتبر نفسه حقا واحدا من أفراد العائلة الاستقلالية، لذلك وقع عليه الإجماع بسهولة في المؤتمر الموالي لوفاة علال الفاسي.
ولم يفصح الراحل بوستة في يوم من الأيام عن حقيقة أنه حظي بسند معنوي قوي من خارج حزب الاستقلال، حسم في أمر اختياره، من دون غيره من الطامعين الذين لم يجرؤوا على رفع رؤوسهم، إن خطر ذلك ببالهم. ولم يكن ذلك السند الذي فصل في النازلة، سوى الملك الحسن الثاني الذي طالما أعجبه في بوستة هدوء طبعه وتكوينه القانوني، وإلمامه الجيد باللغة الفرنسية التي تتيح له متابعة ما يجري.
وأشعر الحسن الثاني ورثة علال الفاسي، بالتلميح والإشارة أنه لا يرى أنسب من بوستة لقيادة الحزب، بل ربما أفهمهم أنها الرغبة والوصية الضمنية لزعيمهم الراحل. وقطعا ساهم الملك الحسن الثاني في تمهيد الطريق أمام بوستة ليصبح أمينا عاما، ليس لأن الأخير كان في وضعية ضعيفة داخل الحزب، بقدر ما يعكس حرص الملك على أن يظل الحزب محصنا من الصراعات بين التيارات والأشخاص. بل يمكن القول إن «الاستقلال» شكل احتياطا استراتيجيا وسياسيا للملك الحسن الثاني، يلجأ إليه عند الضرورة؛ ولا يمانع في نشوب خلاف بين الطرفين أحيانا، فيغضب الملك ويرفع «الاستقلال» صوته في صفوف المعارضة المطالبة بالإصلاحات الدستورية والسياسية وتحقيق العدالة الاجتماعية، إن في إطار «الكتلة الوطنية» التي أسست عام 1971 على عهد علال الفاسي، احتجاجا على انفراد الملك الراحل بكتابة دستور عام 1970 الذي شكل تراجعا كبيرا مقارنة مع الدستور الأول عام 1962، لذلك وصف علال الفاسي التحالف بين أعضائها بالزواج الكاثوليكي، وهو تعبير مجازي أزعج الملك الراحل في حينه. واستمر النضال في إطار الكتلة الديمقراطية (الاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية) من أجل ذات مطالب الإصلاح حتى استجيب إليها جزئيا خلال تسعينات القرن الماضي، (عقد التصالح السياسي بامتياز). ومن حسن حظ بوستة أن زعامة الحزب آلت إليه، وقد حدث تحول كبير في الحياة السياسية بالبلاد، علامته المميزة شعار «المغرب الجديد» الذي أطلقه الملك الحسن الثاني خريف 1974 لطي جزء من صفحات الصراع بينه وبين الأحزاب الوطنية الثلاثة، بغاية لم الصف الوطني وحشد الطاقات من أجل قضية الصحراء؛ ما مكن العاهل الراحل من تنظيم المسيرة الخضراء، المحطة المفصلية في مسار استعادة الحق المهدور.
وبدءا من منتصف سبعينات القرن الماضي حدث تقارب كبير بين القصر والمعارضة، وأمكن خوض معارك سياسية مجيدة في الساحة الخارجية، لكن بوادر الخلاف بخصوص التدبير السياسي كانت تندلع بين الفينة والأخرى؛ أعطى بوستة خلالها أكثر من دليل على أنه ليس سياسيا طيعا سهل الانقياد، يأتمر بأوامر القصر، خاصة إذا اشتم أنها من تدبير أشخاص لا يضمرون لحزب الاستقلال الود، ضمن محيط الملك الحسن الثاني، يؤمن أنهم من شجعوا الملك الراحل على التخلص من حزب الاستقلال، حيث ينعتونه بالمحافظ فكريا والتقليدي اجتماعيا؛ فاقترحوا على الملك تأسيس بدائل تنظيمية عصرية للأحزاب الوطنية التاريخية للتخلص من عبئها.
لم يسع بوستة إلى القطيعة مع القصر في أي لحظة، متحملا من أجل ذلك نقدا في حزبه ومن حلفائه بالمعارضة، وخاصة من الاتحاد الاشتراكي الذي حرص على عدم التفريط في حزب الاستقلال. ويمكن القول إن التناغم الذي حصل بين الحزبين خلال العقود الأخيرة ساهم في صنعه إلى حد كبير بوستة وعبد الرحيم بوعبيد، أكمله خليفته عبد الرحمن اليوسفي، الذي حقق مع بوستة إنجازا سياسيا وتاريخيا غير مسبوق، تمثل في تقديم مرشحين مشتركين باسم الحزبين لخوض الاستحقاقات التشريعية لعام 1992 التي كان يفترض أن تمهد للصيغة الأولى من حكومة التناوب، برئاسة بوستة، ويقال إن الذي عرقلها بكل ما أوتي من دهاء أمني هو الوزير الراحل إدريس البصري، الذي استغل اعتراض بوستة على استمراره وزيرا للداخلية في حكومة يفترض أن يرأسها، فما كان من الوزير النافذ إلا أن أوغل صدر الملك ضد بوستة فأجهضت محاولة التناوب الأولى.
بات من الطبيعي أن يخلي بوستة مقعد الأمانة العامة للحزب لشريكه المحامي عباس الفاسي، الذي سيصبح رئيس حكومة فاجأها حراك الربيع العربي فلم تكمل ولايتها القانونية.
ويصعب اختزال مسار زاخر بالعطاء والتجارب المريرة للسياسي الراحل الذي لم يعذبه المرض طويلا، فودع الدنيا بعد أن عبر في تصريح تلفزيوني عن خوفه على مستقبل الحزب الذي تتقاذفه الرياح الهوجاء في الوقت الراهن، على خلفية مستجدات الحياة السياسية في المغرب وأسلوب التعاطي معها، ولا تدري القيادة كيف تتعامل معها مثل باقي مكونات الطبقة الحزبية.
كان بوستة حكيما، قولا وفعلا. سيرته السياسية نقية بيضاء. فهو لم يتنازل عن كرامته الشخصية، ولم يتاجر بالرصيد السياسي لحزبه، لكنه بذات الوقت لم يكن خنوعا ولا مزايدا بمعارضته. كان وطنيا غيورا، بعيد النظر، عفيف اللسان، لطيف المعشر، متواضعا إلى أقصى الحدود، يخالط الناس من مختلف المستويات، حريصا على الإصغاء للفئات الشعبية، مخلصا لمهنته الأصلية أي الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم.



الأردن يطلب تغيير اسم حزب «جبهة العمل الإسلامي» المرتبط بـ«الإخوان»

صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)
صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)
TT

الأردن يطلب تغيير اسم حزب «جبهة العمل الإسلامي» المرتبط بـ«الإخوان»

صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)
صورة تعود إلى عام 2011 لمقار مكاتب جماعة الإخوان في الأردن وذراعها السياسية حزب «جبهة العمل الإسلامي» في عمّان (أ.ف.ب)

أعلن مجلس مفوضي الهيئة الأردنية المستقلة للانتخاب، الأربعاء، أنه أبلغ حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» المحظورة، بوجوب تغيير اسمه ليخلو «من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية».

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال المجلس في بيان إنه «أخطر حزب جبهة العمل الإسلامي بوجوب تصويب المخالفات خلال 60 يوماً من تاريخ الإخطار، استناداً إلى أحكام المادة 33 من قانون الأحزاب السياسية رقم 7 لسنة 2022».

وحسب البيان، «سبق أن تم إشعار الحزب بالمخالفات بموجب كتاب أمين السجل بتاريخ 17 فبراير (شباط) الماضي».

ووفقاً للبيان، تتعلق المخالفة بالنظام الأساسي واسم الحزب، لمخالفتهما قانون الأحزاب الذي يضم مادة تنص على «عدم جواز تأسيس الحزب على أسس دينية أو طائفية أو عرقية أو فئوية أو على أساس التفرقة بسبب الجنس أو الأصل».

وأوضح المجلس أن «اسم الحزب يعد جزءاً لا يتجزأ من نظامه الأساسي ويعبر عن هويته السياسية، ما يوجب خلوه من أي دلالات دينية أو طائفية أو عرقية أو تمييزية».

وأشار إلى مخالفات أخرى تتعلق بآلية تشكيل المحكمة العليا والمحكمة المركزية في الحزب، لعدم انتخابهما من المؤتمر العام، بما يخالف معايير الحاكمية الرشيدة ويؤثر على استقلاليتهما.

ويعد حزب «جبهة العمل الإسلامي»، الذراع السياسية لجماعة «الإخوان المسلمين» في الأردن، التي تم حظر أنشطتها في أبريل (نيسان) 2025، أبرز الأحزاب السياسية والمعارضة في البلاد.

وكانت السلطات القضائية الأردنية قد قررت في 16 يوليو (تموز) من عام 2020 حل جماعة «الإخوان المسلمين» في المملكة «لعدم قيامها بتصويب أوضاعها القانونية» بعد أن كانت تغض النظر عن أنشطتها.

وبعد حل الجماعة احتفظ حزب «جبهة العمل الإسلامي» بوضعه القانوني بوصفه حزباً سياسياً مرخصاً، وشارك مرشحوه في الانتخابات النيابية الأخيرة في سبتمبر (أيلول) 2024، وحصلوا على 31 مقعداً من أصل 138 في مجلس النواب.


مصر ولبنان يناقشان تعزيز التعاون العسكري

وزير الدفاع المصري يلتقي قائد الجيش اللبناني (المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري يلتقي قائد الجيش اللبناني (المتحدث العسكري المصري)
TT

مصر ولبنان يناقشان تعزيز التعاون العسكري

وزير الدفاع المصري يلتقي قائد الجيش اللبناني (المتحدث العسكري المصري)
وزير الدفاع المصري يلتقي قائد الجيش اللبناني (المتحدث العسكري المصري)

التقى وزير الدفاع المصري الفريق أشرف سالم زاهر، الأربعاء، في القاهرة، قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، والوفد المرافق له الذي يزور مصر حالياً.

ناقش اللقاء، بحسب بيان للمتحدث العسكري المصري، «موضوعات ذات الاهتمام المشترك، وسبل تعزيز التعاون العسكري بين البلدين، ومناقشة آخر المستجدات الراهنة على الساحتين الإقليمية والدولية». وأعرب الوزير المصري عن «اعتزازه بعمق العلاقات التي تربط بين البلدين».

ونقل البيان المصري عن قائد الجيش اللبناني، «إشادته بدور مصر الرائد في محيطيها الدولي والإقليمي»، متطلعاً إلى أن «تشهد المرحلة القادمة مزيداً من التعاون المشترك في مختلف المجالات العسكرية».

اللقاء حضره الفريق أحمد خليفة رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية وعدد من قادة القوات المسلحة لكلا البلدين (المتحدث العسكري المصري)

وتأتي زيارة هيكل للقاهرة، ضمن مشاركته في اجتماع تحضيري استضافته العاصمة المصرية، الثلاثاء، تمهيداً لمؤتمر دولي يُعقد في باريس، الشهر المقبل، لبحث احتياجات الجيش اللبناني، وسبل تعزيز قدراته الدفاعية.

شارك في اجتماع القاهرة كذلك، اللواء رائد عبد الله المدير العام لقوى الأمن الداخلي، إضافة إلى ممثلي دول اللجنة الخماسية المعنية بلبنان، ومن بينهم محمد بن عبد العزيز الخليفي، وزير الدولة بوزارة الخارجية القطرية، وجان إيف لودريان المبعوث الشخصي للرئيس الفرنسي، والأمير يزيد بن فرحان المبعوث السعودي إلى لبنان، وكبار مسؤولي الولايات المتحدة الأميركية.

كما حضر الاجتماع، ممثلو دول المجموعة الأساسية لآلية التنسيق العسكري (MTC4L) التي تضم فرنسا، والولايات المتحدة، وإيطاليا، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وإسبانيا، إضافة إلى ممثلي جامعة الدول العربية، وقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (UNIFIL)، ومكتب المنسق الخاص للأمم المتحدة في لبنان (UNSCOL)، وجهاز العمل الخارجي الأوروبي.

صورة للمشاركين في الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وقوى الأمن الداخلي اللبنانية الذي استضافته القاهرة الثلاثاء (الخارجية المصرية)

وخلال الجلسة الافتتاحية للاجتماع، عَدَّ وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، الحضور الدولي الواسع للاجتماع التحضيري في القاهرة «رسالة تضامن قوية مع الدولة اللبنانية، بهدف مساعدة مؤسساتها الوطنية، وفي مقدمتها الجيش وقوى الأمن الداخلي، على تعزيز سيادتها، وبسط سيطرتها الكاملة».


مستوطنون يحرقون منازل ومركبات فلسطينيين بالضفة ويروعون أطفالهم

TT

مستوطنون يحرقون منازل ومركبات فلسطينيين بالضفة ويروعون أطفالهم

وفد من الاتحاد الأوروبي يزور سوسيا قرب الخليل بالضفة الغربية الأربعاء بعد هجوم مستوطنين (رويترز)
وفد من الاتحاد الأوروبي يزور سوسيا قرب الخليل بالضفة الغربية الأربعاء بعد هجوم مستوطنين (رويترز)

صعَّد المستوطنون هجماتهم بالضفة الغربية، فأشعلوا النار في عدد من منازل الفلسطينيين، وأطلقوا قنابل الغاز داخلها، وحطموا محتوياتها، كما أحرقوا مركبات وروَّعوا أطفالاً.

وقالت «جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني» إن طواقمها تعاملت مع 4 إصابات بالاختناق خلال هجوم للمستوطنين وحرق منازل بقرية سوسيا في مسافر يطا، جنوب الخليل، مساء الثلاثاء، وإنها قدمت العلاج الميداني.

وأظهرت لقطات مصورة عدة حرائق تشتعل في المكان، وأشارت التقارير إلى استهداف 4 مواقع على الأقل، بما في ذلك موقع خيمة سكنية، ومدخل منزل عائلة كانت الأسرة بداخله.

فلسطينية تتفقد الأربعاء ما لحق بخيمة سكنية أحرقها مستوطنون في قرية سوسيا قرب الخليل بالضفة الغربية (رويترز)

وقال نشطاء يساريون إنه تم إضرام النار في مركبتين أيضاً، وتحطيم نوافذ مركبة أخرى.

وكان هذا الهجوم واحداً من عدة هجمات أخرى، لكنه حظي باهتمام خاص من وسائل الإعلام الإسرائيلية التي بثت شهادات لفلسطينيين في المكان.

ونشرت «تايمز أوف إسرائيل» خبراً بعنوان «الأطفال في الداخل... إضرام النار في منازل ومركبات فلسطينية في هجوم يُعتقد أنه للمستوطنين»، في حين قالت «ريشيت بيت» التابعة لهيئة البث «كان» العبرية إن «الجيش لا يحمي السكان الفلسطينيين رغم أنه ملزم بذلك».

المهاجمون الملثمون

وأكدت «تايمز أوف إسرائيل» أن لقطات كاميرات المراقبة بالقرية أظهرت أكثر من 10 مهاجمين ملثمين يرتدون قلنسوات وهم يضرمون النار في شاحنة ومركبة أخرى بالقرب من مبنيين. وظهر العديد من المهاجمين وهم يحملون العصي.

وفي إحدى اللقطات المصورة، ظهر شخص يلتقط جسماً من الأرض ويقذفه باتجاه كاميرا المراقبة. كما كانت خيوط لباس يهودي ديني شعائري ظاهرة من تحت قميص مهاجم آخر كان يقف بجانبه.

وفي مقطع فيديو آخر، سُمع فلسطيني يصرخ باللغة العربية طالباً إحضار ماء، قبل أن يقول لشخص ما: «هناك أطفال في الداخل».

سيدة فلسطينية تعرض دمية محترقة بعد إضرام مستوطنين النار في خيمتها بقرية سوسيا جنوبي الخليل (أ.ف.ب)

وفي النهاية، أرسل الجيش والشرطة قوات إلى القرية الواقعة في تلال جنوب الخليل، لكنهما ذكرا في بيان لاحق أنه عندما وصلت القوات كانت النيران قد أُخمدت، ولم ترد أنباء عن حدوث إصابات.

ونقلت «تايمز أوف إسرائيل» بياناً للجيش الإسرائيلي جاء فيه أن قوات الجيش، وشرطة «لواء شاي»، وحرس الحدود في الضفة، هرعت إلى القرية بعد ورود بلاغ بإضرام النار في ممتلكات فلسطينيين في المنطقة، وأن القوات مشَّطت المنطقة بحثاً عن المهاجمين، وتم فتح تحقيق في ملابسات الحادث.

‏وأضاف البيان: «تُدين قوات الأمن بشدة مثل هذه الأحداث، وستواصل العمل من أجل الحفاظ على القانون والنظام في المنطقة».

وكتبت «تايمز أوف إسرائيل»: «مع ذلك، لم ترد أنباء عن تنفيذ أي اعتقالات».

«إرهاب قومي»

ونقلت «كان» عن ناصر نواجعة، أحد سكان قرية سوسيا، قوله: «كان هذا هجوماً مُخططاً له، وليس عشوائياً»، مضيفاً: «وصل عشرات المستوطنين إلى القرية، وأضرموا النار في عدة مناطق؛ خيام سكنية، ومركبات، وحظيرة أغنام. تحصّن أصحاب المنازل التي هوجمت داخلها».

وتابع أنه بعد الهجوم ظهر حجم الدمار جلياً. وأضاف: «رأيناهم يفرون من المكان بسرعة. وصل الجيش والشرطة إلى القرية، لكن لم يتم إلقاء القبض على أحد حتى الآن. كان أطفال القرية في حالة رعب شديد، وهناك 6 مصابين اختناقاً».

ومضى قائلاً: «الجيش لا يحمي السكان الفلسطينيين رغم أنه ملزم بذلك. إذا استمر الوضع على هذا النحو، فستزداد الجرائم القومية لأن الجيش لا يقوم بمهمته في هذه المنطقة».

عناصر من الأمن الإسرائيلي في موقع خيام سكنية ومركبات فلسطينية أحرقها مستوطنون مساء الثلاثاء (أ.ف.ب)

وحسب «كان»، باشرت الشرطة التحقيق في شبهات اعتداء يُصنف على أنه «إرهاب قومي»، وتواصل التحقيق في ملابسات الواقعة، بما في ذلك فحص المواد المصورة وجمع الأدلة الميدانية، في محاولة لتحديد هوية الضالعين. وجاء الهجوم وسط هجمات أخرى طالت عدة مناطق في الضفة الغربية.

أرقام في تصاعد

وصعَّد المستوطنون هجماتهم في الضفة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وزادت حدة الهجمات في الأسابيع الأخيرة بعد أن اتخذت الحكومة الإسرائيلية قرارات لصالح فرض السيادة في الضفة.

وشوهد، الأربعاء، مستوطنون يشنون هجمات في عدة مناطق قرب رام الله وقلقيلية والخليل.

وقبل يوم واحد، شوهد مستوطنون في قرية مخماس شمال الضفة وهم يعيدون بناء بؤرة استيطانية في المنطقة (ب)، التي يُفترض أن تكون تحت السيطرة الإدارية للسلطة الفلسطينية.

وكانت السلطات الإسرائيلية قد فككت هذه البؤرة، التي تحمل اسم «كول ميفاسير»، عدة مرات من قبل، قائلة إنها «تُشكل خطراً أمنياً».

وكانت مخماس هدفاً لأعمال عنف دامية الأسبوع الماضي، عندما أطلق مستوطنون النار وقتلوا الشاب الفلسطيني الأميركي نصر الله صيام (19 عاماً)، وأصابوا 4 آخرين.

وكان صيام أول شخص يُقتل على يد مستوطنين إسرائيليين في الضفة الغربية عام 2026، والشخص السابع والثلاثين منذ حرب أكتوبر على قطاع غزة.

وقالت «تايمز أوف إسرائيل» إن هجمات المستوطنين تقع بشكل شبه يومي دون رادع إلى حد كبير.

وتعدّ الملاحقات القضائية للمتطرفين اليهود نادرة، والإدانات أكثر ندرة. ويتهم منتقدون الحكومة، التي توصف بأنها الأكثر تشدداً في تاريخ إسرائيل، بتجاهل هذه الهجمات.

وأظهرت بيانات نشرها الجيش الإسرائيلي وجهاز الأمن العام (الشاباك) الشهر الماضي ارتفاعاً بنسبة 27 في المائة في هجمات المستوطنين عام 2025 مقارنة بالعام السابق.

وبالإضافة إلى هذا، شهد عام 2025 زيادة في عدد الحوادث الخطيرة، بما في ذلك إطلاق النار والحرق العمد وغيرهما من الجرائم العنيفة؛ حيث سُجل 128 حادثاً في العام الماضي، مقارنة مع 83 في العام السابق له، و54 في عام 2023.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended