هل تسمح هشاشة الطبيعة الإنسانية بتجنب الحرب؟

استخدام القوة متأصل في الإنسان والعدوان متجذر في كيانه

هل تسمح هشاشة الطبيعة الإنسانية بتجنب الحرب؟
TT

هل تسمح هشاشة الطبيعة الإنسانية بتجنب الحرب؟

هل تسمح هشاشة الطبيعة الإنسانية بتجنب الحرب؟

هل يمكن للبشرية تجنب الحرب؟ سؤال ينقسم حوله الناس إلى فريقين: الأول يجيب بنعم، شريطة أن تتمكن الشعوب في علاقاتها من حل مشكلاتها بعقلانية واتفاق وتعاقد متوازن، على شاكلة الحلول التي تقدم حين يصطدم الأفراد بعضهم ببعض. أما الفريق الثاني، فيجيب بالسلب وبمبررات قوية أهمها، أن الإنسان هو بالطبيعة، مولع بالحرب والقتال، ومشروط بما يسميه المحلل النفسي فرويد «غريزة الموت». سنقف عند الفريقين معا، قصد التقرب أكثر من هذه المفارقة التي تؤرق البشرية، إذ ما تزال الدماء البشرية تسيل، لكن وفي الوقت نفسه، ما تزال الآمال في السلم طمعا ينشده الإنسان.
يمر مقالنا هذا، بين نظرة مثالية ومتفائلة، تحلم بغد مشرق وبجنة لا سفك للدماء فيها، إذ ترى أن صوت الحكمة الإنسانية سيتحقق لا محالة، وأن كل ما نحتاجه هو الوقت والنضج، لنصل إلى معمورة الفضيلة، ونظرة متشائمة، أو لنقل إنها تتسم بالواقعية، وتتعامل فقط وفق إمكانات الوضع البشري، التي لا تخرج عندها أبدا عن الجذور الحيوانية، ولا تطمح في شيء تعده مجرد يوطوبيا أو مدينة فاضلة، لا توجد إلا في أذهان الحالمين بها.

العنف (الحرب) قدرًا

إن الواقعية السياسية، ومصلحة الدول العليا، والرغبة، أحيانا، في الاستيلاء والغزو والاستحواذ، وكذلك التنافس بين الشعوب بحثا عن الثروات والسلطة، إضافة إلى «غريزة الموت»، هي عوامل محركة لإظهار العداء ودخول الإنسان في معارك طاحنة، تجعل مسألة الحرب في حكم الضرورة. فمن سينكر أن الإنسان أشرس «حيوان» في الأرض؟ فهو لا يكتفي بأن يدافع عن نفسه وحسب، بل يهاجم ويقتل حتى الإبادة، ولأسباب تتجاوز بقاءه؛ لهذا فالحرب فعل كوني وأمر طبيعي وتهديد دائم لن يتوقف. فاستخدام القوة شيء متأصل في الإنسان، والعدوان متجذر في كيانه ويمكن نسبته إلى هشاشة الطبيعة الإنسانية، وتقلبها الدائم، لا ثباتها، إلى درجة يمكن القول، إن الإنسان يوجد في حالة حرب واستعداد دائم لها.
إن الإنسان، كما كان يقول توماس هوبز: «ذئب لأخيه الإنسان». وهو ما يؤكده المشهد اليومي لجرائمه التي لا تنقطع، ويؤكده التاريخ بحروبه الدامية التي يمكن جعلها محطات للتأريخ نظرا لكثرتها؛ وهو ما جعل المحلل النفسي سيغموند فرويد، يرى في العنف ظاهرة لا يمكن التخلص منها أبدا، بل هو شرط أساسي لبلوغ الحق نفسه. فالحق والعنف، ليسا شيئين متناقضين في تصور فرويد؛ فالنظرة التاريخية التحليلية، تؤكد أن الواحد منهما نشأ من الآخر، وتاريخ البشرية يكشف عن علاقة معقدة بينهما، حيث ساهم العنف في صناعة الحق، سواء كان باسم العضلات أو المهارات المتطلبة للحذق والذكاء، أو حتى باسم القانون. إن المبدأ العام لحل الصراعات بين الناس، هو استخدام العنف لإجبار الطرف الآخر على التخلي عن مطلبه، وذلك بشل قوته، بل حتى قتله إن تطلب الأمر ذلك، فالعنف متجذر في الإنسان، وهو الجسر الرابط بينه وبين مملكة الحيوان التي لا يمكن أن يبعد نفسه عنها نهائيا.
ويمكن بسهولة، بحسب فرويد، جرد بعض المحطات الأساسية في تاريخ العنف البشري؛ وذلك كالآتي: ففي المجتمعات الأولى كانت الكلمة للقوة العضلية، فهي التي كانت تحسم مسألة الحق، لكن مع مرور الزمن، أصبح الحق لصالح من يملك الأسلحة والمهارات القتالية، وهو ما يدل على دخول العقل مسرح التاريخ، فالحالة دائما هي سيطرة عنيفة من طرف من يملك القوة، سواء في بعدها العضلي أو العقلي. ومع شق البشرية طريقها الطويل نحو الارتقاء والتطور، أصبح العنف يفضي إلى ما يسمى الدولة العقلانية الحديثة حيث السيادة للقانون، فأصبح بالإمكان منافسة، بل تقويض قوة الواحد الطاغية المستبد بواسطة اتحاد الضعفاء. ومن ثم أصبح الحق مرتبطا بعنف الجماعة للحد من عنف الفرد... بكلمة واحدة نقول إنه العنف الممارس باسم القانون.
ففرويد يؤكد إذن، أن العنف ليس حدثا طارئا وعرضيا في التاريخ البشري، بل هو حاضر بقوة، وهو الذي يرسم ملامح الحق. باختصار، هو يؤكد أن تاريخ العنف هو تاريخ ميلاد الحق نفسه؛ فالحق يخرج من رحم العنف وعلاقتهما مشتركة وجدلية، وهما وجهان لعملة واحدة، بل حتى عندما تحول الحق وأخذ درب الشرعية القانونية في الزمن الحديث، فإنه لا يعني أن العنف قد تم محوه، بل القانون نفسه في حقيقته عنف اختياري؛ هو لطيف نعم ومهذب عن بقية سبل العنف الأخرى، بحيث يعبر أكثر عن إنسانية الإنسان، لكن على الرغم من كل ذلك، فإنه لا محالة ينفلت منه العنف الشرس بين الفينة والأخرى، ما يجعلنا نتذكر دائما، جذورنا الحيوانية.
إن ما يسمى التحضر عند البشرية، هو، في حقيقته، بحسب فرويد، مجرد كبت مفرط لغرائزنا الأصيلة التي تعاود، دون شك، الظهور بطرق ملتوية، وبسلوكات مشوهة وأكثر دموية أيضا؛ لهذا ففرويد يرى أن قدرنا أن نظل في عنف أزلي لن ينمحي أبدا. فالطبيعة بغرائزها الضاربة في عمق كياننا، لا تموت ولن تموت، وكل قمع لها تحت أي اسم، سواء كان دينيا أو أخلاقيا أو قانونيا، لا يعني إلا عودتها بحدة أكثر.

السلم ممكن جدا

على الرغم من كل العنف السائد في المعمورة، فهناك دائما، صوت الحكمة الذي لا يكل من إعلان أن البشرية يمكنها أن تصل إلى وضع حد له، عن طريق الإنصات للعقل ولغة القانون والدبلوماسية. بل لم لا؟، صوت الحب أيضا.
وإذا ما أخذنا على سبيل المثال، الفيلسوف إيمانويل كانط المعروف بتفاؤله الكبير وإيمانه الشديد بعقل الإنسان وقدرته على صناعة السلم، وبحسه الاستشرافي الهائل، نجده قد فتح السياسة نحو العالمية «الكوسموبوليتيك»، خلال نهاية القرن الثامن عشر، مؤكدا أن البشرية سائرة نحو «اتحاد عالمي»، أو «حلف للأمم» سيكون كتعاقد مشترك يحول دون حدوث الحروب التي تمزق البشرية وتحط من إنسانيتها وتهوي بها إلى حضيض البهيمية. فقام من أجل ذلك، بتأليف كتاب في السياسة الدولية سنة 1775 بعنوان «نحو سلام دائم بين الشعوب»، وقام بترجمته إلى العربية، شيخ الديكارتيين العرب، الدكتور عثمان أمين بعنوان: «مشروع للسلام الدائم».
يقدم كانط في كتابه هذا، نظرية في السلم العالمي، حيث يؤكد أن الشعوب لن تتمكن من وقف الحروب وبلوغ السلم، إلا إذا تعاقدت فيما بينها وفق بنود سيحددها بوضوح تام، بحيث نجده في القسم الأول من كتابه، يضع النواهي التي على الدول تجنبها، وهي كالآتي: الإرادة الطيبة، لا يجب استغلال دولة أخرى، العمل على إلغاء الجيوش على مر الزمن، القروض يجب توجيهها نحو التنمية الاقتصادية وليس نحو التسلح، عدم التدخل في شؤون دولة أخرى، التزام النزاهة حتى وإن كانت الحرب قائمة، كما أضاف إليها بنودا أخرى في القسم الثاني، هي بمثابة شروط إيجابية للسلم، وذلك كالآتي: على كل دولة أن يكون دستورها جمهوريا، العمل على قيام اتحاد بين دول حرة، المواطنة العالمية وضمان حق النزيل الأجنبي وإكرام مثواه.
أما إذا أخذنا تصور المهاتما غاندي المشهور بـ«الساتياغراها»، التي تعني عنده «المقاومة السلبية» والنضال السلمي في سبيل الحق، فنجده يرى في الطبيعة الإنسانية من الحب ما قد يقهر العنف ويدخل البشرية في سلم دائم. فقوة الروح أو قوة الحب من أجل الحصول على الحق، يمكن أن تستخدم من الأفراد كما المجتمعات، وهي قوة لا تقهر... فغاندي يعلن أنه من غير الصحيح إطلاقا، القول إن لغة الحب هي قوة الضعفاء، ما دام أنهم عاجزون عن مجابهة العنف بالعنف. فهذا فهم خاطئ، ووهم ناشئ من عدم وجود ترجمة صحيحة كاملة لتعبير الساتياغراها، ذلك لأنه من المستحيل على أولئك الذين يعتبرون أنفسهم من الضعفاء، أن يستخدموا ويطبقوا هذه القوة؛ فلا يمكن أن يكون من المقاومين السلبيين، إلا أولئك الذين يدركون بأن في الإنسان شيئا أسمى من الطبيعة الوحشية الغاشمة، وأن تلك الطبيعة القاسية، يمكن أن تخضع لذلك الشيء... إن استخدام الساتياغراها يتطلب الصبر وترويض النفس على عدم الاهتمام بأمر الكساء والغذاء، ومجابهة البغضاء بالمحبة، والباطل بالحق، والعنف بالعذاب الطوعي، حتى يشعر الطغاة بخستهم وحقارتهم.
يرى غاندي أنه لا مكان للعنف في نظريته؛ فاستخدام القوة المادية والبدنية في الساتياغراها محظور حتى في أحسن الظروف الملائمة؛ لذلك «فليس اللاعنف أبدا منهجا من مناهج القسر، فهو منهج من مناهج الإقناع بالحسنى». فالساتياغراها تستمد حركتها من مبدأ المحبة، القائل «أحبوا الذين يستثمرونكم على كره منكم... وإنه سهل عليكم أن تحبوا أصدقاءكم، ولكنني أدعوكم إلى أن تحبوا أعداءكم». وهكذا يجب أن يكون شعارنا دائما، إقناع الخصم وديا. ويجب من أجل ذلك، أن نخاطب دوما رأسه وقلبه، ويجب أن نرفض بتصميم وعناد اعتبار خصومنا أعداء. ولما كان الشخص الساتياغراهي يودع الخوف، فإنه لا يخشى إطلاقا أن يثق بالخصم، وحتى لو خدعه الخصم عشرين مرة، فإن عليه أن يكون مستعدا للوثوق به للمرة الحادية والعشرين، لأن الثقة المطلقة في الطبيعة الإنسانية خاصة، هي جوهر عقيدته.
نخلص إلى أن قضية الحرب، خصوصا، والعنف عموما، هي قضية طاعنة في السن، فرغم كل التقدم البشري والوعي بمسألة الحقوق، وإدراك أن سبيل العنف لا يزيد إلا عنفا مضاعفا، ورغم كل أصوات الحكمة الإنسانية، سواء باسم العقل (كانط) أو باسم الحب (غاندي) أو أسماء أخرى، فإن الإنسان يغمض عينيه ويتمادى في العنف، مما يعطي الشرعية للمواقف المدافعة عن قدرية الحرب، وعلى غلبة الحيوانية في الإنسان على إنسانيته، وعلى أن العقل نفسه في نهاية المطاف، هو مجرد سلاح كالناب والمخلب، إذ كلما ازداد العقل ازدادت الشراسة!
فهل نستسلم؟



رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات
TT

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

رحيل بياتريس غونزاليس التي سخرت من الجنرالات

قبل أسبوعين من إقامة معرضها الاستعادي الأول بلندن، توفيت الفنانة الكولومبية بياتريس غونزاليس عن عمر ناهز الثالثة والتسعين. وكانت الفنانة التي ولدت عام 1932، قد أشرفت بنفسها على اختيار أعمالها التي تُمثل تجربتها الغاصة بالتحولات عبر 6 عقود، بدءاً من ستينات القرن الماضي وحتى الآن. وليس غريباً على الفنانة أن تلعب ذلك الدور المزدوج، وذلك لأنها عُرفت باعتبارها منسقة معارض، إضافة إلى كونها كاتبة. وهي إذ تحتفي بصنيعها الفني الذي يشمل، إلى جانب اللوحات، المنحوتات والإنشاءات الضخمة التي غالباً ما تُعيد الحياة عن طريق الإيحاء إلى مفردات الأثاث المنزلي الجاهزة كالكراسي والطاولات والأسرة والصناديق والخزائن، فإنها تضعنا في مواجهة رؤيتها الفنية التي لم تكتفِ بالموقف من السلطة وتحليل آليات عملها القمعي، بل وضعت إلى جواره ما ترسّب في الذاكرة الجمعية من مشاهد مؤلمة تُمثل الموتى الأقرباء والغرباء، المعروفين ومجهولي الهوية ممن كانوا يقفون على الجانب الآخر. وإذا ما كانت أعمال غونزاليس تتميز بحيوية داخلية تُعبر عنها الألوان الزاهية، فإنها في الوقت نفسه تستمد قدرتها على التأثير من الحزن الذي يُقيم بين ثنيات تاريخ كولومبيا السياسي المعاصر.

لم يكن مفاجئاً أن يضم المعرض لوحات استنسخت الفنانة من خلالها لوحات صارت جزءاً من التاريخ الفني العالمي، كما هي الحال مع «فينوس» لفنان عصر النهضة ساندرو بوتيتشيلي و«غداء على العشب» للانطباعي الفرنسي إدوارد مانيه و«غورنيكا» للإسباني بابلو بيكاسو. تلك مفارقة تتسلى الفنانة من خلال الالتفات إليها في استعراض تاريخ علاقتها الشخصية بالرسم، يوم كانت تتعلَّم الرسم، من خلال استنساخ لوحات فنان عصر الباروك الهولندي فيرمير. ذلك ولعٌ لم تتخلص منه الفنانة حتى بعد أن صاروا في كولومبيا يطلقون عليها لقب المعلمة. يشير ذلك اللقب إلى عمق تأثير تجربتها الفريدة من نوعها في أجيال من الفنانين الذين وجدوا فيها تجسيداً لإرادة البقاء في مواجهة سلطة المحو التي مثلها الوضع البشري الذي توزع بين الموت والفقدان. والأكثر تأثيراً في المعرض أن الفنانة أقامت على جدران إحدى غرفه مقبرة لضحايا السلطة.

سيدة الرسم في مواجهة العنف

يضم معرض بياتريس غونزاليس، المُقام حالياً في مركز باربيكان للفن بلندن، 150 عملاً فنياً يجمع بينها خيط سري هو العنف الذي حاولت الفنانة أن تغطيه بغلالة تجمع بين السخرية والرقة والتحدي، في رغبة منها في القول بأن الحياة مستمرة، وإن اخترقتها مشاهد الجثث. وهي في عودتها إلى لوحات الفن الغربي التي أعجبتها عبر سني حياتها لم تسعَ إلى الهروب من الآثار النفسية لذلك العنف بقدر ما سعت بطريقة مخاتلة إلى بلورة رؤية خاصة، تكون من خلالها تلك اللوحات شهادات معاصرة. هي فكرة عن إصرار الفنانة على التمسك بثقتها بالفن. كانت هناك «غورنيكا»، وهي تجسيد لمجزرة ارتكبها النازيون في حق بلدة إسبانية مسالمة، وفي المقابل كان هناك غداء هادئ ومريح على العشب أربك من خلاله مانيه السلطة الثقافية في زمانه.

وعلى الرغم من أنها قالت ذات مرة: «لم أكن أرغب في أن أكون سيدة ترسم»، فهي لم تبدأ مسيرتها رسّامة إلا في الثلاثينات من عمرها؛ حين قامت بنسخ لوحة الإسباني دييغو فيلاسكيز «استسلام بريدا» التي تعود إلى عام 1635، غير أن معرضها الاستعادي الحالي يؤكد أن الرسم أصبح وسيلتها المثالية في التصدي للفوضى السياسية التي شهدتها بلادها، وما نتج عنها من عنف، وصولاً إلى استلهام الثقافة الشعبية في السخرية من الجنرالات الذين صورتهم بأسلوب كاريكاتوري على هيئة ببغاوات. حتى في اللوحات التي تُمثل مشاهد حياة عادية هناك شيء من الحزن الدفين، والغضب الذي لا يتناسب مع المناسبة. فعلى سبيل المثال هناك ثلاث لوحات تُمثل رجلاً وامرأة في مقتبل العمر كما لو أنهما في حفلة عرس. في التفاصيل تعرَّض الشابان في ليلة عرسهما للاختطاف، ومن ثم قُتلا. سيكون جارحاً أن يتسلل الألم من بين طبقات ذلك الجمال المترف.

لم تبدأ بياتريس غونزاليس بتسطيح صورها إلا بعد أن صار واضحاً بالنسبة لها أن عمق المأساة في موضوعاتها يغني عن التفاصيل التي شغف بها الرسم التشخيصي الأوروبي. تلك خطوة جريئة منها، خصوصاً أنها لم تكن تميل إلى الرسم التجريدي الذي استفادت من بعض تقنياته.

حين يكون الألم ملهماً

معرض الفنانة التي دأبت في وقت مبكر من حياتها على جمع الصور ساحرٌ بفتنة مشاهده الملونة، غير أنه لا يُحتمل بسبب كثافة الألم الذي ينسل مثل خيط ليجمع من حوله خرائط واقع لا يمكن نسيانه، فهو التاريخ الذي لم يكتبه المنتصرون. في خزانات زجاجية أُلحقت بالمعرض نرى محتويات متحفها الشخصي من الصور الفوتوغرافية، أبرزها: «مصارعون ملثمون، ولاعبو كمال أجسام، وملكات جمال، وحالات انتحار شنقاً، ونسخٌ من أعمال فنانين قدامى، وكهنة كاثوليك يرتدون أغطية رأس مزينة بالريش على الطراز التقليدي، وجاكي أوناسيس على ظهر جمل، والملكة إليزابيث الثانية الشابة تشهد انهيار الإمبراطورية، وقديسون في صلواتهم، وتحف دينية مبتذلة، ومنشورات معارض كانت قد شاهدتها».

الفكرة الأذكى في هذا المعرض أنه لا يلمح إلى الالتزام السياسي. ذلك ما يُحسب للفنانة التي احتفظت بحقها في تأويل ما شهدته خارج المنظور السياسي لتضعه في سياقه الإنساني. وبذلك فقد أنقذت الفنانة فنها من التأطير التبسيطي الجاهز. فهي على الرغم من تشددها في موقفها المعارض للسلطة أنتجت فناً أنصفت من خلاله الضحايا من غير أن تستعرض تاريخهم السياسي، ومن غير أن يكون فنها نوعاً من الدعاية السياسية. سيكون علينا الثناء على ما تخلل فنها من بهجة تستمد فتنتها من الحكايات الشعبية.

«ما لا يقوله التاريخ يقوله الرسم»، هذا ما كانت بياتريس غونزاليس تردده وهي على يقين بأن جنازات الموتى وصور المفقودين وصرخات المعذبين لن تقلق حبر المؤرخين وهم يؤلفون كتباً عما حدث. كانت وظيفة الرسم من وجهة نظرها تضعه في مواجهة التاريخ الرسمي. وهو الدافع لتصوير مسرح الجريمة الذي هو عبارة عن دولة استباحها العسكر وصارت سجناً لشعبها. غابرييل ماركيز، الحاصل على جائزة نوبل، وصاحب رواية مائة عام من العزلة، كان واحداً من الناجين من ذلك السجن في تلك المرحلة.

رسمت غونزاليس الجنرلات كما كان الرسامون الأوروبيون يرسمون الكهنة. في عام 1985 حاصرت جماعة ثورية مسلحة قصر العدل في بوغوتا، واحتجزت جميع من فيه رهائن. أمر الرئيس الكولومبي بيليساريو بيتانكور الذي تولى منصبه حديثاً الجيش باقتحام المبنى، مما أدّى إلى اندلاع حريق أودى بحياة نحو مائة شخص، بينهم مدنيون وقضاة. ردّت بياتريس غونزاليس بلوحة «سيدي الرئيس، يا له من شرف أن أكون معكم في هذه اللحظة التاريخية»، وهي لوحة كبيرة يظهر فيها الرئيس مبتسماً ووزراؤه منهمكين في العمل بينما يرقد جثمان متفحم على الطاولة أمامهم.

من أجل ذلك الجثمان رسمت بياتريس لوحتها.

أما حين قررت بلدية بوغوتا إزالة المقبرة (رفات مئات من ضحايا النزاع) فكان رد الفنانة بعملها «هالات مجهولة»، الذي يعتبر أفضل أعمالها.

استعملت الفنانة التقنية الرقمية في استحضار جثث تعرف أنها ذهبت إلى المجهول. غير أنها من خلال ذلك الاستحضار إنما تكشف عن ثقتها بقدرة الفن على أن يُجبر التاريخ على قول الحقيقة.


غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد
TT

غراميات بشار بن بُرد

غراميات بشار بن بُرد

يرصد كتاب «بشار بن برد - بين الجد والمجون»، الصادر عن دار «أقلام عربية»، للباحث حسين منصور، واحدة من الملامح البارزة في تجربة الشاعر الشهير، وهي الولع بالعشق، باعتباره فضاءً وجودياً في التعبير عن الحياة والنفس البشرية.

عاش بشار في الفترة ما بين نهايات الدولة الأموية وبدايات الدولة العباسية، وحُرم من نعمة البصر وهو صغير لكنه عوضاً عنها امتلك بصيرة خلاقة، قادرة على الذهاب فيما وراء الأشياء، الأمر الذي وسع من عالمه الشعري، وساعده في نظم القصائد المفعمة بالجمال والحكمة.

وحول النساء في حياة بشار، يشير المؤلف إلى أنه أشهر من عشق من النساء امرأة يقال لها «عبدة» لإكثاره من ذكرها في شعره وكانت غانية جميلة من أجمل نساء البصرة وقد تعرف إليها في حجرة من حجرات بيته اسمها «البردان» جعلها نقطة تجمع للنساء اللواتي يحضرن لسماع شعره.

وبينما هو في مجلسه ذات يوم بتلك الحجرة، إذ سمع كلام «عبدة» في المجلس فعشقها من صوتها، كما هي عادته، وقال فيها شعراً ودعا غلامه وقال له: إني علقت هذه المرأة فإذا انقضى المجلس وانصرف أهله فاتبعها وكلمها وأخبرها بحبي وأنشدها شعري، فبلّغها الغلام رسالة مولاه الشفهية وأنشدها أبياته فهشت لها، فصارت تزوره مع نسوة يصحبنها، يأكلن عنده ويشربن وينصرفن بعد أن ينشدها شعراً، ولا طمع فيه في نفسها.

تزوجت عبدة وخرجت مع زوجها من البصرة إلى عمان فقال بشار:

عذيري من العذال إذ يعذلونني

سفاها وما في العاذلين لبيبُ

يقولون لو عزيت قلبك لارعوى

فقلت وهل للعاشقين قلوبُ

إذا نطق القوم الجلوس فإنني

مكب كأني في الجميع غريبُ

وفي واقعة أخرى، دخل إليه نسوة في مجلسه ليسمعن شعره فانجذب لامرأة منهن يقال لها «أمامة»، فقال لغلامه: «عرفها محبتي لها واتبعها إذا انصرفت إلى منزلها»، ففعل الغلام وأخبرها بما أمره فلم تجبه بما يحب، فتبعها إلى منزلها حتى عرفه فكان يتردد إليها حتى ضجرت به فشكته إلى زوجها فقال لها: «أجيبيه وعديه أن يجيء إلى هنا»، ففعلت وجاء بشار تقوده امرأة أنفذتها إليه فدخل وزوجها جالس فجعل يحدثها ساعة ثم قال لها: ما اسمك بأبي أنت؟ فقالت: أمامة فقال:

أمامة قد وُصفت لنا بحسنِ

وإنا لا نراك فالمسينا

فأخذت يده وقد مدها ووضعتها في يد زوجها، ففزع ووثب قائماً وقال:

طلبت غنيمة فوضعت كفي

على شيء أشد من الحديدِ

فأمسك زوجها به وقال: هممت أن أفضحك، فقال كفاني فديتك ما فعلت ولست والله عائداً إليها أبداً فحسبك ما مضى، فتركه.

ويتطرق الكتاب إلى امرأة أخرى وقع في غرامها بشار بن برد تُدعى «خشابة»، شاغلته لفترة ثم تزوجت وسافر بها زوجها من البصرة فقال بشار:

أخشاب حقاً إن دارك تزعجُ

وأن الذي بيني وبينك ينهجُ

فإن جئتها بين النساء فقل لها

عليك سلام مات من يتزوجُ

بكيت وما في الدمع منك خليفة

ولكن أحزاني عليك توهجُ


«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً
TT

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«السماء لا تمطر حكايات»... حيث يصبح الخيال بطلاً روائياً

«لا تبدو ثمة مشكلة في حكايات لا تُكتب، بل في تلك التي تضيع قبل أن تجد صاحبها». على هذه المفارقة تبني الكاتبة المصرية زينب عفيفي عالمها السردي في روايتها «السماء لا تمطر حكايات»، حيث يصبح الخيال نفسه بطلاً روائياً يشق طريقه عبر متاهات الكفاف والإحباط، في محاولة دائمة للعثور على حكاية لا تمنحها الحياة بسهولة.

في هذه الرواية، الصادرة عن «الدار المصرية اللبنانية»، تظهر البطلة مُحاصرة داخل مكان مقيّد، وزمن أجوف يتكرر بإيقاع «قصص قصيرة ينقصها الأمان»، تعيش حالة تنازع بين حلمها القديم بأن تصير روائية، وهو الحلم الذي تبتره صدمة سرقة مبكرة لروايتها الأولى، وبين واقع يتسلل إليه الخوف والتردد، من دون أن تنطفئ جذوة الكتابة داخلها تماماً.

تبدو البطلة «الأربعينية» هائمة في حلم يقظة مستمر، وتغدو المخيّلة سحابتَها الخاصة، تسيّرها بصوتها الداخلي، حتى تصبح حواراتها مع المحيطين بها هي المفارقة لا العكس، وتواكب لغة الرواية هذا المنحى، إذ تنحاز إلى صوت البطلة وتأملاتها الطويلة في المكان والزمان، وكثير من النقد الذاتي.

بيع الأفكار

تمتد هذه التأملات لتصل بالبطلة إلى ضفاف حوارٍ خيالي مع كاتبها السويسري المفضل «روبرت فالزر»، وكأنها تقيم معه تقاطعات حياتية موصولة بمشروعه الروائي والشخصي، وفي هذا الأفق التخييلي يأخذها بطل روايته «اللص» إلى مغامرة فانتازية تدفعها إلى تأسيس كيان لبيع الأفكار للروائيين المفلسين، لتتحرى الأفكار الغريبة المغرية كمواد روائية.

وهكذا تجد البطلة «حنان» نفسها أمام حلمها القديم بالكتابة الذي أجهضته سرقة نصها الأول ونشره باسم آخر، فستبدل به محاولة مختلفة لتدبير علاقتها بالأفكار نفسها، وفي هذا المسار يفتح السرد باباً للتناص مع رواية «اللص» لكاتبها المفضل، حيث يتخذ فعل السرقة معنى يتجاوز الجريمة المباشرة ليغدو طريقة مراوغة للوجود داخل العالم، فبطل فالزر لا يسرق الأشياء بقدر ما يسرق الإمكانات، متنقلاً بين الهوامش بحثاً عن كيان، وعلى نحوٍ موازٍ تبدو البطلة هنا وقد دفعتها صدمة السرقة الأدبية التي تعرضت لها إلى إعادة التفكير في علاقة الكاتب بفكرته، لتبدأ الأزمة التي بدت كجُرح شخصي مبكر في التحول تدريجياً إلى تقمّص تخييلي لفكرة السرقة ذاتها.

من خلال هذا التناص يفتح السرد جبهات متعددة للتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل، في سياقات تخص الكتابة وواقعها المعاصر، حيث تتجاور «خوارزميات» الذكاء الاصطناعي مع «الغباء البشري».

وتتخذ الرواية مسارات ساخرة مشتقة من قاموس الكتابة الأدبية، حيث تنسج الكاتبة فضاءً فانتازياً يقوم على تأسيس كيانٍ لبيع الأفكار للكتّاب المفلسين، وفي هذا الكيان تتداخل أصوات المقبلين على شراء الأفكار عبر أقسام تتراوح بين «الروايات الجاهزة» و«إدارة الكتّاب الأشباح»، وغيرها من الصيغ التي تُحاكي بسخرية لاذعة اقتصاد الإبداع المعاصر.

حضور مُتخيّل

في علاقتها المتخيلة بروبرت فالزر، تبدو البطلة في حالة تماهٍ عاطفي مع هذا «الرجل من ورق»، حتى إنها تحاكي طقسه الشهير في المشي، فتقطع مثله مسافات طويلة كأنها تبحث، عبر الحركة، عن طريق إلى صوتها الداخلي، وعن مخرج من دائرتها المغلقة، فالأفكار كما يهمس لها صاحب هذا الحضور المتخيّل «لا تأتي في غبار الغرف المغلقة».

ومن خلال هذا النسيج التخييلي، تحيك الرواية خلفيات متعددة لفكرة السرقة، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً وتناصاً وتأثراً داخل تاريخ الكتابة نفسه؛ مستعيدة جدل الشاعر الشهير ت. س. إليوت بأن «الشعراء الجيدين يقلدون، أما العظماء فيسرقون».

وفي هذا السوق، يبدو «السِعر» نفسه جزءاً من اللعبة السردية الفانتازية، حيث تُجري مقايضة بين «سِعر» الفكرة و«روح النص»، إذ «الأفكار العظيمة ثمنها أغلى مما يبدو» لتطرح الرواية سؤال القيمة الأدبية في مقابل مواصفات السوق وتوليفات «الأعلى مبيعاً»؛ فالأفكار تُعرض للبيع بلا إخلاص، مثل خوارزميات الذكاء الاصطناعي التي تكتب للجميع بالدرجة نفسها من الحياد، وهكذا لا يعود السؤال عمّن يمتلك الفكرة، بل عمّن يمتلك روح النص، تلك الشرارة الخفية التي لا تُشترى، حتى حين تبدو الأفكار نفسها متاحة بغزارة أمام الجميع.

تدريب على المشي

تعتمد الكاتبة على تضييق حدود المكان السردي لبطلتها؛ فالأحداث تدور في قرية لا تحتفظ بنقائها بعد أن انفتحت على معالم المدينة، وبيت صغير «على مقاسها» تلوذ به البطلة أغلب الوقت، وسيارة «بويك» قديمة ترثها من الجد كما ترث مكتبته، وسجل عاطفي زهيد ومتعثر، ليُفسح ضيق الواقع المجال لاتساع مكان بديل يتشكل عبر شرارة الأفكار وصحبة خيالية، ونزق يقود حياتها في منتصف العمر إلى علاقة مُعقدة بسؤال الكتابة وبذاتها.

في هذا الأفق السردي المتقلب بين السخرية والتأمل، لا تبدو الرواية معنية فقط بحكاية بطلة فقدت إيمانها بنصف حياتها الأول، بقدر ما تنشغل بتفكيك العلاقة الملتبسة بين الكاتب والأفكار وجذوة الكتابة؛ فالأفكار هنا لا تظهر بوصفها ملكية خالصة، بل كيانات هاربة، تتنقل بين العقول، كما لو كانت تبحث عن ملاذ ومُخلّص.

ومن خلال فضاء «بيع الأفكار» الذي تقيمه الرواية يتحول هذا السؤال إلى لعبة سردية متعددة المسارات، تنهض على التناص مع روبرت فالزر وبطله «اللص»، والسخرية من اقتصاد الكتابة المعاصر، والتأمل في معنى السرقة الأدبية، لا بوصفها جريمة مباشرة فحسب، بل بوصفها تقاطعاً معقداً بين التأثر والتناص والتخييل.

هكذا تضع الرواية قارئها أمام مفارقة الكتابة نفسها؛ حيث قد تكون الأفكار قابلة للبيع، لكنها في الوقت نفسه عصيّة على الامتلاك، في زمن بات «النجاح فيه فخاً»، بينما يتحوّل الخيال إلى تدريب طويل على المشي؛ على غرار فلسفة روبرت فالزر.