هل تسمح هشاشة الطبيعة الإنسانية بتجنب الحرب؟

استخدام القوة متأصل في الإنسان والعدوان متجذر في كيانه

هل تسمح هشاشة الطبيعة الإنسانية بتجنب الحرب؟
TT

هل تسمح هشاشة الطبيعة الإنسانية بتجنب الحرب؟

هل تسمح هشاشة الطبيعة الإنسانية بتجنب الحرب؟

هل يمكن للبشرية تجنب الحرب؟ سؤال ينقسم حوله الناس إلى فريقين: الأول يجيب بنعم، شريطة أن تتمكن الشعوب في علاقاتها من حل مشكلاتها بعقلانية واتفاق وتعاقد متوازن، على شاكلة الحلول التي تقدم حين يصطدم الأفراد بعضهم ببعض. أما الفريق الثاني، فيجيب بالسلب وبمبررات قوية أهمها، أن الإنسان هو بالطبيعة، مولع بالحرب والقتال، ومشروط بما يسميه المحلل النفسي فرويد «غريزة الموت». سنقف عند الفريقين معا، قصد التقرب أكثر من هذه المفارقة التي تؤرق البشرية، إذ ما تزال الدماء البشرية تسيل، لكن وفي الوقت نفسه، ما تزال الآمال في السلم طمعا ينشده الإنسان.
يمر مقالنا هذا، بين نظرة مثالية ومتفائلة، تحلم بغد مشرق وبجنة لا سفك للدماء فيها، إذ ترى أن صوت الحكمة الإنسانية سيتحقق لا محالة، وأن كل ما نحتاجه هو الوقت والنضج، لنصل إلى معمورة الفضيلة، ونظرة متشائمة، أو لنقل إنها تتسم بالواقعية، وتتعامل فقط وفق إمكانات الوضع البشري، التي لا تخرج عندها أبدا عن الجذور الحيوانية، ولا تطمح في شيء تعده مجرد يوطوبيا أو مدينة فاضلة، لا توجد إلا في أذهان الحالمين بها.

العنف (الحرب) قدرًا

إن الواقعية السياسية، ومصلحة الدول العليا، والرغبة، أحيانا، في الاستيلاء والغزو والاستحواذ، وكذلك التنافس بين الشعوب بحثا عن الثروات والسلطة، إضافة إلى «غريزة الموت»، هي عوامل محركة لإظهار العداء ودخول الإنسان في معارك طاحنة، تجعل مسألة الحرب في حكم الضرورة. فمن سينكر أن الإنسان أشرس «حيوان» في الأرض؟ فهو لا يكتفي بأن يدافع عن نفسه وحسب، بل يهاجم ويقتل حتى الإبادة، ولأسباب تتجاوز بقاءه؛ لهذا فالحرب فعل كوني وأمر طبيعي وتهديد دائم لن يتوقف. فاستخدام القوة شيء متأصل في الإنسان، والعدوان متجذر في كيانه ويمكن نسبته إلى هشاشة الطبيعة الإنسانية، وتقلبها الدائم، لا ثباتها، إلى درجة يمكن القول، إن الإنسان يوجد في حالة حرب واستعداد دائم لها.
إن الإنسان، كما كان يقول توماس هوبز: «ذئب لأخيه الإنسان». وهو ما يؤكده المشهد اليومي لجرائمه التي لا تنقطع، ويؤكده التاريخ بحروبه الدامية التي يمكن جعلها محطات للتأريخ نظرا لكثرتها؛ وهو ما جعل المحلل النفسي سيغموند فرويد، يرى في العنف ظاهرة لا يمكن التخلص منها أبدا، بل هو شرط أساسي لبلوغ الحق نفسه. فالحق والعنف، ليسا شيئين متناقضين في تصور فرويد؛ فالنظرة التاريخية التحليلية، تؤكد أن الواحد منهما نشأ من الآخر، وتاريخ البشرية يكشف عن علاقة معقدة بينهما، حيث ساهم العنف في صناعة الحق، سواء كان باسم العضلات أو المهارات المتطلبة للحذق والذكاء، أو حتى باسم القانون. إن المبدأ العام لحل الصراعات بين الناس، هو استخدام العنف لإجبار الطرف الآخر على التخلي عن مطلبه، وذلك بشل قوته، بل حتى قتله إن تطلب الأمر ذلك، فالعنف متجذر في الإنسان، وهو الجسر الرابط بينه وبين مملكة الحيوان التي لا يمكن أن يبعد نفسه عنها نهائيا.
ويمكن بسهولة، بحسب فرويد، جرد بعض المحطات الأساسية في تاريخ العنف البشري؛ وذلك كالآتي: ففي المجتمعات الأولى كانت الكلمة للقوة العضلية، فهي التي كانت تحسم مسألة الحق، لكن مع مرور الزمن، أصبح الحق لصالح من يملك الأسلحة والمهارات القتالية، وهو ما يدل على دخول العقل مسرح التاريخ، فالحالة دائما هي سيطرة عنيفة من طرف من يملك القوة، سواء في بعدها العضلي أو العقلي. ومع شق البشرية طريقها الطويل نحو الارتقاء والتطور، أصبح العنف يفضي إلى ما يسمى الدولة العقلانية الحديثة حيث السيادة للقانون، فأصبح بالإمكان منافسة، بل تقويض قوة الواحد الطاغية المستبد بواسطة اتحاد الضعفاء. ومن ثم أصبح الحق مرتبطا بعنف الجماعة للحد من عنف الفرد... بكلمة واحدة نقول إنه العنف الممارس باسم القانون.
ففرويد يؤكد إذن، أن العنف ليس حدثا طارئا وعرضيا في التاريخ البشري، بل هو حاضر بقوة، وهو الذي يرسم ملامح الحق. باختصار، هو يؤكد أن تاريخ العنف هو تاريخ ميلاد الحق نفسه؛ فالحق يخرج من رحم العنف وعلاقتهما مشتركة وجدلية، وهما وجهان لعملة واحدة، بل حتى عندما تحول الحق وأخذ درب الشرعية القانونية في الزمن الحديث، فإنه لا يعني أن العنف قد تم محوه، بل القانون نفسه في حقيقته عنف اختياري؛ هو لطيف نعم ومهذب عن بقية سبل العنف الأخرى، بحيث يعبر أكثر عن إنسانية الإنسان، لكن على الرغم من كل ذلك، فإنه لا محالة ينفلت منه العنف الشرس بين الفينة والأخرى، ما يجعلنا نتذكر دائما، جذورنا الحيوانية.
إن ما يسمى التحضر عند البشرية، هو، في حقيقته، بحسب فرويد، مجرد كبت مفرط لغرائزنا الأصيلة التي تعاود، دون شك، الظهور بطرق ملتوية، وبسلوكات مشوهة وأكثر دموية أيضا؛ لهذا ففرويد يرى أن قدرنا أن نظل في عنف أزلي لن ينمحي أبدا. فالطبيعة بغرائزها الضاربة في عمق كياننا، لا تموت ولن تموت، وكل قمع لها تحت أي اسم، سواء كان دينيا أو أخلاقيا أو قانونيا، لا يعني إلا عودتها بحدة أكثر.

السلم ممكن جدا

على الرغم من كل العنف السائد في المعمورة، فهناك دائما، صوت الحكمة الذي لا يكل من إعلان أن البشرية يمكنها أن تصل إلى وضع حد له، عن طريق الإنصات للعقل ولغة القانون والدبلوماسية. بل لم لا؟، صوت الحب أيضا.
وإذا ما أخذنا على سبيل المثال، الفيلسوف إيمانويل كانط المعروف بتفاؤله الكبير وإيمانه الشديد بعقل الإنسان وقدرته على صناعة السلم، وبحسه الاستشرافي الهائل، نجده قد فتح السياسة نحو العالمية «الكوسموبوليتيك»، خلال نهاية القرن الثامن عشر، مؤكدا أن البشرية سائرة نحو «اتحاد عالمي»، أو «حلف للأمم» سيكون كتعاقد مشترك يحول دون حدوث الحروب التي تمزق البشرية وتحط من إنسانيتها وتهوي بها إلى حضيض البهيمية. فقام من أجل ذلك، بتأليف كتاب في السياسة الدولية سنة 1775 بعنوان «نحو سلام دائم بين الشعوب»، وقام بترجمته إلى العربية، شيخ الديكارتيين العرب، الدكتور عثمان أمين بعنوان: «مشروع للسلام الدائم».
يقدم كانط في كتابه هذا، نظرية في السلم العالمي، حيث يؤكد أن الشعوب لن تتمكن من وقف الحروب وبلوغ السلم، إلا إذا تعاقدت فيما بينها وفق بنود سيحددها بوضوح تام، بحيث نجده في القسم الأول من كتابه، يضع النواهي التي على الدول تجنبها، وهي كالآتي: الإرادة الطيبة، لا يجب استغلال دولة أخرى، العمل على إلغاء الجيوش على مر الزمن، القروض يجب توجيهها نحو التنمية الاقتصادية وليس نحو التسلح، عدم التدخل في شؤون دولة أخرى، التزام النزاهة حتى وإن كانت الحرب قائمة، كما أضاف إليها بنودا أخرى في القسم الثاني، هي بمثابة شروط إيجابية للسلم، وذلك كالآتي: على كل دولة أن يكون دستورها جمهوريا، العمل على قيام اتحاد بين دول حرة، المواطنة العالمية وضمان حق النزيل الأجنبي وإكرام مثواه.
أما إذا أخذنا تصور المهاتما غاندي المشهور بـ«الساتياغراها»، التي تعني عنده «المقاومة السلبية» والنضال السلمي في سبيل الحق، فنجده يرى في الطبيعة الإنسانية من الحب ما قد يقهر العنف ويدخل البشرية في سلم دائم. فقوة الروح أو قوة الحب من أجل الحصول على الحق، يمكن أن تستخدم من الأفراد كما المجتمعات، وهي قوة لا تقهر... فغاندي يعلن أنه من غير الصحيح إطلاقا، القول إن لغة الحب هي قوة الضعفاء، ما دام أنهم عاجزون عن مجابهة العنف بالعنف. فهذا فهم خاطئ، ووهم ناشئ من عدم وجود ترجمة صحيحة كاملة لتعبير الساتياغراها، ذلك لأنه من المستحيل على أولئك الذين يعتبرون أنفسهم من الضعفاء، أن يستخدموا ويطبقوا هذه القوة؛ فلا يمكن أن يكون من المقاومين السلبيين، إلا أولئك الذين يدركون بأن في الإنسان شيئا أسمى من الطبيعة الوحشية الغاشمة، وأن تلك الطبيعة القاسية، يمكن أن تخضع لذلك الشيء... إن استخدام الساتياغراها يتطلب الصبر وترويض النفس على عدم الاهتمام بأمر الكساء والغذاء، ومجابهة البغضاء بالمحبة، والباطل بالحق، والعنف بالعذاب الطوعي، حتى يشعر الطغاة بخستهم وحقارتهم.
يرى غاندي أنه لا مكان للعنف في نظريته؛ فاستخدام القوة المادية والبدنية في الساتياغراها محظور حتى في أحسن الظروف الملائمة؛ لذلك «فليس اللاعنف أبدا منهجا من مناهج القسر، فهو منهج من مناهج الإقناع بالحسنى». فالساتياغراها تستمد حركتها من مبدأ المحبة، القائل «أحبوا الذين يستثمرونكم على كره منكم... وإنه سهل عليكم أن تحبوا أصدقاءكم، ولكنني أدعوكم إلى أن تحبوا أعداءكم». وهكذا يجب أن يكون شعارنا دائما، إقناع الخصم وديا. ويجب من أجل ذلك، أن نخاطب دوما رأسه وقلبه، ويجب أن نرفض بتصميم وعناد اعتبار خصومنا أعداء. ولما كان الشخص الساتياغراهي يودع الخوف، فإنه لا يخشى إطلاقا أن يثق بالخصم، وحتى لو خدعه الخصم عشرين مرة، فإن عليه أن يكون مستعدا للوثوق به للمرة الحادية والعشرين، لأن الثقة المطلقة في الطبيعة الإنسانية خاصة، هي جوهر عقيدته.
نخلص إلى أن قضية الحرب، خصوصا، والعنف عموما، هي قضية طاعنة في السن، فرغم كل التقدم البشري والوعي بمسألة الحقوق، وإدراك أن سبيل العنف لا يزيد إلا عنفا مضاعفا، ورغم كل أصوات الحكمة الإنسانية، سواء باسم العقل (كانط) أو باسم الحب (غاندي) أو أسماء أخرى، فإن الإنسان يغمض عينيه ويتمادى في العنف، مما يعطي الشرعية للمواقف المدافعة عن قدرية الحرب، وعلى غلبة الحيوانية في الإنسان على إنسانيته، وعلى أن العقل نفسه في نهاية المطاف، هو مجرد سلاح كالناب والمخلب، إذ كلما ازداد العقل ازدادت الشراسة!
فهل نستسلم؟



رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
TT

رواية مرشحة لـ«غونكور» قد يكون مؤلفها الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان
الكاتب الكندي-الهاييتي تيليسون أوريليان

زلزال قوي ضرب المشهد الأدبي الفرنكفوني، بعد الشبهات التي أُثيرت حول رواية «كان ذلك أو الموت» للكاتب الكندي - الهاييتي تيليسون أوريليان، واتهامه بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي في كتابتها. وما لبث هذا الجدل أن تجاوز مصير الرواية نفسها ليطرح سؤالاً وجودياً: كيف نثبت أن نصاً أدبياً من صنع إنسان، حين تعجز الكاشفات الآلية عن الفصل بين إبداع الكاتب وصنيع الخوارزمية؟

الرواية التي فتحت باب الجدل صادرة عن دار «غراسيه»، حازت جائزة مكتبات «فناك»، ورُشّحت للقائمة الأولى لجائزتي «غونكور» و«رونودو». غير أن حساباً مجهولاً على منصة «إكس»، يحمل اسم «افضح مستخدمي كلود»، اتهم الكاتب بتأليفها كلياً تقريباً بواسطة الذكاء الاصطناعي، مستنداً إلى نتائج برنامج «بانغرام» المتخصص في كشف النصوص المولّدة آلياً. وفي ساعات قليلة، تحولت الشبهة إلى زلزال في موسم أدبي كان أوريليان أحد نجومه الصاعدين، فيما تجاوزت مبيعات الرواية 35 ألف نسخة في فرنسا. موقف الكاتب كان سريعاً وقاطعاً، حيث قال إنه يحب الإبداع والكتابة، ولا يرى سبباً يدفعه إلى الاستعانة بآلة خاصة، وإنه بدأ بالتحضير في هذه الرواية منذ 2017، معلناً، بالتعاون مع ناشريه، إعداد ملف يوثّق مراحل ولادة المخطوط. ودافعت دار «غراسيه» عن كاتبها، ووصفت الاتهامات بأنها «أخبار كاذبة»، مشككة في صلاحية أدوات الكشف التي قد تعطي نتائج خاطئة حتى عند اختبار نصوص قديمة.

على أن اختبارات أجرتها وسائل إعلام فرنسية، بينها «لوموند» و«فرانس إنفو»، أظهرت نتائج متناقضة. فبينما أشار برنامج «بانغرام» إلى احتمال يتجاوز 95 في المائة بأن تكون بعض المقاطع مولّدة بالذكاء الاصطناعي، خلصت أدوات أخرى إلى أن المقاطع نفسها كُتبت على الأرجح بواسطة إنسان. هذه المفارقة تكشف عن أن الرقم الذي يظهره الكاشف ليس حكماً نهائياً، بل مجرد تقدير احتمالي يتأثر بطول المقطع، وبطبيعة اللغة، وبدرجة انتظام الأسلوب.

جامير نازير

وتضع هذه التناقضات لجان الجوائز الكبرى أمام مأزق غير مسبوق. فقد أقرّ فيليب كلوديل، رئيس أكاديمية «غونكور»، بأن الأكاديمية لا تملك الوسائل التقنية أو البشرية أو الخبرة العلمية اللازمة للتحقق من استعمال الذكاء الاصطناعي في نص أدبي، داعياً إلى الحذر وعدم التعامل مع نتائج الكاشفات بوصفها أدلة قاطعة. أما الكاتب والعضو في لجنة «غونكور» بيير أسولين، فأكد أن القضية ستُناقش حتماً داخل الأكاديمية.

غير أن السؤال لا يتعلق فقط بإمكان اكتشاف استعمال الذكاء الاصطناعي، بل أيضاً بحدود سلطة لجان التحكيم. هل يحق للجنة أن تستبعد رواية مرشحة بناء على تقرير آلي قابل للخطأ؟ وهل تُعامل الاستعانة بالآلة في البحث أو الترجمة أو تصحيح اللغة معاملة استخدام الذكاء الاصطناعي في توليد الفقرات والشخصيات والحبكة؟ إن غياب تعريف دقيق لهذه المستويات قد يحوّل الجوائز الأدبية إلى محاكم مفتوحة، يكون فيها الكاتب مطالباً بإثبات براءته بدلاً من أن تكون الجهة المتهمة مطالبة بتقديم الدليل.

وليست قضية أوريليان الأولى من نوعها. فقد وُجّهت، قبل أشهر، تهمة مماثلة إلى الكاتب جامير نازير، الفائز بجائزة أفضل قصة قصيرة في مسابقة تابعة لمؤسسة الكومنولث، قبل أن تبرّئه لجنة التحقيق بعد أسابيع من التدقيق. وفي الولايات المتحدة، دفعت فضائح مشابهة جمعية كتّاب الخيال العلمي والفانتازيا إلى تشديد قواعد جوائز «نيبولا»، وصولاً إلى منع استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الأعمال المرشحة.

وتشير هذه السوابق إلى أن الجوائز الأدبية قد تتجه مستقبلاً إلى فرض إقرارات رسمية على المؤلفين، لتحديد الأدوات التي استعانوا بها، وطبيعة استخدامها، والمقاطع التي طالها ذلك الاستخدام. وقد تطلب لجان التحكيم، عند وجود شبهة جدية، الاطلاع على المسودات المتتابعة، والملاحظات الشخصية، وسجلّات العمل، والمراسلات مع المحرر. غير أن هذه الإجراءات قد تصطدم بسرّية العملية الإبداعية، وبحق الكاتب في الاحتفاظ بمختبره الداخلي بعيداً عن أعين المؤسسات.

أما دور النشر، فهي مرشحة بدورها لتغيير قواعد التعامل مع المخطوطات. فقد بدأت سياسات جديدة تظهر في قطاع النشر، تقوم على طلب الإفصاح عن استخدام الذكاء الاصطناعي، والتمييز بين المساعدة التقنية المحدودة وتوليد النص نفسه. ومن بين الدور التي اتخذت خطوات في هذا الاتجاه «بنغوين راندوم هاوس» و«هاربر كولنز»، وهما من كبرى دور النشر الأنغلوسكسونية. وفي المقابل، لم تعتمد دور النشر الفرنسية الكبرى، مثل «غاليمار» و«غراسيه» و«سوي»، حتى الآن سياسات مماثلة معلنة على نطاق شامل، رغم أن الضغط المتصاعد قد يدفعها إلى ذلك قريباً.

وقد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميز المنتجات المصنوعة وفق شروط معينة. غير أن اعتماد مثل هذه الشهادة لن يحل المشكلة كلها. فهل ستقوم على تصريح المؤلف وحده؟ أم على فحص تقني؟ أم على سجل رقمي يرافق الرواية منذ مسودتها الأولى؟ إن الاتجاه الأكثر واقعية لا يبدو قائماً على البحث عن «بصمة آلية» داخل النص، بل على توثيق مسار الكتابة: من فعل ماذا، ومتى، وبأي أداة، وفي أي نسخة؟ وهذا ما يسميه بعض الباحثين «سلسلة حيازة النص»، أي الانتقال من سؤال ثنائي: «هل كتب الإنسان أم الآلة؟» إلى سؤال أكثر دقة: «ما حجم مساهمة كل طرف في كل مرحلة؟».

قد تظهر على الأغلفة في المستقبل علامات من قبيل «كتابة بشرية» أو «إبداع إنساني»، على غرار الشهادات التي تميّز المنتجات المصنوعة

غير أن أخطر ما في الاعتماد على كاشفات الذكاء الاصطناعي هو احتمال إنتاج شكل جديد من التمييز يمكن تسميته «العنصرية الأدبية الخوارزمية». فهذه البرامج لا تقرأ الأدب كما يقرؤه الناقد، ولا تفهم التجربة التاريخية أو الثقافية التي أنتجت النص، بل تبحث عن مؤشرات إحصائية مثل انتظام الجمل، وتوقّع المفردات، وتكرار البنى، وانخفاض المفاجأة اللغوية. وقد تبدو هذه السمات، بالنسبة إلى البرنامج، علامات على تدخل الآلة، مع أنها قد تكون نتيجة طبيعية لتكوين الكاتب أو للغة التي يكتب بها.

وقد أظهرت دراسات على نصوص كتبها أشخاص غير ناطقين أصلاً بالإنجليزية أن كاشفات عدة صنّفت نسبة كبيرة منها على أنها مولّدة بالذكاء الاصطناعي، رغم أنها نصوص بشرية خالصة. ويرتبط ذلك بكون الكاتب الذي تعلم اللغة لاحقاً يميل أحياناً إلى مفردات أكثر شيوعاً، وجمل أكثر انتظاماً، وتراكيب أقل انحرافاً عن القاعدة؛ وهي عناصر قد تفسرها الخوارزمية بوصفها «قابلية للتنبؤ»، لا بوصفها أثراً للتعلم أو لاختيار أسلوبي. وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في حالتي جامير نازير، الذي يكتب بالإنجليزية وهو من ترينيداد، وتيليسون أوريليان، المولود في هايتي والذي يكتب بالفرنسية.

وتكتسي هذه المسألة حساسية أكبر في الأدب الفرنكفوني، حيث يكتب كثير من الروائيين بالفرنسية بوصفها لغة ثانية أو ثالثة، ويحملون إلى النص إيقاعات العربية أو الكريولية أو اللغات الأفريقية والكاريبية. فهل يمكن أن يُعاقب الكاتب لأنه يكتب فرنسية معيارية؟ أو لأن أسلوبه لا يشبه الأساليب المكرّسة في المركز الأدبي الباريسي؟ وهل تصبح اللغة الأدبية المقبولة هي تلك التي تبدو «أكثر بشرية» في نظر برنامج صُمّم غالباً على عينات محدودة ومتحيزة؟

يدافع أوريليان عن أسلوبه باعتباره امتداداً لتقاليد سردية هايتية وكاريبية، تتسم بالتكرار والإيقاع والعودة إلى الصور ذاتها. وقد تُقرأ هذه الخصائص، خارج سياقها الثقافي، باعتبارها دليلاً على تدخل آلة تعيد الصياغة أو تكرر الأنماط. هنا لا يعود الخطر تقنياً فقط، بل هو ثقافي أيضاً: فقد تتحول الخوارزمية إلى حارس صامت، يفضّل النصوص التي تقترب من نموذج لغوي واحد، ويشكك في النصوص الهجينة والمهمشة والمكتوبة من أطراف المجال الأدبي.


الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية
TT

الحكي بعين الصورة البصرية

الحكي بعين الصورة البصرية

ربما كان من القاسي جداً على أي امرأة أن تُفاجأ بقناة إخبارية أميركية وهي تنوه عن صورة التُقطت لها دون أن تدري قبل 35 عاماً في أكثر لحظاتها ضعفاً. هذا بالضبط ما حدث مع بطلة رواية «أجمل من نجلاء»، الصادرة عن دار «الشروق» بالقاهرة للكاتب والمخرج الوثائقي المصري شريف سعيد.

تحمل البطلة، وهى صحافية، اسماً لافتاً «نجلاء بهاء الوطن»، وبينما كانت واقفة في مطبخها الصغير وسط باريس تطالع قناة «فوكس نيوز»، وإعلانها عن حوار خاص مع جندي سابق شارك في حرب الخليج الثانية عام 1991 تحت عنوان «أسرار جديدة من حرب عاصفة الصحراء»، حينئذ وجدت نفسها أمام العالم بعد كل هذه السنوات وهي حافية باكية بملابس البيت في طرقات البلدة الحدودية الصحراوية «رفحاء».

على هذه الخلفية الصادمة يسعى المؤلف للغوص عميقاً في دهاليز النفس الإنسانية بتعقيداتها وإشكالياتها من خلال نموذج البطلة الحسناء نجلاء، مقتفياً تحولاتها الجغرافية والثقافية وهى تنتقل من الحارة الشعبية في القاهرة إلى الحدود السعودية العراقية، ثم إلى العاصمة الفرنسية، عبر العديد من الحكايات والقصص التي لا تخلو من مفاجآت مدهشة.

بدا شريف سعيد في هذا النص متأثراً بخلفيته مخرجاً وثائقياً يسعى لأن تروي الصورة البصرية ما لا تستطيع أن تعبر عنه الكلمات، كما يبدي اهتماماً شديداً بالتفاصيل، سواء على مستوى الأماكن أو التكوين النفسي للشخصيات.

من أجواء الرواية نقرأ:

«استطاعت العلامات الموسيقية المتصاعدة من فوق الرصيف وسط رذاذ المطر أن تختطفها من ذكريات طفولتها، وأن تقفز بها سنوات كثيرة إلى الأمام تحديداً نحو ذاك المساء الذي استحالت فيه مطلقة، في هذا اليوم كانت عقارب الساعة تشير إلى انتصاف ليل القاهرة حين دردشتْ معه أول مرة وقد تعاهدا منذ البداية على السرية والخفاء.

منذئذ حرصت نجلاء على ألا تجهر باسمه لأحد فوق هذا الكوكب. قبل هذه اللحظة كانت قد مرت عليها شهور وهي تتابع عن كثب منشوراته عبر حسابه على تطبيق (فيسبوك)، وكثيراً ما حرصت على إبداء إعجابها بما يدونه ولكن في وقار ساتر، كانت تضغط فوق علامة أعجبني على نحو منتظم حتى لا تبدو أمامه مثل دلو حمام مسكوب، في حين أنه كان أكثر رزانة منها ولم يبادلها شيئاً من هذا القبيل ثم تجاسرت وهنأته ذات مرة بعيد ميلاده.

فض الرسالة الإلكترونية ولأيام متتالية لم يرد عليها، فقد كان بالغ الحرص في سلوكه بالواقع الافتراضي، لم لا وهو في ذلك الوقت كان يستهدف ترقية جديدة في سلكه الدبلوماسي بوزارة الخارجية. ويدرك أن أحدهم في مؤسسة أمنية داخل أو خارج البلاد ربما ينصت إلى مكالمات هاتفه أو يقلب معه في صناديق رسائله لهذا لم يرغب في أن يُكتب عنه بين قوسين كبيرين في أي تقرير سري أنه متعدد العلاقات ومنخرط حالياً في علاقة مع صحافية مصرية تكتب بالفرنسية».


ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد
TT

ريتشارد داد يعود إلى الأكاديمية الملكية التي درس فيها

ريتشارد داد
ريتشارد داد

على الرغم من أن الأكاديمية الملكية بلندن سعت إلى استعادة الفنان ريتشارد داد (1817 ــ 1886) من غير الخوض موسعاً في حياته الشخصية بكل ما انطوت عليه من امتزاج بين المرض النفسي الذي أصيب به وجرائم القتل التي ارتكبها، فإن عنوان المعرض الذي يستمر حتى 25 أكتوبر (تشرين الأول) كان مدخلاً غير موفق لذلك المسعى. «ريتشارد داد: ما وراء المصحة» عنوان ينفتح على سرديات غير سارة؛ ذلك لأن المصحة العقلية التي شهدت عودته إلى الرسم بحماسة استثنائية ستكون بالنسبة للآخرين مناسبة للتنقيب في تفاصيل حياته التي يُعاد رسمها بطريقة تسلط الضوء على العلاقة المفترضة شعبياً بين الفنون والجنون.

في الخامسة والعشرين من عمره، كُلِّف بالسفر مع السير توماس فيليبس عبر أوروبا والشرق الأوسط، ورسم الأماكن التي زاروها. مع اقتراب نهاية الرحلة التي استمرت عشرة أشهر ظهرت عليه أعراض اضطراب عقلي حاد، فكان يعاني من أوهام ارتيابية عند عودته إلى الوطن. كان يعتقد أنه مُضطهد من قِبل الشياطين، وأنه يتلقى رسائل من الإله المصري أوزوريس. في 28 أغسطس (آب) 1843، طعن والده حتى الموت في حديقة كوبام، بالقرب من روتشستر في مقاطعة كينت، معتقداً أنه الشيطان متنكراً.

حين اعتُقل بعد فراره إلى فرنسا ومحاولته قتل أحد المسافرين نعته مجلة «آرت يونيون» تحت عنوان مؤثر «الراحل ريتشارد داد» بقولها: «الرجل اللطيف والودود ظاهرياً والذي كان قبل عام أو نحوه نجماً صاعداً في الأكاديمية الملكية بلندن. اليوم يُعرف داد، إن عُرف أصلاً، بقتله والده وهو يعاني من نوبة ذهانية حادة أُدخل على أثرها إلى مستشفى بيثليم، ثم إلى مصحة برودمور للمجرمين والمجانين، حيث مكث بقية حياته». خلصت «آرت يونيون» بعد ذلك إلى قولها: «مع أن القبر لم يُغلق عليه فعلياً، فإنه يُصنف بين الأموات».

من أعمال داد

نزهات المجنون في عالم شكسبير

في السنوات الأولى من حياته طالباً في مدارس الأكاديمية الملكية وعضواً مؤسساً لمجموعة من الفنانين الأصدقاء تُعرف باسم «الزمرة»، أحيط ريتشارد داد بهالات نجاحٍ تقليدي لفنان بريطاني موهوب. كان داد في أوائل أربعينات القرن التاسع عشر قد بدأ يرسخ مكانته رساماً لمشاهد خيالية مستوحاة من مسرحيات شكسبير، لتليها رحلته عبر شرق البحر الأبيض المتوسط، التي ظلت مصدر إلهام له طوال حياته. بعدها انطفأ داد عقلياً. ما بين عامي 1843 و1886 عاش نزيلاً ما بين مستشفيي بيثليم وبرودمور، هناك أنتج معظم لوحاته الزيتية والمائية التي لا تعكس حالته المرضية لما تميزت به تلك اللوحات من دقة بصرية ووضوح في الرؤية والتعبير. فعلى الرغم من العزلة التي عاشها في نظام المصحات العقلية الفيكتوري، فإن داد استطاع أن يستلهم من ذاكرته وخياله وشغفه الدائم بالأدب والأساطير ليُبدع عوالم خيالية زاخرة بالتفاصيل الدقيقة. وليس مفاجئاً أن تعدُّ تلك اللوحات من بين أكثر الأعمال الفنية البريطانية أصالةً وإبداعاً. ولو لم تكن كذلك لما ألهمت لوحاته عدداً من الفنانين والكتّاب والموسيقيين، بمن فيهم فرقة «كوين» التي أطلقت اسم إحدى أشهر لوحات داد «ضربة قاضي الجنية» على إحدى أغانيها.

في هذا المعرض الذي يضم أكثر من مائة عمل فني، يتمكن المشاهد من متابعة تفاصيل حياة غامضة عاشها رجل انفصل عن الواقع، غير أنه رسمه بطريقة ثورية كما لو أنه كان يتخيله. كان المرض حبل نجاة لداد من مواجهة عقوبة أقسى نظراً لتاريخه الإجرامي غير أنه في الوقت نفسه كان مبعث إلهام فريد من نوعه؛ ذلك لأنه فتح أمامه خيال عوالم، كان قد عاشها مباشرة أو عن طريق الأدب. ما بين رؤى شكسبير والمشاهد التي رآها في أثناء رحلته الشرق الأوسطية تجول المجنون وهو يتصفح أوراق ذاكرته.

سردية المصحة

في تقديمها للمعرض الذي يُقام بعد غياب أعمال الفنان عن العرض خمسين سنة، توضح القيّمة الفنية سيلفي بروسين أنه «بعد التحرر من سردية المصحة يُمكن النظر إلى مسيرة داد الفنية ككل متكامل»، وتضيف: «إن سردية ما قبل المصحة وما بعدها تُبسّط الأمور. فأسلوبه كان قد تغير، ولكن هذا أمر طبيعي لدى العديد من الفنانين في ظروف مختلفة. ويبقى عدد من موضوعاته كما هي».

تنفي بروسين بذلك التوضيح إمكانية أن يكون لانفصال داد عن الواقع، وهو تعبير مخفف عن مرضه، أي تأثير لما حدث من تغيرات في ميول الرسام فيما يتعلق بموضوعاته. فهي ترى أن اهتمام داد الدائم بشكسبير والذي نسج قصصه في خيالات مُتقنة كان بمثابة إشارة تمهيدية مبكرة لتفرغه لرسم موضوعات خيالية في أثناء حبسه في المصحة. ذلك ما تؤكده تجربة النظر مباشرة إلى لوحات داد وبالأخص لوحته «تيتانيا النائمة»، التي يقول دليل المعرض إنها عُرضت في الأكاديمية الملكية أول مرة عام 1841. تلك لوحة لا يرسمها إلا شخص يملك السيطرة الكاملة على حواسه، وبشكل أساس، على خيال يديه البارعتين. فهل يعني ذلك أن هناك قناعة لدى البعض بأن داد كان قد نجح في أثناء إقامته في المستشفى في الفصل بين فنه وجنونه؟ وهو ما لا يفعله إلا رجل عاقل. ما هذا التناقض؟

عندما أُعيد اكتشاف داد لأول مرة في منتصف القرن العشرين، عُومِلَ كحالةٍ طبيةٍ أكثر منه فناناً، وذلك في إطار اعتقادٍ كان سائداً آنذاك بأن الفن أداةٌ تشخيصيةٌ فعّالة. لم يُمعن أحدٌ التفكير في هذا الموضوع بعمقٍ وعمقٍ أكثر من نيكولاس ترومانس أحد أبرز خبراء داد والقيّم المشارك على المعرض. وقد نأى ترومانس بنفسه عن هذا النهج الذي فقد مصداقيته الآن في مقدمة كتابه الصادر عام 2011 بعنوان «ريتشارد داد: الفنان والمصحة»، حيث كتب «لم أدّعِ، كما لم أدّعِ عند الكتابة عن جيه إم دبليو تيرنر أو كلود مونيه، أنني أعرف تماماً ما كان يفكر فيه ويشعر به في أثناء رسم لوحاته».

بعكس ما انتهت إليه سيلفي بروسين، يؤكد ترومانس أن مرض الرسام لعب دوراً مهماً في خياراته الأسلوبية بقوله: «أودّ أن أشير إلى أن شخصياته لا تتفاعل أبداً. فشخصياته لا تتحدث مع بعضها ولا تنظر إلى بعضها ولا تتبادل أي كلمة. من المستحيل ألا نرى في ذلك انعكاساً لما نعرفه عنه، وهو أنه كان منعزلاً جداً ولا يميل إلى التحدث مع الآخرين كثيراً». لم يفقد ريتشارد داد ذاكرته البصرية في أثناء إقامته في مستشفى المجانين، بدليل لوحتيه «فانتازيا مصرية» و«نُزُل على جانب الطريق» غير أن ما لا ينكر في أسلوبه أنه قد تغير بتأثير من المرض.