نيابة إسطنبول تكشف رحلة الأوزبكي مشاريبوف حتى تنفيذ هجوم «رينا»

حبس «داعشيين» من أصول لبنانية وعراقية خططا لدخول أوروبا عبر تركيا

الإرهابيان الموقوفان من أصول لبنانية وعراقية («الشرق الأوسط»)
الإرهابيان الموقوفان من أصول لبنانية وعراقية («الشرق الأوسط»)
TT

نيابة إسطنبول تكشف رحلة الأوزبكي مشاريبوف حتى تنفيذ هجوم «رينا»

الإرهابيان الموقوفان من أصول لبنانية وعراقية («الشرق الأوسط»)
الإرهابيان الموقوفان من أصول لبنانية وعراقية («الشرق الأوسط»)

أعلنت السلطات التركية، أمس، فرض حظر تجوال في 9 قرى بمحافظة ماردين في جنوب شرقي البلاد، بينما قررت محكمة تركية حبس اثنين من عناصر «داعش» من الأجانب من أصول لبنانية وعراقية كانا يسعيان لتنفيذ عمليات إرهابية في أوروبا، كما انتهت النيابة العامة في إسطنبول من إعداد لائحة الاتهام الخاصة بالداعشي الأوزبكي عبد القادر مشاريبوف منفذ الهجوم الإرهابي على نادي رينا الليلي في أوتاكوي في إسطنبول ليلة رأس السنة، الذي أوقع 39 قتيلاً و65 مصابًا غالبيتهم من العرب والأجانب، إذ انتهت التحقيقات معه وقررت محكمة مناوبة يوم السبت حبسه.
وأعلن مكتب حاكم ولاية ماردين فرض حظر تجوال لأجل غير مسمى في 9 قرى تابعة للولاية الواقعة جنوب شرقي البلاد، قائلاً في بيان إن قوات الأمن ستعمل خلال الحظر على تحديد مواقع العبوات الناسفة التي زرعها عناصر من حزب العمال الكردستاني وتدميرها.
في سياق آخر، أمرت محكمة تركية بحبس اللبناني محمد لبان، الذي يحمل الجنسية الدنماركية والعراقي محمد توفيق صالح، ويحمل الجنسية السويدية، اللذين أثبتت تحقيقات أجرتها قوات مكافحة الإرهاب التركية على مدى 10 أيام أنهما من قيادات تنظيم داعش الإرهابي، وأنهما كانا يخططان لتنفيذ هجمات إرهابية في أوروبا.
وبحسب مصادر التحقيقات، ألقي القبض على لبان (45 عامًا) وصالح (38 عامًا) بفندق في بلدة سيهان التابعة لمحافظة أضنة جنوب تركيا في عملية مشتركة بين الشرطة والمخابرات التركية.
وبعد تدقيق الشرطة في الأجهزة الإلكترونية التي كانت بحوزة المشتبهين، تبين أن اللبناني يعمل على تحويل الأموال من أوروبا إلى تنظيم داعش في سوريا، أما العراقي فكانت مهمته تأمين المعدات والأسلحة.
كما كشفت التحريات عن أنّ لبان دخل سوريا عام 2014، بطريقة غير شرعية، حاملاً معه طائرة دون طيار يستخدمها التنظيم في عمليات الرصد قبيل تنفيذ هجماته.
وكان الإرهابيان يحملان هويات وجوازات سفر مزورة، في أضنة، أما جوازا سفرهما الأصليان، فتبين إرسالهما إلى مدينة تركية أخرى، والهدف أنهما كانا يخططان لدخول اليونان بواسطتهما، ثم التوجه إلى أوروبا.
في سياق متصل، كشفت النيابة العامة في إسطنبول عن لائحة الاتهامات الموجهة إلى الداعشي الأوزبكي عبد القادر مشاريبوف، المكنى بـ«أبو محمد الخراساني»، والبالغ من العمر 34 عامًا، الذي نفذ الهجوم على نادي رينا الليلي في إسطنبول، متضمنة تفاصيل الهجوم وكيفية انخراطه في تنظيمات إرهابية وقدومه إلى تركيا.
وتضمنت لائحة الاتهام التي أعدها مدعي عام مكتب الجرائم المنظمة والإرهاب في إسطنبول جوك ألب كوتشوك أن الأوزبكي مشاريبوف غادر إلى العاصمة الروسية موسكو، بسبب خضوعه للمراقبة في بلاده بعد الاشتباه بكونه منتميًا لأحد التنظيمات الإرهابية، وتزوج من زارينا نور الله ييفا المتهمة أيضًا بالانتماء لتنظيم داعش.
وانتقل مشاريبوف بعد ذلك بصورة غير شرعية مع زوجته إلى ولاية نيمروز جنوب أفغانستان، بهدف الانضمام لتنظيمات هناك. وانضم مشاريبوف في أفغانستان إلى «حركة أوزبكستان الإسلامية»، ثم لاتحاد الجهاد الإسلامي، وتلقى دروسًا دينية وسياسية وخضع لتدريبات عسكرية، ولعب دورًا في الهجمات ضد الجيش الباكستاني في المناطق الحدودية مع أفغانستان، كما أعلن بيعته لأمير الاتحاد في منطقة وزيرستان الباكستانية الحدودية، الملقب بـ«أبو ساير» عام 2014.
وأضافت اللائحة أن مشاريبوف توجه في الأشهر الأخيرة من عام 2014، مع زوجته إلى مدينة سروان الإيرانية ومكث فيها نحو العام، بغية التوجه إلى مناطق الصراع في سوريا، وبسبب عدم تمكنه من ذلك دخل إلى محافظة فان شرق تركيا الحدودية مع إيران في مطلع عام 2016 بصورة غير شرعية، ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة إسطنبول. وعقب وصوله إلى إسطنبول، تواصل مشاريبوف عبر تطبيق «تليغرام» للمحادثة مع أحد مخططي هجوم نادي رينا الليلي الملقب بـ«تولبار»، المطلوب للسلطات التركية حاليًا، وأقام مع كل من المخطط الآخر للهجوم الملقب بـ«يوسف» وأسرتيهما في إحدى الخلايا التابعة لتنظيم داعش في منطقة كايا شهير في إسطنبول، لحين تنفيذه هجومه الإرهابي ليلة رأس السنة.
وأشارت لائحة الاتهام إلى أن مشاريبوف تلقى يوم 25 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أوامر بتنفيذ هجوم إرهابي ليلة رأس السنة، وذلك من أحد أعضاء «داعش»، الملقب بـ«أبو شهدا»، المقيم في إحدى مناطق الصراع في سوريا، وتم التواصل بينهما عبر «تليغرام». وأضافت أن مشاريبوف تواصل في اليوم ذاته مع الإرهابي الملقب بـ«رهوفا» المقيم بالرقة السورية، ومن ثم قرر تنفيذ الهجوم، ليقوم بإبلاغ «أبو شهدا» عن استعداده لتنفيذ عمله الإرهابي.
وتابعت أن مشاريبوف تواصل في 25 ديسمبر الماضي عبر «تليغرام» مع منسق عمليات «داعش» في تركيا الملقب بـ«أبو جهاد»، وأخبره الأخير أن عضوًا آخر في التنظيم سيتواصل معه عبر التطبيق ذاته بعد يوم. والتقى مشاريبوف في اليوم التالي مع الشخص المذكور في منطقة بشاك شهير في إسطنبول. وذكرت لائحة الاتهام أن مشاريبوف تلقى من الشخص الذي التقى معه تعليمات حول تنفيذ العملية ليلة 31 ديسمبر في ميدان تقسيم، وسط إسطنبول، باستخدام قنابل يدوية وسلاح من نوع كلاشنيكوف الأوتوماتيكي واستأجر منزلاً لمدة 3 أيام في 27 ديسمبر وفق تعليمات واردة من التنظيم. وفي 29 ديسمبر ذهب إلى ميدان تقسيم، واستطلع الوضع فيه والتقط بعض المشاهد بهاتفه، وبعد يوم تواصل مع «أبو جهاد» عبر «تليغرام»، الذي أبلغه بالتوجه إلى أحد العناوين ليتسلم الأسلحة التي سيستخدمها في العملية الإرهابية.
وبحسب المذكرة، التقى مشاريبوف في 31 ديسمبر، مع أحد أعضاء التنظيم المقلب بـ«أبو محمد» المقيم في منطقة كايا شهير، وطلب منه أن يرسل له إلى منطقة زيتين بورنو حقيبتين بداخلهما أسلحة وذخائر وبعدها تسلم الحقيبتين.
وجاء في لائحة الادعاء أنَّ مشاريبوف، تم توقيفه بعد الهجوم مباشرة من قبل الشرطة المدنية، وتظاهر حينها بأنه جريح وأنه أحد ضحايا الهجوم على النادي الليلي، ووجهت عناصر الشرطة سؤالاً له عما جرى داخل النادي الليلي، فأجاب أن انفجارًا وقع في الداخل وتركوه ليمضي إلى حال سبيله وعلى بعد مسافة قصيرة غادر المكان بواسطة سيارة تاكسي.
وذكرت لائحة الاتهام أنه في 3 يناير (كانون الثاني)، تواصل مشاريبوف مع الإرهابي «أبو جهاد» عبر «تليغرام» من أجل تغيير سكنه في منطقة صفا كوي، وأثناء عملية الانتقال إلى عنوان آخر في الشطر الآسيوي من مدينة إسطنبول توقفت السيارة التي كانت تقل مشاريبوف في نقطة تفتيش للشرطة، وعلى أثر تعرف الشرطي على المهاجم الذي كان يجلس في المقعد الخلفي قاموا بالفرار بالسيارة، وبعد مطاردتهم فتح الإرهابيون على الطريق السريع، النار على سيارة الشرطة من النافذة الخلفية للسيارة التي يستقلونها، وتمكنوا من الفرار.
وأشارت نيابة إسطنبول في لائحة الاتهام إلى أنه بعد جمع فوارغ الرصاصات التي أطلقها مشاريبوف في هجوم رأس السنة وفحصها، تبين أنها مصنوعة من الفولاذ، أي أنها رصاصات خارقة للسترات الواقية والعربات غير المصفحة، مما يؤدي عند استخدامها إلى إصابة أكثر من شخص برصاصة واحدة. وقررت محكمة تركية، السبت، حبس مشاريبوف، بتهم «محاولة تقويض النظام الدستوري، والقتل العمد، وحيازة أسلحة أو شرائها». وكان قد قبض على مشاريبوف ليل السادس عشر من يناير الماضي بعد ملاحقات استمرت 15 يومًا في منطقة أسنيورت في إسطنبول وبصحبته أحد أعضاء «داعش» من العراق و3 نساء؛ مصرية وصومالية وسنغالية.
في الوقت نفسه، أرجع نائب رئيس الوزراء التركي، ويسي كيناك، تراجع العمليات الإرهابية في تريا خلال الأسابيع القليلة الماضية إلى استمرار عملية «درع الفرات» في شمال سوريا، حيث لم تتعرض تركيا إلى هجمات إرهابية من المنطقة الواقعة بين مدينتي جرابلس وأعزاز، منذ انطلاق العملية في 24 أغسطس (آب) الماضي.
على صعيد آخر، ضبطت قوات الأمن التركية، في قيادة القوات الخاصة بالعاصمة أنقرة، ملفًا يضم أسماء وعناوين إقامة مسؤولين رفيعي المستوى في الرئاسة والحكومة، على رأسهم الرئيس رجب طيب إردوغان، كان منفذو محاولة انقلاب 15 يوليو (تموز) الماضي الفاشلة سيقومون بخطفهم.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.