تودوروف... نصوص كبرى تخاطب المستقبل

رحل وهو يؤمن بأن التنوير لا يزال أمامنا وليس خلفنا

تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
TT

تودوروف... نصوص كبرى تخاطب المستقبل

تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»
تزفيتان تودوروف - غلاف «بيان التنوير»

كان تزفيتان تودوروف قد أصدر كتابًا يشبه المانيفست عام 2006 بعنوان «روح التنوير». وقد أصدره بعد أن كلفوه شخصيًا بالإشراف على معرض التنوير الكبير الذي نظمته المكتبة الوطنية الفرنسية الجديدة الشامخة كناطحات السحاب على ضفاف نهر السين. وكان المقصود به الرد على كل الأصوليات الدينية المتطرفة وبالأخص أصوليتنا في الواقع، لأن المعرض حصل بعد 11 سبتمبر وتفجيرات مدريد ولندن... إلخ.
ومنه نفهم أن التنوير أمامنا وليس خلفنا. وهذا هو حرفيًا عنوان المعرض الذي زرته آنذاك وتجولت في رحابه: «عصر التنوير: إرث للمستقبل». صحيح أن مشروع التنوير الذي تبلور في القرن الثامن عشر على يد الكبار من أمثال فولتير وديدرو وروسو وكانط... إلخ، يحتاج الآن إلى نقد وتصحيح ومراجعات بعد أن تعرض لاستخدامات انتهازية مضادة لمثله العليا. نعم، لقد خان الغرب التنوير إبان التوسعات الإمبريالية. فتحت غطائه النبيل وبحجة «تحضير البدائيين» راحوا يستعمرون الشعوب ويسلبونها إرادتها. لقد رفعوا شعارات التنوير عاليًا وفعلوا عكسها، الشيء الذي أدى إلى تشويه سمعته، وفقدان مصداقيته... ولكن لا ينبغي التراجع عن مشروع التنوير بأي شكل كما يقول تودوروف. فنحن جميعًا أبناء التنوير شئنا أم أبينا. نحن ورثته الشرعيون حتى عندما ننتقد انحرافاته ونهاجم نواقصه. فلا بديل عن التنوير إلا التنوير منقحًا ومصححًا ومراجعًا. يُضاف إلى ذلك أنه لا يزال ضروريًا جدًا بل وملحًا بالنسبة للشعوب والتراثات التي لم تمر بالمرحلة التنويرية بعد: كالشعوب الإسلامية والشرقية عمومًا. وبالتالي فلنعد مجددا إلى نصوصه الكبرى ولنحاول تحيينها وملاءمتها مع هموم القرن الحادي والعشرين وقضاياه. وهذا هو مشروع هابرماس في الواقع وليس فقط تودوروف. ولهذا السبب عبر لي مرة عن إعجابه بهابرماس وامتعاضه من فوكو وديلوز ودريدا وبقية الفلاسفة النيتشويين العدميين المعادين للأنوار. لكن لنتفق على الأمور هنا منذ البداية لكيلا يحصل أي خلط أو تشويش. الثقافة الأوروبية مرت بالتنوير قبل مائتي سنة، ونقدت أصوليتها المسيحية نقدًا صارمًا على مدار القرون الثلاثة الماضية: الثامن عشر، فالتاسع عشر، فالعشرين.
أما نحن فلم نمر به حتى الآن ولم يتعرض تراثنا للغربلة النقدية التي أصبحت أكثر من ملحة بعد كل ما حصل ويحصل. في عصر «داعش» والدواعش لا يوجد حل آخر. هذا من جهة. ومن جهة أخرى فينبغي العلم أنه تفصل بيننا وبين فلاسفة الأنوار مائتا سنة. وفي هذين القرنين ظهر مفكرون آخرون كبار أضافوا وجددوا ووسعوا الأنوار. ولذلك أصبح بعضهم يتحدث الآن عن الأنوار الأولى، والأنوار الثانية. وعلى أي حال فلو سألت الإنسان الأوروبي قبل مائتي سنة أو ثلاثمائة سنة ما هو تراثك؟ لأجابك فورا: التراث المسيحي.
ولكن لو سألت الإنسان الأوروبي الحالي: ما هو تراثك؟ لأجابك فورا: الحداثة وفلسفة الأنوار. بمعنى آخر كان التراث بالنسبة لهم دينيًا لاهوتيًا فأصبح علمانيًا حداثيًا. وحتى لو ظلت المسيحية من تراثه، فإنها أصبحت مسيحية ليبرالية، متسامحة، منفتحة، مثقفة، وما عادت أصولية متعصبة أو انغلاقية. وهذا يعني أن الدين سوف يستمر بعد الغربلة النقدية الشاملة، ولكن مفهوما بشكل عقلاني مستنير. وبالتالي فليطمئن الناس: تراثنا العربي الإسلامي سوف يجدد شبابه بعد المرور بالمرحلة التنويرية. سوف يبدو أفضل وأنصع وأبهى بكثير عما كان قبلها. وأصلاً لن تُعرف حقيقته قبل المرور بهذه العملية الجراحية الخطيرة. سوف تُطرح منه الزوائد والقشور ويبقى الجوهر. ألم نكن نحن شعاع التنوير الحضاري أيام بغداد العباسية وقرطبة الأندلسية؟ ثم غفونا أو نمنا على التاريخ. وتلقفت الشعلة أوروبا...؟!
ما سمات روح التنوير التي تميز أوروبا عن بقية النطاقات الثقافية الأخرى في العالم؟ على هذا السؤال يجيب تودوروف قائلاً: إنها الروح النقدية والحرية الفكرية. ففلاسفة الأنوار هم أول من تجرأ على نقد العقائد الدينية القديمة. ولهذا السبب لا يزال رجال الدين الكبار في أوروبا يشنون هجومًا ساحقًا على فولتير وأمثاله حتى اللحظة. نضرب على ذلك مثلاً مطران باريس السابق: لوستيجر. فقد كان من ألدّ أعداء فلاسفة الأنوار. وقد شتمهم علنًا، ووصفهم بكل النعوت السلبية. وبالتالي فالمعركة لم تنتهِ فصولاً بعد. صحيح أنها حُسمت منذ عقود طويلة لصالح فكر الأنوار. وصحيح أن الفلسفة التنويرية انتصرت على الأصولية المسيحية في أوروبا انتصارًا مبرمًا لا ريب فيه، ولا رجعة عنه. والدليل على ذلك أن برامج التعليم الفرنسية والأوروبية عمومًا مليئة باستشهادات من نصوص ليسنغ وكانط وفولتير وكوندورسيه وديدرو وجان جاك روسو وارنست رينان وميشليه... إلخ. وتكاد تخلو تمامًا من أي استشهاد بأساطين الأصولية المسيحية. وذلك على عكس ما هو شائع في العالم العربي، حيث يهيمن الفكر الأصولي على برامج التعليم ويغيب عنها الفكر التنويري إلى حد كبير. وبالتالي فالحالة معكوسة بيننا وبين أوروبا. والدليل على ذلك أني سمعتهم أخيرًا يشتمون ابن سينا في بعض البلدان العربية. بل ويدعون إلى عدم وضع اسمه بعد اليوم على واجهة أي مستشفى أو مدرسة أو مكتبة لأنه كافر زنديق... إلخ. وأعترف بأن ذلك فاجأني إن لم أقل: جرحني، وآلمني، بل و«مغصني مغصًا». فمن يشتم ابن سينا يشتم الكندي والفارابي وابن رشد ناهيك بالمعري والتوحيدي وطه حسين ونجيب محفوظ وبقية عباقرة العرب والإسلام. ولكن لا ينبغي أن نستغرب ذلك. فنحن نعيش في العصر الداعشي لا التنويري. ثم يتساءلون مستنكرين: لماذا وصلنا إلى هنا؟ لماذا يحصل لنا ما يحصل؟ لماذا تتقدم شعوب العالم كلها إلى الأمام ونتراجع نحن إلى الخلف؟ لماذا أصبحنا فضيحة العصر في هذه الأيام الدواعش؟ وما عاد أحد قادرًا على أن يفصح عن هويته كعربي أو مسلم لا في الشرق ولا في الغرب. إنه يخجل بها وقد كانت يومًا ما منارة للعالم أجمع. ولكن إذا عُرف السبب بطل العجب. والسبب واضح وضوح الشمس: لأننا لا نتجرأ على طرح سؤال صغير واحد على تراثنا الديني، لأننا لم نخضعه للغربلة النقدية الصارمة كما فعل كانط أو فولتير قبل مائتي سنة أو يزيد بالنسبة للتراث المسيحي. هذا ناهيك بفويرباخ أو نيتشه... إلخ.. ثم لأن الجماهير الغفيرة من المحيط إلى الخليج كلها مع رجل الدين بشكل مسبق وتتشرب كلامه وكأنه حقائق معصومة. من يناقش اليقينات المطلقة؟ ويحك هل أنت مجنون؟ كل هذا انتهى في العالم المتنور المتحضر منذ قرون... والفضل لمن؟ لفلاسفة الأنوار في القرن الثامن عشر ومن تلاهم.
ويرى تودوروف أن سمات الروح التنويرية كثيرة ولكن أهمها استقلالية العقل بالقياس إلى النقل.دون ذلك لا تفكير حر ولا اكتشاف ولا إبداع. ما دام الكاهن المسيحي واقفًا فوق رؤوسنا يقول لنا ما ينبغي أن نفكر فيه أو لا ينبغي أن نفكر فيه فعلى الدنيا السلام. لذلك صرخ كانط صرخته الشهيرة في أواخر القرن الثامن عشر: تجرأ على استخدام عقلك أيها الإنسان! فالله زودك بالعقل لكي تستخدمه لا لكي تلغيه. ولكن الكاهن يقول للرعية فورا: لا تفكروا، آمنوا وتدينوا فقط. أنا مسؤول عن تفكيركم، اسألوني أُفتِ لكم في كل شاردة وواردة. لا داعي لتشغيل عقولكم الصغيرة. وهذا لا يعني أبدًا الدعوة إلى الإلحاد. فكانط كان مؤمنًا حقيقيًا. وكان يقول عبارته الشهيرة: حيث تنتهي حدود العقل تبتدئ حدود الإيمان. وكبار فلاسفة الأنوار كانوا جميعًا مؤمنين بوجود الله. من بينهم فولتير ذاته وجان جاك روسو. ولكن كان هناك تيار مادي ملحد. فنيتشه كان ملحدا بشكل صارخ وكذلك ديدرو وفويرباخ هذا ناهيكم عن ميشال أونفري الذي يصرعنا حاليا صرعا بنزقه وإلحاده. لحسن الحظ فإن كاتب هذه السطور مؤمن حقيقي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. وعلى الرغم من أنه عاجز عن التصالح مع نفسه، فإنه يفعل كل شيء لتحقيق المصالحة بين الإيمان - والعقل، أو الدين - والفلسفة.
ماذا يقول لنا تودوروف؟ انه يقول إن التنوير يشكل أكبر طفرة معرفية راديكالية في تاريخ البشرية. لماذا؟ لأن العقل البشري طيلة العصور السابقة كان مجرد خادم ذليل للاهوت المسيحي. والآن شب عن الطوق وتجرأ على الانفصال عنه وتحقيق الاستقلالية الذاتية. وهذا هو معنى فكرة كانط: لقد آن الأوان لكي تنتقل البشرية من مرحلة القصور العقلي، أكاد أقول الطفولة العقلية، إلى مرحلة النضج وسن الرشد. آن الأوان لأن تشغل عقلها المعطل طيلة القرون الوسطى! وهي قفزة هائلة وخطرة لم يتجرأ عليها الفكر العربي حتى الآن. بل وترتعد فرائصه أمامها. ولهذا السبب لم يعد للتكفير وجود في عصر التنوير. فالناس أصبحوا سواسية وكرامتهم محفوظة أيا تكن أديانهم ومذاهبهم. أما في السابق فكان الأكثري الكاثوليكي يحتقر الأقلوي البروتستانتي بل ويدعو إلى تكفيره وذبحه لأنه «مارق زنديق». كل هذا انتهى بعد انتصار الأنوار. كيف يمكن أن تشكل مجتمعًا متراصًا، أو دولة، أو وحدة وطنية، إذا كان بعض الشعب يكفر بعضه الآخر؟ كيف يمكن أن يحصل التعايش؟ مستحيل. وأصلاً التنوير ظهر كرد فعل على هذه الحروب الأهلية الطائفية التي مزقتهم ودمرتهم طيلة عدة قرون. لقد كان علاجا شافيا، وأي علاج!



شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب
TT

شهادات من نزلاء سجون الأسدين

غلاف الكتاب
غلاف الكتاب

عن دار كنعان للنشر (دمشق - 2026) صدر كتاب «صيدنايا... من مدونة سجون الأسد - شهادات». وتكشف الشهادات مدى العنف والقسوة وانتهاك حقوق الإنسان في زمن نظام الأسد، الأب والابن...، على لسان بعض من عاش تلك التجربة، أي تجربة السجن السوري، سواء كان سجن صيدنايا أو غيره، «أولاً، للتذكُّر، لأن التذكُّر هو دليل عافية، وخطوة أولى للاعتراف بحق هؤلاء الذي اختبروا تلك التجربة الفظيعة، وكمساهمة في التأسيس للعدالة الانتقالية، وأيضاً التذكُّر للحؤول دون تكرار هذه التجربة الرهيبة».

وتضمن الكتاب شهادات لكل من: أميرة حويجة، وحسيبة عبد الرحمن، وعزة أبو ربعية، وأنور بدر، وبدر زكريا، ومحمد إبراهيم، ومحمد برّو، وكريم عكّاري، وعلي الكردي، ونصار يحيى، ومحمود عيسى، وبسام جوهر، وجورج ميخائيل، وحسام الدين كردية، الذين اختبروا سجون الأسد وعانوا أهوالها... وكذلك مساهمتين عن طبيعة سجن صيدنايا كتبهما: مي بركات، وبلال بيلغيلي...جاء في مقدمة الكتاب لماجد كيالي:

«السجن السوري يختلف عن أي سجن في العالم، إذ إن سجون نظام الأسد لا تنتزع من الإنسان حريته، وحقوقه القانونية، وخصوصيته الفردية، وكرامته، وأدميته، فقط، وإنما هو سجن يفقد فيه المعتقل ذاته وروحه، وحتى أحاسيسه. لا يقتصر الأمر على التعذيب المباشر، فالعيش في السجن هو بحدّ ذاته عذاب، ومعاناة لا يمكن تخيّلها، فكيف إذا كان هذا السجن مثل سجن صيدنايا، أو تدمر، أو قبو لجهاز مخابرات، وكلها أمكنة لا تمتُّ إلى الإنسانية بصلة، إذ هي مجرد لبشر منسيين، أو مقابر أحياء، بل وأكثر قسوة ووحشية من ذلك، فهذه أمكنة جهنمية، بكل معنى الكلمة.

متاهة الموت: 
السجن كهيكل كل شيء فيه حديد، وإسمنت مسلح، ويبدو كمبنى مسخ، أو مسلخ، وهو سُمي أخيراً كذلك. ومنذ البداية تجد نفسك في متاهة أو في سلسلة متوالية من بوابات حديدية، كل واحدة تفضي إلى أخرى، ثم تصل إلى (كريدور)، بنوافذ علوية ضيقة، يضم مهاجع عدة، تُغلق بباب حديدي ضخم، وللمهجع فتحات تهوية على الكريدور، من فوق الباب وتحته. علماً أن السجن محاط بأسوار عدة، وهو ممتد على مساحة كبيرة تضاهي مساحة بلدة كاملة، والمشكلة أن وراء كل جدار واحداً آخر، وثمة مع الجدران، حقول ألغام، وأسلاك شائكة، وحرّاس، بمعنى ألا أحد يستطيع الخلاص من هذا السجن.

أيضاً، في كل واحد من هذه المهاجع، كان يعيش عشرات من المعتقلين معاً، فيها يمضون أوقاتهم، وتضيع حياتهم، خارج العالم، وفي عزلة عنه، يعيشون كل نفس منهم، وكل مشاعرهم، جنباً إلى جنب، فهنا ينامون ويقومون ويتحدثون ويأكلون، ويمشون، ويقضون حاجاتهم في ركن في الزنزانة، في البرد وفي الحر، وفي اليأس وفي الأمل.

في المهاجع كانت هناك ثياب متناثرة على الأرض، تلك التي كان المعتقلون يرتدونها داخل السجن قبل تحريرهم، وقد تركوها عندما خرجوا، عندما انهار نظام السجن السوري، مع الأسد الفار، كنت أرى كأن كل قطعة ثياب تحكي قصة عن فظائع هذا السجن».

وكانت لوحة الغلاف للفنانة عزة أبو ربعية.


كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.