580 فعالية مختلفة.. ولبنان ضيف شرف

مشاركة 1010 دور نشر في معرض الشارقة الدولي للكتاب

580 فعالية مختلفة.. ولبنان ضيف شرف
TT

580 فعالية مختلفة.. ولبنان ضيف شرف

580 فعالية مختلفة.. ولبنان ضيف شرف

تنطلق صباح اليوم في مركز «إكسبو الشارقة» فعاليات الدورة الـ32 من معرض الشارقة الدولي للكتاب، التي تشهد مشاركة نحو 1010 دور نشر من 53 دولة؛ منها 23 دولة عربية، وثلاث دول تشارك للمرة الأولى هي البرتغال، ونيوزيلندا، وهنغاريا، ويعد معرض الشارقة الدولي للكتاب، أحد أكبر 4 معارض للكتاب عالميا، الذي ينعقد على أرض مركز المعارض والمؤتمرات «إكسبو الشارقة»، خلال الفترة من 6 - 16 من نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، برعاية الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، حاكم الشارقة.
استكمل معرض الشارقة الدولي للكتاب هذا العام تجهيز البرنامج بالضيوف من ذوي الخبرة الواسعة المعروفين في المحيطين الإقليمي والعالمي، وسيتضمن البرنامج سلسلة من جلسات النقاش والمحاضرات وورش العمل والندوات للناشرين في مجال حقوق الترجمة، كما سيجري إبرام الكثير من مذكرات التعاون وعقود الاتفاق الخاصة بالترجمة بين الناشرين العرب والعالميين، بالإضافة إلى الكثير من الأنشطة الأخرى المتصلة بصناعة النشر والكتاب. ويتيح البرنامج المهني للمشاركين فيه فرصة للاطلاع على وضع صناعة النشر في منطقة الشرق الأوسط، ومدى تأثير الاتجاهات والتطورات الدولية في صناعة الكتاب بالمنطقة.
وضمت العناوين المشاركة في المعرض نحو 405 آلاف عنوان بزيادة 20 ألف عنوان عن العام الماضي، وذلك في مختلف العلوم والمعارف والمعاجم وكتب أدب وثقافة الطفل والناشئة، تنتمي إلى 180 لغة، وبلغت مساحة العرض نحو 16800 متر مربع، من ضمنها منصات مجهزة ومتكاملة للعارضين، كما أعلنت إدارة المعرض أن الفعاليات التي سيجري تقديمها ضمن دورة العام الحالي تتجاوز 580 فعالية مختلفة.
وفي هذه المناسبة، يقول أحمد بن ركاض العامري، مدير معرض الشارقة الدولي للكتاب، لـ«الشرق الأوسط»: «نحن على ثقة بأن الدورة الحالية ستكون متميزة، وفي جميع برامجها وفعالياتها المصاحبة، لا سيما البرنامج المهني الذي يعد أحد أهم برامج المعرض، وقد حصل في دورتيه الأولى والثانية على إشادات دولية واسعة، ونتطلع أن يحقق في دورته الثالثة نجاحا لافتا».
من ناحيتها، قالت هند لينيد، رئيس قسم المعارض، المنسق العام لمهرجان الشارقة القرائي للطفل: «إن الدورة الحالية لمعرض الشارقة الدولي للكتاب ستشهد تنظيم عشرات الفعاليات الثقافية والتعليمية والترفيهية للطفل، التي تتضمن عروض أفلام ومسرحيات، وورشا فنية وتعليمية، إلى جانب القراءات القصصية والمحاضرات التوعوية، حرصا من إدارة المعرض على غرس القراءة وعالمها الجميل في نفوس الأطفال من مختلف الأعمار».
وقال سالم عمر سالم، رئيس قسم التسويق والمبيعات في معرض الشارقة الدولي للكتاب: «أنهى المعرض الاستعدادات الخاصة بتأمين الخدمات المقدمة للناشرين والزائرين بشكل متكامل ومجهز، بما يلبي جميع المتطلبات الممكنة، ويستجيب لاحتياجات الشرائح الواسعة من الجمهور القادم إلى فعاليات المعرض الذي نتوقع له في دورة هذا العام المزيد من التألق والنجاح».
وأشارت الشيخة بدور القاسمي، المؤسس والرئيس التنفيذي لمجموعة «كلمات» للنشر، إلى الدور الذي يلعبه مشروع «حروف للنشر التعليمي» في «تطويع التقنيات لصالح التعليم، والتركيز على إدخال المتعة إلى المعلومة وتوظيفها لدى الأطفال، حيث يقدم المشروع الكتاب المدرسي سواء بنسخته الورقية أو الإلكترونية بطريقة تفاعلية مشوقة، تعتمد على إشراك الحواس الإدراكية للطفل كالسمع والبصر خلال تلقيه المعلومة».
أعلنت اللجنة المنظمة لمعرض الشارقة الدولي للكتاب اختيار لبنان ضيف شرف الدورة الحالية. وجاء اختيار جمهورية لبنان ضيف شرف الدورة الحالية للمعرض بالنظر إلى دورها الكبير المؤثر في مسيرة الفكر والثقافة العربية على امتداد تاريخها، الحافل بالأسماء الكبيرة في الشعر والرواية والترجمة والكثير من الفنون الأدبية. في الإطار ذاته، يشارك في دورة المعرض الجديدة الكثير من الشخصيات اللبنانية؛ ومنهم: الدكتور عمر حلبلب المدير العام لوزارة الثقافة في لبنان، الشاعر والإعلامي زاهي وهبي، والإعلامي وزافين قيوميجان، الإعلامي طوني خليفة، ومي شدياق، سونيا بيروتي، سعاد قاروط، غابي لطيف الروائية هدى بركات، الروائية جنى فواز الحسن، الأديبة علوية صبح، الكاتب والمفكر الإسلامي رضوان السيد، الناقدة د. يمنى العيد، الروائية نجوى بركات، الشاعر محمد علي شمس الدين، وطلال سلمان ناشر جريدة «السفير»، ورفيق خوري رئيس تحرير جريدة «الأنوار»، وجمانة حداد، وعيسى بيضون، ومطر الأحمدي، ومايا الحاج، وغسان حجار، وبيار أبي صعب، وغسان شربل، وغيرهم من الكتاب العرب.
وسوف يجري تكريم جمهورية لبنان، إضافة إلى الكثير من المبدعين خلال حفل افتتاح فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، وذلك بتوزيع جوائز الشارقة الثقافية التي تشمل: جائزة الشخصية الثقافية، وجائزة فئة أفضل دار نشر محلي وعربي وأجنبي، وجائزة أفضل كتاب إماراتي لمؤلف إماراتي في مجال الإبداع، وجائزة أفضل كتاب إماراتي مترجم عن الإمارات، وجائزة أفضل كتاب إماراتي مطبوع عن الإمارات، وجائزة أفضل كتاب إماراتي في مجال الدراسات، وجائزة أفضل كتاب عربي في مجال الرواية، والكثير من الجوائز ذات الصلة.
وتشارك جمهورية لبنان في فعاليات الدورة الحالية لمعرض الشارقة الدولي للكتاب بالكثير من الفعاليات المختلفة؛ بينها: ندوة بعنوان «صناعة الكتاب والمعارض في لبنان»، وندوة عن «أثر الحراك الثقافي في التنمية المستدامة»، وأخرى عن «الثقافة العربية وتحديات العولمة»، وعروض فلكلورية لبنانية شعبية وعروض موسيقية مختلفة وورشة عمل يومية للأطفال، كما ستقدم مسرحية «عندي سمكة ذهبية» للأطفال واليافعين وأخرى علمية للأطفال بعمر بين 5 - 15 سنة، ومعرض الرسوم اليومي على موقع الجناح اللبناني، الحافل في الوقت نفسه بالكثير من المطبوعات والكتب اللبنانية المختلفة.
كما أعلن معرض الشارقة الدولي للكتاب إبرام اتفاقية تعاون مع جمعية المكتبات الأميركية تهدف إلى تحسين وتعزيز مهارات القراءة والكتابة في مختلف أنحاء الإمارات. وتأتي هذه الشراكة في إطار الجهود التي يبذلها المعرض لتعزيز ثقافة القراءة وحب الكلمة المقروءة، فضلا عن تسليط الضوء على ثقافة دولة الإمارات العربية المتحدة. من جهته، قال كيث مايكل فيلز، المدير التنفيذي لجمعية المكتبات الأميركية: «نحن نتطلع إلى إقامة شراكة طويلة الأجل مع معرض الشارقة الدولي للكتاب، مما يساعدنا على الوفاء بمهمتنا وإيصال رسالتنا إلى جميع أنحاء العالم».
ورحبت إدارة معرض الشارقة الدولي للكتاب بمشاركة الناشرين البريطانيين في فعاليات الدورة الـ32 لمعرض الشارقة الدولي للكتاب. كما جرى خلال اللقاء ضمن البرنامج المهني الذي سبق معرض الشارقة الدولي للكتاب بأيام، استعراض مشروع «منحة الترجمة» التي يتبناها المعرض في 2011 بقيمة 300 ألف دولار وترجمت خلاله عشرات الكتب من الأعمال المتميزة التي تسهم في إثراء ونشر الثقافات المختلفة. كما حرص المعرض على تقديم تسهيلات للناشرين الروس للمشاركة بقوة وبحجم أكبر عن السنوات السابقة للاستفادة من المنتج المعرفي والثقافي لديهم، ومن ضمن ذلك البرنامج الثقافي للمعرض من خلال استضافة مفكرين ومثقفين روس للاستفادة من خبراتهم في هذا المجال خلال المحاضرات والحلقات النقاشية، والترويج لهم بشكل أكبر لاستقطاب أكبر عدد من الجمهور المهتمين بالكتب والثقافة الروسية.



نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
TT

نقوش تصويرية من قصر الحير الغربي

3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)
3 قطع من محفوظات متحف دمشق الوطني (قصر الحير الغربي)

ازدهر النحت التصويري في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى، فاتّخذ طابعاً خاصاً يجمع بين التقاليد الهلنستية والطرز الفارسية في قوالب مبتكرة، شكّلت أسلوباً محلياً خاصاً، تجلّى في شواهد عدّة خرجت من مواقع أثرية، أبرزها تدمر، المدينة التي ازدهرت في تلك الأزمنة، وبدت فيها أشبه بميناء الصحراء، وبوابة المرور بين إمبراطوريتين عدوّتين تتقاسمان الشرق. ظلّ هذا التقليد الفني حياً في عهد الدولة الأموية، وأسبغ طابعه على الكثير من الحلل، زيّنت القصور التي شيّدها خلفاء هذه الدولة وسط صحاري بلاد الشام، ومنها قصر الحير الغربي الذي بناه هشام بن عبد الملك في عام 727، في ناحية من البادية السورية، تقع على بعد نحو 60 كيلومتراً جنوب غربي مدينة تدمر.

ذكر ياقوت الحموي تدمر في «معجم البلدان» خلال العهد الأخير من العصر العباسي، وكتب في تعريفه بها: «مدينة قديمة مشهورة في برية الشام»، «زعم قوم أنها مما بَنته الجن لسليمان - عليه السلام -، ونعم الشاهد على ذلك، قول الذبياني:

إلا سليمان إذ قال الإلهُ له

قُم في البرية فاحْدُدْها عن الفَنَد

وجَيش الجن إني قد أمرتُهُمُ

يَبنون تدمر بِالصُّفّاحِ والعَمَدِ».

نقل ياقوت هذين البيتين، وأضاف معلّقاً: «وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل سليمان بن داود - عليه السلام - بأكثر مما بيننا وبين سليمان، ولكن الناس إذا رأوا بناءً عجيباً جهلوا بانيه أضافوه إلى سليمان وإلى الجن». والكلام هنا في الواقع يعود للجاحظ في «الحيوان»، ونصّه: «ولكنّكم إذا رأيتمْ بنياناً عجيباً، وجهلتم موضع الحِيلة فيه، أضفْتُموه إلى الجنّ، ولم تعانوه بالفكر».

ذكر القزويني كذلك هذه المدينة في «آثار البلاد وأخبار العباد»، وقال إن «أبنيتها من أعجب الأبنية، موضوعة على العمد الرخام»، ونقل شعر النابغة الذبياني فيها، وأضاف: «وبها تصاوير كثيرة، منها صورة جاريتين من حجارة نمق الصانع في تصويرهما». يشير هذا الحديث بشكل جليّ إلى نحت حجري يمثّل امرأتين، «مرّ بهما أوس بن ثعلبة» الذي عاش في زمن معاوية، وقال في وصفهما:

فتاتَي أهل تدمر خبّراني

ألمّا تسأما طول المقام

قيامكما على غير الحشايا

على حبلٍ أصمّ من الرّخام

فكم قد مرّ من عدد اللّيالي

لعصركما وعام بعد عام

وإنّكما على مرّ اللّيالي

لأبقى من فروع ابني شمام».

في العصر الحديث، أعاد المختصون كتابة تاريخ تدمر، وحدّدوا موقعها في الحقبة الرومانية التي شهدت نموها وأفولها. افتتن علماء الآثار بمعالم هذه المدينة، وأخرجوا من الظلمة إلى النور قبورها الجماعية والفردية الكثيرة، وعمدوا إلى دراستها بشكل دقيق. جعلت تدمر من مقابرها هياكل تعلن حلول الحياة الأبدية، هذه الحياة «الأخرى» حيث تعيش النفس في عالم الخلود. تجلَّى هذا الطابع في عشرات التماثيل التي أُخرجت من أطلال تدمر، وأغلبها تماثيل جنائزية اعتمدت في الأصل كشواهد للقبور التي صُنعت لأجلها.

تمثّل هذه المجسّمات المنحوتة قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها. يغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر. نتلمّس هنا النسق الهلنستي السوري، حيث ينصهر النمط الروماني بطراز محليّ يُعيد قولبته بشكل جديد. تجمع الثياب بين التقاليد الرومانية والفارسية، وتزيّنها ثنايا وحلل تتحوّل إلى شبكات من الزخارف المتجانسة. في الألواح الفردية كما في الألواح الجماعية، تتعاقب القامات في توازٍ وتماثل، وتسود الوضعية المواجهة للوجه على التأليف. تتجلّى الصورة العائلية في مشهد يُعرف بـ«الوليمة الجنائزية»، وفيه يحضر الرجل ممدّداً، رافعاً بيده اليمنى كأساً، بينما تجلس امرأته من خلفه على اليسار، في قياس تناسبي رمزي يعتمد تصغير حجمها. تعود الوجوه إلى أناس رحلوا عن هذه الدنيا، لكن اللافت هنا غياب وجوه المسنّين، فالفن لا ينقل الواقع، بل يجرّده ويقدّسه.

تتضاءل قامة الجسد أمام اتساع كتلة الوجه. يخرج التصوير عن القواعد الكلاسيكية بتجسيمها الواقعي الفردي، ويتبنّى صيغة توحيدية جامعة. نرى امرأةً واحدة، رجلاً واحداً، وطفلاً واحداً. يتكرّر الوجه الواحد، ويرافقه اسم صاحبه مع كلمة «نفشة» الأرامية، التي معناها «نفس». الوجه هنا إشارة النفس والروح، ينتصب فوق القبر مجرّداً من ترابيّته، شاخص العينين، محدّقاً فيما يُرى وما لا يُقال.

تمثّل هذه المنحوتات قامات نساء ورجال وفتيان، ترتفع فوق شواهد القبور وتزيّنها ويغلب الحفر الناتئ على التجسيم الكامل؛ ما يجعل النصب مزيجاً من النحت والرسم بالحفر

يبرز هذا النسق في الكثير من النقوش النحتية التي خرجت من قصر الحير الغربي، وأشهرها قطعتان عُرضتا في معارض عالمية خُصصت للميراث السوري. تعود هاتان القطعتان في الأصل إلى واجهة القصر، وتشكّلان عنصرين من عناصر حللها التصويرية. تتمثل أكبر هاتين القطعتين بنصب يبدو أشبه بتمثال وصل بشكل جزئي للأسف، ويصوّر قامة ممدّدة، تجاورها في الخلف قامة جالسة. يبلغ طول هذا النصب 86 سنتيمتراً، وعرضه 98 سنتيمتراً، ويتبنّى بشكل واضح نموذج «الوليمة الجنائزية». فقد الرجل الممدّد صدره ورأسه، وبقيت منه ساقاه الملتحفتان بثنايا ردائه الطويل، ويده اليسرى المستريحة على ركبته. كذلك، فقدت رفيقته رأسها، وظهرت قامتها بردائها التقليدي، مع حزام معقود تحت صدرها البارز.

تتمثّل القطعة الثانية بنصب أنثوي نصفي، يبلغ طوله 43 سنتيمتراً، وعرضه 38 سنتيمتراً، وفيه تحضر امرأة متوجة، تحمل بيدها اليسرى طيراً سقط رأسه، وتقبض بيدها اليمنى على طرف ضفيرة تنسدل من شعرها على طرف صدرها. الوجه تدمري بامتياز، وعيناه لوزتان كبيرتان، يتوسّط كلّ منهما ثقب دائري يمثّل البؤبؤ. خصل الشعر متجانسة في شقين عموديين، تكسوهما مساحات أفقية مرصوصة كأسنان المشط. يكلّل الرأس تاج دائري يحدّه شريط تعلوه مساحات بيضاوية، تفصل بينها في الوسط مساحة مثلّثة. تختفي الأذنان تحت خصل الشعر، ولا يظهر منهما إلا الطرف الأسفل، ومنه تتدلّى حلقة بيضاوية كبيرة. الثوب بسيط ومجرّد، ويحدّ أعلاه شريط يلتف حول الكتفين كعقد.

يحضر هذا النموذج في قطعة نحتية أخرى من القصر تمثّل قامة أنثوية نصفية ضاعت ملامح وجهها بشكل كامل للأسف. يظهر الصدر الناتئ هنا تحت رداء تزيّنه شبكة من الثنايا المتوجة هندسياً، في صياغة مبتكرة تُسبغ على هذا التأليف التقليدي طابعاً خاصاً. هنا وهناك، يحضر النسق التدمري بقوّة في قوالب مبتكرة، تشهد لاستمرارية الميراث الفني الأموي وتجدّده في ظلّ الحكم الأموي.


التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل
TT

التفلسف على الحضارات

جورج فيلهلم فريدريش هيغل
جورج فيلهلم فريدريش هيغل

كثيراً ما يُطرح السؤال: لماذا هيغل؟ لا بأس سأجيب إجابة غير مستعارة. نقرأ هيغل لأننا حين ننظر فيما كتب لا نجد فيلسوفاً منشغلاً بالمفاهيم المجردة وحدها، بل عقلاً حاول أن يفهم حركة الحضارات نفسها، وأن يقرأ التاريخ بوصفه مساراً يتكشف فيه الوعي الإنساني. هكذا ينبغي أن نفهم فلسفته، إنها تفلسف على الحضارات. ولأن مشروعه لا ينظر إلى الشعوب والأحداث بوصفها وقائع متفرقة، بل بوصفها تعبيرات عن روح العالم وهي تعيد فهم ذاتها عبر الزمان.

حين نقترب من مشروع هيغل، نكتشف أننا لا نقف أمام فيلسوف يشتغل داخل حدود النسق المجرد، بل أمام عقل جعل التاريخ الإنساني كله موضوعاً للتفكير. لم يكن همه أن يضع مفاهيم في فراغ، بل أن يقرأ العالم بوصفه نصاً عقلياً، وأن يرى في تاريخ الشعوب مساراً يتكشف فيه العقل ويتطوّر. من هنا نفهم أن التفلسف عنده لم يكن على الأفكار وحدها، بل على الحضارات بوصفها تجليات حية للفكر.

لكن هذا التعبير، «مساراً يتكشف فيه العقل»، يحتاج إلى توضيح. فالمقصود أن العقل لا يظهر دفعة واحدة، بل يتجلى عبر التاريخ. الطفل يظن في البداية أن الحرية تعني أن يفعل ما يريد، ثم يكتشف أنها ترتبط بالنظام وبحقوق الآخرين. وما يحدث للفرد يحدث أيضاً للحضارات. ففي العصور القديمة كان الحاكم وحده يُنظر إليه بوصفه حراً، ثم توسع هذا التصور تدريجياً حتى صار العالم الحديث يتحدث عن حرية الإنسان من حيث المبدأ. هذا التدرج هو ما يعنيه هيغل بانكشاف العقل داخل التاريخ.

ومن هنا تصبح الحضارة وعياً يتحرك، لا مجرد واقع يتراكم. ليست الحضارة أبنية وتقنيات فقط، بل الطريقة التي تفهم بها روح العالم نفسها وهي تعيش الزمان. ما نراه من نظم ومؤسسات ليس إلا السطح، أما العمق فهو هذا الوعي الذي يتشكل ويتغير ويعيد تفسير ذاته. الحضارة ليست ما نملكه، وإنما ما نعيه. وليست ما نرثه. إنها ما نعيد صياغته باستمرار.

العالم عند هيغل ليس فوضى من الوقائع، بل بنية قابلة للفهم. ما يبدو عرضياً أو متناقضاً يمكن إدراجه داخل منطق أوسع. لذلك يصبح التاريخ أشبه بكتاب مكتوب بالأحداث والحضارات لا بالكلمات. مهمة الفيلسوف ليست اختراع المعنى، بل قراءة هذا الترابط الداخلي، أي بيان كيف تنتج مرحلة عن أخرى، وكيف تتطور أشكال وعينا عبر الزمان.

من هنا يتغير معنى الفلسفة نفسها. فهي لم تعد انسحاباً من العالم، بل وعي به. التاريخ لا يعود مادة خارجية، بل يصبح ميدان تحقق الفكر. والحضارة ليست إطاراً زمنياً فقط، إنما طريقة يعيش بها الإنسان حريته ويفهم بها ذاته. ولهذا تعامل هيغل مع الفكر والفن والدين والدولة بوصفها تعبيرات متعددة لروح واحدة تحاول أن تقول نفسها بأشكال مختلفة.

الحضارة في هذا التصور ليست خطاً مستقيماً، بل مسار يتعثر ويتقدم. كل مرحلة تاريخية هي إجابة مؤقتة عن سؤال دائم، من نحن؟ لكنها لا تلغي ما قبلها، بل تتجاوزه وهي تحمله داخلها. غير أن هذا التجاوز لا يحدث بهدوء، لأن روح الحضارة لا تتحرك إلا عبر التذبذب. كل شكل حضاري يحمل تناقضاً داخلياً، وهذا التناقض ليس عيباً. إنه القوة التي تدفعه إلى التحول.

لهذا يرى هيغل أن الحضارة التي تبحث عن الاستقرار الكامل وتخاف من التصدع تدخل غالباً في حالة جمود. فالوعي لا ينمو إلا حين يواجه حدوده. ومن هنا تأخذ لحظات الصراع معنى أكثر تعقيداً، إذ لا تكون مجرد انهيار، بل اختبار يكشف إن كانت الحضارة لا تزال حية وقادرة على الفعل.

وتصبح الدولة لحظة حاسمة في هذا المسار، لأنها الشكل الذي تحاول فيه روح العالم أن تنظّم نفسها عقلانياً. الدولة ليست مجرد جهاز إداري، بل تعبير عن فهم الحضارة للحرية، وعن قدرتها على التوازن بين الفرد والجماعة. الدولة الحية ليست التي تفرض النظام فقط، بل التي تعبّر عن وعي متجدد قادر على التكيف مع التحولات دون أن يفقد نفسه.

ومن هنا يعيد هيغل ترتيب علاقتنا بالحضارات. فهي ليست كيانات مغلقة، بل لحظات في مسار متصل. الحضارة اليونانية تمثل لحظة إدراك الإنسان ذاته داخل المدينة، والرومانية تجسد تجريد القانون، والعالم الحديث يكشف ذاتية الحرية وتنظيمها. ليست هذه مجرد أوصاف تاريخية، بل مراحل في وعي الروح بذاتها. لكن هذا التصور يقود أيضاً إلى مشكلة الحضارة التاريخية، حين يتحول الماضي إلى سلطة عليا. يعيش المجتمع داخل سردياته القديمة، ويقيس بها الحاضر، فينفصل تدريجياً عن الواقع. لا يرى نفسه كما هو، بل كما يحب أن يكون. يصنع بطولات وهمية، ويضخم صورته، لأنه يشعر في داخله بخلل لا يريد مواجهته.

وهذا الانفصال لا يظهر دائماً بصورة مباشرة، بل يتسلل إلى اللغة اليومية، وإلى طريقة تفسير الأحداث، وإلى الميل لتعليق الإخفاق على الخارج. الحضارة التاريخية تتحدث كثيراً عن الماضي، لأنها لا تملك ما تقوله عن الحاضر. تملك خطاباً واسعاً، لكنها تفقد القدرة على الفعل.

في المقابل، الحضارة الحية لا تنكر ماضيها، لكنها لا تسكن فيه. تتعامل معه بوصفه تجربة، لا معياراً نهائياً. وتنظر إلى المستقبل باعتباره إمكاناً مفتوحاً، لا تكراراً لما كان. ولهذا تكون أكثر قدرة على التغيير، لأنها لا تخاف من إعادة تعريف نفسها، ولا ترى في المراجعة ضعفاً، فهي شرط الاستمرار.

التفلسف على الحضارات في النهاية هو النظر إليها كحركة مستمرة لروح العالم. الحضارة ليست حقيقة جاهزة، بل مشروع مفتوح. وما بين أمة تخلق معنى جديداً، وأمة تكرر معنى قديماً، يتحدد موقع كل حضارة في التاريخ. هناك من يعيش الزمان بوصفه إمكاناً، وهناك من يعيشه بوصفه حنيناً. وبين الإمكان والحنين يتقرر مصير الحضارات.


فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»
TT

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

فتحي عبد السميع... «شاعر الكائنات الهشة»

يتناول كتاب «فتحي عبد السميع... شاعر الكائنات الهشة والتفاصيل الصامتة» تجربة الشاعر والباحث فتحي عبد السميع، ويضيء جوانب متعددة من مشروعه الشعري والفكري الممتد عبر ما يقرب من ربع قرن، ويضم عدداً كبيراً من المقالات والدراسات والشهادات التي كتبها عنه شعراء من جيله أو الأجيال السابقة عليه أو اللاحقة، في تجربة تحتفي بالممارسة النقدية للشعراء، تماماً كما تحتفي بتجربة الشاعر نفسه ودواوينه المختلفة.

الكتاب صدر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» بالقاهرة، بتحرير الشاعر أحمد المريخي، وتقديم الناقد الدكتور محمد فكري الجزار، وهو عمل نقدي وتوثيقي يطرح رؤية تتجاوز التعريف التقليدي بالشاعر، مقدماً فتحي عبد السميع بوصفه صوتاً إنسانياً خاصاً، تشكلت تجربته بعيداً عن ضجيج العاصمة ومركزيتها الثقافية، إذ ظل مقيماً في قنا بجنوب الصعيد، يعمل على مشروعه الشعري والبحثي بهدوء ومثابرة، بعيداً عن الصخب الإعلامي.

في تصديره للكتاب، يقول المريخي: «هنا نلتقي بمجموعة من القراءات النقدية التي تناولت تجربة الشاعر فتحي عبد السميع على مدار ربع قرن تقريباً، وهي ليست كل ما كُتب عن فتحي عبد السميع، بل هي الكتابات التي كتبها الشعراء فقط، رغبة في تعويض غياب النقد عن مواكبة التجارب الشعرية الجديدة، أي أننا لا نتناول في هذا الكتاب تجربة الشاعر بقدر ما نتناول قضية (نقد الشعراء) كموضوع يثير الكثير من الأسئلة. ويستحق هو الآخر دراسة نقدية كاشفة لقيمته ودوره في فك الحصار الذهني عن التجارب الجديدة التي تختلف فيها صورة الشعر، عن ملامحها الراسخة في ذاكرة الناس»، ويؤكد المريخي أن تجربة عبد السميع نحتت لنفسها مساراً متفرداً داخل قصيدة النثر المصرية، بعيداً عن التصنيفات الجاهزة أو الألقاب الشكلية.

ويستعرض الكتاب المسار الإبداعي للشاعر عبر دواوينه الشعرية، بدايةً من «الخيط في يدي» الصادر عام 1997، وصولاً إلى «أحد عشر ظلاً للحجر»، فضلاً عن مختاراته الشعرية «عظامي شفافة وهذا يكفي»، مع التوقف أمام السمات الأساسية في تجربته، ومنها التماهي مع معاناة الناس والانشغال بالهامش الإنساني العميق.

ولا يقتصر الكتاب على الجانب الشعري فقط، بل يسلط الضوء كذلك على مشروع فتحي عبد السميع البحثي حول ظاهرة الثأر في صعيد مصر، باعتباره أحد أبرز مشروعاته الفكرية والاجتماعية. ويشير المريخي إلى أن الشاعر لم يكتفِ بدور المبدع المنعزل، بل انخرط في دراسة الظاهرة الثأرية بوصفها خطراً يهدد المجتمع المصري بأكمله، فأنجز مشروعاً بحثياً مهماً صدر منه كتاب «القربان البديل... طقوس المصالحات الثأرية في جنوب مصر»، الذي نال عنه جائزة الدولة في العلوم الاجتماعية عام 2016، ووصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الشيخ زايد.

ويبرز الكتاب أهمية المزج بين الحس الشعري والرؤية البحثية لدى عبد السميع، معتبراً أن تجربته تمثل نموذجاً نادراً للمثقف المنخرط في قضايا مجتمعه، والساعي إلى تفكيك البنية الثقافية للعنف والثأر عبر أدوات الفن والمعرفة معاً. كما يتناول قصيدة «قاطع الطريق الذي صار شاعراً» بوصفها نموذجاً دالاً على قدرة الشاعر على تفكيك السياق الاجتماعي والنفسي للعنف، وتحويله إلى سؤال شعري وإنساني مفتوح، في محاولة للكشف عن التحولات الداخلية للذات الإنسانية، لا مجرد سرد واقعة أو حدث.

ويقدم الكتاب قضية «النقد الشاعري» باعتبارها إحدى القضايا المركزية التي يدور حولها العمل، إذ يضم مجموعة من القراءات النقدية التي كتبها شعراء عن تجربة عبد السميع، في محاولة لتعويض غياب النقد الأكاديمي عن مواكبة كثير من التجارب الشعرية الجديدة.

وفي مقدمته المعنونة بـ«النقد الشاعري»، يناقش الدكتور محمد فكري الجزار الفروق الجوهرية بين النقد الأكاديمي والنقد الذي يكتبه الشعراء، معتبراً أن الشاعر يمتلك حساسية خاصة تجاه التجربة الشعرية، تجعله أكثر قدرة على النفاذ إلى روح النص، بعيداً عن الصرامة المنهجية التي قد تحاصر النص داخل قوالب نظرية جامدة.

ويؤكد الجزار أن تجربة فتحي عبد السميع تستحق مزيداً من الدراسات والقراءات، ليس فقط باعتبارها تجربة شعرية مميزة، إنما أيضاً بوصفها نموذجاً للمثقف الذي جمع بين الإبداع الشعري والانشغال الحقيقي بقضايا المجتمع، وبين الحس الجمالي والرؤية البحثية العميقة.