باريس تعوّل على موسكو لحل سياسي في سوريا ولجم إيران

مصادر فرنسية قالت لـ «الشرق الأوسط» إنها ضغطت على دي ميستورا للتراجع عن تشكيل وفد المعارضة

نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)
نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)
TT

باريس تعوّل على موسكو لحل سياسي في سوريا ولجم إيران

نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)
نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)

كشفت مصادر فرنسية رسمية رفيعة المستوى أن باريس «وأطرافًا أخرى» مارست ضغوطًا على الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا للتراجع عن التلويح بتشكيل وفد المعارضة السورية، في حال عجزت هذه الأخيرة عن تشكيل وفدها بحلول الثامن من فبراير (شباط) الحالي.
وقالت هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، مطولاً، إنها أبلغت دي ميستورا أن عليه «أن يمنح المعارضة الوقت الكافي» لكي تقوم بتشكيل وفدها، على أن يكون مختلطًا، أي من المعارضة السياسية والفصائل المقاتلة وأن يضم «أكبر مروحة» من المعارضين الذين ثاروا ضد نظام الرئيس السوري ويقبلون اليوم الحل بالسياسي.
وأضافت هذه المصادر أنها «أفهمت» دي ميستورا أنه «لا يمتلك السلطة السياسية ولا السلطة المعنوية» من أجل فرض تشكيل وفد المعارضة، باعتبار أنه لا سند قانونيًا لذلك، وأن الارتكاز إلى إحدى فقرات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 يعني «الإغراق في تفسير المادة المذكورة» واعتناق القراءة الروسية لها. وتريد باريس التي تقدم النصح للمعارضة السورية أن تعمد الأخيرة إلى «توسيع قاعدتها التمثيلية» بحيث تسحب ورقة التشكيك بها.
وما تقوله باريس عن الوسيط الدولي ممثلاً الأمين العام للأمم المتحدة، تقوله أيضًا عن روسيا وإيران وتركيا.
بيد أن باريس ترى أن مهمة المعارضة «لن تكون سهلة» بسبب تداخل وتناقض العوامل الإقليمية، وتعتبر أن العقدة ستبرز في تمثيل الأكراد، حيث إن تركيا ترفض رفضًا مطلقًا دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أو وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، رغم حضورها العسكري الميداني. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن الاتفاق التركي الروسي الذي استبعد بموجبه الأكراد من اجتماع أستانة الأخير «سيكون ساريًا في جنيف أيضًا»، مما يعني أن دي ميستورا سيجد نفسه أمام صعوبة جدية للسير بالملف السوري إلى الأمام.
لكن باريس، رغم اعترافها بأهمية التمثيل الكردي، تعتبر أن هذه المسألة «لا يجب أن تحول دون انطلاق اجتماعات (جنيف 4)»، وأنه يتعين على المبعوث الدولي أن يجد «مخرجًا دبلوماسيًا»، من شأنه أن يساعد على «تأجيل» انضمام الأكراد، مع الاعتراف سلفًا بأن الحل السياسي وصيغة سوريا المستقبل «يجب أن يشملا المسألة الكردية».
وأضافت المصادر الفرنسية أن اتفاقًا روسيًا - تركيًا «سبق سقوط حلب» قوامه وقف الدعم التركي لقوات المعارضة، مقابل موافقة روسية على خطط أنقرة منع قيام تواصل جغرافي بين المناطق الكردية في الشمال والشمال الشرقي لسوريا، ومنطقة عفرين، الأمر الذي ترجم لاحقًا بإطلاق تركيا في الخريف الماضي عملية «درع الفرات» التي أوصلت وحدات من «الجيش السور الحر» إلى مداخل مدينة الباب.
كانت باريس من جملة العواصم التي شددت على أن تركز اجتماعات آستانة على الجوانب العسكرية وأن تعود المسائل السياسية إلى جنيف وتحت إشراف الأمم المتحدة، بينما كانت موسكو تريد أيضًا من آستانة أن تتناول أسس الحل السياسي، الأمر الذي ظهر مع طرحها مسودة دستور لسوريا، تقول باريس عنه إنه «تدوير» لمشروع دستور بلورته موسكو العام الماضي. لكن ما تشدد عليه باريس في الوقت الحاضر هو ضرورة التقيد بوقف النار وبلورة آلية الإشراف عليه ومراقبته. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن «فرض احترام وقف النار ميدانيا سيبين مدى مصداقية العملية الروسية - الإيرانية - التركية»، ولأنه المعيار لرصد ما إذا كانت اجتماعات جنيف المقبلة ستكون جدية أم لا، خصوصًا أن المعارضة ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات جعلت من احترام وقف النار وإيصال المساعدات وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، مدخلاً لاجتماعات ناجحة.
وإلى هذه العناصر، تضيف باريس مطلب فك الارتباط، خصوصا في إدلب ومنطقتها بين المعارضة «المعتدلة» التي قبلت العملية السياسية، وفتح الشام «النصرة» والفصائل التي التحقت بها، ومنها «نور الدين زنكي». وفي رسالة مباشرة موجهة للمعارضة السورية، قالت هذه المصادر إنه «من مصلحتها» أن تفك الارتباط، رغم أنها ترى أن أمرًا كهذا، خصوصا في إدلب، ليس «سهلاً» بعكس ما كان عليه الوضع في حلب، إذ إن مقاتلي «النصرة» في إدلب يعدون بالآلاف بينما كانوا بضع مئات في حلب.
وتعتبر باريس أن معركة حلب شكلت «منقلبا استراتيجيا» بمعنى أنها جعلت الملف السوري، أقله في الوقت الحاضر، من مسؤولية روسيا وإيران وتركيا (أي القوى الخارجية التي تقاتل ميدانيا في سوريا)، وبالتالي يتعين على هذه القوى أن تتحمل مسؤولية ما سيحصل في الحرب السورية. لكن باريس تخص موسكو بتحميلها «أكبر قدر من المسؤولية» في سوريا رغم كونها «إحدى العكازتين» اللتين تدعمان النظام ليبقى واقفًا على قدميه. وتضيف المصادر الفرنسية أنه «إذا تراخت العكازة الروسية، فإن النظام سيكون عندها مجبر للدخول في مفاوضات سياسية جدية رفض الولوج إليها حتى الآن».
ولذا، فإن مصير المفاوضات المقبلة، وفق باريس، مرهون بما ستقوم بها موسكو وما سيقرره الرئيس بوتين القادر على «فتح كوة» تؤول إلى الحل السياسي.
يبقى المجهول الآخر، وهو السياسة الأميركية «الجديدة» تجاه سوريا. وفي هذا السياق تقول باريس إنها أجرت سلسلة اتصالات على مستوى المستشارين مع الإدارة الأميركية الجديدة، لكنها تنتظر «تعبيرًا رسميًا» عنها من الرئيس دونالد ترمب. وبحسب ما فهمه المبعوثون الفرنسيون إلى واشنطن، فإن «هدف واشنطن في سوريا، مزدوج، ويتركز من جهة على إبادة تنظيم داعش، وهذا هدف نوافق عليه تمامًا، ومن جهة أخرى على محاربة النفوذ الإيراني في سوريا». ويُفهم من كلام المصادر الفرنسية أن واشنطن تعول على جهتين بشأن الهدف الثاني: الأولى الحضور الروسي القوي وقدرة موسكو على التأثير في الوضع السوري. والثانية، الركون إلى النظام نفسه وهو أمر لا يبدو سهل التحقق بسبب التغلغل الإيراني في الأجهزة السورية بجميع مكوناتها، فضلاً عن التغلغل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحضور الميليشيات التي تحارب في سوريا بناء على طلب إيراني، مثل حزب الله والميليشيات العراقية والإيرانية والأفغانية والكشميرية، فضلاً عن الحرس الثوري الإيراني.
وترى باريس، من جهتها، أن المدخل لذلك «لا يمكن أن يكون إلا الحل السياسي». وردًا على سؤال عن «المقابل» الذي ستطلبه موسكو للسير في تصور كهذا، أجابت المصادر الفرنسية أن الغربيين قالوا لروسيا دائمًا: «لكِ أن تقيمي العلاقات التي تريدين مع دمشق، وأن تحافظي كذلك على مصالحك بالشكل الذي ترتئينه، بما في ذلك بقاء الأسد في موقعه طيلة الوقت الضروري لوضع المرحلة الانتقالية موضع التنفيذ».
وكشفت المصادر الفرنسية أن تدخل روسيا بشكل مكثف في سوريا بدءا من شهر سبتمبر (أيلول) 2015، عندما بدأت علامات الوهن تبدو على النظام، جاء بطلب إيراني واتفاق بين موسكو وطهران على هذا التدخل، مما يعني أن لروسيا القدرة على التأثير والضغط على إيران في سوريا.
وبانتظار أن تتبلور رسميا سياسة أميركية جديدة، فإن الغربيين أعطوا روسيا «كارت بلانش» أي أخلوا لها الساحة تمامًا في سوريا، لكن مقابل ذلك، ثمة مسؤوليات كبيرة على الرئيس بوتين و«العالم كله سيحمله مسؤولية ما سيحصل في هذا البلد» سلبًا أو إيجابًا. والجانب الإيجابي لا تراه باريس إلا في الحل السياسي القائم على عملية سياسية تضع حدًا للحرب وتحفظ وحدة سوريا مع بعض التعديلات التي تضمن حقوق الأطراف، مثل الأكراد، من غير أن تتحدث صراحة عن نظام فيدرالي. وبحوزة الغربيين والخليجيين ورقة ضغط قوية، اسمها «إعادة البناء» التي لا يستطيع الروس ولا الإيرانيون القيام بها. وسبق لباريس أن قالت إن الأوروبيين والغربيين لن يعطوا قرشا واحدا لإعادة الإعمار من غير عملية سياسية حقيقية. و«من له أذنان سامعتان فليسمع الرسالة».



العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.


الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
TT

الخطر يحدق باليمنيين جراء تصاعد النزوح ونقص الغذاء

الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)
الأمم المتحدة أطلقت «خطة استجابة» لإغاثة أكثر من 22 مليون يمني خلال العام الحالي (الأمم المتحدة)

تتصاعد التحذيرات من تفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن مع استمرار الحرب وتدهور الاقتصاد وتفاقم الصدمات المناخية، وظهور صراعات جديدة في المنطقة والعالم تلقي بآثارها على البلاد، فيما تكشف تقارير أممية ودولية عن مواجهة ملايين السكان نقصاً حاداً في الغذاء والخدمات الأساسية، وازدياد أعداد النازحين وتراجع القدرة على الإغاثة بسبب نقص التمويل.

وفي حين أعلنت الأمم المتحدة إطلاق «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»، صدرت تحذيرات من تفاقم أزمة النزوح واتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي، الأمر الذي يضع البلاد أمام تحديات إنسانية متشابكة تتطلب دعماً دولياً عاجلاً ومستداماً، وسط شكوى السكان من تدهور قدراتهم الشرائية واضطرارهم إلى تقليص وجباتهم.

وحذرت «مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين» من استمرار تدهور الأوضاع الإنسانية في اليمن، مؤكدة أن البلاد لا تزال تمثل إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم.

ووفق تقديرات «المفوضية»، فقد ارتفع عدد النازحين داخلياً إلى نحو 5.2 مليون شخص مع استمرار النزاع المسلح، بينما يعيش أكثر من 63 ألف لاجئ أوضاعاً اقتصادية قاسية، دفعت ببعضهم إلى تقليص وجباتهم الغذائية أو تأجيل الحصول على الرعاية الصحية بسبب الفقر المتصاعد؛ مما يعكس اتساع نطاق الأزمة وتعقيد جهود الاستجابة الإنسانية.

تدهور المعيشة في اليمن دفع ربات البيوت إلى تقليص كمية الطعام (الأمم المتحدة)

وكانت «المفوضية» أكدت أن اليمن يواجه إحدى أشد الأزمات الإنسانية في العالم، بعد أن أثرت فيضانات مدمرة على أكثر من 460 ألف شخص خلال العام الماضي، وألحقت أضراراً بمواقع النزوح ودمرت الملاجئ في مناطق معرضة أصلاً للأمطار الموسمية.

تفاقم مرتقب

من جهتها، توقعت «شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة» أن تبلغ الاحتياجات الغذائية ذروتها بين يوليو (تموز) وسبتمبر (أيلول) المقبلين، مع احتمال تضرر نحو 16 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي خلال تلك الفترة.

وتظهر بيانات الشبكة الدولية المختصة في مراقبة المجاعات استمرار ظهور مستويات الطوارئ الغذائية في بعض المناطق، بما في ذلك محافظات الحديدة وحجة وتعز، إضافة إلى مناطق في لحج والضالع وأبين وشبوة، بعد تآكل سبل العيش وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القدرة الشرائية.

قسوة المناخ في اليمن ألحقت أضراراً بمساكن النازحين وفاقمت من معاناتهم (الأمم المتحدة)

وتعاني الأسر في مختلف أنحاء اليمن من التداعيات طويلة الأمد للصراع وتدهور الاقتصاد وتراجع فرص كسب الدخل، وفقاً للتقرير الذي يرجح أن تبلغ الاحتياجات من المساعدات الغذائية ذروتها خلال موسم الجفاف.

وأشارت البيانات الدولية إلى احتمالية تضرر نحو 16 مليون شخص، ودخول معظم مناطق البلاد ضمن مستويات الأزمة الغذائية أو أسوأ، وفق «التصنيف المرحلي لانعدام الأمن الغذائي»، في وقت يخطط فيه «برنامج الأغذية العالمي» لدعم 1.6 مليون شخص في مناطق الحكومة، بينما لا تزال المساعدات معلقة بمناطق الحوثيين، مما يؤثر على 9.5 مليون شخص.

وأطلقت الأمم المتحدة وشركاؤها في المجال الإنساني «خطة الاستجابة الإنسانية لليمن لعام 2026»؛ التي تهدف إلى جمع نحو 2.16 مليار دولار لتوفير مساعدات إنسانية منقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص في مختلف أنحاء البلاد.

موائد فقيرة

كشف كثير من العائلات اليمنية عن أن الأشهر الأخيرة كانت الأشد صعوبة في قدرتها على تلبية احتياجاتها المعيشية، بينما تذهب التقارير الدولية إلى أن الأشهر الستة المقبلة ستشهد تفاقماً في أزمة الأمن الغذائي باليمن، في ظل استمرار تدهور الظروف الاقتصادية وتآكل مصادر الدخل لدى ملايين الأسر.

الفيضانات في اليمن شردت الآلاف خلال العام الماضي وأضافتهم إلى أعداد النازحين (أ.ف.ب)

يقول سامي المقطري، وهو من سكان العاصمة اليمنية الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، لـ«الشرق الأوسط»، إن «المعيشة أصبحت أشد صعوبة، فبينما تراجعت فرص العمل بشكل كبير، توقفت المساعدات الغذائية والمالية إلى أقصى حد».

وينوه بأنه كان سابقاً يحصل على «فرص عمل بالأجر اليومي بين حين وآخر، كما يأتي بعض المساعدات، على شكل سلال غذائية أو مبالغ مالية، لتغطية العجز في توفير الطعام» لعائلته؛ بسبب التوقف عن العمل بعض الوقت أو عدم كفاية الأجرة التي يحصل عليها، إلا إن «الأشهر الأخيرة شهدت توقف العمل والمساعدات معاً».

وتتحسر، أمنية العريقي، وهي ربة بيت في تعز؛ بسبب عدم قدرتها على تلبية احتياجات عائلتها، المكونة من 6 أفراد، بعد ارتفاع أسعار الخدمات والغذاء.

وذكرت لـ«الشرق الأوسط» أنها تتلقى مساعدة مالية من شقيقها المغترب بين فترة وأخرى، وكان ذلك يساعد في تلبية كثير من الاحتياجات إلى جانب راتب زوجها، إلا إن ذلك، ومع تراجع سعر صرف العملات الأجنبية، وبقاء الأسعار على حالها، دفعها إلى التنازل عن كثير من المتطلبات.

بينما يتراجع تمويل أعمال الإغاثة في اليمن تشهد البلاد زيادة في أعداد النازحين (رويترز)

بدوره، يبدي علي غالب، وهو معلم في محافظة لحج (شمال عدن)، غضباً شديداً من ارتفاع الأسعار بتأثيرات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول منطقة الشرق الأوسط، «بينما كان السكان ينتظرون تراجع الأسعار بعد التحسن الذي شهدته العملة المحلية منذ نحو 8 أشهر؛ مما يعني أن اليمنيين تطولهم الكوارث، ولا يصل إليهم أي خير»، وفق رأيه.

ووفق التقديرات الأممية، فإن نحو 22.3 مليون إنسان سيحتاجون إلى مساعدات إنسانية وخدمات حماية خلال العام الحالي، منهم 5.2 مليون نازح داخلياً، فضلاً عن آلاف اللاجئين والمهاجرين الذين يعيشون ظروفاً إنسانية معقدة، وتسعى الأمم المتحدة من خلال «خطة الاستجابة» إلى إنقاذهم.


السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».