باريس تعوّل على موسكو لحل سياسي في سوريا ولجم إيران

مصادر فرنسية قالت لـ «الشرق الأوسط» إنها ضغطت على دي ميستورا للتراجع عن تشكيل وفد المعارضة

نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)
نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)
TT

باريس تعوّل على موسكو لحل سياسي في سوريا ولجم إيران

نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)
نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)

كشفت مصادر فرنسية رسمية رفيعة المستوى أن باريس «وأطرافًا أخرى» مارست ضغوطًا على الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا للتراجع عن التلويح بتشكيل وفد المعارضة السورية، في حال عجزت هذه الأخيرة عن تشكيل وفدها بحلول الثامن من فبراير (شباط) الحالي.
وقالت هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، مطولاً، إنها أبلغت دي ميستورا أن عليه «أن يمنح المعارضة الوقت الكافي» لكي تقوم بتشكيل وفدها، على أن يكون مختلطًا، أي من المعارضة السياسية والفصائل المقاتلة وأن يضم «أكبر مروحة» من المعارضين الذين ثاروا ضد نظام الرئيس السوري ويقبلون اليوم الحل بالسياسي.
وأضافت هذه المصادر أنها «أفهمت» دي ميستورا أنه «لا يمتلك السلطة السياسية ولا السلطة المعنوية» من أجل فرض تشكيل وفد المعارضة، باعتبار أنه لا سند قانونيًا لذلك، وأن الارتكاز إلى إحدى فقرات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 يعني «الإغراق في تفسير المادة المذكورة» واعتناق القراءة الروسية لها. وتريد باريس التي تقدم النصح للمعارضة السورية أن تعمد الأخيرة إلى «توسيع قاعدتها التمثيلية» بحيث تسحب ورقة التشكيك بها.
وما تقوله باريس عن الوسيط الدولي ممثلاً الأمين العام للأمم المتحدة، تقوله أيضًا عن روسيا وإيران وتركيا.
بيد أن باريس ترى أن مهمة المعارضة «لن تكون سهلة» بسبب تداخل وتناقض العوامل الإقليمية، وتعتبر أن العقدة ستبرز في تمثيل الأكراد، حيث إن تركيا ترفض رفضًا مطلقًا دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أو وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، رغم حضورها العسكري الميداني. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن الاتفاق التركي الروسي الذي استبعد بموجبه الأكراد من اجتماع أستانة الأخير «سيكون ساريًا في جنيف أيضًا»، مما يعني أن دي ميستورا سيجد نفسه أمام صعوبة جدية للسير بالملف السوري إلى الأمام.
لكن باريس، رغم اعترافها بأهمية التمثيل الكردي، تعتبر أن هذه المسألة «لا يجب أن تحول دون انطلاق اجتماعات (جنيف 4)»، وأنه يتعين على المبعوث الدولي أن يجد «مخرجًا دبلوماسيًا»، من شأنه أن يساعد على «تأجيل» انضمام الأكراد، مع الاعتراف سلفًا بأن الحل السياسي وصيغة سوريا المستقبل «يجب أن يشملا المسألة الكردية».
وأضافت المصادر الفرنسية أن اتفاقًا روسيًا - تركيًا «سبق سقوط حلب» قوامه وقف الدعم التركي لقوات المعارضة، مقابل موافقة روسية على خطط أنقرة منع قيام تواصل جغرافي بين المناطق الكردية في الشمال والشمال الشرقي لسوريا، ومنطقة عفرين، الأمر الذي ترجم لاحقًا بإطلاق تركيا في الخريف الماضي عملية «درع الفرات» التي أوصلت وحدات من «الجيش السور الحر» إلى مداخل مدينة الباب.
كانت باريس من جملة العواصم التي شددت على أن تركز اجتماعات آستانة على الجوانب العسكرية وأن تعود المسائل السياسية إلى جنيف وتحت إشراف الأمم المتحدة، بينما كانت موسكو تريد أيضًا من آستانة أن تتناول أسس الحل السياسي، الأمر الذي ظهر مع طرحها مسودة دستور لسوريا، تقول باريس عنه إنه «تدوير» لمشروع دستور بلورته موسكو العام الماضي. لكن ما تشدد عليه باريس في الوقت الحاضر هو ضرورة التقيد بوقف النار وبلورة آلية الإشراف عليه ومراقبته. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن «فرض احترام وقف النار ميدانيا سيبين مدى مصداقية العملية الروسية - الإيرانية - التركية»، ولأنه المعيار لرصد ما إذا كانت اجتماعات جنيف المقبلة ستكون جدية أم لا، خصوصًا أن المعارضة ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات جعلت من احترام وقف النار وإيصال المساعدات وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، مدخلاً لاجتماعات ناجحة.
وإلى هذه العناصر، تضيف باريس مطلب فك الارتباط، خصوصا في إدلب ومنطقتها بين المعارضة «المعتدلة» التي قبلت العملية السياسية، وفتح الشام «النصرة» والفصائل التي التحقت بها، ومنها «نور الدين زنكي». وفي رسالة مباشرة موجهة للمعارضة السورية، قالت هذه المصادر إنه «من مصلحتها» أن تفك الارتباط، رغم أنها ترى أن أمرًا كهذا، خصوصا في إدلب، ليس «سهلاً» بعكس ما كان عليه الوضع في حلب، إذ إن مقاتلي «النصرة» في إدلب يعدون بالآلاف بينما كانوا بضع مئات في حلب.
وتعتبر باريس أن معركة حلب شكلت «منقلبا استراتيجيا» بمعنى أنها جعلت الملف السوري، أقله في الوقت الحاضر، من مسؤولية روسيا وإيران وتركيا (أي القوى الخارجية التي تقاتل ميدانيا في سوريا)، وبالتالي يتعين على هذه القوى أن تتحمل مسؤولية ما سيحصل في الحرب السورية. لكن باريس تخص موسكو بتحميلها «أكبر قدر من المسؤولية» في سوريا رغم كونها «إحدى العكازتين» اللتين تدعمان النظام ليبقى واقفًا على قدميه. وتضيف المصادر الفرنسية أنه «إذا تراخت العكازة الروسية، فإن النظام سيكون عندها مجبر للدخول في مفاوضات سياسية جدية رفض الولوج إليها حتى الآن».
ولذا، فإن مصير المفاوضات المقبلة، وفق باريس، مرهون بما ستقوم بها موسكو وما سيقرره الرئيس بوتين القادر على «فتح كوة» تؤول إلى الحل السياسي.
يبقى المجهول الآخر، وهو السياسة الأميركية «الجديدة» تجاه سوريا. وفي هذا السياق تقول باريس إنها أجرت سلسلة اتصالات على مستوى المستشارين مع الإدارة الأميركية الجديدة، لكنها تنتظر «تعبيرًا رسميًا» عنها من الرئيس دونالد ترمب. وبحسب ما فهمه المبعوثون الفرنسيون إلى واشنطن، فإن «هدف واشنطن في سوريا، مزدوج، ويتركز من جهة على إبادة تنظيم داعش، وهذا هدف نوافق عليه تمامًا، ومن جهة أخرى على محاربة النفوذ الإيراني في سوريا». ويُفهم من كلام المصادر الفرنسية أن واشنطن تعول على جهتين بشأن الهدف الثاني: الأولى الحضور الروسي القوي وقدرة موسكو على التأثير في الوضع السوري. والثانية، الركون إلى النظام نفسه وهو أمر لا يبدو سهل التحقق بسبب التغلغل الإيراني في الأجهزة السورية بجميع مكوناتها، فضلاً عن التغلغل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحضور الميليشيات التي تحارب في سوريا بناء على طلب إيراني، مثل حزب الله والميليشيات العراقية والإيرانية والأفغانية والكشميرية، فضلاً عن الحرس الثوري الإيراني.
وترى باريس، من جهتها، أن المدخل لذلك «لا يمكن أن يكون إلا الحل السياسي». وردًا على سؤال عن «المقابل» الذي ستطلبه موسكو للسير في تصور كهذا، أجابت المصادر الفرنسية أن الغربيين قالوا لروسيا دائمًا: «لكِ أن تقيمي العلاقات التي تريدين مع دمشق، وأن تحافظي كذلك على مصالحك بالشكل الذي ترتئينه، بما في ذلك بقاء الأسد في موقعه طيلة الوقت الضروري لوضع المرحلة الانتقالية موضع التنفيذ».
وكشفت المصادر الفرنسية أن تدخل روسيا بشكل مكثف في سوريا بدءا من شهر سبتمبر (أيلول) 2015، عندما بدأت علامات الوهن تبدو على النظام، جاء بطلب إيراني واتفاق بين موسكو وطهران على هذا التدخل، مما يعني أن لروسيا القدرة على التأثير والضغط على إيران في سوريا.
وبانتظار أن تتبلور رسميا سياسة أميركية جديدة، فإن الغربيين أعطوا روسيا «كارت بلانش» أي أخلوا لها الساحة تمامًا في سوريا، لكن مقابل ذلك، ثمة مسؤوليات كبيرة على الرئيس بوتين و«العالم كله سيحمله مسؤولية ما سيحصل في هذا البلد» سلبًا أو إيجابًا. والجانب الإيجابي لا تراه باريس إلا في الحل السياسي القائم على عملية سياسية تضع حدًا للحرب وتحفظ وحدة سوريا مع بعض التعديلات التي تضمن حقوق الأطراف، مثل الأكراد، من غير أن تتحدث صراحة عن نظام فيدرالي. وبحوزة الغربيين والخليجيين ورقة ضغط قوية، اسمها «إعادة البناء» التي لا يستطيع الروس ولا الإيرانيون القيام بها. وسبق لباريس أن قالت إن الأوروبيين والغربيين لن يعطوا قرشا واحدا لإعادة الإعمار من غير عملية سياسية حقيقية. و«من له أذنان سامعتان فليسمع الرسالة».



السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
TT

السيسي في قطر والإمارات للتضامن وإدانة «الاعتداءات الإيرانية»

محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)
محادثات مصرية - قطرية في الدوحة الخميس لبحث سبل وقف التصعيد العسكري بالمنطقة (صفحة الديوان الأميري القطري على فيسبوك)

قام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الخميس، بجولة خليجية شملت الإمارات وقطر، جدد خلالها إدانة بلاده للاعتداءات الإيرانية على الدول العربية، وتضمنت التأكيد على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد واللجوء إلى الحوار الجاد والوسائل الدبلوماسية لتسوية مختلف القضايا العالقة في المنطقة.

وتأتي جولة السيسي بعد يوم واحد من مشاركة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الاجتماع الوزاري التشاوري الذي استضافته العاصمة السعودية الرياض، كما تأتي في أعقاب جولة قام بها الوزير المصري، هذا الأسبوع، إلى السعودية وقطر والإمارات وسلطنة عمان والأردن، وشهدت أيضاً تأكيداً على التضامن المصري مع دول الخليج ورفض الاعتداءات الإيرانية.

وقالت قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية إن الرئيس السيسي بحث مع نظيره الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط في ظل الأعمال العسكرية المتصاعدة وما تنطوي عليها من تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.

وجدد السيسي إدانة «الاعتداءات الإيرانية السافرة التي تواصل استهداف دولة الإمارات وعدد من الدول الشقيقة في المنطقة لما تمثله من انتهاك لسيادتها والقوانين الدولية، مؤكداً تضامن مصر مع دولة الإمارات تجاه كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها وسلامة أراضيها ومواطنيها»، بحسب وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وفي الدوحة، أكد الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد رفضهما لأي أعمال عسكرية توسع دائرة الصراع، وشددا على أهمية تكثيف الجهود الإقليمية والدولية لخفض التصعيد، والعمل عبر القنوات الدبلوماسية للحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة.

كما جدد السيسي التأكيد على تضامن مصر مع دولة قطر، مؤكداً دعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية سيادتها وأمنها وسلامة مواطنيها، وفقاً لـ«وكالة الأنباء القطرية».

الأمن القومي العربي

ويشير عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، محمد بدر الدين زايد، إلى أن جولة الرئيس السيسي «تأتي في إطار التزام مصري عميق بالحفاظ على مقتضيات أمن الخليج والأمن القومي العربي، وللتأكيد على رفض مصر الاعتداءات على أي دولة عربية، وبخاصة الدول الخليجية، في أعقاب جدل دار في بعض الأوساط حول طبيعة الموقف المصري، وهو جدل تجاهل عمق العلاقات المصرية - الخليجية، وأولوية الحفاظ على أمن الخليج باعتباره قضية أمن قومي مصري».

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الزيارة تأتي في «ظروف بالغة التعقيد»، «والحديث عن نتائجها يظل سابقاً لأوانه في ظل هدف مصري رئيسي يتمثل في وقف التصعيد وضرورة إنهاء الحرب في أقرب وقت ممكن».

وكان السيسي قد كرر دعوته إلى وقف التصعيد وحقن الدماء، خلال كلمة ألقاها في أثناء الاحتفال «بليلة القدر»، الاثنين الماضي، مؤكداً السعي إلى الانخراط في «مفاوضات جادة» لإنهاء الصراعات الإقليمية.

وتعددت الاتصالات التي أجراها الرئيس المصري مع قادة الدول الخليجية منذ اندلاع الحرب الإيرانية في 28 فبراير (شباط) الماضي، وأكد خلالها «استعداد بلاده لتقديم كل أشكال الدعم الممكنة حفاظاً على أمن الخليج والمنطقة».

الرئيس الإماراتي محمد بن زايد ونظيره المصري عبد الفتاح السيسي في لقاء سابق (الرئاسة المصرية)

وقبل جولته إلى قطر والإمارات، أعرب السيسي خلال اتصال مع السلطان هيثم بن طارق سلطان عُمان، الأربعاء، «عن تقدير ودعم مصر لجهود الوساطة التي اضطلعت بها سلطنة عُمان بين الجانبين الأميركي والإيراني»، مشيراً في هذا الإطار إلى الرؤية المصرية حول ضرورة إعلاء الحلول السياسية والدبلوماسية لكل أزمات المنطقة.

مواجهة التهديدات

وقال عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، علي الحفني، إن تبادل الاتصالات والزيارات مع قادة دول الخليج مطلوبة في هذا التوقيت مع تأزم الأوضاع في المنطقة، وإن القاهرة تعمل على البحث المشترك مع دول الخليج في كيفية الخروج من المأزق الحالي مع استمرار التصعيد، وبخاصة أن هناك قناعة عربية بأن إطالة أمد الصراع ستؤدي لمزيد من الخسائر الواقعة على دول المنطقة بأكملها.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «الدول الخليجية لم تكن لديها مواقف عدائية من إيران لكي تتعرض لاستهدافات مستمرة منها؛ ومصر تعمل على تقديم جميع سبل الدعم في مواجهة التهديدات التي تتعرض لها»، مشيراً إلى أن الزيارة تبرهن على أن الدعم المصري يأتي من أعلى المستويات.

وقال إن زيارات الرئيس تتطرق إلى البحث المشترك عن كيفية تأمين المنطقة في المستقبل لكي لا تتكرر مثل هذه الاعتداءات، «إلى جانب اطلاع أشقائه في الخليج بنتائج اتصالاته ومساعيه لوقف الأعمال العسكرية، والتأكيد على الاستمرار في هذه الجهود لتجيب المنطقة ويلات الانزلاق إلى فوضى شاملة».


انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.