كشفت مصادر فرنسية رسمية رفيعة المستوى أن باريس «وأطرافًا أخرى» مارست ضغوطًا على الوسيط الدولي ستيفان دي ميستورا للتراجع عن التلويح بتشكيل وفد المعارضة السورية، في حال عجزت هذه الأخيرة عن تشكيل وفدها بحلول الثامن من فبراير (شباط) الحالي.
وقالت هذه المصادر التي تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، مطولاً، إنها أبلغت دي ميستورا أن عليه «أن يمنح المعارضة الوقت الكافي» لكي تقوم بتشكيل وفدها، على أن يكون مختلطًا، أي من المعارضة السياسية والفصائل المقاتلة وأن يضم «أكبر مروحة» من المعارضين الذين ثاروا ضد نظام الرئيس السوري ويقبلون اليوم الحل بالسياسي.
وأضافت هذه المصادر أنها «أفهمت» دي ميستورا أنه «لا يمتلك السلطة السياسية ولا السلطة المعنوية» من أجل فرض تشكيل وفد المعارضة، باعتبار أنه لا سند قانونيًا لذلك، وأن الارتكاز إلى إحدى فقرات قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254 يعني «الإغراق في تفسير المادة المذكورة» واعتناق القراءة الروسية لها. وتريد باريس التي تقدم النصح للمعارضة السورية أن تعمد الأخيرة إلى «توسيع قاعدتها التمثيلية» بحيث تسحب ورقة التشكيك بها.
وما تقوله باريس عن الوسيط الدولي ممثلاً الأمين العام للأمم المتحدة، تقوله أيضًا عن روسيا وإيران وتركيا.
بيد أن باريس ترى أن مهمة المعارضة «لن تكون سهلة» بسبب تداخل وتناقض العوامل الإقليمية، وتعتبر أن العقدة ستبرز في تمثيل الأكراد، حيث إن تركيا ترفض رفضًا مطلقًا دعوة حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي أو وحدات حماية الشعب وقوات سوريا الديمقراطية، رغم حضورها العسكري الميداني. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن الاتفاق التركي الروسي الذي استبعد بموجبه الأكراد من اجتماع أستانة الأخير «سيكون ساريًا في جنيف أيضًا»، مما يعني أن دي ميستورا سيجد نفسه أمام صعوبة جدية للسير بالملف السوري إلى الأمام.
لكن باريس، رغم اعترافها بأهمية التمثيل الكردي، تعتبر أن هذه المسألة «لا يجب أن تحول دون انطلاق اجتماعات (جنيف 4)»، وأنه يتعين على المبعوث الدولي أن يجد «مخرجًا دبلوماسيًا»، من شأنه أن يساعد على «تأجيل» انضمام الأكراد، مع الاعتراف سلفًا بأن الحل السياسي وصيغة سوريا المستقبل «يجب أن يشملا المسألة الكردية».
وأضافت المصادر الفرنسية أن اتفاقًا روسيًا - تركيًا «سبق سقوط حلب» قوامه وقف الدعم التركي لقوات المعارضة، مقابل موافقة روسية على خطط أنقرة منع قيام تواصل جغرافي بين المناطق الكردية في الشمال والشمال الشرقي لسوريا، ومنطقة عفرين، الأمر الذي ترجم لاحقًا بإطلاق تركيا في الخريف الماضي عملية «درع الفرات» التي أوصلت وحدات من «الجيش السور الحر» إلى مداخل مدينة الباب.
كانت باريس من جملة العواصم التي شددت على أن تركز اجتماعات آستانة على الجوانب العسكرية وأن تعود المسائل السياسية إلى جنيف وتحت إشراف الأمم المتحدة، بينما كانت موسكو تريد أيضًا من آستانة أن تتناول أسس الحل السياسي، الأمر الذي ظهر مع طرحها مسودة دستور لسوريا، تقول باريس عنه إنه «تدوير» لمشروع دستور بلورته موسكو العام الماضي. لكن ما تشدد عليه باريس في الوقت الحاضر هو ضرورة التقيد بوقف النار وبلورة آلية الإشراف عليه ومراقبته. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن «فرض احترام وقف النار ميدانيا سيبين مدى مصداقية العملية الروسية - الإيرانية - التركية»، ولأنه المعيار لرصد ما إذا كانت اجتماعات جنيف المقبلة ستكون جدية أم لا، خصوصًا أن المعارضة ممثلة بالهيئة العليا للمفاوضات جعلت من احترام وقف النار وإيصال المساعدات وفك الحصار عن المناطق المحاصرة، مدخلاً لاجتماعات ناجحة.
وإلى هذه العناصر، تضيف باريس مطلب فك الارتباط، خصوصا في إدلب ومنطقتها بين المعارضة «المعتدلة» التي قبلت العملية السياسية، وفتح الشام «النصرة» والفصائل التي التحقت بها، ومنها «نور الدين زنكي». وفي رسالة مباشرة موجهة للمعارضة السورية، قالت هذه المصادر إنه «من مصلحتها» أن تفك الارتباط، رغم أنها ترى أن أمرًا كهذا، خصوصا في إدلب، ليس «سهلاً» بعكس ما كان عليه الوضع في حلب، إذ إن مقاتلي «النصرة» في إدلب يعدون بالآلاف بينما كانوا بضع مئات في حلب.
وتعتبر باريس أن معركة حلب شكلت «منقلبا استراتيجيا» بمعنى أنها جعلت الملف السوري، أقله في الوقت الحاضر، من مسؤولية روسيا وإيران وتركيا (أي القوى الخارجية التي تقاتل ميدانيا في سوريا)، وبالتالي يتعين على هذه القوى أن تتحمل مسؤولية ما سيحصل في الحرب السورية. لكن باريس تخص موسكو بتحميلها «أكبر قدر من المسؤولية» في سوريا رغم كونها «إحدى العكازتين» اللتين تدعمان النظام ليبقى واقفًا على قدميه. وتضيف المصادر الفرنسية أنه «إذا تراخت العكازة الروسية، فإن النظام سيكون عندها مجبر للدخول في مفاوضات سياسية جدية رفض الولوج إليها حتى الآن».
ولذا، فإن مصير المفاوضات المقبلة، وفق باريس، مرهون بما ستقوم بها موسكو وما سيقرره الرئيس بوتين القادر على «فتح كوة» تؤول إلى الحل السياسي.
يبقى المجهول الآخر، وهو السياسة الأميركية «الجديدة» تجاه سوريا. وفي هذا السياق تقول باريس إنها أجرت سلسلة اتصالات على مستوى المستشارين مع الإدارة الأميركية الجديدة، لكنها تنتظر «تعبيرًا رسميًا» عنها من الرئيس دونالد ترمب. وبحسب ما فهمه المبعوثون الفرنسيون إلى واشنطن، فإن «هدف واشنطن في سوريا، مزدوج، ويتركز من جهة على إبادة تنظيم داعش، وهذا هدف نوافق عليه تمامًا، ومن جهة أخرى على محاربة النفوذ الإيراني في سوريا». ويُفهم من كلام المصادر الفرنسية أن واشنطن تعول على جهتين بشأن الهدف الثاني: الأولى الحضور الروسي القوي وقدرة موسكو على التأثير في الوضع السوري. والثانية، الركون إلى النظام نفسه وهو أمر لا يبدو سهل التحقق بسبب التغلغل الإيراني في الأجهزة السورية بجميع مكوناتها، فضلاً عن التغلغل السياسي والاقتصادي والاجتماعي وحضور الميليشيات التي تحارب في سوريا بناء على طلب إيراني، مثل حزب الله والميليشيات العراقية والإيرانية والأفغانية والكشميرية، فضلاً عن الحرس الثوري الإيراني.
وترى باريس، من جهتها، أن المدخل لذلك «لا يمكن أن يكون إلا الحل السياسي». وردًا على سؤال عن «المقابل» الذي ستطلبه موسكو للسير في تصور كهذا، أجابت المصادر الفرنسية أن الغربيين قالوا لروسيا دائمًا: «لكِ أن تقيمي العلاقات التي تريدين مع دمشق، وأن تحافظي كذلك على مصالحك بالشكل الذي ترتئينه، بما في ذلك بقاء الأسد في موقعه طيلة الوقت الضروري لوضع المرحلة الانتقالية موضع التنفيذ».
وكشفت المصادر الفرنسية أن تدخل روسيا بشكل مكثف في سوريا بدءا من شهر سبتمبر (أيلول) 2015، عندما بدأت علامات الوهن تبدو على النظام، جاء بطلب إيراني واتفاق بين موسكو وطهران على هذا التدخل، مما يعني أن لروسيا القدرة على التأثير والضغط على إيران في سوريا.
وبانتظار أن تتبلور رسميا سياسة أميركية جديدة، فإن الغربيين أعطوا روسيا «كارت بلانش» أي أخلوا لها الساحة تمامًا في سوريا، لكن مقابل ذلك، ثمة مسؤوليات كبيرة على الرئيس بوتين و«العالم كله سيحمله مسؤولية ما سيحصل في هذا البلد» سلبًا أو إيجابًا. والجانب الإيجابي لا تراه باريس إلا في الحل السياسي القائم على عملية سياسية تضع حدًا للحرب وتحفظ وحدة سوريا مع بعض التعديلات التي تضمن حقوق الأطراف، مثل الأكراد، من غير أن تتحدث صراحة عن نظام فيدرالي. وبحوزة الغربيين والخليجيين ورقة ضغط قوية، اسمها «إعادة البناء» التي لا يستطيع الروس ولا الإيرانيون القيام بها. وسبق لباريس أن قالت إن الأوروبيين والغربيين لن يعطوا قرشا واحدا لإعادة الإعمار من غير عملية سياسية حقيقية. و«من له أذنان سامعتان فليسمع الرسالة».
باريس تعوّل على موسكو لحل سياسي في سوريا ولجم إيران
مصادر فرنسية قالت لـ «الشرق الأوسط» إنها ضغطت على دي ميستورا للتراجع عن تشكيل وفد المعارضة
نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)
باريس تعوّل على موسكو لحل سياسي في سوريا ولجم إيران
نازحون إلى مخيم مؤقت قرب قرية طرشان بريف الرقة شمال سوريا بعد هروب أهالي المنطقة بسبب معارك تدور بين قوات سوريا الديمقراطية و«داعش» (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة






