غياب الممثل ـ المخرج في السينما العربية رغم انتعاشه عالميًا

فقدان طموح أم تقصير؟

محمد خان وخيري بشارة - وورن بيتي
محمد خان وخيري بشارة - وورن بيتي
TT

غياب الممثل ـ المخرج في السينما العربية رغم انتعاشه عالميًا

محمد خان وخيري بشارة - وورن بيتي
محمد خان وخيري بشارة - وورن بيتي

تبادل المخرجان؛ خيري بشارة، والراحل، محمد خان، التمثيل، كلاً في أفلام الآخر. الأدوار لم تكن كبيرة بل أحيانًا ما كانت أقرب إلى ظهور كضيف شرف وفي أحيان أخرى ضمن أدوار محددة وصغيرة. ما دفعهما إلى ذلك صداقة كل منهما للآخر، وتبادل الظهور وطرافته.
كذلك ظهر المخرج توفيق صالح في أحد أفلام يوسف شاهين وأدت المخرجة اللبنانية أدوارًا في أعمال سواها، فظهرت مثلاً كبطلة في فيلم «رصاصة طائشة»، وكإحدى ممثلات الفيلم المغربي «روك القصبة» (لاعبة دور إحدى بنات عمر الشريف). كما ظهر العراقي قاسم حول كأحد ممثلي فيلمه الأخير «بغداد، خارج بغداد»، وقام التونسي نوري بوزيد بالظهور في آخر عمل له كمخرج وهو «الفيلم الأخير».
والبحث في التاريخ سيؤدي لاكتشاف بضع حالات لمخرجين عرب قاموا بالتمثيل في أفلامهم أو أفلام سواهم، لكنه لن يؤدي بالضرورة إلى الكشف عن قائمة موازية من الممثلين الذين تحوّلوا كليًا إلى مخرجين.
هناك حسين صدقي ويوسف وهبي كونهما جاءا من التمثيل أساسًا، لكنهما مثَّلا في معظم ما قاما بإخراجه وتوقفا عن ذلك في أول فرصة متاحة. بكلمات أخرى، لم يُظهرا رغبة عارمة في احتواء الإخراج كحالة منفصلة أو كمستقبل يتفرغان له.

تمثيل فقط

ذلك يدفع للتساؤل حول ما يمكن أن يكون السبب الذي يحد من رغبة الممثلين، ولدينا منهم مئات في الماضي والحاضر، في التحوّل (جديًا) إلى الإخراج. بالمراجعة، يرصد المرء اكتفاء المعظم الكاسح من الممثلين المعروفين بالعمل أمام الكاميرا وترك مهمّة الإخراج لسواهم على نحو مَن يؤكد للآخر، هذا عملي وذلك عملك، ولا خلط بين الاثنين.
لكن، إذا ما كانت السينما الغربية هي النموذج التي احتذت به السينمات العربية، وتحقيق الأفلام على منوالها وبمستوياتها كان دائمًا حلم المبدعين العرب، فإن تلك السينما، في بريطانيا وإيطاليا وفرنسا والولايات المتحدة أساسًا، عرفت كثيرًا من الممثلين الذين مارسوا الإخراج في أفلام ظهروا في بعضها واكتفوا بالإخراج في بعضها الآخر.
الاكتفاء بالإخراج يعني شيئًا واحدًا، وهو أن هذا الممثل المنتقل إلى الإخراج يريد أن يبرهن لمجتمعه السينمائي ووراءه الجمهور الكبير على قناعتين: الأولى أنه يستطيع أن يخرج بنجاح، والثانية أنه إنسان طموح ولديه موهبة أكيدة في هذا المجال.
فهل شكا أحمد زكي أو صلاح ذو الفقار أو فريد شوقي أو محمود ياسين أو هند رستم أو مريم فخر الدين، وسواهم كثيرون، من افتقارهم إلى الطموح أو هم اعتبروا أن الاكتفاء بعملهم الأول والأساسي هو كل ما يصبون إليه؟
الغالب أن الطموح كان موجودًا. لكنه اقتصر على طموح التمثيل وحده. أو التمثيل والإنتاج مثلاً على أساس أن الإنتاج يمنح الممثل قوّة مضاعفة، ليطوّع الفيلم على النحو الذي يريده، ولكي يحقق عبره مزيدًا من الدخل إذا ما نجح.
لا عيب في ذلك باستثناء أنه يرسم قطيعة مباشرة، وإن كانت غير ظاهرة سابقًا، بين ممثلي السينما العربية وأترابهم في السينمات الغربية.
روبير أوسين في فرنسا وديفيد أتنبورغ في بريطانيا وروبرتو بينيني في إيطاليا أمّوا الإخراج جديًا بعد سنوات التمثيل بصرف النظر عن النتائج الفنية أو التجارية (تتفاوت عمومًا بين جيد وممتاز). لكن إذا ما كانت هذه التجارب تبدو محدودة (وهي ليست كذلك إذا ما رصدنا كل الممثلين الأوروبيين الذين تحوّلوا إلى الإخراج واستمروا فيه)، فإن تلك الأميركية أكثر وضوحًا لمن يريد المقارنة.
في الماضي، كما في الحاضر، لا تتوقف النماذج عن التأكيد على أن الرابط بين التمثيل والإخراج كان ضروريًا في خلد كثير من الممثلين والممثلات في هوليوود من أيام السينما الصامتة وحتى اليوم.
فالكوميديان بستر كيتون وتشارلي شابلن في العقدين الأولين من القرن العشرين طمحا، وعن صواب، لضم الإخراج إلى ملكياتهما الفنية، وأفضل ما قاما بتمثيله كان من إخراجهما أيضًا. وإذا ما تجاوزنا تجارب أورسون ولز في هذا الصدد (لمجرد أنه ظاهرة قائمة بحد ذاتها)، فإن الوضع ما زال على حاله منذ الستينات والسبعينات وحتى اليوم.
وورن بيتي كمثال أول، بدأ ممثلاً في عام 1961 بفيلم «روعة على الحشائش» ((Splendor on the Grass واستمر في هذا الدرب وحده حتى سنة 1987 عندما اشترك مع الكاتب بَك هنري بتحقيق فيلم عنوانه «السماء تستطيع الانتظار». بعده أم بيتي درب الإخراج منفردًا من دون أن ينقطع عن التمثيل في أفلام سواه، فحقق «حمر» (1981) و«دك ترايسي» (1990) ثم «بولوورث» (1998) وحاليًا «القوانين لا تطبق» (2017). ومن البداية، عرف كيف يفرض أعمالاً جيدة تحمل علامات المخرج الجيد في كل جوانبها. هذا تبدّى بوضوح في «حمر» و«دك ترايسي» و«بولوورث» لكن «القوانين لا تطبق» يعاني شيئًا من بعد المسافة عما سبق من أعماله في هذا المجال.

نماذج أخرى

نظيره الأنجح في هذا المجال كان كلينت إيستوود الذي بدأ في منتصف الخمسينات بأدوار إذا ما رمشت عينك غفلتها من صغرها، ثم أمّ التمثيل في ثلاثية سيرجيو ليوني المعروفة «حفنة من الدولارات» و«لأجل حفنة أكثر من الدولارات» و«الطيب والشرير والبشع» قبل أن يعود إلى الولايات المتحدة نجمًا في منتصف الستينات.
هناك التحق بأعمال مخرجين كلاسيكيين مؤسسين أمثال دونالد سيغل وجون ستيرجز لبعض الوقت لكن عيناه كانتا مرتكزتين على كرسي الإخراج. في عام 1971 أخرج أول أفلامه «اعزف لي ميستي»، وكان ذلك بداية طريق ناجح ومتصاعد كمخرج حتى بات الآن معروفًا أكثر كمخرج منه كممثل. عمليًا هو مخرج السنوات العشرين السابقة وممثل ما قبلها.
من الفترة ذاتها، وفي طريق مشابه في أكثر من وضع، انتقل وودي ألن من التمثيل الكوميدي لآخرين إلى التمثيل في أفلام يقوم بإخراجها هو (كما فعل إيستوود مطلع الأمر) لكن عندما تأكد أنه لم يعد يصلح للعب دور العاشق أو الحبيب استبدل بشخصيته ممثلين أصغر سنًا، واكتفى بناصية الإخراج وأنجز أيضًا نجاحًا متواليًا حتى اليوم.
جودي فوستر هي من نتاج السبعينات كذلك. تعرّفنا عليها في السادسة عشرة من عمرها تؤدي دور فتاة دون تلك السن اضطرت للعمل «عاهرة»، وذلك في فيلم مارتن سكورسيزي «تاكسي درايفر». بعد ذلك باتت ممثلة مشهورة، و(بالنسبة للكثيرين) نجمة قبل أن تضع الإخراج نصب عينيها، وحتى الآن أخرجت أربعة أفلام آخرها «وحش المال» في العام الماضي.
والعروض الحالية من الأفلام تشهد باستمرار هذا المد ونجاحه.
لدينا بن أفلك وفيلمه الجديد «عش ليلاً» (رابع أعماله مخرجًا) ودنزل واشنطن الذي يعود للإخراج بفيلم «حواجز»، ومل غيبسون الذي يعود بدوره إلى الإخراج بفيلم «هاكسو ريدج». ويقوم جورج كلوني بوضع اللمسات الأخيرة على فيلمه الجديد مخرجًا (السادس له منذ سنة 2002 عندما حقق «اعترافات عقل خطير») وعنوانه «سبيربيكان» تمهيدًا لفيلم سابع بات السيناريو جاهزًا له بعنوان «هجمة قراصنة الكومبيوترز» Hack Attack)).
كل ذلك يعيدنا إلى حقيقة أن الممثلين العرب، في الإجمال، لم يؤمنوا بأن شغل المخرجين هو خطوة تكميلية لشغل الممثلين. لجانب أن البعض افتقر إلى الطموح، فإن السائد أيضًا هو اعتبار أن الشهرة التي تتحقق عبر التمثيل (بصرف النظر عن مستواه) أسرع وأفضل من تلك التي تتحقق عبر الإخراج.



بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
TT

بول أندرسن... أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)
بول توماس أندرسن خلال التصوير (باراماونت)

من بين كل الأفلام التي رُشِّحت لأوسكار أفضل فيلم ناطق بالإنجليزية أو بلغة أخرى، برزت ثلاثة أفلام تعاملت مع فن السينما كتابلوهات، وهي «صِراط» للإسباني أوليڤر لاش، و«خاطئون» لرايان كوغلر، و«معركة بعد أخرى» لبول توماس أندرسن.

هذا ليس لأن الموضوعات المختارة لهذه الأفلام لم يكن من الممكن تصويرها بأسلوب آخر، بل لأن مخرجيها اختاروا الشاشة العريضة والتصوير الذي يستخدم أحجامَ أفلامٍ كبيرة لكي تملأ أعمالهم الشاشة بعرضها. هذا في مقابل تلك التي تختار الحجم التقليدي (35 مم) وكاميرات رقمية فقط.

دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» (وورنر)

عن السُّلطة

بول توماس أندرسن (الذي كتب في مفكرته، حين كان لا يزال دون العاشرة، بأنه يريد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر) ينبري اليوم في إطار السينما الأميركية بوصفه مخرجاً لا يوازيه حالياً في شغفه بالتصوير الذي يملأ الشاشة العريضة سوى ترنس مالك («شجرة الحياة»، و«رحلة في الزمن»، و«الخط الأحمر الرفيع»...). وكلاهما يتبعان عدداً من المخرجين الذين آمنوا بأن التصوير على هذا النحو هو السبيل الأفضل لسرد الموضوع وتصوير المواقف على نحو مشبع. من هؤلاء سام بكنباه، وبرايان دي بالما، وستانلي كوبريك، وفرانسيس فورد كوبولا.

بالنسبة لأندرسن فإن سينماه تنقسم مرحلياً إلى اثنتين: الأولى تألفت من أفلام تنتمي إلى سينما «صغيرة» مثل «بوغي نايتس» (Boogie Nights) عام 1997 و«ماغنوليا» (1999)، ثم «حب بلكمة مترنحة» (Punch-Drunk Love) عام 2002.

القسم الثاني هو الذي قرر فيه الانتماء إلى تشبيع الشاشة بالصورة لتعبِّر أكثر، وأفضل، عن الموضوع، كما في There Will Be Blood («ستيسل الدماء»، 2007)، و«ذا ماستر» (2012)، وInherent Vice («رذيلة متأصلة»، 2014)، وحتى في فيلم محدود المكان (غرف مغلقة) وهو «خيط شبحي» (Phantom Thread) عام 2017.

فيليب سايمور هوفمن في «السيد» (وينستين كومباني)

سينما الزمن

ينضح «ستسيل الدماء» بمشاهد مذهلة تصويراً وبلقطات طويلة تعكس الزمن كاملاً وتسهم في تأليف الملحمة التي يتوق إليها المخرج، متعرّضاً لتاريخ من الصراع بين الرأسمالية والدين، الممثلتين في شخصيتي الأب (دانيال داي لويس) والابن (بول دانو)، الذي يتعرّض لسوء معاملة أبيه الذي يريده أن ينظر إلى الحياة من منظاره فقط. يكتفي المخرج أساساً بشخصيتيه ويركّز على الدوافع التي جعلت من دانيال وحشاً مرهوب الجانب. الدقائق الأولى تحتفي بالتاريخ الصامت للسينما، إذ تنطلق من عام 1898 لتتوقف سنة 1927، السنة التي نطقت فيها السينما.

التزم أندرسن بالتاريخ في فيلمه اللاحق «السيّد» (The Master) بفترة زمنية مبكرة، إذ تقع أحداثه في عام 1950. بطل الفيلم كويل (يواكيم فينكس) عائد من الحرب بشخصية مزدوجة: واحدة تعرّيه من البراءة، والثانية تصوّره كإنسان مضطرب نفسياً لفظته الحرب شخصاً مشوشاً. يبدأ العمل مصوراً فوتوغرافياً ثم يضطر للعمل في حقل كرنب. نجده يستخدم المنجل كما لو كان يقطع رقاب بشر. لاحقاً يتسلل إلى سفينة صغيرة تقلع به. في اليوم التالي يمتثل أمام صاحب السفينة، لانكستر (فيليب سيمور هوفمن)، الذي يعرّف بنفسه قائلاً: «أنا كاتب وفيلسوف وطبيب، وفيزيائي نووي، وفوق كل شيء أنا إنسان». لكن الصورة المستعارة من الواقع شبيهة بشخصية ل. رون هوبارد، مبتدع كنيسة السيانتولوجي التي تفرض نظاماً خاصاً على تابعيها.

 منذ طولته أراد أن يصبح كاتباً ومنتجاً ومخرجاً حين يكبر 

على غرار ما سبق، ينهل «معركة بعد أخرى» (2025) من الماضي، إذ يسرد أحداثاً تقع في السبعينات. بذلك يكون المخرج قد انتقل، منذ «ستسيل الدماء»، من مطلع القرن الماضي إلى النصف الثاني منه. لكن الزمن ليس سوى جانب واحد من أفلامه. هو المعبر الذي يتابع فيه أندرسن الحياة كما كانت، إلى الزمن غير البعيد، ومنه ربما إلى الزمن الحالي في أي فيلم قادم له.

الجانب الآخر هو الجانب العائلي من أفلامه، من أعماله الأولى إلى الآن. شخصية دانيال داي لويس في «ستسيل الدماء» تقوم على سلبية الأحادية والسلطة، وتتشابه كثيراً مع شخصيته في «خيط شبحي» (الخيّاط الذي يفرض الصمت على العائلة من خلال سلطته).

كتب الأديب الروسي ليو تولستوي ذات مرة قائلاً: «تتشابه العائلات السعيدة، أما العائلات غير السعيدة فتختلف».

نظرة على مفهوم العائلة في أفلام أندرسن تضمن حيازتها هذا المنظور. عائلات أندرسن غير سعيدة، ولو أنها تتماسك في «معركة بعد أخرى» حين تتعرض للخطر.


شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
TT

شاشة الناقد: من قرية تركية إلى الفضاء البعيد مروراً بالغرب الأميركي

«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)
«مشروع هايل ماري» (أمازون/ ج م ج)

PROJECT HAIL MARY

★★★

إخراج:‫ فيل لورد وكريستوفر ميلر

الولايات المتحدة (2026) | خيال علمي

ينتمي «مشروع هايل ماري» إلى المؤلف أندي واير، الذي سبق أن كتب «المريخي» (The Martian)، وهي الرواية التي تحوَّلت إلى فيلم من إخراج ريدلي سكوت عام 2015. كلتا الروايتين تتناول قصة رائد فضاء وحيد في بعثته.

في «المريخي»، يحطّ البطل مارك (جسّده مات ديمون في الفيلم) على سطح ذلك الكوكب، ويعيش معزولاً عن الأرض والعالم. أما في الرواية الجديدة، فنجد البطل ريلاند (يؤدي دوره رايان غوسلينغ) وحيداً داخل مركبته في أعماق الفضاء السحيق، في مهمة غامضة إلى مجاهل بعيدة.

يتعرَّض ريلاند لغيبوبة، وعندما يستيقظ بعد سنوات، يكتشف أن زميليه في الطاقم قد توفيا. المشكلة أنه لم يعد يتذكّر شيئاً يُذكر عن مهمته. هنا يلجأ المخرجان لورد وميلر إلى تقنية الاسترجاع (الفلاشباك) لكشف خلفية الشخصية، وهو عالم أحياء، وطبيعة المهمة التي أُوكلت إليه. ومع استئناف الرحلة، يلتقي بمخلوق فضائي (يشبه العنكبوت)، ويجد الاثنان نفسيهما يسعيان معاً لاستكمال المهمة التي أُنيطت بريلاند.

الفيلم طموح بلا شك، وقد نُفّذ بأسلوب يهدف إلى تحقيق نجاح جماهيري كبير، وهو ما بدأ بالفعل، إذ حقق نحو 100 مليون دولار خلال أسبوعه الأول من العرض العالمي. ومع ذلك، فهو يخرج بنتيجة أقل تأثيراً من الرواية (الصادرة عام 2021، وقد قرأتها مطلع العام الماضي).

يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المخرجين لم يسعيا إلى استلهام النبرة الداكنة للرواية، بل فضَّلا تخفيفها وإضفاء طابع أكثر خفة، وهو ما يجعل الفيلم مختلفاً عن رؤية الكاتب الأصلية. لكنها ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يبتعد فيها العمل السينمائي عن النص الأدبي ومراميه.

SALVATION

★★★

إخراج:‫ أمين ألبر | تركيا (2026)

دراما قروية (مسابقات مهرجان برلين)‬

«خلاص» نوع من الأفلام التي تدور رحاها في بعض القرى الجبلية البعيدة، عن شخصيات قاسية على نفسها وعلى آخرين. المكان والموضوع الذي تتطرّق إليه الحكاية يذكّران بأفلام المخرج الكردي يلماز غونيه، لكن أفلام المخرج الراحل كانت تستخدم، وعلى نحو مشروع، الصراعات المتدايرة بين البشر لتوجيه رسائل سياسية. على ذلك، يحتوي هذا الفيلم على حكاية وموقع مناسبين، ولو من دون استغلال كافٍ للجوانب التي كان يمكن أن تمنح العمل تميّزاً وعمقاً. في كل الأحوال، استحق «خلاص» الجائزة الفضية للجنة تحكيم مهرجان برلين الأخير.

«خلاص» (مهرجان برلين)

هناك صراع على الأرض بين الذين يملكون بعضها وبين النازحين إليها. وهناك صراع آخر بين المعتقدات الآيلة للاندثار بفعل توارثها وبين النوايا والعقول السليمة. ثم ذلك الصراع في داخل شخصية مسعود (شانر شندوروك)، الذي تسكنه الهواجس وتهدّد رجاحة عقله. توليف الفيلم يمرّ على هذه الصراعات من دون سياق جيد، والأرجح أن السيناريو، الذي وضعه المخرج نفسه، كُتب كذلك على هذا النحو وتحت ثقل ما يريد سرده، ولو عنوة.

في حين أن الفيلم يوزّع مراميه على نحو أفقي، تتجلّى النقطة الأهم فيما يعرضه: فمسعود يتوهّم الأشياء التي لا تقع ويبني عليها واقعه. لم يعد يستطيع النوم. يخرج ليلاً وراء أصوات يسمعها أو أشباحٍ لأشخاص يعتقد أنهم يحيطون به. في أحد المشاهد التي تنبئ عن حال رجل يتهاوى في سحيق معتقداته، يخبره الطبيب بأن زوجته حامل بتوأم. اللقطة التالية على وجه مسعود كمن لو أن الخبر أزعجه. يؤخّر المخرج شرح ذلك لنحو عشر دقائق، حين يسرّ مسعود لمن يحادثه بأن واحداً من التوأم هو بذرة يزرعها الشيطان في جسد المرأة إمعاناً في تحدّي قدرة الله عز وجل، ما يعني أن أحد التوأمين شرّ مستطير.

يواصل الفيلم تسليط الضوء على ما سيقع لمسعود، وللصراع حول الأرض بين مزارع لا يملكها وصاحبها الذي يريد تهجيره قبل أن يحصد المزارع الحقل، وفوق ذلك البحث عن خلية إرهابية تحرق وتفجّر. كل ذلك مُحاك بمعرفة، رغم أن الفيلم يتوجّه من دون ترتيب جيد لهضم ما يسرده على نحو أعمق من مجرد عرضه.

FRONTIER CRUCIBLE

★★

إخراج:‫ تراڤيز ميلز

الولايات المتحدة (2026) | وسترن‬

يُذكّر «محنة جبهة» (عنوان غير موفّق) بحكايات وأجواء الأفلام التي خرجت في الخمسينات من النوع نفسه، ولو من حيث التطرّق إلى حكاية تقع أحداثها بين الأخيار والأشرار، ثم بينهما ضد أفراد الأباتشي. هناك الرحلة في البرية وما يواجهه البعض فيها من ضراوة ترتبط بدواخل الشخصيات وتصرّفاتهم، كما بطبيعة المكان القاسية.

«محنة جبهة» (بونفاير لجند)

ميرَك (مايكل كلوسي) يقوم بمهمة نقل أدوية إلى بلدة في ولاية أريزونا في سبعينات القرن الثامن عشر، عندما يعترض طريقه ثلاثة أشرار، فيكون ذلك مدخلاً للقتال بين الطرفين، ثم بين الأشرار فيما بينهم، وخلال ذلك بين الجميع وأفراد من قبيلة أباتشي. لكن على عكس أفلام الأمس، ينحو المخرج ميلز إلى العنف الذي ينقسم في أفلام الوسترن إلى نوعين: نوع ضروري يعكس دواخل الشخصيات وقدراً من الشعر حول الزمن والطبيعة (على غرار أفلام سام بكبناه)، ونوع مجاني مباشر على غرار ما نشاهده هنا. يستند المخرج ميلز إلى هذه المشاهد من حيث لا ينفع ولا يسدّ ثغرة. الفيلم يفتقر إلى أسلوب معالجة تتجاوز سرده للحكاية وتصويره الشخصيات من الخارج، وحسب ما تعبّر عنه ملامحها العامة.

إنه الدور الأول للممثل آرمي هامر منذ سنوات، لاعباً دور أحد الأشرار، واستعادة للممثل الذي أصبح نجماً ذات مرّة عندما لعب بطولة «فارغو» (1996)، ثم توقَّف لسنوات عن استحواذ الأدوار المناسبة.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
TT

أنور قوادري يخرج فيلماً عن صعود عائلة الأسد وسقوطها

مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)
مع الممثل الأميركي جف فاهي خلال تصوير «انتهى الوقت» (أرشيف الممخرج)

لم يتوانَ المخرج والمنتج أنور قوادري، منذ دخوله عالم السينما في سن السابعة عشرة، عن العمل في مختلف المجالات بين الكتابة والإنتاج والإخراج. نقل شغفه بالسينما من بيروت إلى لندن؛ حيث أنجز حتى الآن 13 فيلماً بوصفه مخرجاً ومنتجاً. وكان أحدها أول اقتباس غربي عن فيلم عربي، وهو «كلوديا» (1986)، المأخوذ عن فيلم «موعد على العشاء» (1981) للمخرج الراحل محمد خان.

وبعد إنتاج أول أفلامه في لبنان، «قطط شارع الحمرا» (1971)، انتقل إلى لندن، حيث أنجز 12 عملاً سينمائياً وتلفزيونياً، من بينها «كسّارة البندق» (1982)، و«أراب لندن» (2009)، و«هيدا غابلز» (2016). وقد تعاون مع ممثلين عرب وأجانب بارزين، مثل جوان كولينز، وجورجينا هايل، وجِف فاهي (الذي طلبه كلينت إيستوود مباشرة لفيلم آخر بعد ظهوره في فيلم القوادري «الوقت انتهى»)، إلى جانب ياسمين خيّاط، وياسمين المصري، وخالد الصاوي.

حالياً، يُحضِّر قوادري لفيلم جديد ومختلف، بعنوان «العائلة»، يرصد فيه صعود وسقوط أسرة حافظ الأسد وابنه بشّار عبر مراحل مختلفة من حياتهما، في مشروع ضخم يتناول عائلة أحكمت قبضتها على السلطة بيدٍ من حديد، واستأثرت بالصلاحيات والمغانم، وفرضت حكمها على الشعب، بل وقتلت في سبيل الحفاظ عليه.

القوادرري مع جوان كولينز خلال تصوير «كسّارة البندق» (أرشيف الممخرج)

حوافز أساسية

> إلى جانب كونه مشروعاً يبحث في التاريخ السياسي لعائلة الأسد، هو عمل مختلف عمّا قدّمته سابقاً. ما الذي دفعك إليه؟

- راودتني الفكرة منذ عام 2011، مع بداية الثورة السورية. ابني ألويز، الذي درس السينما، سألني لماذا لا أصنع فيلماً عن عائلة الأسد. وقد أمدّني بمعلومات ووثائق، وحفّزني على كتابة سيناريو يسرد حكاية العائلة عبر مراحل زمنية متداخلة، تتنقّل بين فترات مختلفة.

ومن خلال ذلك نتعرّف إلى حكم الأسد الأب، وكيف انتقلت السلطة إلى بشّار، مع متابعة الشخصيات التي أحاطت بهما خلال 5 عقود من الحكم الاستبدادي.

> متى بدأت العمل الفعلي على هذا المشروع؟

- بدأ التفكير الجدي عندما هرب بشّار الأسد من سوريا في 8 ديسمبر (كانون الأول) 2024. لا أخفي أن هذا الفرار استفزّني. هل يُعقل أن نظاماً دام 53 سنة، مدعوماً بجيش وأجهزة مخابرات، ينهار بهذه السرعة؟ فكّرت في هذا الانهيار السريع لعائلة حكمت وسرقت ونهبت.

المخرج والمنتج أنور قوادري (أرشيف المخرج)

> لماذا اخترت مشهد الهروب كبداية؟

- هروب بشّار نقطة درامية فاصلة ومهمة. التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين. لذلك قررتُ البدء بمشهد الهروب، ثم الانتقال بين الحاضر والماضي لربط الأحداث.

> كيف ستجمع بين الأحداث التاريخية والدراما الخيالية؟

- المزج بين الجانبين أساسي. حرصت على تحقيق توازن بين السياسي والاجتماعي والإنساني. سيعرض الفيلم ما حدث، لكنه سيعمد إلى بناء أحداث موازية للكشف عن العلاقات ضمن تلك الأسرة الكبيرة. السؤال كان: هل أقدّم فيلماً دعائياً عن مجرمين وسفّاحين سرقوا البلد، أم عملاً لا يتجاهل أفعالهم، لكنه يسلّط الضوء أيضاً على العلاقات الإنسانية داخل الأسرة؟ هناك دور الأم، والأبناء، والبنات، والأزواج، بعيداً عن 25 مليون لم يكترث أحد بهم.

التحدي هو كيف يمكن احتواء هذا التاريخ في فيلم مدته نحو ساعتين

طاقم العمل عربي وعالمي

> حل كهذا مارسته في فيلمك السابق «جمال عبد الناصر» سنة 1998.

- صحيح. لم أرغب حينها في سرد التاريخ فقط، بل سعيت إلى بناء دراما، لأن الهدف لم يكن فيلماً وثائقياً. واجهت ردود فعل سلبية في مصر، لكنها كانت متوقعة. وقد أثبت الفيلم قيمته الفنية، ومنحني القدرة على المزج بين التاريخ والدراما، كما فعل فرنسيس فورد كوبولا في «العرّاب»، حين بنى الدراما على الأحداث الواقعية وأبدع، كذلك فعل أوليڤر ستون في «جون ف. كندي» (JFK) فالفيلم الدرامي يحتاج إلى الخيال ليصل إلى جمهور واسع.

> لمن سيتوجه هذا الفيلم في رأيك؟

- هناك عشرات الملايين من السوريين في الخليج والعالم. الهدف هو تقديم عمل يثير فضولهم، ويعيد ترتيب الأحداث لفهم كيف قادت عائلة الأسد والمحيطين بها البلاد إلى الهاوية. كما أتوجّه إلى الإنسان السوري العادي الباحث عن الحقيقة في خفايا تلك العائلة التي حكمت سوريا بالبطش، وفي النهاية هربت عندما ثار الشعب، ومهتم أيضاً بتوجيهه إلى المهرجانات الدولية، مثل «كان» و«ڤينيسيا» و«تورونتو» وسواها.

> من أبرز المرشّحين للمشاركة؟

- سؤال مهم. هناك تواصل جدي مع «هيئة الترفيه السعودية» لدعم المشروع. أما الترشيحات، فقد اخترت الممثل الدنماركي مادس ميكلسن لتجسيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، نظراً لوجود مشهدين مهمين له. كما سيؤدي غسّان مسعود دور حافظ الأسد، وقد أُعجب بالسيناريو. ومن الأسماء أيضاً جوان خضر في دور ماهر الأسد، وجهاد عبده في دور محمد مخلوف. ويسعدني كذلك التعاون مع الموسيقار معن خليفة، الذي وضع موسيقى تناسب الأجواء الملحمية للفيلم.