أحمد مراد: أرسم المشهد عادة قبل شخصيات وأحداث الرواية

يعتبر أن روايته المرشحة لجائزة البوكر «رواية نفسية» بالدرجة الأولى

أحمد مراد وروايته
أحمد مراد وروايته
TT

أحمد مراد: أرسم المشهد عادة قبل شخصيات وأحداث الرواية

أحمد مراد وروايته
أحمد مراد وروايته

يعلن يوم الثلاثاء المقبل، التاسع والعشرين من هذا الشهر، في احتفال في أبوظبي، عن اسم الفائز بـ«الجائزة العالمية للرواية العربية»، التي باتت تعرف بـ«بوكر العربية»، من ضمن ستة روائيين مرشحين لها ضمن القائمة القصيرة. وكانت «ثقافة» قد نشرت حوارات مع خمسة من المرشحين للجائزة، وهم: أحمد السعداوي، وعبد الرحيم لحبيبي، وخالد خليفة، وإنعام كجه جي، ويوسف فاضل. وهنا حوار مع مرشح آخر هو الروائي المصري أحمد مراد، الذي يتناول في «الفيل الأزرق» (دار «الشروق»، 2012)، عمله المرشح للقائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر) لهذا العام، عوالم غامضة يتداخل فيها السحر والشعوذة والطب النفسي والإدمان في إطار سردي سوريالي يلتبس فيه على القارئ الفصل بين الحلم والواقع.
ردود الفعل هذه المرة جاءت متضاربة حول «الفيل الأزرق» على عكس «فيرتيغو» و«تراب الماس». فعلى الرغم من اتساع مقروئيتها فإن نزوع ثالثة روايات أحمد مراد نحو اللامعقول والخيال وجه أصابع الاتهام إلى الكاتب بالابتعاد عن هموم المجتمع المصري، لا سيما أن البلاد تمر بظروف سياسية واجتماعية واقتصادية مقلقة. البعض صنف العمل تحت باب «الفن للفن»، وهو ما رفضه الكاتب معتبرا «(الفيل الأزرق) رواية واقعية.. كل التابوهات التي تحدثت عنها تحدث في المجتمع العربي يوميا ونعيشها منذ قرون».
وصول العمل إلى القائمة القصيرة للبوكر لم يخل من إشارات التعجب والاستفهام خصوصا أن تهمة التأثر بأفلام الإثارة الهوليودية ومؤلفات دان براون وستيفن كينغ التشويقية طالما لاحقت الكاتب الشاب، وهو ما نفاه قائلا إنه «يملك أسلوبه الخاص»، وإن «استخدام الجريمة كحدث محوري محرك في الكتابة أمر أقدم من كل الأسماء التي ذكرتها».
* ما الذي أراد أحمد مراد أن يقوله في «الفيل الأزرق»؟
- الفيل الأزرق رواية نفسية في المقام الأول.. حوار مُستفز للقارئ أكشف به الجانب المظلم من نفسياتنا.. حجر يلقى في ماء راكد فيكشف ما تحته، مُجادلة مع شيطاننا الداخلي حين يتحدث.. أو أنفسنا الأكثر شرا أحيانا!! أناقش الحب في ثلاث علاقات متشابكة أغلبنا يمر بها: زوجة.. عشيقة.. حبيبة لم يظفر بها البطل. زيف المشاعر.. الغُفران. ماذا لو لم يغفر الإنسان لنفسه أخطاءها؟ وكيف ستكون دنياه؟ كل ذلك في إطار من الإثارة حركته جريمة غامضة.
* من أين استقيت شخصيات «الفيل الأزرق».. وهل عنبر «8 غرب» موجود فعلا؟
- عنبر «8 غرب» بالفعل موجود في مستشفى العباسية للصحة النفسية، ووصفه مطابق تماما لما كتبت.. الشخصيات من الألف للياء لا تمت للواقع بصلة، وإن كانت تفاصيلها لها جذور من حيث البناء النفسي أو الهيكل الاجتماعي، وبالطبع بالنسبة للبطل وتفاصيل حرفته كطبيب.
* قلت في أحد اللقاءات إن الواقعية في الأدب هي من أصعب أنواع الكتابة. بعكس «فيرتيغو» و«تراب الماس» تغوص «الفيل الأزرق» في عالم الهلوسات والأحلام والصور السوريالية المتمردة على الواقع. كيف ترى هذه النقلة في مسيرة أحمد مراد الروائية؟
- «الفيل الأزرق» رواية واقعية، لا بوليسية ولا رواية إثارة همَّها من قتل وكيف قتل. كل التابوهات التي تحدثت عنها تحدث في المجتمع العربي يوميا ونعيشها منذ قرون: الحب الحقيقي.. العشق المحرم.. السحر.. المخدرات.. الهلوسات.. أما الصور السوريالية فهي مستمدة مما يراه الإنسان تحت تأثير العقاقير المهلوسة.. فقط هي مكتوبة بطريقة تخدم دراما الرواية وخط سيرها المرسوم رغم خيالها الجامِح.. النقلة بالنسبة لي هي منطقة جديدة أستكشفها وأستمتع بها أولا لكي تمتع القارئ من بعدي.. لغة وتركيب جديد تمنيت أن يثيرا القارئ.
* بعض النقاد اتهموا «الفيل الأزرق» بافتقادها للهم الاجتماعي أو الإنساني، وصنفوها تحت مسمى «الفن للفن»، على عكس «فيرتيغو» التي تناولت ظاهرة الفساد بين رجال الأعمال في مصر. ما تعليقك على ذلك وهل تحمل الرواية هما اجتماعيا معينا؟
- وهل الحب والغفران والعلاقات بين الرجل والمرأة وجنوح المجتمع العربي للسحر والتأثر الشديد به ليست هموما اجتماعية؟ هل الجريمة باسم الحب ليست من صميم الهموم الاجتماعية؟ ظاهرة الفساد في مصر أخذت حقها في روايتين سابقتين لي وهي ليست فقط كل الهموم الحياتية.
* تتجه الرواية في نهايتها إلى عالم السحر والشعوذة بصورة تتعارض مع الدقة العلمية التي نلاحظها في البداية. ما تعليقك على ذلك؟
- لا تعارض بين السِحر والعِلم. هما عالمان موجودان. خطان متوازيان يتقاطعان أحيانًا عبر التاريخ، ومن الصعوبة إلغاء أحدهما على حساب الآخر. الرواية مكتوبة بتكنيك الصدمة، لذلك لم يكن علي أبدا أن أمهّد للقارئ ما سوف يواجهه مع البطل.. التمهيد يفسد المتعة حقا.
* يلاحظ في «الفيل الأزرق» استخدامك ضمير المتكلم بدلا من راو يتلو الأحداث. حدثنا عن هذه التقنية والأثر الذي تتركه على العمل..
- استخدام ضمير المتكلم جاء ليصنع التوحد مع البطل كي لا يسبقه القارئ بخطوة فيعرف ما لم يعرفه البطل بعد، لتحدث المفاجآت الدرامية في توقيتها المناسب.. وهو أسلوب يسمح للقارئ بسماع الصوت الداخلي في رأس البطل مما يعطي بعدا ثالثا للشخصية.. ويسمح أيضا بتشكيك القارئ في الأفكار وإعمال ذهنه مع النص.
* في «الفيل الأزرق» هناك لعبة تصويرية تستند إلى مسح الحدود الفاصلة بين الحلم والواقع، الأمر الذي يترك القارئ في حيرة بصرية. ما هو الأثر الذي تركه أحمد مراد المصور السينمائي على أحمد مراد الروائي؟
- وضع الشك في نفس القارئ كان يستوجب مَسح الحدود بين الحلم والواقع وكسر كل محاولة من القارئ لأن يدرك أين هي الأرض وأين السقف حتى يتوحد تمامًا مع البطل، بالإضافة للصدمات الكلامية التي تصبح أعمق وتحقق مع الوصف البصري تأثيرا يشبه تأثر البطل بالمخدر العجيب. أنا في العادة أرسم الحدث أو المشهد ثم أصور مكانه - إذا وجد - بالكاميرا أو أتخيله رسما قبل أن أضع شخصياتي وأحداث الرواية في قالبه.. أدرس جيدا ما سأكتبه ليلا ثم أكتبه في الصباح الباكر بعد أن أكون ألممت تماما بالتفاصيل.
* هناك حضور مكثف لمفردات باللغة الإنجليزية في العمل. أليس هذا غريبا على رواية في الأدب العربي.. وما قصة «السمايلي فيس»؟
- السمايلي فايس من مفردات الحياة حاليا.. واقع نعيشه من خلال مواقع التواصل الاجتماعية والهواتف المحمولة.. من لا يعرفه كتعبير صامت عن الابتسام؟ اللغة الإنجليزية تتوغل في المجتمع العربي كله لكن لغتنا العربية تهضمه في داخلها باقتدار لتصنع منها كلمات عربية مفهومة ومُعربة.. إنه سحر العربية.
* البعض يشير إلى تأثر أسلوب أحمد مراد السردي بكتاب أميركان مثل دان براون وستيفن كينغ، وبأفلام الجريمة والغموض الهوليودية. أين تضع نفسك في سياق هؤلاء الكتاب، وإلى أي حد يختلف أحمد مراد عنهم؟
- بالطبع هي أسماء كبيرة أحترمها كما أحترم كل من يكتب في الوطن العربي وأقدر تجربته.. لكن استخدام الجريمة كحدث محوري محرك في الكتابة أمر أقدم من كل الأسماء التي ذكرتها.. ألا تعد رواية «اللص والكلاب» للأديب الكبير نجيب محفوظ رواية إثارة رغم الإسقاطات المجتمعية والتشريح الدقيق لنفسيات الأبطال؟ لا أنكر قراءتي لكل ما هو مترجم من الآداب العالمية، وأتفهم استغراب القراء والنقاد من ذلك الأدب الذي ما زلنا لا نتعامل معه بشكل كاف.. لكنني أملك أسلوبي، وبدايات قراءاتي كانت مع رواد الأدب العربي وعلى رأسهم نجيب محفوظ وغيره من العظماء.. أما أين أضع نفسي فللقارئ أن يقرر.
* في «الفيل الأزرق» هناك تفصيل علمي دقيق للأمراض النفسية وأنواع المسكرات لدرجة أن البعض يصفها بموسوعة في المشروبات الروحية. من أين استقيت هذه المعلومات، وهل على الروائي أن يتوخى الدقة العلمية في الكتابة؟
- استقيتها من تجارب الآخرين وحيواتهم المتباينة ومشاعرهم تجاه إدمانهم للجنس وللمخدرات وللخمور. أنا مستمع جيد، وأعرف أنه من الصعب إقناع القارئ الآن بأنني لا أدخن حتى السجائر.. بالطبع على الروائي أن يتوخى الدقة العلمية في الكتابة ما دامت تخدم العمل ومطلوبة دراميا.
* كم من الوقت استغرقت كتابة «الفيل الأزرق»، وما هي المراحل التي مرت بها عملية الكتابة؟
- «الفيل الأزرق» استغرقت نحو عامين بين البحث في الطب النفسي وعلم قراءة لغة الجسد وتعلم البوكر وقراءة تاريخ الجبرتي والمقابلات النفسية بداخل قسم «8 غرب» للحالات الخطرة، وبين الكتابة اليومية.. ثم أخذ التعديل نحو 3 أشهر إضافية.
* هل توقعت وصول «الفيل الأزرق» إلى القائمة القصير للجائزة العالمية للرواية العربي (البوكر)، وهل تعتقد أنها ستقوي من حظوظ أدب الجريمة في مصر والبلاد العربية؟
- لم أتوقع نتيجة البوكر وسعدت بها كثيرا لأنها جائزة مرموقة ومعترف بها عربيا ودوليا ولها فضل كبير في اكتشاف الأعمال الجيدة. مع اعتراضي على كلمة أدب الجريمة كتصنيف لـ«الفيل الأزرق»، البوكر تقوي من فرص الكتابة الأدبية وتصنع حالة كاملة من الشغف بالقراءة والكتابة والتجويد طوال العام.
* إلام تعزو ارتفاع مقروئية أدب أحمد مراد؟
- إلى ذائقة القارئ التي أرادت الغوص في العوالم الغريبة بأسلوب يمسها، أسلوب تفهم لغته وتتفاعل معها.. ومحاولتي المضنية في تقديم ما هو قريب من هموم القارئ وأفكاره التي لا يناقشها مع نفسه أحيانا.



هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري
TT

هل توجد حياة في هوليوود؟

لورين روثري
لورين روثري

تستعرض رواية «تلفزيون» للكاتبة لورين روثري قصة نجم أفلام حركة واثنين من الكتاب، وهم في حالة من الذهول جراء القواعد المتغيرة لصناعة الترفيه.

من الإجحاف حقاً تشبيه الكاتبة الشابة لورين روثري بـ«جوان ديديون»، كما فعلت بعض المواد الدعائية؛ (وعلاوة على ذلك، إذا تم تشبيه شخص آخر بـ«ديديون» في هذا العِقد، فسأرتدي زي «بيغ بيرد» وأركض صارخاً وسط الزحام المروري على الطريق السريع 101).

تدور أحداث الرواية الأولى لروذري، «تلفزيون»، بصفة أساسية في لوس أنجليس، وهي مثل رواية «العبها كما هي» لديديون، التي تُعنى بصناعة السينما والتلفزيون، وتسرد تفاصيل انهيار من نوع ما، خصوصاً وأن المؤلفة امرأة... فهل هذا كل ما يتطلبه الأمر للمقارنة بين الروايتين؟

في الواقع، تشترك الروايتان في سوء الاستخدام الشائع والمزعج لبعض الأفعال، وتصريفاتها في اللغة الإنجليزية؛ في عبارات مثل «استلقيتُ على الأريكة»، و«بقيت مستلقية هناك بجانب النار»، و«بسطتُ منشفتي على الرمال، وخلعتُ قميصي، واستلقيتُ ونمتُ حتى الساعة 10:33»، كلها اقتباسات من رواية «تلفزيون».

تكتب إحدى الشخصيات في رسالة لن ترسلها أبداً: «لا أعرف كم بقينا مستلقين (أو مضطجعين؟) هناك»، وهي تشعر بالخطأ اللغوي لكنها تعجز عن تصويبه.

بعيداً عن هذه الهفوة النحوية، فإن كتاب روثري فُكاهي، ويدعو للتفكير، وله أسلوب خاص تماماً؛ (وإن كان ثمة تشبيه، فربما تلمح فيها نفحة من رواية «نقود» لمارتن آميس)، إذ تزخر الرواية بإشارات عابرة لشخصيات غابت عن سماء الثقافة - كيم ستانلي! تاناكيل لو كليرك! غوركي! - وتومض بتعليقات حزينة، وإن كانت غير مترابطة تماماً، حول عادات الاستهلاك المتغيرة والمجزأة بشكل متزايد، واقتصاد الترفيه الغريب في عشرينات القرن الحالي.

تتنقل رواية «تلفزيون» بين المونولوغات الداخلية لثلاث شخصيات، تماماً مثل القنوات التلفزيونية؛ حيث تبدو الشخصيتان الأوليان أكثر إقناعاً من الثالثة.

يُكتَشف «فيريتي» بعد صفحات قليلة - للتأكد فقط - أنه ممثل ذكر؛ نجم سينمائي وسيم يمتلك «فكاً يشبه فك هاردي كروغر»، وولعاً بـ«الشمبانيا» التي ينطقها صديقه البلجيكي بلكنة تشبه اسم «شون بن». وهو، في الخمسين من عمره، يعيش أزمة منتصف عمر متفاقمة، حيث نراه في أول ظهور له وهو يترنح مخموراً على متن طائرة. إنه يملك سيارة «ألفا روميو» طراز 1965، وثمانية منازل، وكدليل على الرفاهية المطلقة، يأنف استخدام الهواتف الذكية التي يسميها بتكبر «المستطيلات». وشرع المنتجون بالفعل في استخدام الذكاء الاصطناعي لتصغير سنه رقمياً، بينما يستسلم هو بنوع من الغثيان لمغريات إقامة علاقات مع نساء أصغر منه بكثير.

وبينما يؤدي دور مخلوق خارق أخضر اللون في الجزء الخامس من سلسلة أفلام «الأكشن»، يبدي «فيريتي» دهشته لمجلة «جي كيو» من تقاضيه 80 مليون دولار، ليقرر لاحقاً منح هذا المبلغ لأحد مشتري التذاكر عبر قرعة، وكأنه نسخة حديثة لعصرنا من «ويلي ونكا». وهذا هو أقصى ما يمكن أن تصل إليه حبكة رواية «تلفزيون».

أما الشخصية الثانية فهي «هيلين»، كاتبة مسرحية مكافحة في أواخر الأربعينيات من عمرها، التقت بـ«فيريتي» في مطعم صغير متوقف عن العمل الآن (لا يوجد ما هو أكثر تعبيراً عن أجواء لوس أنجليس من مطعم متوقف عن العمل). تربطهما صداقة خاصة، رقيقة، يسودها حب التملك وأحياناً تلميحات جنسية، لكنها ترفض الانتقال بالعلاقة إلى مستوى أعمق، معلنة أن «ديناميكية المتزوجين لا تثير اهتمامي إلا في أفلام بيرغمان» (إنغمار). و«هيلين» صاحبة شخصية اجتماعية وشكاكة، تكتسب صداقات تدوم لأربع ساعات فقط في الحفلات، وتدرك أن الجمهور المعاصر - إن أمكن وصفه ككتلة واحدة - محاصر في حلقة مفرغة من برامج الواقع ومقاطع الفيديو القصيرة.

وبعد بلوغ ربع الرواية، نلتقي بالشابة «فيبي»، وهي كاتبة سيناريو مجتهدة، توفي جَدّاها بفارق يومين فقط في جنوب غرب فرنسا بعد زواج دام أكثر من 50 عاماً. تسافر «فيبي» إلى فرنسا لطي صفحة هذه الحياة المشتركة، آملة في العثور على نوع من الإلهام النقي الذي يستحيل تحقيقه في هوليوود، إذ تشتت ذهنها بتعاطي المخدرات الترفيهية والقلق من الشيخوخة، تعترف قائلة: «عندما كنت أشاهد فيلماً، كنت أوقف العرض عند اللقطات القريبة للممثلات، لأقارن الخطوط حول أعينهن بالخطوط حول عيني».

تَبدو مسودات كتابة السيناريو الفاشلة التي وضعتها «فيبي» - المعروضة هنا كمحاكاة لحالة العجز الناجمة عن هيمنة الخوارزميات - وكأنها نوع من الحشو الفارغ؛ إذ تكتب بأسلوب يشبه نسخة من «تشارلي كوفمان» في فيلم «التكيف»: «هذا المقطع (لفظ بذيء). عودي إليه عندما تصبحين كاتبة أفضل». ولاحقاً: «هذا المقطع (لفظ بذيء). أعيدي النظر في مسارك المهني». وسيتطلب الأمر بعض الجهد لاستكشاف كيفية اندماج «فيبي» في ديناميكية العلاقة بين «فيريتي» و«هيلين».

تنجح الكاتبة روثري في تصوير التفاصيل الغريبة لمدينة لوس أنجليس ببراعة فائقة؛ بدءاً من رائحة حمام السباحة، وصولاً إلى المشهد المسرحي الغامر لمحطة غسيل السيارات، والسباكة الحساسة ذات الرائحة الكبريتية في إحدى الشقق المنمقة؛ لدرجة أن الرحلة إلى فرنسا تبدو وكأنها انتقال مفاجئ لمشاهدة قناة ثقافية عامة مثل «PBS».

لا تقع الكثير من الحوادث في رواية «تلفزيون»، لكنها تزخر بالاستبصار والتعبير والنقاش. وفي عالم حلت فيه الموسيقى التصويرية محل الحوار المستمر، وحصدت فيه الحماقة المطلقة ملايين المشاهدات، يحافظ هذا الكتاب على إيقاع المحادثات الذكية والمعرفة العفوية. إنها رواية ساحرة ومثيرة للاهتمام، تعطي شعوراً بأنها لا تزال قيد التطور؛ إذ لا تقدم حلولاً نهائية بقدر ما تحمل الكثير من الوعود.

* خدمة: «نيويورك تايمز»

وألكساندرا جاكوبس هي ناقدة كتب وكاتبة مقالات من حين لآخر في الصحيفة


المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»
TT

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

المغربي مخلص الصغير يرثي «الأرض الحمراء»

عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر» ببيروت، صدر للشاعر المغربي مخلص الصغير ديوان «الأرض الحمراء»، في 174 صفحة من القطع المتوسط. ويأتي هذا الديوان بعد صدور ديوان «الأرض الموبوءة»، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر».

ويأتي صدور هذا الديوان، كما يقول الناشر، «ضمن مشروع شعري حول الأرض، يتتبع مصيرها الراهن وهي تدور على صفيح ساخن، مشتبكاً مع مختلف الصراعات والمعارك والتوترات الكبرى التي تعصف بها. وبينما تفاعل الديوان الأول مع الأوبئة المتفشية والجوائح والأزمات التي حلت بالأرض في السنوات الأخيرة، ركز الديوان الجديد (الأرض الحمراء) على ما ألمّ بتلك الأرض الموبوءة من عقاب جماعي، جرّاء الحروب وويلاتها وشدائدها».

ويتوزع المكان في قصائد الديوان ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا، وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

قصائد الديوان تترحّلُ بنا ما بين المغرب ومنطقة الأندلس وتونس ومصر والعراق والأردن، وعلى ضفاف بحيرة طبريا؛ حيث يصبح السّفر والمشي أول كتابة يخطّها الشاعر وهو يمضي على الأرض. وهي أرض حمراء تنزف دماً، مثلما يقول الشاعر: «هذه الأرضُ حَتْما تدور لتطحنَنَا/ ليسَ في الأرض من ثِقَة. تَنزفُ الأرضُ يسألُنَا دَمُها/ والدِّماءُ كلامٌ بلا لُغة. هذه الأرضُ مسرحُ كلّ جرائمنا/ شَكْلُهَا شَكْلُ مِقْصَلة»، وهي الصورة التي تتماهى مع غلاف الديوان، وهو يضم عملاً فنياً معاصراً للتشكيلي الروسي غريغوري أوريكوف، الذي ينتمي إلى الموجة الجديدة من تيار «فن الأرض». إنها الأرض الدّامية، حيث «كل الأشياء/ حمراء/ يا إلهي/ كل الأشياء/ لون الأرض، لون الورد، لون السماء»، كما نقرأ في القصيدة التي تحمل عنوان الدّيوان «الأرض الحمراء».

ونقرأ في قصيدة «الفلسطينية» قول الشاعر: «هذه الحربُ/ تذبحُ الجميعَ/ من الوريد إلى الوريدْ/ هذه الحربُ/ تَطْمرُ الأطفالَ في الأرضِ/ لكنّهم ينبتون من جديدْ... خُذُوا حداثتكمْ/ والحربَ/ وانصرفوا/ فإنّني كائنٌ/ لا شكَّ مختلفُ».

وهكذا يهيمن معجم الحرب على أحداث الديوان، حين تتحوّل الحياة إلى «حدث حمراء» بعبارة المتنبي، الذي كتب عنه الصّغير قصيدة ضمن هذا الديوان بعنوان «في شارع المتنبي»، وهي القصيدة التي كُتِبَتْ تحت ظلال وتمثال منشد الدَهر في شارع المتنبي ببغداد.

يضم الديوان عشرين قصيدة، زاوج فيها الشاعر بين قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر.


اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان
TT

اقرأ كي تعيش


لوسي مانغان
لوسي مانغان

نحن جميعاً نقرأ وإن تفاوتت درجات إقبالنا على القراءة ونوعية قراءاتنا. نقرأ إن لم يكن لمتعة القراءة في ذاتها فلأنها ضرورية في حياتنا اليومية من أجل قضاء مصالحنا الحيوية والاضطلاع بوظائفنا والضرب في مسالك العيش. لكن ما الأثر الذي تخلفه الكتب في حياتنا ووعينا وسلوكنا؟

سؤال يطرحه كتاب صادر في عام 2025 عن دار «سكوير بيج» للنشر في بريطانيا عنوانه: «عاشقة للكتب: كيف تشكّل القراءة حياتنا» Bookish: How Reading Shapes our Lives من تأليف لوسي مانغان Lucy Mangan، وهي ناقدة وصحافية بريطانية عشقت القراءة منذ الصغر حتى إن مكتبتها الخاصة تضم عشرة آلاف كتاب. والكتاب مهدَّى إلى أبيها الذي شجعها على القراءة. وقد سبق لها أن أصدرت كتاباً عنوانه «دودة كتب: مذكرات طفولة»، وفيه تسجل سنوات شرائها واستعاراتها واقتنائها للكتب. كما أنها تكتب نقداً تلفزيونياً لصحيفة «ذا غارديان» وتعيش حالياً مع زوجها وولدها وقطتين ما بين مدينة لندن ومقاطعة نورفولك في شرق إنجلترا.

وجوهر الكتاب هو رسالة حب إلى الكتب: «محبة للكتب ولدت، ومحبة للكتب سأموت» فهي لا تشعر بالسعادة قدر ما تشعر بها في مكتبة عامة أو متجر لبيع الكتب. ومنذ مرحلة المراهقة حتى اليوم (تبلغ الآن خمسين عاماً) وهي تراوح في مطالعاتها بين روايات تصور الحياة اليومية (كروايات الشقيقات برونتي «مرتفعات وذرنج» و«جين آير»)، ويوتوبيات كابوسية (مثل رواية ألدوس هكسلي «عالم جديد جميل»)، وأصوات نسوية (مثل كتاب فرجينيا وولف «غرفة خاصة»)، وسير وتراجم، وقصص بوليسية، وكلاسيات دخلت التراث العالمي. وعندها أن هذه الكتب – على اختلاف أنواعها - تبتعث لحظات محورية في الحياة، وتجلب لنا المتعة والعزاء في مختلف أطوار عمرنا. إنها من الثوابت في حياتنا الملأى بالمتغيرات. وأكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر: فهي تظل ساكنة قريرة على أرفف المكتبات مهما طال الزمن تنتظر أن تمتد أيدينا إليها وتنتظر إلى أن نعيد قراءتها، أي عدد من المرات.

أكبر فضيلة تتحلى بها الكتب هي الصبر فهي تظل ساكنة على أرفف المكتبات تنتظر أن تمتد أيدينا إليها

التحقت لوسي مانغان بجامعة كمبردج، حيث درست روائع الأدب الإنجليزي عبر القرون. وكانت المقررات ضخمة: قصيدة «الملكة الحورية» للشاعر الإليزابيثي إدموند سبنسر وهي مؤلفة من 36 ألف بيت، «أركاديا أو كونتيسة بمبروك» للسير فيليب سيدني وهي رومانسية رعوية في 422 صفحة، قصائد من الشعر الرومانسي والميتافيزيقي (أحبت بوجه خاص قصائد الشاعر الميتافيزيقي جورج هربرت من القرن السابع عشر)، ورواية «كلاريسا» لصمويل رتشاردسن، وهى أطول رواية في اللغة الإنجليزية تتألف من قرابة مليون كلمة. ومن الروايات والقصائد والمسرحيات انتقلت إلى قراءة كتب النقد الأدبي: «أصول النقد الأدبي» (أ. أ. رتشاردز) «سبعة أنماط من الإبهام» لوليم إمبسون، «نظرية الأدب» لتيري إيغلتون.

وفى عامها الدراسي الأول حين بدأت تدرس شكسبير ذهبت إلى مسقط رأسه، قرية ستراتفورد على نهر إيفون، حيث شاهدت عرضاً لمسرحيته «كوريو لانوس» المستوحاة من التاريخ الروماني. وتعرفت على أساطير الملك آرثر وفرسان المائدة المستديرة من خلال كتاب توماس مالوري «موت آرثر»، وعلى أدب العصور الوسطى من قصيدة «سير جاوين والفارس الأخضر» مجهولة المؤلف. وتقول: «لقد ظللت دائماً أقرأ من أجل المتعة وليس لكي أنال إعجاب الآخرين أو أتابع أحدث الصيحات».

وحين بلغت لوسي مانغان سن الثلاثين التقت مَن غدا زوجها – كرستوفر مانجان- وكان يشاركها حب القراءة. وحين أصبحت أماً صارت تقرأ لطفلها بصوت عالٍ قبل النوم، وتشتري له كتب الأطفال المحلاة بالصور الملونة والرسوم.

وقد كانت فترة جائحة «كوفيد» بركة على الأدب؛ إذ اضطر الناس إلى الاحتباس في بيوتهم فارتفعت مبيعات الروايات والقصص بنسبة 16 في المائة في عام 2020، وكذلك الكتب الصوتية بنسبة الثلث أو أكثر رغم أن المحال التي كانت تبيعها اضطرت إلى إغلاق أبوابها. وزادت مبيعات رواية ألبير كامي «الطاعون». تقول المؤلفة: «إن القراءة قد تبدو وكأنها أكثر الأنشطة التي يمكنك القيام بها عزلة»، ولكنك في الواقع تستطيع أن تكون على تواصل مع حشد من الناس: مع الأدباء والمفكرين والفنانين. وساعدتها قصص الإثارة والتشويق والروايات البوليسية على تجاوز فترة «كوفيد»، وكذلك أفلام «شفرة دافنشي» و«صمت الحملان». على أنها لم تقرأ أجاثا كريستي قط، ونفرت من أعمالها حين شاهدتها على شاشة التلفزيون.

وخلاصة ما تقوله لوسي مانغان، إن القراءة ضرورية من أجل نمونا الداخلي وتوسيع رقعة خبراتنا وذلك بمشاركة الآخرين تجاربهم سارَّة كانت أو أليمة، أو على حد قولها: «لو أننا توقفنا عن تخيل أنفسنا في وضع الآخرين، ولو توقفنا عن النظر إلى مواقفهم وعلاقاتهم وردود أفعالهم واختياراتهم وأخلاقهم، ولو توقفنا عن أن نسأل أنفسنا: (ماذا لو؟) لقطعنا بذلك نمونا الداخلي». وتلخص موقفها في عبارة توردها من الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير القائل: «اقرأ كي تعيش».