رواية تتعقب حكايا الإخوان المسلمين الفارين إلى تركيا

«اتجاه المرج»... لعبة لإعادة بناء الضمائر المفككة

ساحة «تقسيم» في إسطنبول حيث تجري بعض فصول الرواية  -  غلاف الرواية
ساحة «تقسيم» في إسطنبول حيث تجري بعض فصول الرواية - غلاف الرواية
TT

رواية تتعقب حكايا الإخوان المسلمين الفارين إلى تركيا

ساحة «تقسيم» في إسطنبول حيث تجري بعض فصول الرواية  -  غلاف الرواية
ساحة «تقسيم» في إسطنبول حيث تجري بعض فصول الرواية - غلاف الرواية

صراع شيق بين نمطين من الوعي الإنساني، يطرحه الكاتب الشاب علي سيد علي في روايته «اتجاه المرج» الصادرة حديثًا عن دار «روافد» بالقاهرة. في النمط الأول، ويتميز بطابع مهني، يفشل الكاتب نفسه، بطل الرواية، في إنجاز مهمة صحافية، سافَرَ تحت مظلتها إلى تركيا لإجراء حوارات وتقصي أحوال عدد من كوادر جماعة الإخوان المسلمين الذين فروا إلى تركيا واتخذوا منها ملاذًا، عقب الإطاحة بهم من سدة حكم البلاد، وعلى هامش الزيارة نفسها التقى شقيقه المقيم هناك.
ورغم أن الكاتب يعمل صحافيًا، فإنه لا ينحاز لهذا النمط، ويرى أن القصة الحقيقية التي يسعى إليها أبعد من إطار تقرير أو تحقيق صحافي، وأنه ككاتب أصبح يمل من لعبة الضمائر المفككة، وكتابة بلا روح، محصورة في نطاق أسئلة وأجوبة، قد تكون مكرورة ومعادة، بل عديمة الصدق والواقعية. على عكس النمط الثاني، الذي نستشفه في طوايا الرواية، حيث ينتصر الكاتب لطموحه ككاتب مبدع، يريد أن يترك شيئًا يبقى، سواء في فضاء الرواية والقصة والشعر.
تستغرق الرحلة سبعة أيام، بينما يدور زمن الرواية كله على مدار يوم واحد، وتحديدًا من الصباح، لحظة خروج البطل من بيته للذهاب مستقلاً المترو من محطة المرج بضواحي القاهرة، إلى مكتب استشارات قانونية بوسط البلد، حيث يخضع لتحقيق قانوني معه، بعد اتهامه بالتقصير في إنجاز مهمته الصحافية، ثم عودته مساء إلى بيته.
يفاجأ الراوي السارد، بأن رئيس التحرير الجديد أمر بتجميد التحقيق معه وإعطائه فرصة أخيرة لينجر مهمته الصحافية، فيقوم من خلال يقظة الذاكرة والحواس، باستعادة شريط الرحلة، مستعينًا ببعض الصور ومقاطع الفيديو، التي سجلها لبشر عاديين بينهم مغنون وباعة جائلون، وأيضًا وقائع زيارته لبعض المعالم التركية، خصوصًا منزل الكاتب، عزيز نيسين، ومتحف الشاعر ناظم حكمت.
وعلى مدار الرواية، يتحول وعي البطل كصحافي إلى زمن طارد، يقيد طموحه ككاتب ومبدع، بل بحاصره دائمًا، تحت وطأة لقمة العيش وضروريات الحياة، فما فشل فيه هناك، هل يمكن أن يستعيده كواقع حي هنا، وهل تصلح هذه الحزمة المبعثرة من الوقائع والذكريات والمواقف واللقطات المصورة، في تقريب الصورة، أو رسمها بطريقة ما، مشكلة ما يشبه الفضاء البديل لعلاقة الأنا الساردة بالآخر المركزي في المهمة الذي أخفق في الوصول إليه. تحت هذه القشرة، من رجاء مخاتل، تتململ انفعالات ورؤى الكاتب بموضوعه مدركًا، في الوقت نفسه، أن لكن مركزية هذا الآخر (هناك) عارضة ومؤقتة وطاردة في الوقت نفسه، فحقائق الجغرافية والتاريخ تقول إنه فر من الرحم الأم (هنا)، من الواقع المصري، بعد أن عاث فيه خرابًا وإفسادًا، وهو ما يمنح إمكانية استعادته سرديًا نوعًا من المصداقية، تبدو ميسورة المنال، خصوصا لعين مدربة على التقاط ما وراء الأشياء، وردم فجوات المهمش، والغامض، في زواياها، وتعي بخبرة الكتابة كيف يصبح الخيال أحيانًا أكثر واقعية من الواقع نفسه.
تصور الرواية مناخ هذا الصراع الخفي على لسان بطلها، فيروي قائلاً: «أستمرُّ في النقر ببطء إلى أن تظهر أول صورة التقطها في إسطنبول، لاثنين من موسيقيي الشوارع، في شارع الاستقلال المواجه لميدان تقسيم، أحدهما يمسك غيتارًا، والآخر آلة إيقاعية، تشبه الصندوق، يضرب عليها بأصابعه، تعيدني الصورة إلى أجواء الشوارع الصاخبة بالموسيقى والرقص، فكأني أسمع صوت العزف من آلات مختلفة بعيدة، وأمتزج مع الطنطنة العالية، المحببة للأذن، والخفيفة على النفس، وألوم نفسي عن تجاهلي كتابة موضوع عن شارع الاستقلال وموسيقى الشوارع وأراه أهم من قضية الإخوان برمتها».
في غبار هذين الوعيين المتراوحين سياسيًا واجتماعيًا وثقافيًا، وبضمير أنا المتكلم المفرد، تمضي الرواية في شكل «ريبورتاج» مطول، تتقاطع في خيوطه عادات، ومواقف ورؤى، وخبرات متنوعة لشخوص مقربين من الكاتب نفسه، وملامح بشر مهمشين، تلقي بهم المصادفة الرخوة في فواصل وتقاطعات السرد، فيبدو المشهد كله وكأنه مرثية، لزمن الرحلة والرواية معًا.
إنه حصاد رحلة هزيل وهش، ليس فيه شيء فارق واستثنائي، خلاصته مجموعة من الصور والمشاهد والزيارات العابرة معلقة فوق سطح الكومبيوتر، كل ما يرجوه الكاتب أن تصلح لسد فجوة مأزقه المهني، وفي مقابل ذلك ترصد الرواية، وفي إيقاع خاطف، مشهد حياة يومية فوارة بمواصلة العيش، والتشبث بالوجود رغم مفارقات الواقع وضغوطه الاجتماعية القاسية.
وسط كل هذا يولي الكاتب اهتمامًا لافتًا بالتفاصيل الصغيرة، المستترة في تقاطعات الأشياء، محولاً اللعب على وترها إلى مقوم سردي، يقوم بوظيفة شفيفة لتوثيق المشهد، والتعبير عنه دراميًا من زوايا كثيرة، ومباغتة أحيانًا. وهو ما يدفع المشهد بكل تقاطعاته وتجاوراته إلى صدارة البطولة في الرواية. إنه مشهد ساخر، لا يكف عن إثارة التأمل والتساؤل يعيشه الكاتب السارد، في عبله الواقعي الخام: في المقهى الشعبي، في عربة المترو، في «الباص»، في مناوشات أصدقائه في العمل، ومفارقات تحقيق مهني هزلي أجرته معه فتاة لعوب في مكتب استشارات قانونية، بدا أنها تتعاطف مع جماعة «الإخوان»، وأيضًا في مشاكسات طفليه وأسرته الصغيرة، وهواجس أمه التي لا تكف عن مطاردته هاتفيًا للاطمئنان عليه وشقيقه المقيم في تركيا.
ويسهم الحكي بضمير المتكلم، في التقريب ما بين الأشياء، ولملمة صخب هذا المشهد، الضارب في اتجاهات وأبعاد إنسانية ومعرفية شتى، فيبدو السرد حميميًا، ينمو ويتناسل بشكل طبيعي، ويشف ضمير المتكلم عن مهمته الأبعد، وهي كسر المسافة بين شخصية السارد (الكاتب) والمسرود عنه، وتعريتها بتلقائية، ليصبح التوغل في الأعماق دربًا من دروب البداهة، واللعب المغوي.
ويعمد الكاتب إلى دمج الفصحى بالعامية أحيانًا، لإضفاء الطزاجة على فضاء السرد، مما يساعد في تنمية النص دراميًا، وفي الوقت نفسه، نعيش حكاية، ونلمس تداعياتها في نمط حياتنا يوميًا، ونتأثر بها إلى حد الفرح والحزن معًا، من دون تمويه وتضليل، كثيرًا ما يصادفنا في نصوص روائية، تختلط فيها ضمائر الحكي، بشكل مربك، وكأننا إزاء مزق من الحكايات، بلا مبرر فني معقول. على عكس ضمير المتكلم الذي يوفر نوعًا من الحماية الفنية للذات الساردة، ويجعلها تلتصق بموضوعها بعفوية، فنراه من مرآته الخارجية والداخلية معًا. وهو ما يجعل الحكاية مفتوحة بحيوية على تخوم البدايات والنهايات؛ فمثلما بدأت الرواية بمشهد وقوف البطل أمام المرآة قائلا: «أقف أمام المرآة، ألقي نظرة أخيرة على نفسي قبل الخروج ومواجهة العالم»، تنتهي بالمشهد نفسه، حين يعود البطل إلى بيته، ولا ندري، مثقلاً بأعباء يوم مليء بالمفارقات، لنفهم مغزي إهداء الرواية لـ«المساجين»، ممهورًا بومضة من شعر والت ويتمان تقول: «إني الآن في السابعة والثلاثين، موفور العافية أبدأ، آملا ألا أنتهي حتى الممات». وهو ما يعني ضمنيًا أن صراع البطل مع العالم، سيظل دائمًا حول الخوف من أن يتحول العالم إلى سجن للرواية والكاتب معًا، وهو سؤال هوية ووجود، يتناثر في نسيج الرواية، مشكلاً الزمن الهارب، من وعي الكاتب والواقع معًا.



لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس
TT

لماذا نحتاج إلى الضحك؟

دفيد فونيكينوس
دفيد فونيكينوس

خصّص برنامج «المكتبة الكبرى» (La Grande Librairie) على قناة «فرنس 5» حلقتَه الأسبوعية لسؤال يبدو في ظاهره خفيفاً، لكنه يمسّ في حقيقته أعمق ما يطرحه الوجود الإنساني من تساؤلات: لماذا نحتاج إلى الضحك؟ هذا السؤال الذي شغل الفلاسفة والأدباء منذ أرسطو إلى يومنا هذا عاد ليطفو بقوة على السطح الثقافي في هذه المرحلة تحديداً، وكأن الزمن يُلحّ عليه من جديد، حيث لم يعد الضحك من الذات والعالم ترفاً ثقافياً، بل بات شكلاً من أشكال المقاومة الصامتة في عصر القلق الجماعي والأزمات السياسية والاجتماعية.

رابليه

استقبل المقدّم أوغوستان ترابنار في برنامج «المكتبة الكبرى» نخبةً من الكتّاب والروائيين، وعلى رأسهم ديفيد فونيكينوس الحاصل على جائزة «رونودو»، الذي قدّم روايته الجديدة «أنا مضحك» (Je suis drôle)، (دار غاليمار). وأول ما لفت الانتباه هو شعار الإهداء الذي اختاره الكاتب وهي مقولة صموئيل بيكيت: «لا شيء أكثر إضحاكاً من الشقاء». هذه الجملة، على وجازتها، تلخّص فلسفة كاملة في الضحك: إنه ليس نقيض الألم، بل هو أحياناً وجهه الآخر، وقناعه القابل للارتداء. وقد أكد فونيكينوس في حواراته حول الرواية أن للضحك اليوم «قيمة تشبه الملاذ، لا غنى عنها»، وأن العصر الذي نعيشه، بكثافته وتوتراته، يجعل الفكاهة «أقصر الطرق لخلق المشاعر ولتوثيق الروابط بين البشر».

غير أن هذا السؤال لم ينتظر فونيكينوس ليُطرح. فقد تأمله رابليه في القرن السادس عشر حين صاغ عبارته الخالدة في مقدمة «غارغانتوا»: «الضحك خاصية الإنسان»، معلناً بذلك ثورة جمالية ومعرفية تجاوزت حدود الفكاهة لتمسّ صميم التعريف الإنساني، ولم يكن رابليه يقرّر ظاهرةً بيولوجية، بل كان يُعلن موقفاً فلسفياً وهي أن قدرة الإنسان على الضحك تفصله عن الحيوان، وهي الدليل على حريته في مواجهة الضرورة. في رواية «غارغانتوا» لا يضحك الملك العملاق غارغانتوا لمجرد التسلية، بل يكشف بسخريته الشعبية الصاخبة التناقضات الاجتماعية والفلسفية لعصره. ولهذا عدّ ميلان كونديرا الروائي الفرنسي التشيكي المعروف أن تاريخ الرواية الأوروبية بأسره قد بدأ مع ضحك رابليه، عادّاً بأنه «لحظة استثنائية في ميلاد فن جديد». أما جورج برنارد شو، الكاتب الآيرلندي المعروف فقد جعل من السخرية سلاحه الأدبي الأبرز، حيث استخدمهما لفضح المجتمع البرجوازي ومؤسساته. في مسرحيته «بيجماليون»، يستخدم السخرية ليبين كيف تُصنع الفردية والقيمة الإنسانية من قبل المجتمع، فالبروفسور هيغينز يحول الفتاة الفقيرة إلى «سيدة» ليس بسبب مواهبها الخاصة، بل بأدوات المجتمع وقيمه المصطنعة، والضحك هنا يكشف النفاق الاجتماعي وأثره. أما في «السلاح والرجل»، فيستخدم الفكاهة الحادة ليناقش موضوع الخير والشر، من خلال قصّة مصنع السلاح الذي يصبح أكثر فاعلية في مكافحة الفقر من جميع المؤسسات الخيرية، وهنا تصبح السخرية أداة لتشخيص مرض الحضارة المعاصرة. هذه الرؤية تحمل تناقضها الداخلي: الضحك يحرر لكنه يقيد، يجدد لكنه يلزم بالمعيار. وقبل برنارد شو، كان بودلير قد تناول في مقالة نقدية بالغة الأهمية بعنوان «جوهر الضحك»، (Essence du rire) أنواع الضحك التي يراها إما: «كوميديا معنوية» أخلاقية تنقد المجتمع، وإما «كوميديا مطلقة» تتخطى المعيار الأخلاقي لتكشف تناقضات الوجود بعيداً عن أي مصلحة في الإصلاح. وهذا التمييز البودليري يُضيء لنا سرّ الكتّاب الذين يضحكون دون أن يسعوا إلى إضحاك أحد: إنهم يستخدمون الكوميديا المطلقة لتشريح العالم لا لتجميله.

جورج برناردشو

وفي التراث العربي، خطّ المتنبي عبارته التي تختزل الأدب الساخر برمّته في بيته الشهير: «وكم ذا بمصر من المضحكات... ولكنه ضحك كالبكاء» فالضحك العربي، في أعمق تجلياته الأدبية، لم يكن يوماً ضحك الراضي ولا ضحك المنتصر، بل كان في الغالب ضحك المجروح الذي وجد في السخرية طريقه الوحيد للتعبير عن وجعه دون أن ينكسر. وقد أدرك الجاحظ، الذي يعدّه كثير من النقاد مؤسسَ الأدب الساخر في العربية، هذه الحقيقة حين صاغ «البخلاء»، ذلك العمل الذي يبدو في سطحه سرداً فكاهياً لحياة البخلاء ونفسياتهم، لكنه في جوهره تشريح اجتماعي دقيق للنفس الإنسانية في مواجهة المال والجشع والوهم. كما وظّف نجيب محفوظ الفكاهة الاجتماعية في أعماله بوصفها عدسةً كاشفة للفوارق الاجتماعية والطبقية في المجتمع المصري، حتى إن السخرية في «ميرامار» أو «اللص والكلاب» تبلغ أحياناً حدّ المأساة، وتُذكّرنا بأن الحدّ الفاصل بين الكوميديا والتراجيديا في الأدب الكبير في أوقات كثيرة ما يكون وهمياً.

بودلير

والواقع أن الكاتب الذي يلجأ إلى الضحك لا يفعل ذلك لأنه فوق الجرح أو بمنأى عنه. بل إنه في أحيان كثيرة يلجأ إليه لأنه غارق في الجرح إلى الحدّ الذي لا يرى معه مخرجاً سوى تحويل الوجع إلى لغة قابلة للتداول. وهذا ما لاحظه فونيكينوس حين قال في حواره مع برنامج «المكتبة الكبرى»: «كثيراً ما يربط الظرفاء بين طفولتهم القاسية والرغبة في إضحاك الآخرين. وكأن الضحك هو وسيلة لشفاء الأحزان وملء غياب ما...». فبطل رواية فونيكينوس طفل يتيمٌ في الخامسة من عمره، يكتشف أن الضحك هو الطريق الأقصر إلى المحبة وإلى الاعتراف، لكنه يكتشف أيضاً، بعد سنوات من المحاولة، أن الضحك حين يصبح مهنةً وهويةً يتحوّل إلى فخّ يلتصق بصاحبه كالقناع بالوجه، يستحيل خلعه. وهذه الصورة ليست اختراعاً روائياً خالصاً، فتاريخ الكوميديا الكبرى مليء بالكتّاب الذين عاشوا هذا التناقض بأجسادهم: من موليير الذي كتب «المريض بالوهم» وهو يحتضر فعلاً على الخشبة، إلى تشيخوف الذي تناول الأوضاع الاجتماعية بالسخرية في قصصه القصيرة، وصولاً إلى بيكيت الذي قرّر في مسرحياته أن الشقاء نفسه هو المادة الكوميدية الأكثر خصوبة، فأبطال مسرحيته الشهيرة «في انتظار غودو» يضحكون لأنهم لا يجدون ما يفعلونه، ويضحكون لأن الضحك أهوَن على النفس من الاعتراف بأن الانتظار لن ينتهي.

العصر الذي نعيشه وتوتراته يجعل الفكاهة أقصر الطرق لتوثيق الروابط بين البشر

فونيكينوس

وما يُلاحظه المتابعون لصناعة الأدب في السنوات الأخيرة هو ارتفاع حادّ في الأعمال التي تتخذ من الفكاهة والتهكم أدواتٍ رئيسية، في مرحلة يصفها كثيرون بأنها من أشدّ مراحل القلق الجماعي وتراجع الثقة بالمستقبل. وهذا ليس مصادفةً؛ إذ أشار الفيلسوف الأميركي سايمون كريتشلي في كتابه «حول الفكاهة» (On Humour) إلى أن الفكاهة الحقيقية تنطوي دائماً على اعتراف بالهشاشة، وأنها تُنشئ مسافةً بين الذات والواقع، لكي تجعل الواقع قابلاً للاحتمال دون إلغائه. بيد أن الأدب، بخلاف الفكاهة الرقمية الآنية التي تملأ منصات التواصل الاجتماعي بنكاتها السريعة، لا يكتفي بهذه المسافة الوقائية. إنه يسأل عن التكلفة، وعن الثمن، وعما يُخفيه الضحك وما يُفصح عنه في الآن ذاته. ولهذا تبقى الكتابة الساخرة أقرب إلى التشخيص منها إلى الترفيه: إنها لا تُلطّف الجرح بل تُضيئه.


«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب
TT

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

«المسافة صفر»... قصص تندد بالحروب

تتخذ مجموعة «المسافة صفر»، للقاص والروائي المصري محمد رفيع من آثار الحروب موضوعاً لها، ليس فقط الحرب الأخيرة في غزة، رغم حضورها بقوة بدءاً من عنوان المجموعة الذي يحيل إليها بجلاء، وكذا تبرز هذه الحرب في بعض القصص، لكن الأهم على مدار معظم النصوص هو الحرب بوصفها فكرة، ومن ثم يمكن إزاحة الدلالات من كونها تخص حرباً محددة، إلى فكرة إبادة الإنسان للإنسان، منذ بدء الخليقة إلى الآن، فضلاً عن آليات مقاومة الفناء، ومجابهة الموت، فقد استطاع الكاتب أن يوسع الفكرة، ويضفي عليها أبعاداً فلسفية ووجودية، عن الحق والخير والجمال، الوجود والعدم، الحرب والسلام، الجلاد والضحية، الشر والخير، وفي سعيه لهذا التوسع الدلالي، لم يحدد مدينة بعينها، بل كان حريصاً على أن تكون الفضاءات المكانية بلا اسم، كأن يقول المدينة أو القرية، لتنسحب الأحداث على أي مدينة تشهد حروباً وقصفاً يصيب أطفالاً ونساء عُزلاً، ولا قدرة لهم على خوض حرب، بل لم يستشرهم أحد في إشعال فتيلها، لكنهم أول من يكتوي بنيرانها.

كل أبطال قصص المجموعة تقريباً يعيشون على التخوم بين الحياة والموت، يمارسون حياتهم على حافة الخطر، في انتظار رصاصة طائشة أو شظية، بينما الموتى حاضرون رغم غياب أجسادهم، فثمة تبادل واضح للحضور والغياب يتبدى في أكثر من نص قصصي. ففي ثنايا السرد يتمكن الموتى وضحايا الحروب من الكلام، من التعبير، من الغناء حتى في قبورهم، في مقابل أن الأحياء يلتحفون الصمت المشحون بالخوف والرهبة، وتوقع الانتقال العبثي إلى الضفة الأخرى من الوجود، دون ذنب اقترفوه، يرحلون بوصفهم ضحايا لصراعات أكبر منهم، وحياتهم مثقلة بالتوتر.

المجموعة صادرة عن دار «روافد» للنشر والتوزيع في القاهرة، وتتكون من خمس وعشرين قصة قصيرة متراوحة الطول والعوالم. تبدأ بقصة «لن تموت جوعانَ»، التي يرويها طفل، مندهشاً من حرص أبيه على أن يطعمه هو وأخوته كل ليلة طعام العشاء، حتى لو كان قطعاً من الخبز الناشف، يقول الطفل: «أنا لا أفهم، كل شيء في هذه المدينة بلا معنى: الموت، القنابل، البرد، الأخبار، صمت الأمم. فلماذا يصر أبي على أن نأكل كل مساء؟»، هذا التساؤل الاستنكاري من الطفل، الذي لا يفهم حكمة تصرف الأب إلا حين يصيب القصف بيتهم، ويموت أبوه، ويخرج هو من تحت الركام وفي يده قطعة خبز، فيعرف حرص الأب على أن يحمي أولاده، على الأقل من الجوع، ما دام أنه لا يستطيع أن يحميهم من الموت، فعلى الأقل لا يموتون وهم جوعى.

وفي إطار التوسع الدلالي، تأتي قصص أخرى بعيداً عن الحرب، لكنها لا تخلو من دلالات القهر والعسف، ومنها قصة «أرض بلا ظل»، التي تأخذ منحى أقرب إلى العوالم الغرائبية، عبر فكرة فانتازية، مع ترك المكان دون تحديد، عن مدينة لا أحد فيها يملك ظلاً، فأهلها جميعاً بلا ظلال، رغم أن الشمس فيها لا تغيب، لكنها تسقط عليهم عمودية فوق الرؤوس، لكن في يوم غائم شهدت المدينة مولد طفل خرج من رحم أمه، وحين رأته القابلة وجدته يحمل ظلاً، وعاش حياته وظله لا يفارقه، فصار منبوذاً بوصفه خارجاً على قواعد المدينة، وخضع لتحقيقات من السلطات التي اعتبرته خطراً؛ لأن ظله يربك السكان، ويجعلهم يتذكرون ما لا يجب تذكره، وفي نهاية التحقيقات «طلبوا منه أن يتخلى عنه، أن يخلع ظله، كما يخلع الحذاء على العتبات، أن يسلّمه في كيس مختوم، ويعود نظيفاً. رفض فعوقب. نُفي إلى الجهة المظلمة من المدينة، حيث الشمس لا تشرق». في نقد واضح وتفكيك للأفكار الشمولية، التي تريد أن تسرق من الإنسان حتى ظله، وتحيله معنوياً إلى جثة في قبر، تميته وتقتل قدرته على الاختيار، فالجثث والموتى ليسوا نتيجة الحروب فقط، بل يمكن أن يكونوا نتيجة الظلم والقهر أيضاً.

تحفل المجموعة بكثير من القصص التي تتخذ مثل هذا المنحى الغرائبي، عبر أفكار مبتكرة وطازجة، وكلها تنحاز للإنسان، ومفعمة بالحمولات الرمزية، ومنها قصص «وردة في الحرب»، و«مدينة السعال»، و«الدرس الأخير في المدينة الأخيرة»، و«مهرب الضحك»، و«نشرة القصص»، و«الموتى يلعبون النرد» و«قتل الحواس»، وغيرها من القصص التي تتراوح بين ثنائية قتل المعاني والقيم الإنسانية، وصولاً إلى تصفية الإنسان وإفراغه من وجوده، مثل قتل حواسه في إحدى القصص، وهناك قصص أخرى تقدم معاني المجابهة، ومحاولة الحفاظ على هذه القيم، مثلما يتبدى في قصة «كتاب ما لم يحدث»، التي تروي حكاية عن مجموعة من الأطفال يكتبون وصاياهم الأخيرة، استعداداً للموت في أي لحظة، وكلها وصايا تليق بطفولتهم البريئة، مثل «لو مت خلوا بابا يضحك شوية، قولوا لأخويا إني مش زعلان منه، ادفنوني بالحذاء الأحمر، خلوا ماما تنام على سريري يوم بس»، فتنتشر في المدينة كتابة الأطفال لوصايا على هذا المنوال في أوراق وقصاصات صغيرة، وسرعان ما تتحول إلى الكتابة على الجدران، ثم تنتشر حمى كتابة الرسائل من الصغار إلى الكبار، وتنتهي القصة نهاية غرائبية كعادة قصص المجموعة، لكنها شديدة الاتصال بالواقع وقضاياه، يقول الراوي: «وفي صباح خريفي رمادي، استيقظ الجميع على صوت في السماء، طيور من ورق، ملونة، تحمل في مناقيرها القصيرة قصاصات صغيرة... واحدة فقط سقطت على رأسي. فتحتها، فوجدت مكتوباً بخط رفيع جداً: لو مت اكتبوا لنا نهاية غير دي».

إلى جنب الغرائبية، نهضت المجموعة على قدر كبير من عدم التحديد، فإذا كان المكان عائماً وغير متعين في الأغلب، فإن الزمان أيضاً بدا غير محدد، باستثناء الزمن الفلكي من صباح ومساء ونهار وليل، لكن لا يوجد زمن تاريخي مرجعي محدد، يمكن أن يستدل منه القارئ على حقبة زمنية بعينها، كما أن الشخوص أيضاً تبدو في كثير من النصوص بلا أسماء، بل أقرب إلى أدوار وظيفية أو دوال رمزية، أطفال أو كبار، أو شخصيات تعرف بأعمالها ووظائفها، أو جثث غير مسماة. وهذا النزوع نحو عدم التحديد المكاني والزماني، وكذا في الشخصيات المروي عنها، يجعل الدلالة غير محددة بحادثة واحدة ولا حرب بعينها، بل أقرب إلى نقد وتفكيك فكرة الحرب والدمار ذاتها، انحيازاً للإنسان وحياته في كل مكان وزمان.


الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين
TT

الحرب في مرآة طه حسين

الحرب في مرآة طه حسين

يكشف كتاب «سلطة الكلمة - مسالك لدراسة أدب طه حسين وفكره»، الذي يضم عدداً من الدراسات القيمة لثلاثة من النقاد والباحثين التونسيين هم منجي الشملي وعمر مقداد الجنمي ورشيد القرقوري، عن موقف عميد الأدب العربي من فكرة الحرب وكيف تطورت، حيث أصبح يرى فيها أداة لتخريب البلدان والحضارات، بعد أن كان يعتقد أنها ميدان لإظهار الشجاعة والدفاع عن النفس.

ويشير القرقوري إلى أن صاحب رواية «الأيام» تأثر في ذلك بمجريات الحرب العالمية الثانية، وما شهدته من دمار واسع ودماء سالت حتى كادت تغطى كوكب الأرض، فعبر عن نفوره منه عبر روايته «أحلام شهرزاد»، والتي ساق فيها موقفه من القتال غير المبرر والعنف غير المشروع على لسان شخصية «فاتنة».

تسعى تلك الشخصية حثيثاً إلى تجنب الحرب مع أعدائها كما صورها، وبعد أن اضطرت إلى الحرب تحاول جاهدة الابتعاد بالمعارك عن مدنها ومدن أعدائها حفاظاً على حضاراتها وعمرانها بل إنه أجرى على لسانها أنها «لن تغزو أحداً في مستقره، ولكنها ستغزوهم حول هذه المدينة».

ويواصل طه حسين على لسان بطلته في الرواية إبراز خطورة الحرب على الناس والحضارة، ملحاً على أن دور الجيوش ليس التحطيم والتهديم، بل البناء والتشييد، ذلك أن الجيش في تصوره عنصر حضارة وتطور.

تقول «فاتنة» لقادة جيشها المتشوقين للقتال: «إن الجيوش وسيلة لاتقاء الحرب لا لابتغائها، وأداة لدفع الشر لا لاجتلابه، أفإن جُنبتم الحرب وضُمنت لكم السلامة تضجون وتعجبون؟ من شاء منكم أن يغامر فليغامر بنفسه لا بالأبرياء من جنده».

هكذا أضحت شخصية «فاتنة» التي بعثها طه حسين إبان الحرب العالمية الثانية وسيلة للتعريض بالحاكم الذي لا يقي شعبه ويلات الحروب، وهي بمواقفها هذه تعلمه الرفق بالناس، وتدعوه إلى نبذ المغامرات العسكرية التي تزينها له شهواته الجامحة ومصالحه الذاتية، والتي تعود بالوبال على الإنسان وعلى الحضارة عموماً.

وتخاطب «فاتنة» أباها منددة بسلوك أعدائه من الملوك فتقول:

«ولكن الملوك أثاروا حرباً ظالمة لم تقتضها مصلحة عامة، ولم تدع إليها منفعة عاجلة أو آجلة لأمة من أممهم أو شعب من شعوبهم، إنما اتبع كل منهم هواه وركب رأسه وانقاد لشهوته الجامحة».

ولعل المؤلف يشير ضمنياً بكلام «فاتنة» إلى قادة النازية وقادة الفاشية الذين أشعلوا نيران الحرب العالمية الثانية خدمة لمصالحهم العاجلة فألحقوا الدمار بالكون كله، وأضروا بالفكر والحضارة، فكانوا شبيهين بالذين اتحدوا لحرب «فاتنة»، بقصد إخضاعها لمشيئتهم وضم مدينتها إلى مدنهم، ولكنها رغم ما أتاها من ضيم تأبى أن تعرض الناس والحضارة إلى الأذى ولا تستثني من ذلك مدن أعدائها وسكانها.

دعت البطلة الروائية إلى حماية الشيوخ والأطفال والنساء من تبعات الحرب، ولا يكون ذلك ممكناً في رأيها إلا إذا ابتعد المحاربون بحربهم إلى الصحاري والقفار وتركوا المدن الآهلة بالسكان مطمئنة، وفي هذه الدعوة دون شك نقد بأسلوب الرمز لقصف الطائرات الألمانية للمدن المصرية وخاصة القاهرة التي لم يكن سكانها طرفاً في هذه المعركة بين الإنجليز والألمان.

واعتبر طه حسين هذا القصف عملاً حريباً يضر أشد الضرر بحضارة مصر، وخاصة بآثارها؛ لذلك أصر على أن ينال مقترفه عقاباً رادعاً، فجعل «فاتنة» تقترح على أبيها وعلى قائد جيشها إنزال أشد العقوبات بالحاكم الذي يزج بشعبه في حرب لا طائل من ورائها تضر بعمرانه وحضارته.

تقول «فاتنة» لقائد جيشها: «فإذا مثلوا بين يديك أو بين يدي وكلائك فخيرهم بين الموت أو بين أن يشهدوا على أنفسهم بالطغيان وإهدار حقوق الشعوب، فأيهم اختار الموت فجرّعه كأسها وأيهم اختار الحياة، وكلهم سيختارونها، فليشهد على نفسه أنه طاغية مهدر لحق شعبه».

وقد عبر طه حسين عن هذا الموقف ذاته ودون رمز في مقال له، عنوانه «مستقبل الديمقراطية»، دعا فيه إلى اقتحام حدود ألمانيا وإذاقة الألمان طعم الهزيمة عقاباً لهم على ما اقترفوه من آثام في حق البشرية، فهم في رأيه قد خربوا العمران وأضروا بالحضارات.