تفوق النقاد المغاربة عربيًا... حكم نقدي أم إشكال مفتعل؟

بعد فوزهم بكثير من الجوائز وحضورهم على الساحة العربية

محمد الصالحي  -  نجيب العوفي
محمد الصالحي - نجيب العوفي
TT

تفوق النقاد المغاربة عربيًا... حكم نقدي أم إشكال مفتعل؟

محمد الصالحي  -  نجيب العوفي
محمد الصالحي - نجيب العوفي

تزايد الحديث، في السنوات الأخيرة، عن المنجز النقدي المغربي، بعد الحضور اللافت لعدد من النقاد المغاربة على الساحة العربية، وحصد عدد منهم لجوائز عربية رفيعة، الشيء الذي جعل البعض يعيد الدفع بسؤال المفاضلة بين المشرق والمغرب، وصولاً إلى الحديث عن نوع من التفوق المغربي على الشقيق المشرقي في مجال الدراسات النقدية، بشكل خاص، وبالتالي عن نوع من التناوب على المركزية والمحيطية.
وفي الوقت الذي لا يرى فيه عدد من الأدباء، مغاربة ومشارقة، إشكالاً في مناقشة القيمة التي صارت للمنجز النقدي المغربي، بل وانتصار بعضهم لقيمة هذا المنجز، عند مقارنته بالمنجز النقدي المشرقي، يرى آخرون أن المقارنة «إشكال مفتعل»، مع تشديدهم على أن للفكر انشغالات «أعمق» و«أفيد»، من مثل هذه «الحيثيات البسيطة».
* إقلاع نقدي مغربي
يرى الناقد المغربي نجيب العوفي أن المغرب الثقافي «شهد حَراكًا نقديًا دؤوبًا وموصولاً منذ سبعينات القرن الفارط إلى الآن، عبر محطاتٍ وأجيال مُتمرْحلة مسكونة بسؤال النقد، متنقّلة بين سواحله، ومُجدّدة لظواهره وطُروحاته»؛ معتبرًا مرحلة السبعينات «محطة الإقلاع النقدي الحداثي في المغرب، ومُنطلق الأوراش النقدية المفتوحة على المناهج والنظريات الغربية الحديثة، وبخاصة منها، البنيوية، والبنيوية التكوينية، والألسنية، والسيميائية، والإحصائية، والتيماتيكية.. هذا إلى نظريات التلقي وعلم النص.. إلخ»؛ مشيرًا إلى أن المغرب كان «سبّاقًا إلى انتهاج وافتراع هذه المناهج الحداثية وفتْح آفاق جديدة للخطاب النقدي والمقاربة النقدية بحكم مُتاخمته الجغرافية والتاريخية لأوروبا، على مرْمى بصر»، وأن «هذا ما غيّر وبدّل نقديًا، من موازين القوى، وثُنائية المركز والمحيط السائدة عبر التاريخ، حيث أضحى المغرب مركزَ إشعاع نقدي، فاعلاً ومؤثّرًا، من حيث أضحى المشرق، محيطًا متأثرًا ومتلقّيًا ومستمعًا للمغرب، قبل أن ينخرط في غِمار الحداثة في نسختها الأنجلوساكسونية، ويُدلي بدِلوه فيها».
ويتحدث العوفي عن «أجيال الجامعيين المغاربة»، على نحو خاص، التي «ظلت مولعة ومسكونة بأسئلة النقد كما سلف، ومتبارية في حلَبته. خلَفًا عن سلف»، مستحضرًا، في هذا السياق، رأيًا للمفكر المغربي عبد الكبير الخطيبي، ذهب فيه إلى أن المغرب تاريخيًا ذو نزعة فقهية أكثر منها إبداعية، وكيف أن النقد هو «تجلّ ومظهر حداثي للفقه»، ويستدرك بالقول: «لعل هذا ما يفسر هذا الحراك النقدي المغربي على قدم وساق، كما يفسر تبَعًا هذه الجوائز العربية التي يفوز بها المغاربة، في مجال الخطاب النقدي. وهم أهل لذلك بكل تأكيد. وجزاء وِفاق لأعمالهم واجتهاداتهم».
يتعرض العوفي إلى سؤال المقارنة بين المنجزين، المشرقي والمغربي، فيقول: «هل يشير هذا الوضع، إلى تراجع أكاديمي ونقدي في المشرق العربي؟ أم إلى تفوق المغاربة؟ لا هذا ولا ذاك. بل هي صيرورة طبيعية في جدلية النقد العربي، وفي ثُنائية المركز والمحيط. أو قل هي لحظة تناوُب على المركزية والمحيطية. وتلك الأيام النقدية، نُداولها بين الناس. وفي ظنّي، أن الشرق العربي الذي أصبح الآن جوادًا جريحًا، بفعل الحروب والخُطوب والمؤامرات الأهلية والدولية منذ خُرافة «الربيع العربي». هذا الشرق الجريح لم يعد مجالاً حيويًا ملائمًا، لازدهار الخطاب النقدي المشرقي، على سجيّته وديْدنه. لم يعد مجالاً حيويًا ملائمًا لانتعاش الأدب والفكر».
ويشير العوفي أيضًا إلى أن معظم الجوائز العربية التي يفوز بها مغاربة هي ذات طابع خليجي، وأن «هذا ما يشجّع بلا شك، على هجرة النقاد العرب بعامة، مغاربة ومشارقة، لأداء «العُمرة النقدية»، وأنه «مهما تتعدّد القراءات والتأويلات في هذا الصدد، يبقى فوز المغاربة بهذه الجوائز العربية الوازنة في مجال الخطاب النقدي، ظاهرة أدبية واعتبارية تستحقّ كل تنويه وتقدير، وخصوصًا أن هذه الجوائز تأتي من عمق المشرق العربي وخليجه، وبتزكية علمية من لجان محكّمة، تضم أسماء محترمة من كل فجّ عربي»، الشيء الذي يؤكد، من وجهة نظره، اعترافًا مشرقيًا بالنبوغ المغربي، مشيرًا إلى أن المغرب كان يُعتبر هامشًا ثقافيًا مغمورًا، وأن المشرق يرد الآن، بعض الدّين للمغرب.
* ثنائية ضيقة
ينطلق الشاعر والناقد المغربي محمد الصالحي من وجهة نظر مغايرة لما بلوره وانتهى إليه العوفي، متحدثًا عن «إشكال مفتعل»، هو، في أصله، «غير ذي قيمة وغير ذي جدوى، الخائضون فيه لن يقنعوننا بأهمية وضرورة ما يخوضوه فيه»، متحدثًا عن وجود «فدلكات ومسكوكات رددناها ولاكتها ألسننا لغير ما سبب، وليس لغايات فكرية»، مشددًا على أن للفكر «موضوعات وانشغالات أعمق وأفيد من هذه الحيثيات البسيطة»، مستحضرًا، في هذا السياق، نقطة أساسية، تؤكد أن «هذا النقاش لم يفضِ قط إلى نتائج». ويستشهد هنا بالحوار الشهير الذي جمع بين محمد عابد الجابري وحسن حنفي، على صفحات «اليوم السابع»، والذي «كان حوارًا جيدًا، قبل أن يسقط في هذا المطب»؛ مشيرًا إلى أن «مفكرين بارزين، من هذا الطراز، كان الأجدر أن يوجها سهام فكرهما إلى موضوعات أهم، لأن حنفي والجابري حين يفكران لا يفكران من منطلق أن أحدهما مشرقي والآخر مغربي، بل يتناولان الإشكالات والقضايا بغض النظر عن ثنائية مشرق ومغرب؛ وبالتالي فالمسألة ليست أفقية بل عمودية». وزاد الصالحي، موضحًا وجهة نظره، بالقول إنه عندما يقرأ كتابًا ويشده إليه لا ينتبه إلى ما إذا كان قد كتب من طرف مشرقي أو من طرف مغربي، بل إن كان ممتعًا، مكتوبًا بلغة عربية راقية ويثير قضايا فكرية أوسع من «ثنائية ضيقة».
يذهب الصالحي أبعد، ليقول إن «هذا الحوار المفتعل قد ظهر بعد خفوت الأسئلة الكبرى، التي ورثناها عن فكرة النهضة العربية، فبعد الهزائم أمام إسرائيل، صارت هناك عقدة ذنب في الفكر العربي، فصارت كل منطقة تتهم الأخرى، إما بشكل صريح أو بإثارة قضايا جانبية وهامشية، من قبيل ثنائية المشرق والمغرب»؛ قبل أن يستدرك، بالحديث عن وجود «إشكال أفظع»، يتمثل في سؤالي «أين يبدأ المشرق وأين ينتهي؟ وأين يبدأ المغرب وأين ينتهي؟».
ولاحظ الصالحي أن «هذا الموضوع قد طفا على السطح منذ سبعينات القرن الماضي، لأسباب تتعلق ببروز حركية غير معتادة في بعض الهوامش، من قبيل المغرب وتونس والخليج، في وقت كان هناك حديث مكرس عن عواصم للثقافة العربية، خصوصًا القاهرة وبيروت، وقبلهما بغداد ودمشق»؛ وكيف أن «هذا المعطى جعل بعض المغاربة، من مفكرين وكتاب، يتحدثون عن ريادة مغربية ما»، مشيرًا إلى أنه يبحث عن هذه الريادة من دون أن يعرف ما هي، وما هي تمظهراتها، مع أن «كل ما في الأمر أن المغرب وتونس برز فيهما، ربما أكثر أو أوضح، مقارنة مع باقي المناطق، بعض سبق ما إلى استيعاب وتطبيق بعض المناهج النقدية الغربية، خصوصًا مع البنيوية وما بعدها». ويختتم الصالحي أجوبته على أسئلتنا بالقول: «هذا المعطى الذي نتحدث عنه ليس كافيًا للحديث عن تفوق مغربي أو مشرقي أو إثارة هذه الثنائية أصلاً، لأن تونس أو المغرب إذا ما برزا فبروزهما ليس على حساب المراكز الفكرية الكبرى كالقاهرة وبيروت»، مشيرًا، في هذا الصدد، إلى أن «أجمل ما يكتب على مستوى تحقيق التراث العربي يأتي من العراق وسوريا ولبنان ومصر، كما أن أجمل ما يكتب في تاريخ الفلسفة والترجمات وتمحيص المدونة النقدية الأدبية الفكرية العربية القديمة يأتي من هنا ومن هناك».
ومع ذلك، يشير الصالحي إلى أسماء مغربية كثيرة برزت في مجال الفكر كمحمد عابد الجابري وعبد الله العروي وفي مجال النقد كسعيد يقطين وعبد الفتاح كيليطو، ممن «قدموا قراءات فكرية ونقدية عميقة أبعد من الثنائية المفتعلة»، وكيف أن «المشارقة وجدوا فيها طرحًا أعمق لقضاياهم الذاتية العامة أكثر مما وجدوها في كتابات المشرق، والعكس صحيح»، ليختم وجهة نظره بالإشارة إلى مصطلح «العقل المستقيل» الذي أطلقه الجابري، ليعبر (أي الصالحي) عن خشيته من «أن يكون العقل العربي قد استقال من القضايا الفكرية الحقيقية، وصار ينتبه إلى قضايا هامشية وجانبية».



كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين
TT

كيف وفّق الأزهري طه حسين بين ديكارت والمعري؟

طه حسين
طه حسين

في الأدب تحدث لحظات فريدة تغيّر الكتاب والمثقفين من حال إلى حال آخر. ومن الممكن وصف تلك اللحظة بأنها انفجار داخلي عظيم يغيّر الذات كلياً حتى الانفعالات تتغير هي الأخرى لتنسجم مع التغير الحاصل. حدث هذا الأمر عند طه حسين حين تحول إلى مثقف ديكارتي في فترة مبكرة جداً من حياته. ولن أبالغ لو قلت إن هذا التحول الدرامي في حياة عميد الأدب وفكره كان مهماً جداً ويشبه ثورة ذوقية وفكرية كبرى لو قُدر لها النجاح.

بكل تأكيد لم يتوقع أحد أن الشاب الأزهري الحاصل على إجازة الدكتوراه في الأدب من الأزهر الذي غادر للدراسة في فرنسا عام 1914سيعود شخصاً آخر بكل معنى الكلمة. بعبارة أدق، سافر طه حسين أزهرياً وعاد لمصر ديكارتياً. الشاب الأزهري عاد شخصاً آخر، وعياً وموقفاً. ويمكن القول إن تأثير ديكارت في طه حسين لا يقل عن تأثير أبي العلاء المعري فيه. فهذان العملاقان صنعا من طه حسين مثقفاً ثائراً شاكاً يفكر دوماً في البحث عن إثارة الأسئلة والشك الذي لا يكاد يطفئه يقين.

ديكارت

لنضف إلى الصورة حدثاً آخر هو: اختيار طه حسين أن يعلن أنه ديكارتي في أروقة الجامعة المصرية التي كان يدرس بها. هل يتخيل أحد هذا الأمر. داخل الجامعة، حيث يتعلم الطلبة منهج البحث العلمي، ويدرسون نماذج من الشعر العربي والموروث المبجل، يقوم طه حسين بإلقاء محاضرات يكشف فيها أنه ديكارتي المنهج، ثم يحاول من خلال محاضراته أن يشك في الغالبية العظمى من الشعر الجاهلي لأنه «شعر موضوع ومنتحل في العصرين الأموي والعباسي». ويذكر بعض ناقدي طه حسين أنه شك في بعض القضايا الدينية في محاضراته تلك والتي نشرها في عام 1926 بعنوان «في الشعر الجاهلي». وكما هو معروف، أثار الكتاب ضجة كبيرة في مصر عرضت مؤلفه إلى المساءلة والتهديد بالقتل. سُحب الكتاب من الأسواق، وأُعيد طبعه بعنوان آخر هو «في الأدب الجاهلي» بعد رفع أربعة فصول منه. هذا يعني أن الكتاب نظف من أثر الشك - عدا لمسة تتعلق بالشعر الجاهلي - كي تتقبله أذواق المؤسسة الرسمية وبعض المحافظين الحالمين بعالم ساكن مألوف يبتعد عن منغصات تؤرق الذوق العام الراكد.

كيف إذن يمكننا تأويل شك طه حسين أو كيف نفهم محاولته الفكرية التي صرح بها أمام طلبته وحراس التقليد جميعاً يوم قرر أن يبدي وجهة نظر مختلفة ومغايرة لما هو سائد؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه. أدرك طه حسين بحدسه العميق سر قوة الشك في أن تتحول إلى عمل منهجي يقلب الأسس التي شيدها يقين طويل من التكرار. بهذا المعنى سيكون الشك أداة لا تقل أهمية عن يقين نسلم به. الشك هو وقفة مهمة لفهم ما يجري. وإذا كان اليقين يمنح العقل هدوءاً مريحاً ثم ترتبط الانفعالات بهدوء العقل فإن الشك يقلب كل شيء ويغيره. وهذا ما حدث عند نشر كتاب «الشعر الجاهلي». ولعل هياج الغاضبين وانزعاجهم يدل على أن العقل قد تعرض لصدمة ورجّة كبيرة حين أحس بأنه سيفقد منظومته المتكونة من تكرار معرفي لمعلومات جعلت العقل يهدأ ومنحت الانفعال طاقة محدودة يحس بها من يقرأ قصيدة لشاعر جاهلي.

تمثال المعري للنحات عاصم باشا

فكّك الشك المنهجي عملية عقلية كاملة لو قدر لها النجاح لغيرت تعاملنا مع الموروث بأكمله. على هذا الأساس لم تكن قضية كتاب الشعر الجاهلي مجرد جرأة نقدية لنسف الشعر الجاهلي بأكمله تقريباً وإنما كانت لحظة فارقة هددت هدوء العقل وهويته التي تكونت عبر سنوات وسنوات. فجأة أحس المتزمتون وممن يعشقون الموروث دون فحص أنهم تعرضوا لحالة اعتداء عقلي قام بها أستاذ من لحمهم ودمهم. الاعتداء العقلي هو تعريض بعض الثوابت للشك. لا يعني الشك هنا سخرية من الآخر بل يعني طرح أسئلة من الصعب تقبلها أو مناقشتها. هذا ما صنعه كتاب «في الشعر الجاهلي». لكن أهم ما يمكن أن نؤكد عليه بعد كل هذه العقود هو لحظة التحول المعرفي التي غيرت وجهة نظر عميد الأدب العربي. كيف حدثت؟ وفي أي لحظة؟ وما الإحساس الذي اعتراه حينها؟ هل أحس بنشوة عميقة حررته من ثقل معرفته التقليدية؟ هل أشعرته لحظة التغيير بأنه أدرك بوضوح معنى أن يكون خارج هويته التي يشترك بها مع الآخرين؟

نحن أمام محاولة مبكرة جداً وثورية استطاعت أن توظف منهجاً لنقد الموروث الذي تربينا عليه

من المؤسف إذ لم ينتبه أحد إلى حقيقة وجوهر تجربة عميد الأدب العربي مع ديكارت. كما أن هذا الرجل الضرير عاش واتُّهم وهوجم وهُدد. وهناك في سيرته التي كتبتها زوجته إشارات كثيرة لقلقه ويأسه وانفعاله. وما فات الجميع ولم ينتبهوا له هو كيف جمع طه حسين رؤيتين متناقضتين كل التناقض أثرتا فيه تأثيراً كبيراً، أعني حبه وتأثره بالمعري وتمسكه بمنهج الفيلسوف الفرنسي ديكارت في الوقت نفسه. المعري متشائم ويائس وغاضب من كل شيء وديكارت عقلاني يبحث عن يقين ثابت لا يمكن إنكاره. كيف عاش عميد الأدب مع هاتين الرؤيتين حتى موته. هذا الجانب الإنساني الخاص به لم يخضع للدراسة ولم يفسر جيداً. أتساءل هل كان لطه حسين حساباته الذكية لأنه لم يكتفِ بحل المعري حين اعتزل الناس أو أن يتحول إلى مجرد أستاذ أكاديمي يتقاعد وينسى؟

الأهم من هذا السؤال هو: كيف استطاع عميد الأدب أن يخفي تأثره الكبير بالمعري حتى إن القارئ لا يشعر إلا بمثقف عقلاني يبحث عن الحقيقة قبل كل شيء؟


دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين
TT

دائرة الكُتّاب المجهولين

دائرة الكُتّاب المجهولين

تصدر قريباً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان» رواية «الكهل الذي نسي» للروائي الجزائري سمير قسيمي. وهي عمل سردي يستكشف العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية والكتابة، عبر بناء روائي متعدد المستويات يمزج بين السرد النفسي والاستقصاء التاريخي والتخييل الذاتي.

تدور الرواية حول شخصية «الكهل»؛ رجل فاقد للذاكرة يقيم في مصحّة غامضة تحت إشراف طبيب عسكري، بينما تراقبه سلطة غامضة يمثلها «العقيد». بالتوازي، يتتبع العمل مسار «سمير»، الكاتب الذي يعاني عجزاً إبداعياً قبل أن يتلقى دعوة للانضمام إلى «دائرة الكُتّاب المجهولين»، وهي فضاء سري يسعى إلى تحرير المبدعين من فشلهم. ومع تداخل هذين المسارين، تتقاطع الذاكرة الفردية مع الذاكرة الجماعية، ويتحوّل البحث عن الماضي إلى مساءلة لحقائق السرد ذاته.

سمير قسيمي روائي جزائري عمل محامياً ومحرّراً ثقافياً وأدبياً في عدّة منابر عربيّة. صدرت له عدة أعمال سردية، من بينها «يوم رائع للموت» و«حبّ في خريف مائل» و«الحماقة كما لم يروِها أحد».

في ما يلي مقتطف حصري من الرواية:

دائرة الكُتّاب المجهولين

أخبرتُ الطبيب بكلّ ذلك، أو ربّما كان قد قرأه في أوراقي قبل أن يزورني. كنتُ قد هيّأتُ نفسي لأجيبه عن سؤال أعرف أنّه على طرف لسانه: «كيف تتحدّث عن كلّ ذلك كأنّه حقيقة؟ أنت لا تعرف اسمك، لا تذكر وجه أمّك ولا شكل أبيك. لا تعرف لمَ أنت هنا، ولا حتّى من أحضرك».

هيّأتُ نفسي لأجيبه، لكنّه لم يسأل.

ظلّ صامتاً للحظة، ثمّ قال بصوتٍ لم يعد يشبه صوته المعتاد:

– قلتَ إنّ تلك الدعوة وصلتك في لحظة انهيارٍ صامت. ماذا تقصد بذلك؟

– لأنّها وصلتني بعد عودتي من رحلة عملٍ قادتني إلى الشارقة. فقد انتدبني مديري لأمثّل شركتنا في ملتقى دوليٍّ هناك، وهو يتوقّع منّي أن أعتذر، فأنا لا أحبّ السفر. أراه مضيعةً للوقت في عصرٍ يمكنك فيه زيارة العالم من شاشة حاسوبك دون مغادرة أريكتك. لكنّني هذه المرّة قبلت، هرباً من واقعٍ عجزت عن مواجهته بشجاعة، واقع رحيل زوجتي إلى أهلها، رغبةً في التفكير في مستقبلنا معاً.

سبق لها أن فعلت ذلك، ترحل لكنّها تعود إليَّ بعد أيّام، لتعتذر وتقول لي إنّها في لحظة ضعفٍ استسلمت لوساوسها، وساوس الوحدة القاتلة، وإنّها بعدما فكّرت مليّاً أدركت أنّنا، بعدما تجاوز كلانا الخمسين، لم نعد معنيّين بمستقبلٍ لا يعنينا. كانت تقصد، دون أن تذكر ذلك صراحة، عجزنا عن الإنجاب، واستحالة أن نتمكّن من تبنّي طفل وقد أصبحنا في عمرٍ لا يسمح لنا برعايته كما يستحقّ.

هذه المرّة، لم تعُد. تسعة أشهر مرّت دون أن تردّ على مكالماتي المتكرّرة، وإذا حدث والتقينا صدفة، تُشعرني بأنّني أتحدّث إلى غريبةٍ لا أعرفها، كأنّ روحها هاجرت من جسدها وحلّت محلّها روحٌ أخرى.

– سافرت إذن إلى الشارقة وحضرت الملتقى؟

– سافرت، لكنّني لم أحضر الملتقى. لقد كان مجرّد قناعٍ أرتديه أمام العالم، وأمام نفسي. لم أقرأ ورقتي البحثيّة المملّة التي أعددتها على عجل، ولم أحضر جلساته التي بدت كطقوسٍ جنائزيّة لعقولٍ محنّطة.

بعد اليوم الأول، أعلمتُ المنظّمين ببرودٍ مصطنع أنّني سأقدّم مداخلتي مكتوبة، مدّعياً التهاباً حادّاً في الحلق يمنعني من الكلام، ويجبرني على البقاء في غرفتي الفندقيّة الفاخرة والموحشة كقبرٍ مُكيّف. كذبةٌ صغيرة استمتعت بها، ربّما لأنّها كانت الشيء الوحيد الذي اخترته بإرادتي الحرّة منذ زمن.

تخلّصت من التزامات الملتقى، وبقي أمامي يومٌ كامل قبل موعد العودة؛ يومٌ بدا لي أطول من حياةٍ بأكملها، فارغ كصفحة بيضاء تنتظر كلمة لن تُكتب. فكّرت في البداية أن أقضيه في الفندق، محدّقاً في السقف المزخرف بسخافة، أو متابعاً قنواتٍ إخباريّةً تردد نفس الكوارث بنفس الوجوه الشاحبة. لكنّ معرض الكتاب كان قد افتتح أبوابه للتوّ، فقرّرت، بدافعٍ من عادةٍ قديمة لم أستطع التخلّص منها، أو ربّما من يأسٍ مقنّع يبحث عن أيّ قشّة، أن أذهب لأستمع لكتّابٍ يقدّمون تجاربهم، كأنّني ما زلت أبحث عن تلك الوصفة السحريّة للكتابة.

حضرت ندوتين، لم أستفد منهما شيئاً سوى الشعور بالمزيد من الإحباط والضآلة، ثمّ رحت أجول في أروقة المعرض المزدحمة والصاخبة، أتصفّح أغلفة الكتب الجديدة بعينين متعبتين، أبحث لاشعورياً عن كتبٍ تشرح الكتابة للمبتدئين أو تعلّم الإبداع بخطواتٍ سهلة ومضمونة. وجدت الكثير، بعضها يَعِد بتحويلك إلى روائي عالمي في ستّة أشهر، وأخرى في شهرين، كأنّها وصفات طبخٍ سريعة لطبقٍ معقّد. لم أشترِ شيئاً، وفضّلت العودة إلى عزلتي في الفندق، إلى صمت الغرفة الذي بدا لي أرحم من ضجيج الآمال الكاذبة.

في طريقي إلى المخرج، وكالمُنوَّم مغناطيسيّاً، وجدت نفسي أقف أمام جناح دار نشرٍ طالما حلمت بالوصول إليها، دار نشرٍ كانت تمثّل لي القمّة البعيدة، الحلم المستحيل. كنت قد أرسلت إليهم عشر مخطوطات على مدى أعوام، وكلّها رُفضت برسائل نمطيّةٍ باردة كأنّها كُتبت بواسطة آلة. كتبها لا تصل إلى الجزائر إلّا نادراً، وبأسعارٍ خياليّة.

لحظة جنونٍ عابرة، أو ربّما شجاعة وُلدت من رحم اليأس المطبق، دفعتني للتفكير: ماذا لو تحدّثت إلى صاحبها؟ لعلّه يخبرني، وجهاً لوجه، بسرّ هذا الرفض المتكرّر، بالعيوب الحقيقيّة التي لم تجرؤ لجان القراءة على تسميتها. لعلّي أستدرك أخطائي، أو ربّما أتوقّف عن هذه المهزلة نهائيّاً.

اشتريت روايتين من الجناح بشكلٍ عشوائي، إحداهما مترجمة لكاتبٍ لم أسمع به من قبل، والأخرى لكاتبةٍ ناشئة بدا غلاف كتابها حزيناً كوشاح أرملة. ثمّ سألت الشابّ الذي كان يقف خلف طاولة البيع عن صاحب الدار، فدلّني عليه بإشارةٍ مقتضبة من رأسه، دون أن يرفع عينيه عن هاتفه.

تقدّمت نحوه بخطواتٍ متردّدة، أثقل من خطوات سجينٍ يُساق إلى حبل المشنقة. كان يقف منتصب القامة، أنيقاً في بدلته الدكناء، يتحدّث بابتسامةٍ محترفة ومصقولة مع رجلٍ يبدو من هيئته أنّه شخصيّةٌ مهمّة. انتظرت على بعد خطوات، أشعر بالغرابة والخجل، كأنّني متسوّلٌ يقف على باب قصرٍ فخم، لا ليطلب صدقة، بل ليطلب اعترافاً بفشله. انتظرتُ حتّى انصرف الرجل المهمّ، فاقتربت، وقلبي يدقّ ببطءٍ مقلق، كأنّه يستعدّ للتوقّف. شعرت ببرودةٍ في أطرافي، وبجفافٍ في حلقي.

حين التقت نظراتنا، رفعت صوتي قليلاً لأتغلّب على الضجيج المحيط:

– مساء النور، أستاذ.

ومددت يدي لأصافحه. يدٌ باردة ورطبة قليلاً. أضفت بسرعة، كمن يلقي اعترافاً أخيراً قبل أن يغيّر رأيه:

– في الحقيقة، كنت منصرفاً، لكنّني رأيت جناح دار نشركم، فتوقفت. اشتريت هذين الكتابين، وخطر لي أن أتعرّف إليك شخصيّاً.

قلتها بلهجتي الجزائريّة، متعمّداً هذه المرّة، لا بكبرياء زائفة، بل كإعلانٍ عن هويّتي الضائعة في هذا المكان الغريب. كثيرٌ من كتّابنا يتحاشون لهجتنا في المحافل العربيّة، ليس ليفهمهم الجميع، فالفصحى تكفي لذلك، بل لشعورٍ دفين بالنقص يدفعهم لاستعارة لهجات تبدو لهم أكثر «رقيّاً» أو «عروبة».

توقّعت أن يطلب ترجمة، أو أن يبتسم بسخريةٍ خفيفة، أو أن يتجاهلني ببساطة. لكنّه فهم، أو تظاهر بالفهم ببراعة. قال مبتسماً ابتسامةً مدرّبة كشفت عن أسنانٍ ناصعة البياض بشكلٍ مبالغ فيه:

– آه، جزائري! يا أهلاً وسهلاً! مرحباً بك، يسعدني التعرّف إليك. أتمنّى أن تجد في كتبنا ما يمتعك ويثري تجربتك.

أضاف وهو يصافحني بحرارةٍ وقوّة كادت تسحق عظام يدي:

– أحبّ لهجتكم كثيراً، مزيجٌ فريد ورائع من التاريخ والجغرافيا، من الفرنسيّة والإسبانيّة والإيطاليّة والتركيّة والعربيّة طبعاً، وحتّى بعض الأمازيغيّة أحياناً. مزيجٌ غير متجانسٍ تماماً، أعترف، لكنّه ساحر في تركيبته. دائماً ما أقول لأصدقائي العرب ممّن يزعمون أنّها غير مفهومة: إنّها تحتاج فقط إلى بعض الثقافة والقلب المفتوح للاستمتاع بها، كقطعة موسيقى جاز معقّدة.

ابتسمت ابتسامةً باهتةً، مقدّراً لباقته المصطنعة، لكنّني لم أصدّق حرفاً واحداً خرج من فمه، فقد شعرت بكلماته كأنّها جزءٌ من نصٍّ محفوظ يلقيه على مسامع كلّ جزائريٍّ محتمل.

قلت معلّقاً بصوتٍ خافت، كأنّني أحدّث نفسي: «من ذوقك الراقي». ثمّ استجمعت شجاعتي الباقية وقدّمت نفسي:

– أنا كاتب، أو بالأحرى... أحاول يائساً أن أكون كاتباً. كتبت عشر روايات، سبق أن أرسلتها إليكم على مدى سنوات.

اتّسعت عيناه بدهشةٍ مصطنعة ومبالغٍ فيها. قال وهو يتقدّم نحوي بخطوة:

– عشر روايات؟ يا إلهي! واو! هذا إصرارٌ مذهل! عددٌ هائل بالفعل!

– عشر روايات، وكلّها رفضتها لجنتكم الموقّرة للقراءة.

قلتها بمرارة لم أستطع إخفاءها هذه المرّة، مرارة تسرّبت إلى صوتي رغماً عنّي.

انكمش وجهه قليلاً، كقناعٍ مطّاطي فقد بعض الهواء، لكنّ ابتسامته المحترفة لم تتلاشَ تماماً.

سأل بهدوءٍ حذر، كمن يسير في حقل ألغامٍ يعرف مكان كلّ لغمٍ فيه:

– وتعتقد أنّنا أخطأنا في تقييم أعمالك؟ أنّنا ظلمناك ربّما؟

– على العكس تماماً... أظنّ أنّها كانت غير صالحةٍ للنشر. ربّما كانت مجرّد أصداءٍ باهتة لكتّاب آخرين أحببتهم وقرأتهم حتّى حفظت إيقاع جملهم.

أجبت بلا تردّد، بصدقٍ فاجأني أنا نفسي، صدقٍ نابع من قاع اليأس.

ضحك هذه المرّة بصوتٍ أعلى، ضحكة بدت حقيقيّةً للحظةٍ خاطفة، كشرارةٍ في عتمة، ثمّ تماسك بسرعة، ودعاني للجلوس إلى طاولةٍ صغيرة منعزلة في زاوية الجناح، كأنّه يخشى أن يسمع أحدٌ حديثنا.

بادرني وهو يشير لنادلٍ افتراضي لم يكن موجوداً:

– أصدقائي الجزائريّون يفضّلون القهوة القويّة، السوداء، بلا سكّر. وأنت؟ قهوة أم شاي؟

– لا هذه ولا تلك، شكراً جزيلاً.

أضفتُ شارحاً: لا أحبّ المنبّهات. أفضّل عقلاً يعمل بإيقاعه الطبيعي، أو على الأقلّ، لا يعمل بفعل منبّهٍ خارجي يملي عليه ما يجب أن يشعر به.

ابتسم شابكاً أصابع يديه:

– قد تكون أول كاتبٍ ألتقيه يفضّل عقله هكذا، صافياً. وبلا شكّ، أنت أول كاتبٍ أعرفه لا يغضب كالثور الهائج إذا أُخبر أنّ كتابه سيّئ.


قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ
TT

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

قراءة عربية لتجربة شينجيانغ

صدر حديثاً عن «الدار العربية للعلوم - ناشرون» كتاب «شينجيانغ... رحلة في تجليات الجمال والسعادة والازدهار» للكاتب والباحث اللبناني وارف قميحة، وهو عمل يجمع بين أدب الرحلة والتحليل الحضاري والرؤية التنموية، مسلطاً الضوء على إقليم شينجيانغ في الصين، بوصفه نموذجاً مركزياً في التحولات المعاصرة.

الكتاب لا يكتفي بوصف الجغرافيا الممتدة من جبال تيان شان المكسوة بالثلوج إلى صحراء تاكلامكان الذهبية، بل ينفذ إلى عمق التجربة الإنسانية في منطقة تشكّل نحو سدس مساحة الصين. إنه قراءة في المكان كهوية، وفي الإنسان كحامل لذاكرة حضارية، وفي التنمية كخيار استراتيجي.

من خلال زياراته إلى أورومتشي وكاشغر، يرصد المؤلف مشاهد الحياة اليومية: الأسواق التقليدية، والحرف اليدوية، والموسيقى الشعبية، وثقافة الضيافة، وحضور المساجد والعمارة التاريخية... ويبرز كيف استطاعت القوميات المختلفة - الأويغور والكازاخ والهوي وغيرهم - الحفاظ على خصوصياتها الثقافية ضمن إطار دولة حديثة تسعى إلى تعزيز الوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي.

غير أن الكتاب يتجاوز البعد الثقافي إلى قراءة أعمق في التحول التنموي الذي شهده شينجيانغ. فهو يتناول مسار تحديث البنية التحتية، من شبكات الطرق والسكك الحديدية إلى المناطق الصناعية الجديدة... ويضيء على سياسات التنمية الريفية وتحسين التعليم والرعاية الصحية، في سياق الجهود الوطنية الصينية للقضاء على الفقر وتعزيز العدالة الاجتماعية.ويضع المؤلف هذه التحولات ضمن رؤية سياسية أوسع تقودها الدولة الصينية، تقوم على الربط بين التنمية الاقتصادية والاستقرار الاجتماعي، وبين النمو والاندماج الوطني. ففي إطار مبادرة «الحزام والطريق» التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ عام 2013، برز شينجيانغ كبوابة استراتيجية للصين نحو آسيا الوسطى والشرق الأوسط، ومحور لوجيستي يعيد إحياء الروابط التاريخية لـ«طريق الحرير»، ولكن بروح تنموية معاصرة.

ويعالج الكتاب سؤالاً محورياً في التجربة الصينية: كيف يمكن تحقيق الازدهار في منطقة متعددة الأعراق والثقافات دون المساس بالهوية؟ وكيف تتحول التنمية إلى أداة للتماسك الاجتماعي لا مصدر للتوتر؟ في هذا السياق، يقدّم المؤلف قراءة عربية لتجربة شينجيانغ بوصفه مختبراً حياً لإدارة التنوع في إطار دولة مركزية قوية.

ويتضمّن الكتاب تقديمين؛ الأول للدكتور شوي تشينغ قوه (بسام)، أستاذ الدراسات العربية في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين، والثاني للإعلامي حسين إسماعيل نائب رئيس تحرير الطبعة العربية لمجلة «الصين اليوم»، ما يمنح العمل بعداً أكاديمياً وإعلامياً يعزّز موقعه في سياق الحوار الثقافي العربي - الصيني.

وارف قميحة هو باحث في الشأن الصيني، ورئيس جمعية طريق الحوار اللبناني - الصيني، ورئيس الرابطة العربية - الصينية للحوار والتواصل، وأحد الأصوات العربية البارزة في مجال تعزيز الحوار الحضاري وبناء الجسور المعرفية بين العالم العربي والصين.

ويأتي هذا الإصدار في لحظة يتزايد فيها اهتمام القارئ العربي بالنموذج التنموي الصيني، ليقدّم قراءة عربية مباشرة لتجربة شينجيانغ، حيث يتقاطع جمال الطبيعة، وعمق التقاليد، ومسار القضاء على الفقر، مع رؤية سياسية وتنموية تسعى إلى بناء مجتمع مستقر ومزدهر في إطار دولة حديثة متعددة الثقافات.