هل يمكن أن تصل أرباح «ياهو» إلى أقل من الصفر؟

هل يمكن أن تصل أرباح «ياهو» إلى أقل من الصفر؟
TT

هل يمكن أن تصل أرباح «ياهو» إلى أقل من الصفر؟

هل يمكن أن تصل أرباح «ياهو» إلى أقل من الصفر؟

تتكون شركة خدمات الإنترنت «ياهو» من:
1- عدة خدمات إنترنت.
2- حصة تبلغ 35 في المائة في شركة منفصلة، لكنها شركة مساهمة عامة مثلها مثل «ياهو»، وهي «ياهو» اليابان.
3- حصة تبلغ 24 في المائة في شركة منفصلة، لكنها مختلفة، وسوف تصبح شركة مساهمة عامة قريبا، وهي «علي بابا».
كان زميلي في «بلومبيرغ»، مات كلين، قد أشار إلى تلك الأرقام في شهر مارس (آذار) الماضي، ثم أشار زميل آخر، مات مات يغليسياس، إلى الأرقام نفسها في مقال له صدر في 17 أبريل (نيسان) الحالي. وتشير تلك الأرقام إلى أن حصتي «ياهو - اليابان» و«ياهو - علي بابا» تساويان معا أكثر مما تساويه شركة «ياهو»، مما يعني أن أعمال «ياهو الأساسية» (Yhaoo core business) تساوي قيمة سلبية بالنظر إلى قيمتها من حيث الأموال، أي ما يقارب «سالب 13 مليار دولار». ويسمي يغليسياس هذه الأعمال الأساسية بأنها «منصة تدوين تمبلر، وموقع (فليكر) لمشاركة الصور ومقاطع الفيديو، وتطبيقات الطقس مع نظام تشغيل (آي أو إس) (iOS)، بالإضافة إلى جميع مواقع الأخبار والبريد الإلكتروني وألعاب (ياهو) الرياضية».
السؤال الواجب طرحه هو: كيف يمكن أن يكون ذلك صحيحا؟ فأعمال «ياهو» الأساسية ما زالت تحقق أرباحا سنوية تصل إلى مئات الملايين من الدولارات، والتي تخص - من الناحية النظرية - حاملي الأسهم. وعليه، فإن الكيان الذي يوفر أرباحا تبلغ مئات الملايين من الدولارات سنويا، ينبغي ألا تساوي قيمته سالب مليارات الدولارات. وينبغي بالضرورة عدم منح الأرباح، التي تخص حملة الأسهم من الناحية النظرية، للمساهمين. غير أنه بات معروفا أن «ياهو» لا تعطي نصيبا من الأرباح، حيث إن لديها تاريخا يجمع بين النجاح والفشل في الإدارة.. وهكذا يمكن للمرء ببساطة أن يقبل الرأي الخبيث القائل بأن «ياهو» ستعيد ضخ تلك الأرباح مرة أخرى في نشاط متراجع، وستجري إدارتها بشكل سيئ، وهو ما سيؤدي لاحقا إلى استنزاف الشركة، حتى يجد المساهمون أنفسهم وقد خرجوا صفر اليدين منها. غير أنه إن لم تكن احتمالية حدوث تلك النتيجة 100 في المائة - وهو شيء نادر في هذه الحياة - فينبغي أن تكون لها بعض القيمة الإيجابية.
كما لا ينبغي أبدا ترك حملة الأسهم من دون الحصول على أي شيء، وعليه، فإذا كانت نسبة حدوث سيناريو استنزاف الشركة تصل إلى 100 في المائة، فإن قيمة أعمال «ياهو» الأساسية ستصبح صفرا، وليس سالب مليارات الدولارات.
لكن المعضلة تبقى قائمة.
غير أن النقطة الثانية تنطوي على نوع من الخداع. يمكن لقيمة أعمال «ياهو» الأساسية أن تكون أقل من الصفر بكل سهولة، حيث يمكن أن تتحول من تحقيق الأرباح سنويا إلى تكبد الخسائر سنويا. وإذا شكلت خسائر أعمال «ياهو» الأساسية جزءا من شركة «ياهو» المندمجة، فإنه سيتوجب على «ياهو» المندمجة تغطية تلك الخسائر. ويمكن أن تغطي الخسائر من خلال بيع بعض من أسهم «علي بابا» أو أي نشاط من نشاطاتها الأخرى، وهو ما سيؤدي بدوره إلى تقليل قيمة أرباح «علي بابا» المخصصة لحملة الأسهم العامة في شركة «ياهو». وهكذا، يمكن أن تكون لأعمال «ياهو» الأساسية قيمة سلبية في حقيقة الأمر بالنسبة لحملة الأسهم، من خلال تقليل قيمة الأرباح التي يحصلون عليها من «علي بابا».
على الجانب الآخر، إذا جرى تقسيم «ياهو» إلى ثلاث شركات عامة منفصلة؛ هي: «ياهو - المندمجة الأساسية»، و«ياهو - اليابان القابضة المندمجة» و«ياهو علي بابا القابضة المندمجة»، فإنه سيتوجب على «ياهو المندمجة الأساسية» عدم الحصول على أي أسهم في كل من «ياهو - اليابان» و«ياهو - علي بابا»، وعليه، فلن تنخفض قيمتها أبدا إلى ما دون الصفر بالنسبة لحملة الأسهم المستثمرين فيها. أعتقد أن تلك الفرضية باتت واضحة نوعا ما، لكن ذلك يقود المرء إلى النظرية العامة التي تتحدث عن خفض قيمة التكتلات الاقتصادية، والتي تعني أن قيمة نشاط اقتصادي معين قد تساوي أقل من صفر (بالنسبة للمساهمين)، لكن قيمة الشركة، التي تدير ذلك النشاط، لا يمكن أن تصل إلى أقل من الصفر (بالنسبة للمساهمين). وقد نقلت تلك الفكرة على حسابي على موقع التواصل الاجتماعي، «تويتر»، ذات مرة، غير أنها تبدو حقيقية في كل الأحوال. وينطبق الأمر ذاته على جميع النشاطات الاقتصادية، سواء كانت ناجحة أم فاشلة ومتعثرة، حيث إن كل نشاط اقتصادي ينطوي على إمكانية تحقيقه نتائج سلبية. تحقق شركة «غوغل» أرباحا كبيرة في الوقت الحالي، غير أن هناك احتمالا ضئيلا للغاية أن القيمة الحالية لتدفقات الشركة النقدية في المستقبل ستصبح سلبية. لكن قيمة السهم لن تصبح أقل من الصفر.
غير أن هناك سؤالا مضحكا: هل سينقسم مديرو شركة «ياهو» إلى ثلاث شركات في محاولة لتقليل قيمة الشركة؟ وإذا كانت قيمة «ياهو - اليابان» تساوي نحو تسعة مليارات دولار، وقيمة «ياهو - علي بابا» تساوي 40 مليار دولار، بينما قيمة «ياهو المندمجة الأساسية» تساوي، لا أعلم، ربما بنسًا واحدا، فإنه ينبغي أن ينتج عن إجراء إعادة هيكلة ما قيمته 13 مليار دولار قيمة لحقوق المساهمين. السؤال الآخر: لماذا لا يجري اتخاذ تلك الخطوة؟ الإجابة: البعض يفضلون التفكير بالطريقة التقليدية.
بيد أن النقطة الأهم في كل ذلك هي أنه ينبغي على المرء عدم التسرع وإلقاء اللوم - فيما يخص القيمة السلبية لأعمال «ياهو الأساسية» - على؛ إما عدم الكفاءة في إدارة النشاط الاقتصادي، أو لا عقلانية المستثمرين. قيمة أعمال «ياهو الأساسية» لا تساوي أقل من الصفر لأن المستثمرين لا يعلمون بوجودها بالأساس، أو لأن القيمة المتوقعة للتدفقات النقدية المستقبلية سلبية في حقيقة الأمر. قيمة أعمال «ياهو الأساسية» تساوي أقل من الصفر بالفعل، وهذا في واقع الأمر نتيجة عملية حسابية تنتج من تطبيق عملية خفض قيمة التكتلات الاقتصادية على مجموعة نشاطات اقتصادية ذات قيم سعرية معروفة للجميع. لا يمس هذا الخفض قابلية الأعمال الأساسية للنمو والاستمرار، بل يُقصد به حقيقة أن المستثمرين لا تتوفر لهم إمكانية الدخول المباشر إلى أي من النشاطات الاقتصادية الفردية، غير أنه يجب عليهم شراء أسهم في تلك النشاطات في شكل تكتلات مجمعة حيث يمكن محو المكاسب التي يحققها النشاط الذي يرغبون في الاستثمار فيه، بواسطة الخسائر التي يتكبدها النشاط الذي لا يريدون الاستثمار فيه. وينطبق ذلك على «علي بابا» و«ياهو - اليابان»، كما ينطبق أيضا على نشاطات «ياهو الأساسية» الأخرى. وطبقا للعمليات الحسابية، فإن كلا من تلك النشاطات سيساوي بمفرده أكثر مما يساوي في حالة حدوث اندماج بين كل النشاطات. كما ستكون قيمة كل سهم تملكه «ياهو» في النشاطات الثلاثة أقل بالنسبة للمساهمين في «ياهو» من قيمة السهم الذي يمتلكه المساهمون بشكل مباشر.
لكن قيمة كل نشاط - في ضوء العملية الحسابية نفسها - ستكون أكبر من قيمته عندما يكون جزءا من كيان اقتصادي أكبر، وهذا هو السبب الرئيس وراء سعي كثيرين لتدشين عملية تخارج للشركات من الكيان الأكبر الذي يعملون تحت مظلته. غير أن الشركات عادة ما تطرح حجة مقبولة ظاهريا (وغالبا ما تكون صحيحة!)، وهي أن الشركات تقوي بعضها بعضا عندما تعمل من وجهة نظر اقتصادية تكون قادرة على التغلب على العيوب التي تواجهها من وجهة النظر الحسابية.
لكن الأمر الغريب فيما يتعلق بحالة «ياهو» هو أن النشاطات الأخرى تبدو منفصلة بعضها عن بعض بشكل واضح، حيث يعمل كل نشاط من تلقاء نفسه. وعليه، فإنه ليس من العدل إلقاء اللوم على نشاطات «ياهو الأساسية» فيما يخص انخفاض القيمة، لكنها تبقى الجهة الرئيسة التي تتحمل المسؤولية.
* خدمة: بلومبيرغ



الذهب يواصل مكاسبه مع ضعف الدولار وسط ترقب لبيانات الوظائف الأميركية

رقائق من الذهب في «غاليري 24»، وهي شركة بيع بالتجزئة للذهب مملوكة للدولة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)
رقائق من الذهب في «غاليري 24»، وهي شركة بيع بالتجزئة للذهب مملوكة للدولة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)
TT

الذهب يواصل مكاسبه مع ضعف الدولار وسط ترقب لبيانات الوظائف الأميركية

رقائق من الذهب في «غاليري 24»، وهي شركة بيع بالتجزئة للذهب مملوكة للدولة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)
رقائق من الذهب في «غاليري 24»، وهي شركة بيع بالتجزئة للذهب مملوكة للدولة، في سورابايا، شرق جاوة (أ.ف.ب)

واصل الذهب مكاسبه، يوم الاثنين، ليتداول فوق مستوى 5 آلاف دولار للأونصة بقليل مع انخفاض الدولار، بينما ينتظر المستثمرون تقريراً هاماً عن سوق العمل الأميركي من المقرر صدوره في وقت لاحق من الأسبوع لتقييم مسار أسعار الفائدة.

وارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 5026.04 دولار للأونصة بحلول الساعة 03:33 بتوقيت غرينتش بعد ارتفاعه بنسبة 4 في المائة يوم الجمعة. وارتفعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 1.4 في المائة إلى 5046.10 دولار للأونصة.

قال تيم ووترر، كبير المحللين في شركة «كي سي إم»: «بشكل عام، يشهد الذهب ارتفاعاً اليوم، وإن كان حذراً، في ظل ترقب بيانات الوظائف الرئيسية هذا الأسبوع، مدعوماً بانخفاض الدولار. وقد دفع الإقبال على الشراء الذهب مجددًا فوق مستوى 5 آلاف دولار».

وكان الدولار الأميركي عند أدنى مستوى له منذ 4 فبراير (شباط)، مما جعل المعادن الثمينة، التي تُباع بالدولار، أرخص للمشترين الأجانب.

وقالت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو، ماري دالي، يوم الجمعة، إنها تعتقد أن خفض سعر الفائدة مرة أو مرتين إضافيتين قد يكون ضرورياً لمواجهة ضعف سوق العمل.

ويتوقع المستثمرون خفض سعر الفائدة مرتين على الأقل بمقدار 25 نقطة أساس في عام 2026، مع توقع أول خفض في يونيو (حزيران). ويميل الذهب، الذي لا يُدرّ عائدًا، إلى الأداء الجيد في بيئات أسعار الفائدة المنخفضة.

قال ووترر: «أي تباطؤ في بيانات الوظائف قد يدعم انتعاش الذهب. لا نتوقع خفضًا لسعر الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي حتى منتصف العام، إلا إذا شهدت بيانات الوظائف انخفاضاً حاداً».

انتظر المستثمرون بيانات الوظائف غير الزراعية الأميركية لشهر يناير (كانون الثاني) يوم الأربعاء للحصول على مزيد من المؤشرات حول مسار السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي. وقد تأخر صدور التقرير عن الأسبوع الماضي بسبب إغلاق جزئي للحكومة استمر أربعة أيام وانتهى منذ ذلك الحين.

وصرح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يوم الأحد بأن الاعتراف بحق إيران في تخصيب اليورانيوم أمر أساسي لنجاح المفاوضات النووية مع الولايات المتحدة. وأجرى دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون محادثات غير مباشرة في سلطنة عمان يوم الجمعة، بهدف إنعاش الجهود الدبلوماسية وسط حشد القوات البحرية الأميركية بالقرب من إيران.

وارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 4.3 في المائة إلى 81.11 دولار للأونصة بعد مكاسب تقارب 10 في المائة في الجلسة السابقة. بلغ سعره أعلى مستوى له على الإطلاق عند 121.64 دولار في 29 يناير.

في المقابل، انخفض سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.2 في المائة إلى 2091.54 دولار للأونصة، بينما ارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1723.37 دولار.


من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
TT

من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

بعث مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة في نسخته الثانية العام الحالي، رسالة حاسمة إلى العالم مفادها أن «زمن التبعية قد انتهى».

وأطلق وزير المالية السعودي محمد الجدعان، من قلب الحدث الذي يشارك فيه وزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية وقادة مؤسسات دولية، «بيان الثقة»، مختصراً رؤية المملكة لتمكين الاقتصادات الناشئة في 3 رسائل حاسمة: الأولى، أن استقرار الاقتصاد الكلي هو «الأساس المتين» لأي نهضة تنموية وليس عائقاً لها كما يُشاع؛ والثانية، أن مصداقية السياسات لا تُبنى ببراعة الخطط الورقية، بل بـ«جسارة التنفيذ» على أرض الواقع؛ والثالثة، أن الأسواق الناشئة لم تعد تابعة، بل باتت «المحرك السيادي» الذي يقود 70 في المائة من النمو العالمي.

من جهتها، رسمت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، مشهداً قلقاً حيال ارتفاع مستويات الدَّين، معتبرةً أن تمكين القطاع الخاص هو المخرج الآمن لتعزيز النمو.


التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».