العلاقات السعودية ـ التركية والعمق الاستراتيجي المشترك

العلاقات السعودية ـ التركية والعمق الاستراتيجي المشترك
TT

العلاقات السعودية ـ التركية والعمق الاستراتيجي المشترك

العلاقات السعودية ـ التركية والعمق الاستراتيجي المشترك

اختتم الأمير سلمان بن عبد العزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية زيارته إلى تركيا التي انتهت بالتوقيع على عدد من الاتفاقيات المهمة تشمل الجوانب السياسية والاقتصادية والعسكرية. وقد كان واضحا من خلال حجم اهتمام صانعي القرار في أنقرة وكذلك تغطية وسائل الإعلام، ما تبديه تركيا من أهمية لتطوير علاقاتها مع السعودية. وفي الواقع، فإن المتتبع لمسار العلاقات التركية - السعودية سيلاحظ أنه في السنوات الأخيرة شهدت تطورا ملحوظا جرى التعبير عنها في تبادل الزيارات على أعلى مستوى.
الجغرافيا السياسية للبلدين وكذلك تقارب سياساتهما الخارجية في عدد من القضايا الدولية جعلاهما تشكلان عمقا استراتيجيا بعضهما لبعض، فالسعودية تتصل بروابط استراتيجية تشمل الجزيرة العربية، والعالم العربي، والشرق الأوسط، والمحيط الهندي، كما تعتبر أيضا محور الطرق البحرية والجوية بين أوروبا والشرق الأوسط وغرب آسيا وجنوب شرقي آسيا. تركيا بدورها تقع في منطقة حيوية للاستراتيجيات الدولية والإقليمية، إذ تعد نقطة التقاء بين منطقة البلقان والشرق الأوسط والقوقاز وآسيا الوسطى.
وخلال مرحلة الثمانينات فرضت الحرب العراقية - الإيرانية والحرب في أفغانستان على كل من الرياض وأنقرة لأن تعطيا أبعادا استراتيجية لعلاقاتهما، وهو ما فهم آنذاك في الزيارة التي قام بها وزير الدفاع التركي إلى السعودية عام 1984 والتوقيع على اتفاقية للتعاون العسكري بين البلدين، شملت تطوير الصناعة العسكرية برأسمال سعودي وخبرة تركية. أنقرة كانت في حاجة إلى إضعاف إيران (خصمها التاريخي)، خصوصا أمام مخاوفها من امتداد آثار «الثورة الخمينية» إلى الداخل التركي، وذلك على الرغم من أنها ظهرت في موقف «الحياد» تجاه الحرب الإيرانية - العراقية.
وجدت أنقرة والرياض نفسيهما مرة أخرى أمام وضع جيوستراتيجي جديد بسبب الغزو العراقي للكويت، وشكلت هذه الحرب محطة أخرى للتقارب الاستراتيجي بين البلدين، بل إن هذه الحرب يمكن اعتبارها إحدى المحطات الرئيسة التي جعلت أنقرة تنفتح بشكل أكبر على المنطقة العربية بسبب ما كانت تحمله من دلالات لأمنها القومي عبر «أكراد العراق».
ومع بداية القرن الواحد والعشرين ستتأزم المنطقة من جديد بسبب الغزو الأميركي للعراق عام 2003، ولكن التحدي الأكبر بعدها هو دخول إيران بقوة في المعادلة العراقية، مما شكل تهديدا لمصالح دول الجوار، وما التوتر بين حكومة المالكي وأنقرة إلا أحد مظاهر ذلك التحدي. وفي الواقع، فإن التوافق التركي - السعودي في القضايا الاستراتيجية يعود في جزء منه إلى وقوف السعودية إلى جانب تركيا في محطات حساسة لأنقرة، من قبيل المسألة القبرصية وما تعرضت لها الأقلية التركية في بلغاريا من اضطهاد. وبالإضافة إلى ذلك فإن البلدين لهما وجهات نظر متقاربة بخصوص باكستان تترجمه عضويتهما المشتركة في مجموعة «أصدقاء باكستان الديمقراطية». وفي هذا السياق شاركت المملكة العربية السعودية وباكستان لأول مرة في مناورات «صقر الأناضول» الجوية في يونيو 2011 في قونيا بتركيا، كما شاركت البلدان الثلاثة خلال هذا الشهر في مناورات «صقور السلام الأول» في قاعدة الملك فهد الجوية بالمملكة العربية السعودية.
التقارب الاستراتيجي بين البلدين فرضته أيضا في الفترة الأخيرة الأزمة السورية بما لها من تداعيات أمنية على المنطقة بأسرها، ولذلك كانت هذه المسألة على رأس جدول الأعمال في زيارة ولي العهد السعودي لأنقرة، خصوصا في ظل الحديث عن الإعداد لمؤتمر «جنيف 2»، ويبدو أن البلدين يسعيان إلى تنسيق مواقفهما قبل هذا المؤتمر، لا سيما أن النظام السوري يسعى إلى تغيير الوقائع على الأرض من خلال الاستعانة في المعارك بحزب الله اللبناني وتصدير الأزمة إلى لبنان وتركيا. وهذا ما يفسر دعوة مجموعة أصدقاء سوريا الأخير في الأردن إلى أن تنسحب عناصر حزب الله وإيران من سوريا فورا. وفي هذا الإطار لا يخفى أيضا الانزعاج التركي من رفض مقترحها بإنشاء منطقة لحظر الطيران في سوريا عندما زار رئيس الوزراء التركي طيب رجب أردوغان واشنطن خلال الشهر الحالي.
المنطقة مقبلة أيضا على تحريك المفاوضات العربية - الإسرائيلية في ظل المعادلة الجديدة التي فرضتها التطورات في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا مع احتمال عودة تركيا لتلعب دورا في هذا الملف بعد الاعتذار الإسرائيلي لأنقرة بخصوص حادثة سفينة مرمرة. هذا بالإضافة إلى أن الصين دخلت بقوة هذه المرة في ملف القضية الفلسطينية باقتراحها مبادرة قائمة على أربعة مبادئ يمكن أن تؤدي إلى تعديل في مبادرة السلام العربية التي سبق أن اقترحتها المملكة العربية السعودية.
باختصار إن التطورات الرئيسة التي عرفتها وتعرفها منطقة الشرق الأوسط تجعل تركيا والسعودية دائما في وضع يفرض عليهما تعميق العلاقات الاستراتيجية بينهما، غير أنه في السنوات الأخيرة بدأت تتجه هذه العلاقات في سياق سعي البلدين لتوسيع تأثيرهما المشترك في مسار العلاقات الدولية. وفي هذا الإطار يسعى البلدان إلى الاستفادة من إمكانياتهما الاقتصادية لتحقيق هذا الهدف، ولذلك كانت المسائل الاقتصادية من بين أهم الملفات التي طرحت في محادثات البلدين.
* باحث في منظمة البحوث الاستراتيجية والدولية (أوساك) في أنقرة



جنرالات إسرائيل يحذرون الحكومة من تصريحاتها المتغطرسة وأضرارها مع العرب

ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

جنرالات إسرائيل يحذرون الحكومة من تصريحاتها المتغطرسة وأضرارها مع العرب

ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
ضربة إسرائيلية استهدفت مخيماً للنازحين إلى الغرب من خان يونس في جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

حذر عدد من الجنرالات في الجيش والمخابرات الإسرائيلية من التبعات والتأثيرات السلبية لتصريحات عدد من المسؤولين السياسيين، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، التي تتسم بالغطرسة والغرور. وقال هؤلاء، خلال اجتماعات رسمية موثقة في البروتوكولات: «إن تبجح القادة السياسيين يجعل إسرائيل في نظر دول المنطقة عنصراً خطيراً وغير متوقع، يهدد الاستقرار الإقليمي، ويجعل هذه الدول تفتش عن تحالفات ضدها».

سلاح الجو الإسرائيلي خلال تدريبات «بلو فلاغ» السابقة (الجيش الإسرائيلي)

وبحسب المراسل العسكري لصحيفة «هآرتس»، ينيف كوفوفيتش، فإن الجنرالات لم يكتفوا بالتذمر، بل توجهوا رسمياً باسم المؤسسة الأمنية، وعبَّروا صراحة عن القلق من أنه «في ظل الصراعات السياسية التي تجري في إسرائيل، فإنه تتم ترجمة الإنجازات الحربية والردع اللذين حققهما الجيش الإسرائيلي بتكلفة باهظة من قِبل القيادة السياسية، لا سيما الوزراء الكبار، إلى خطاب تفاخر أهوج يبلغ حد الإهانة لبعض دول المنطقة».

وحذرت المؤسسة الأمنية القيادة السياسية من أن «التحول من حالة الردع الإقليمي إلى حالة الإهانة الإقليمية يدفع دول الشرق الأوسط، بما في ذلك الدول التي وقَّعت على اتفاقات إبراهيم، أو التي تجري محادثات للانضمام إليها، إلى فقدان الثقة والخوف من طموحات إسرائيل الإقليمية».

وحسب المؤسسة، «تقيم هذه الدول تحالفات مع الولايات المتحدة وأوروبا الغربية وفيما بينها لمنع إسرائيل من مراكمة نفوذ غير منضبط في المنطقة، وخلق أدوات ضغط قد تؤثر سلباً في أمن إسرائيل واقتصادها».

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أ.ف.ب)

المعلوم أن القادة العسكريين الإسرائيليين لم يكونوا أبرياء في لهجة الغطرسة والعجرفة الإسرائيلية، بل هم أهم عناصر تكوينها. ومع ذلك فإنهم، على ما يبدو، بدأوا يرون تداعياتها الخطيرة، لكنهم، وفقاً للعادة السائدة في تل أبيب خصوصاً في الآونة الأخيرة، يلقون بالمسؤولية على الآخرين من دون أن يحاسبوا أنفسهم على التصرف نفسه.

ونقلت الصحيفة عن «مصدر أمني رفيع» قوله: «دول كثيرة في الشرق الأوسط تعتقد أن إسرائيل أصبحت بعد هذه الحرب أقوى، بما يفوق حجمها الحقيقي في المنطقة؛ فالقدرة التي أظهرها الجيش و(الشاباك) و(الموساد) في أثناء الحرب أعادت بدرجة كبيرة قوة الردع أمام جميع الأطراف الفاعلة في المنطقة، وجعلتها تقدر قوتها العسكرية، ولكن الخطابات المغرورة والتصريحات غير المسؤولة من قبل النخبة السياسية تحول الردع إلى إهانة؛ ففي الشرق الأوسط يتم النظر إلى أي شخص يراكم كثيراً من السلطة، ويتفاخر بها على الفور على أنه عامل يضعضع الاستقرار، ويجب الاستعداد لصده».

قوات إسرائيلية في الأراضي السورية (حساب الجيش الإسرائيلي)

ويتضح من مراجعة هذه التحذيرات أن الجنرالات يقصدون انتقاد تصريحات علنية لكبار الوزراء، مثل نتنياهو، الذي يتباهى بأن «إسرائيل غيرت وجه الشرق الأوسط»، ويهدد باستئناف الحرب في كل الجبهات. وتصريحات وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، الذي يتباهى بممارسات تستهدف فرض حقائق على الأرض يمكن أن تؤدي إلى ضم الضفة الغربية، خلافاً لموقف أميركا. كما يقصدون الحملة التي أطلقها عدد من أعضاء فريق المستشارين في مكتب رئيس الحكومة، التي هدفت إلى الإضرار بمكانة مصر الإقليمية واتفاق السلام، بزعم أن المصريين كانوا يحشدون القوات استعداداً للمواجهة مع إسرائيل، وأنهم سمحوا بالتهريب في الأنفاق عن طريق محور فيلادلفيا حتى في أثناء الحرب، الأمر الذي كرره مسؤولون كبار في الحكومة، وتبين بعد ذلك أنه افتراء، ومحاولة اغتيال قادة «حماس» الكبار في قطر في أثناء المفاوضات حول صفقة الرهائن، وهو الحدث الذي جعل دول الشرق الأوسط تتأكد، وفقاً للمؤسسة الأمنية، أنه من الصعب الوثوق بالحكومة الإسرائيلية الحالية.

وقال المسؤولون أنفسهم، بحسب الصحيفة، إنه «إذا كان الخوف من امتلاك إيران للسلاح النووي كابوساً مشتركاً بين كثير من دول الشرق الأوسط، فإن القلق يسود دول الخليج إزاء ثقة إسرائيل المفرطة بنفسها، التي تتحول بالنسبة لهم إلى عامل يقوض الاستقرار الأمني في المنطقة».

ونقلت عن «مصدر أمني رفيع ومطلع» القول: «يوجد توجه واضح لدى الشخصيات السياسية وكبار المسؤولين في المؤسسة الأمنية أيضاً؛ حيث يعتقدون أن القوة العسكرية تحقق إنجازات أكبر من التحركات السياسية. وبالنسبة لدول الخليج، فهذه رسالة تقول إن إسرائيل مستعدة لاستخدام القوة حتى في ساحات الشراكة مثلما حدث في قطر. وقادة كثيرون منهم يتساءلون عما إذا كانت إسرائيل، بعد إيران، ستكون هي العامل الذي سيحاول التأثير فيما يحدث في دولهم، وإذا كان يتوقع أنها ستعدهم تهديداً في الغد، وتشن الهجوم عليهم. هذا مصدر قلق حقيقي في المنطقة».

جنود إسرائيليون يراقبون الحدود مع الأردن (أرشيفية - الجيش الإسرائيلي)

وتختتم «هآرتس» تقريرها بالتأكيد على أن موقف المؤسسة الأمنية مثلما عرض مؤخراً في النقاشات الأمنية، وهو أن الاستمرار في خلق خطاب يصور إسرائيل بأنها تفضل الحلول العسكرية أحادية البعد على العمليات السياسية والمدنية والاقتصادية، هو موقف خاطئ. واستمرار سياسة التفاخر المهينة قد يؤدي إلى تآكل اتفاقات السلام والإضرار بالتطبيع الذي رسخته اتفاقات إبراهيم، وضياع فرص التعاون مع دول أخرى».


«الأولمبياد الشتوي»: تبخر آمال غو بثلاثية في التزلج الحر

المتزلجة الحرة الصينية إيلين غو (إ.ب.أ)
المتزلجة الحرة الصينية إيلين غو (إ.ب.أ)
TT

«الأولمبياد الشتوي»: تبخر آمال غو بثلاثية في التزلج الحر

المتزلجة الحرة الصينية إيلين غو (إ.ب.أ)
المتزلجة الحرة الصينية إيلين غو (إ.ب.أ)

تبخر حلم المتزلجة الحرة الصينية إيلين غو، المولودة في الولايات المتحدة، بتحقيق ثلاثية ذهبية تاريخية في الألعاب الأولمبية الشتوية.

وكانت غو، إحدى أبرز وجوه أولمبياد بكين 2022، تأمل في الفوز بذهبية سلوبستايل، وهي منافسة استعراضية في رياضة التزلج الحر في منتزه «ليفينيو سنو بارك» في إيطاليا، تتطلب من المشاركات تجاوز عقبات وتنفيذ قفزات.

لكن السويسرية ماتيلد غريمو بددت، الاثنين، آمال ابنة الثانية والعشرين في حصاد أولى ذهبياتها، مكرّرة فوزها قبل أربعة أعوام بعدما سجّلت 86.96 نقطة في مرور ثانٍ مذهل، لتتفوّق بفارق ضئيل على غو التي بلغ أفضل مجموع لها في محاولاتها الثلاث 86.58 نقطة.

قالت غريمو: «كنت أعلم حقاً أن علي أن أكون أقوى في الجولة الثانية، وتمكنت بطريقة ما من القيام بذلك»، مضيفة أنها كانت «تحت الضغط» بعد أداء غو.

وأضافت: «كان الأمر ممتعاً جداً. كنت مركزة للغاية ومتحمسة للتزلج، وفي الوقت نفسه كنت هادئة إلى حدّ كبير. احتاج الأمر إلى الكثير من التحضير الذهني، والكثير من الدعم من عائلتي وفريقي».

وكانت غو قد أسرت قلوب جمهورها في الصين خلال أولمبياد بكين بعد أن حصدت ذهبيتي نصف الأنبوب والهوائي الكبير وفضية سلوبستايل خلف غريمو.

قالت غو التي نقلت ولاءها إلى الصين عام 2019: «أعتقد أنه من الطريف أنه في كل من الدورتين الأولمبيتين كان الفارق بيننا نصف نقطة فقط. وإذا كان لذلك من معنى، فهو يعكس تطور تزلج السيدات الحر».

وأضافت غو (22 عاماً): «مررت بتحديات كثيرة منذ أولمبياد بكين. بصراحة تامة، كانت السنوات الأربع الماضية صعبة للغاية، بين الإصابة وفترات الابتعاد عن الثلج، ثم بعض الأمور الذهنية».

وتابعت غو التي ارتدت زياً أبيض اللون مزداناً بنقوش التنين الصيني: «أحياناً أشعر وكأنني أحمل على كتفيّ وزن بلدين كاملين، ومع ذلك القدرة على التزلج وسط كل ذلك، وتقديم أفضل ما لدي، والبقاء عاشقة لهذه الرياضة بعمق، هذا هو ما يهمني، وأنا سعيدة جداً بأنني تمكنت من إظهاره اليوم».

والآن، على هذه المتزلجة المتعدّدة المواهب التي تعمل أيضاً عارضة أزياء وتدرس في جامعة ستانفورد، أن تركز على ما تبقى لها من منافسات في ألعاب ميلانو-كورتينا: نصف الأنبوب والهوائي الكبير.


رفض أردني - فلسطيني تام للقرارات الإسرائيلية الأخطر على الضفة

فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
TT

رفض أردني - فلسطيني تام للقرارات الإسرائيلية الأخطر على الضفة

فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)
فتيات فلسطينيات يرفعن علامة النصر على أنقاض مبانٍ هدمتها إسرائيل في بيت عوا بمدينة الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

أكد العاهل الأردني الملك عبد ﷲ الثاني «رفض بلاده التام» لأي قرارات من شأنها انتهاك الحقوق العادلة والمشروعة للأشقاء الفلسطينيين وقيام دولتهم المستقلة على أساس حل الدولتين».

وجدد لدى استقباله الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في عمان، الاثنين، «إدانة بلاده الإجراءات غير الشرعية التي تهدف إلى ترسيخ الاستيطان وفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية».

وحسب البيان الصحافي الصادر عن الديوان الملكي، فإن اللقاء عُقد في «قصر الحسينية» لبحث مجمل التطورات في الأراضي الفلسطينية، وشدد خلاله الزعيمان «على ضرورة إدامة التنسيق الثنائي ومع الشركاء الإقليميين والدوليين للضغط باتجاه وقف التصعيد الإسرائيلي الخطير، الذي من شأنه تأجيج الصراع في المنطقة».

الملك عبد الله الثاني يستقبل الرئيس الفلسطيني محمود عباس في عمّان (أ.ف.ب)

وفيما يخص المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، أعاد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، التأكيد على «استمرار المملكة في القيام بدورها التاريخي في رعاية هذه المقدسات، انطلاقاً من الوصاية الهاشمية عليها».

وجدد الملك الأردني دعم جهود السلطة الوطنية الفلسطينية في الإصلاح، بما يخدم مصالح الشعب الفلسطيني الشقيق.

بدوره، حذر عباس من «خطورة القرارات (التي اتخذها الكابينت الإسرائيلي) وتداعياتها على الأمن والاستقرار في المنطقة، بخاصة في ظل استهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية، ومع اقتراب شهر رمضان المبارك».

وقال: «ندعو الرئيس دونالد ترمب إلى إعادة تأكيد وقف التهجير والضم، وهي التعهدات التي التزمت بها الإدارة الأميركية في سبتمبر (أيلول) الماضي خلال بحث خطة الرئيس ترمب مع قادة الدول العربية والإسلامية في نيويورك».

وبينما تصادر الحكومة الإسرائيلية المزيد من الأراضي الفلسطينية في الضفة الغربية، بهدف توسيع رقعة الاستيطان، وفرض واقع جديد على الأرض، فإن الأردن الرسمي «على تنسيق مستمر مع الولايات المتحدة الأميركية لمنع إسرائيل من التعسف في فرض إجراءات أحادية، أو عبر التوسع في عملياتها الاستيطانية، والتضييق على سكان محافظات الضفة الغربية، ما سيتسبب في ردود فعل فلسطينية غاضبة»، وفق مصادر سياسية تحدثت لـ«الشرق الأوسط».

وأكدت المصادر أن «عمان على اتصال مستمر مع فاعلين في مؤسسات القرار الأميركي». ويُحذر الأردن الرسمي من أن الممارسات الإسرائيلية الأحادية المدعومة من حكومة اليمين المتطرف برئاسة بنيامين نتنياهو، من «شأنها مصادرة الحقوق الفلسطينية التاريخية المشروعة»، كما ستسهم في «خلق فوضى من بوابة تأجيج الصراع، واستمرار الانتهاكات اليومية للحق الفلسطيني على أراضيه».

العاهل الأردني والرئيس الفلسطيني (الديوان الملكي)

وشددت المصادر في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، على أن العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني يواصل جهوده الدبلوماسية مع الولايات المتحدة للضغط على تل أبيب و«العمل على تسهيل إجراءات دخول المصلين إلى باحات المسجد الأقصى مع اقتراب حلول شهر رمضان نهاية الأسبوع المُقبل». ويُحذر الأردن من أن أي استفزازات إسرائيلية بحق المصلين قد تكون سبباً في ردود فعل غير متوقعة.

وفي حين تؤكد مصادر «الشرق الأوسط» أن انقطاع الاتصالات مع الجانب الإسرائيلي، بدأ منذ بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2023، فإن نفس المصادر جددت التأكيد على أن نتنياهو «يكذب» بشأن القرارات التي تتخذها حكومته والسياسات التي تنتهجها، وأنه يريد الاتصال مع الأردن لـ«أسباب انتخابية تتعلق بمستقبله السياسي»، وهو ما يرفضه الأردن الرسمي.

ومنذ العدوان الإسرائيلي على غزة سحب الأردن سفيره من تل أبيب، وطالب بمغادرة السفير الإسرائيلي من عمان، ولا يزال التمثيل الدبلوماسي مجمداً بين البلدين. على أن الاتصالات الأمنية مستمرة لأهداف تتعلق بضبط الحدود المشتركة ومنع عمليات التسلل بالاتجاهين.

وحسب تقديرات الأردن الرسمية، فإن الولايات المتحدة وإن كانت لا تزال تُظهر دعمها لحكومة نتنياهو، لكنها بدأت تشعر بِثقل التحالف الذي انعكس سلباً على صورتها أمام المجتمع الدولي. وذلك نتيجة لبشاعة الحرب التي شنتها إسرائيل على المدنيين في قطاع غزة، وتسجيلها انتهاكات خطيرة وارتكابها جرائم حرب جرى توثيقها في تقارير حقوقية دولية، إلى جانب التضييق المستمر على إدخال المساعدات الإنسانية العاجلة لسكان القطاع.

وقالت مصادر فلسطينية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن عباس بدأ سلسلة مشاورات مع الدول العربية لمواجهة القرارات الإسرائيلية، واتخاذ قرارات محتملة.

رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يرأس اجتماع «الكابينت» الإسرائيلي (د.ب.أ)

وأضافت: «لا يمكن الانتظار حتى تنتهي إسرائيل من ضم الضفة. القضية الفلسطينية تمر بأعقد وأكثر مرحلة حساسة على الإطلاق، وهي الأخطر... والتشاور مع الملك الأردني كان مهماً جداً باعتبار أن القرارات الإسرائيلية مسَّت كذلك بالوضع القائم الذي تعد المملكة طرفاً فيه، وتمس بالمقدسات التي تشرف عليها المملكة، وقد ألغت قرارات أردنية سابقة تخص الضفة الغربية بما في ذلك القدس... عمان جزء من المجموعة (الـ8) التي تشكل أفضل داعم للفلسطينيين وأكبر ضاغط على الرئيس الأميركي دونالد ترمب».

مستوطنون إسرائيليون في جولة أسبوعية بمدينة الخليل في الضفة الغربية (رويترز)

كان «الكابينت» قد اتخذ سلسلة قرارات أعلن عنها لاحقاً وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، شملت تغيير إجراءات تسجيل الأراضي وحيازة العقارات في الضفة الغربية بشكل جذري، بهدف تسهيل الاستيطان اليهودي في المنطقة.

وقال الوزيران في بيان مشترك، إن هذه القرارات «تهدف إلى إزالة الحواجز القائمة منذ عقود، وإلغاء التشريعات الأردنية التمييزية، وتسريع وتيرة التنمية الاستيطانية على أرض الواقع».

ونصّت الخطة المعتمدة على نشر سجلات الأراضي في الضفة الغربية، بعدما كانت سرية، وإلغاء قانون أردني يمنع اليهود من شراء العقارات في المنطقة، إلى جانب إلغاء شرط الحصول على ترخيص من مكتب تسجيل الأراضي، واستبدال «شروط مهنية فقط» به.

نتنياهو وسموتريتش في أحد اجتماعات «الكابينت» (رويترز)

كما تقرر توسيع نطاق الرقابة والإنفاذ ليشمل المنطقتين (أ) و(ب) فيما يتعلق بمخالفات المياه، وإلحاق الضرر بالمواقع الأثرية، والمخاطر البيئية التي تلوث كامل الأراضي.

إضافة إلى ذلك، نصت الخطة، على نقل صلاحية إصدار تصاريح البناء للمستوطنة اليهودية في الخليل، بما في ذلك في موقع الحرم الإبراهيمي شديد الحساسية، من بلدية الخليل، الخاضعة للسلطة الفلسطينية، إلى إسرائيل. كما تقرر أيضاً إنشاء «سلطة بلدية مخصّصة» تتولى مسؤولية التنظيف والصيانة الدورية لموقع قبر راحيل في بيت لحم.

وفاخر المسؤولون الإسرائيليون بأن هذه الإجراءات «تدفن الدولة الفلسطينية، وتمكِّن اليهود من شراء الأراضي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية) كما يشترونها في تل أبيب أو القدس».

أحد اجتماعات «الكابينت» الأخيرة في الحكومة الإسرائيلية (مكتب الصحافة الحكومي)

فماذا تعني هذه القرارات؟

تعد هذه القرارات الأخطر منذ نشأة السلطة الفلسطينية قبل 33 عاماً، وهي بطريقة أو بأخرى تغيِّر وجه الضفة الغربية، وتُلغي سيادة السلطة في مناطقها.

ويتيح فتح سجل الأراضي في الضفة الغربية (الطابو) لجميع اليهود، معرفة أسماء الملاك الفلسطينيين للأراضي والتواصل معهم مباشرةً أو الضغط عليهم بطرق مختلفة لشرائها، مما يسهّل عملية الاستحواذ على الأراضي والعقارات.

والأخطر أن هذا سيشمل للمرة الأولى مناطق «أ» وهي المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، وكانت ممنوعة على الإسرائيليين.

واختراق «المناطق المحرمة» (أ) وكذلك (ب) هو الأكثر خطورة في المسألة، لأنه يُلغي عملياً دور السلطة الفلسطينية في هذه المناطق، إذ لا تعود الجهة المخولة بتنظيم ملكية الأراضي والعقارات والبيع والشراء، كما أنه يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحية الرقابة والهدم في المنطقتين الخاضعتين إدارياً للسلطة الفلسطينية (بموجب اتفاق أوسلو).

الدخان يتصاعد من منزل هدمه الجيش الإسرائيلي في قرية شمال الخليل بالضفة الغربية (أ.ف.ب)

ويعد نقل صلاحيات تخطيط البناء ومنح التراخيص في قلب الخليل (بما في ذلك الحرم الإبراهيمي) من بلدية الخليل الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية، جزءاً يصب في هذا الإطار.

وقال محامي بلدية الخليل، سامر شحادة، في بيان، إن القرارات «تعكس توغّلاً خطيراً في منظومة الصلاحيّات المدنيّة والبلديّة»... أمّا إلغاء «القانون الأردني» الذي يمنع غير العرب من الشراء في الضفة الغربية، فيستهدف تمكين أي إسرائيلي من شراء الأرض بصفته الشخصية وليس عبر شركات مسجلة كما كان يحدث سابقاً للالتفاف على القانون.

وحسب اتفاقيات أوسلو، تُقسّم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: (أ)، و(ب)، و(ج). وتخضع المنطقة (ج) لسيطرة إسرائيلية كاملة، بينما تخضع المنطقة (ب) لسيطرة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية، وتخضع المنطقة (أ) لسيطرة فلسطينية كاملة (أمنية وإدارية).

جنود إسرائيليون يقفون للحراسة خلال جولة للمستوطنين في الخليل بالضفة الغربية المحتلة (رويترز)

وأصدر «معهد الحقوق في جامعة بير زيت» ورقة يشرح فيها الإطار العام للقرارات الإسرائيلية وتأثيراتها السياسية والقانونية. وقال إن إسرائيل عملياً تبتلع الضفة عبر إعادة هندسة السيطرة عليها، مما يعد ضماً فعلياً للأراضي المحتلة.

وفنَّد المعهد القرارات الإسرائيلية، وقال إن رفع السرية عن سجلات الأراضي في الضفة الغربية يؤثر مباشرةً على البنية القانونية لملكية الأرض في الضفة، ويغير التوزيع الديمغرافي وحقائق الوجود على الأرض، ويضفي «شرعية» على توسع استيطاني يمس جوهر حقوق الفلسطينيين في الأرض.

أمّا إلغاء القيود على بيع الأراضي للأجانب، وإلغاء شرط «تصريح الصفقة»، فيحدث تحولاً جوهرياً، ويعد «تسهيلاً قانونياً» للاستيطان، ويغير حقائق الأرض بشكل يصعب التراجع عنه لاحقاً.

وفيما يخص نقل صلاحيات التخطيط والبناء في مناطق حساسة إلى ما تسمى «الإدارة المدنية» للاحتلال، فإن ذلك يعزز السيطرة الإسرائيلية الكاملة على هذه المناطق، ويحدّ من دور السلطة الفلسطينية في اتخاذ قرارات حضرية مهمة، ويفتح الباب أمام توفر سلطة إسرائيلية كبرى لهدم مبانٍ فلسطينية بحجج تتعلق بالأمن أو التراث أو البناء غير المرخّص، في مناطق كان يُفترض أن تديرها السلطة الفلسطينية.

وأضاف: «يُنظر إلى هذه الخطوة أيضاً على أنها جزء من إلغاء تدريجي لسلطة الحكم الذاتي الفلسطينية في مناطق استراتيجية، مما يشكل تحولاً ملموساً في موازين القوى على الأرض».

جنود إسرائيليون في الخليل (رويترز)

وبينما أكدت الرئاسة الفلسطينية أن «هذه القرارات غير الشرعية وغير القانونية باطلة ولاغية ولن تعطي شرعية لأحد، ولن يترتب عليها أي أثر قانوني»، قالت منظمة «سلام الآن»، التي تدعو إلى حل الدولتين في بيان: «وعد نتنياهو بإسقاط (حماس) في غزة، لكنه في الواقع اختار إسقاط السلطة الفلسطينية، وإلغاء الاتفاقيات التي وقّعتها إسرائيل، وفرض ضمّ فعلي علينا، في تعارض تام مع إرادة الشعب، ومصلحة إسرائيل، والموقف الواضح للرئيس ترمب».

وأدانت حركتا «حماس» و«الجهاد الإسلامي» قرارات «الكابينت» ودعتا إلى «رد شامل وتصعيد المواجهة» في عموم الضفة والقدس.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended