مصادر لـ {الشرق الأوسط}: واشنطن تدعم بقاء الثني رئيسا للحكومة المؤقتة في ليبيا

طرابلس تنفي حدوث تطورات في ملف الدبلوماسيين العرب المخطوفين

نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس (إ.ب.أ)
نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس (إ.ب.أ)
TT

مصادر لـ {الشرق الأوسط}: واشنطن تدعم بقاء الثني رئيسا للحكومة المؤقتة في ليبيا

نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس (إ.ب.أ)
نائب وزير الخارجية الأميركي وليام بيرنز في مؤتمر صحافي بطرابلس أمس (إ.ب.أ)

كشفت مصادر ليبية مطلعة النقاب لـ«الشرق الأوسط» عن إعطاء الولايات المتحدة ما وصفته بالضوء الأخضر لاستمرار بقاء رئيس الحكومة المؤقتة عبد الله الثني في منصبه، واستقالة نوري أبو سهمين رئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان).
ووسط إجراءات أمنية مشددة، شاركت فيها وفقا لمصادر ليبية عناصر من قوات أميركية خاصة بزى مدني، أنهى مساعد وزير الخارجية الأميركي ويليام بيرنز زيارة دامت يومين إلى العاصمة الليبية طرابلس، التقى خلالها عبد الله العوامي النائب الأول لرئيس المؤتمر الوطني العام (البرلمان)، وعبد الله الثني رئيس الحكومة المؤقتة. وقال بيان لحكومة الثني إن بيرنز نقل إليه رسالة من الرئيس الأميركي باراك أوباما يبلغه فيها بموقف الإدارة الأميركية الداعم للحكومة المؤقتة في مساعيها لحل المشاكل التي تواجهها البلاد، وجدد دعمها للشعب الليبي في مسعاه لتكوين الدولة الليبية وإتمام المرحلة الانتقالية، كما هنأ ليبيا حكومة وشعبا ببدء أعمال الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور.
وطبقا لنص البيان، فقد أشاد الثني بدور الولايات المتحدة الأميركية في دعم ليبيا ومساعدتها على اجتياز المرحلة الانتقالية وتكوين مؤسسات الدولة وعلى رأسها الجيش والشرطة.
من جهته، قال الدكتور عز الدين العوامي، النائب الأول لرئيس المؤتمر الوطني، إن بيرنز أكد خلال لقائهما حرص حكومته على إنجاح المرحلة الانتقالية وقيام دولة القانون والمؤسسات الليبية، وزيادة دعم العلاقات الثنائية في المجالات، مشيرا إلى أن هذا اللقاء تطرق إلى استعراض العملية السياسية والتداول السلمي للسلطة في ليبيا، وانتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور التي تعد رسالة من الشعب الليبي على بناء دولته بعد ثورة السابع عشر من فبراير (شباط) 2011، وتتويجا لدماء الشهداء.
وأضاف العوامي في تصريح بثه الموقع الرسمي للمؤتمر على شبكة الإنترنت «لقد أطلعنا نائب وزير الخارجية الأميركي على المسيرة السياسية والأوضاع الأمنية في ليبيا، وأن الشعب الليبي مقبل على انتخاب مجلس نواب جديد حسب التعديل الدستوري الذي قام به المؤتمر، وتقديم قانون الانتخابات إلى المفوضية العليا للانتخابات، وإعلان المفوضية البدء في العملية الانتخابية، وهذا مسار ديمقراطي في الاتجاه الصحيح، وعلى الشعب الليبي أن يكون في الموعد ليوضح للعالم ويختار من هو الأجدر والأصلح لتمثيل الشعب الليبي». وجاء الدعم الأميركي اللافت لحكومة الثني في وقت يبحث فيه أعضاء المؤتمر الوطني اختيار خليفة للثني من بين سبعة مرشحين تقدموا لشغل المنصب، وسط انقسام لافت بعد يومين من انطلاق المشاورات غير المعلنة.
وكان محمد بوسدرة، عضو المؤتمر الوطني، قد أكد عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي «فيس بوك»، أن لقاء الكتل والأحزاب السياسية للتشاور حول رئيس جديد للحكومة قد أسفر عن وجود فريقين، أحدهما اشترط ربط تنصيب رئيس حكومة جديد بإقالة نوري أبو سهمين من منصبه كرئيس للمؤتمر. وأضاف «فريق اشترط ارتباط تنصيب رئيس الوزراء بإقالة رئيس المؤتمر، وأصر على ذلك رغم معارضة قطاع كبير بمن فيهم سفراء الاتحاد الأوروبي وأميركا، بحسب ما بلغنا، وذلك لأن العالم ينتظر من المؤتمر تنصيب رئيس للوزراء وميزانية تقدم للحكومة». وتابع «وفريق يرفض الربط بين الأمرين وذلك لكون مسألة رئيس المؤتمر لم تزل أمام النائب العام، وبالتالي يؤجل الكلام فيها حتى يقول القضاء فيها كلمته، ولكون مسألة رئيس الوزراء مسألة ملحة والميزانية أشد إلحاحا فلا مبرر للربط بين المسألتين، لا سيما أن قضية رئيس المؤتمر متأخرة عن موضوع رئيس الوزراء».
وقبيل مغادرته طرابلس، اعتبر المسؤول الأميركي أن تصاعد التطرف يمثل «تحديا هائلا» لليبيا التي تشهد أعمال عنف وهجمات مستمرة منذ سقوط نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي. وتعهد بيرنز بزيادة المساعدات الأميركية في مواجهة عنف المتطرفين، قائلا إن البلاد لا يمكنها تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي دون التعامل مع تحدياتها الأمنية. وقال بيرنز في مؤتمر صحافي عقب محادثاته مع كبار المسؤولين الليبيين في طرابلس «تزايد التطرف المصحوب بالعنف تحد هائل لليبيا في المقام الأول وأيضا للشركاء الدوليين لها».
ولم يوضح بيرنز كيف ستعمق واشنطن تعاونها الأمني مع طرابلس، لكنه كرر فقط أن الولايات المتحدة ستواصل مع شركاء آخرين تدريب قوات الجيش وقوات الأمن. وأضاف «هذا هو سبب شعورنا بالإلحاح، ومثل هذا الشعور بالعزم على مساعدة الليبيين في بناء قدراتهم الأمنية وتعميق التعاون لمكافحة الإرهاب وأيضا تعزيز عملية سياسية سليمة.. يزيد فرص تحقيق أمن أفضل على المدى البعيد». وقال بيرنز الذي يعد أكبر مسؤول أميركي يزور ليبيا منذ هجوم دام في 2012 على القنصلية الأميركية في بنغازي قتل فيه السفير الأميركي وثلاثة أميركيين، إن «إعادة بناء الأمن أمر حيوي لنجاح ليبيا». وأضاف «من المستحيل التنبؤ بتحول سياسي ناجح وانتعاش اقتصادي دون شعور أكبر بالأمن».
وبعدما لفت إلى أن واشنطن على استعداد لمساعدة ليبيا في بناء قواتها الأمنية وتعزيز التعاون في مجال مكافحة الإرهاب، قال مساعد وزير الخارجية الأميركي «بحثنا في الدعم الدولي لمساندة جهود ليبيا في مجال إصلاح الجهاز الأمني وتحسين الأمن على الحدود ومراقبة انتشار الأسلحة وتعزيز دولة القانون». وقال بيرنز إنه تحدث «مطولا عن تدريب قوات أمنية متعددة المؤهلات في ليبيا والإجراءات التي يتعين اتخاذها لتسريع العملية».
ومنذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي في أكتوبر (تشرين الأول) عام 2011، تحولت ليبيا إلى مسرح لأعمال عنف وعشرات الهجمات ضد قوات الأمن والمصالح الغربية. وتتهم باستمرار مجموعات متطرفة تنامى نفوذها بالوقوف وراء هذه الهجمات التي لا تعلن أي جهة مسؤوليتها عنها إلا نادرا. والسلطات الليبية الانتقالية، التي لم تتوصل بعد إلى تشكيل شرطة وجيش محترفين، أقرت للمرة الأولى في شهر مارس (آذار) الماضي بوجود مجموعات إرهابية في ليبيا، معلنة الحرب عليها وداعية المجتمع الدولي للمساعدة.
إلى ذلك، أعلنت الحكومة الليبية تخصيص ميزانية تقديرية نحو 50 مليون دينار ليبي لمساعدة العائلات الليبية في كل من تونس ومصر التي تعاني من أوضاع معيشية صعبة. كما شكلت لجنة لدراسة أوضاع هذه العائلات في أماكن وجودها وتحديد الاحتياجات الخاصة بها. واقترحت وزارة الأوقاف تقديم مبلغ إضافي من صندوق الزكاة ليسهم في حل هذه المشكلة. وقال بيان للحكومة إن مجلس الوزراء وافق على تكليف وزارة الشؤون الاجتماعية ووزارة الخارجية بوضع تصور لكيفية تقديم المساعدات للأسر الليبية النازحة في تونس ومصر، وتوفير الاحتياجات العاجلة للأسر المعوزة التي تعاني من أوضاع معيشية وصحية سيئة، وإعداد مقترح بكيفية تقديم المساعدة العاجلة لهم قبل حلول شهر رمضان المبارك.
من جهته، قال محمد الأمين، الناطق الرسمي باسم الحكومة الليبية، في مؤتمر صحافي عقده أمس تعليقا على استمرار خطف السفير الأردني ودبلوماسيين تونسيين، إن هناك العديد من الإجراءات التي يتم اتخاذها بين البلدين للتنسيق في هذا الملف، مشيرا إلى أن وزارتي الداخلية والخارجية تتابعان هذا الموضوع بشكل دقيق. وأضاف «ليست هناك مستجدات، لكن هناك فقط إشاعات، وهي غير صحيحة، والأمور تتم معالجتها من الجهات المعنية ويتم التحقيق فيها».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.