«سكياباريللي» تلعب مع الكبار... وماريا غراتزيا تعيش الحلم في «ديور»

أسبوع «الهوت كوتور» لربيع وصيف 2017... آمال وأمنيات

من عرض «ديور»
من عرض «ديور»
TT

«سكياباريللي» تلعب مع الكبار... وماريا غراتزيا تعيش الحلم في «ديور»

من عرض «ديور»
من عرض «ديور»

إنه موسم مغزول بالأحلام، ويبيع هذه الأحلام بأغلى الأسعار لكل من استطاعت إليها سبيلاً. هذا تحديدًا ما أكدته ماريا غراتزيا تشيوري يوم الاثنين في أول عرض «هوت كوتور» تقدمه لدار «ديور». فقد أخذتنا إلى عالم الأساطير والقصص الرومانسية بعد أن حولت متحف «رودان» إلى حديقة مسحورة تسكنها جنيات يتخايلن بأزياء ساحرة. بسعر قد يتعدى الـ100 ألف دولار لفستان سهرة والـ20 ألف دولار لقميص أو بنطلون، فإن الغالبية منا لن تسنح لها الفرصة أبدًا لدخول نادي الـ«هوت كوتور» النخبوي، لكن هذا لا يمنعنا من متابعة أخبارها بنهم عبر شاشات التلفزيون وصورها على صفحات المجلات. كما لا يمنع المصممين من اختبار أفكار جديدة واستعراض قدراتهم بذوق رفيع يعرفون أنه الطريق الوحيد لجيب امرأة متذوقة ومتطلبة في الوقت ذاته. ولم لا تكون متطلبة وهي تتمتع بإمكانيات هائلة تُحرك السوق وتُغذي الحلم. غالبًا ما يأخذنا هذا الحلم إلى الزمن الجميل، في الخمسينات من القرن الماضي حين كانت الـ«هوت كوتور» في عزها، وكانت الحياة أقل تعقيدًا.
بالنسبة للغالبية التي لا تسمح لها إمكانيات بشراء قطعة صغيرة، فإنها يمكن أن تستقي من العروض أفكارًا توظفها في حياتها، بطريقتها وحسب إمكانياتها. حتمًا لن يكون الخيار الأول القبعات الغريبة وإكسسوارات الرأس السريالية ولا الماكياج الجريء، فهي لمجرد الإبهار، لا أكثر ولا أقل.
وبما أننا لن نستطيع الحصول على قميص أو بنطلون لأن العين بصيرة واليد قصيرة، فإنه لا شيء يمنعنا من متابعة أحداث الموسم للتعرف على خطوط وألوان الموسم على الأقل. الطريف أن السؤال الذي لم يشبع البعض من طرحه منذ سنوات هو: هل يكفي الحلم وحده لاستمرار هذا القطاع النخبوي؟ والجواب حسب الخبراء وما عرضته بيوت الأزياء المشاركة هذا الأسبوع من «سكياباريللي» و«شانيل» و«ديور» وغيرها، هو: «نعم وبكل تأكيد». فهو القطاع الوحيد المضاد للموضة السريعة، والوحيد أيضًا الذي لا يزال يخاطب الموسم الذي تُعرض فيه الأزياء. فبالنسبة للأزياء الجاهزة يلزم الانتظار ستة أشهر قبل وصولها من منصات العرض إلى المحلات، كان هذا طبعًا قبل استراتيجية العرض اليوم والبيع غدًا التي استُحدثت في العام الماضي فقط. زبونة الـ«هوت كوتور» في المقابل تخرج من العرض لتقدم طلبها من المصمم مباشرة، بعد ذلك تبدأ بإجراء البروفات على مقاسها وما شابه من خطوات يتطلبها فستان فريد من نوعه. صحيح أنها لن تحصل عليه في اليوم ذاته، لكنها تضمن أنه سيصل إليها قبل المناسبة التي ستحضرها، والأهم من هذا أنه لا واحدة من قريناتها ستحصل على فستان مماثل، الأمر الذي يجنِّبها الحرج. وهذا تحديدًا ما يُشكل عنصر الجذب في هذا الخط بالنسبة للمخمليات والثريات الباحثات، إما عن التفرد أو يتطلعن للانتساب للنادي النخبوي بأي ثمن.
ويشير المراقبون إلى أن أغلب زبونات اليوم ينتمين لأسواق جديدة مثل الصين والهند وأذربيجان وروسيا والشرق الأوسط. وقد اعترفت كل من «ديور» و«شانيل» و«فالنتينو» وغيرهم، بأنهم أصبحوا يحققون أرباحًا من هذا القطاع في السنوات الأخيرة أكثر من أي وقت مضى، بفضل زبونات هذه الأسواق.
فبعد أن تعالت في العقد الماضي أصوات متشائمة تنعى الـ«هوت كوتور»، وتتساءل: عن جدوى الموسم ككل، كان لا بد من فتح الأبواب للأسواق الجديدة، لا سيما بعد تقلص عدد الزبونات الأميركيات بسبب الأزمة الاقتصادية التي جعلتهن يفكرن عشر مرات قبل شراء عشرة فساتين، كما كان حالهن في السابق. المؤسف أن هذا التقلص لم يقتصر على الزبونات بل امتد إلى عدد بيوت الأزياء المتخصصة في هذا المجال؛ فبعد أن كان الأسبوع يشهد في منتصف القرن الماضي مشاركة المئات تقلص العدد إلى عشرات فقط في السنوات الأخيرة، فقد تم إغلاق بيوت مثل «كريستيان لاكروا» في 2009 بعد أن أعلن المصمم إفلاسه، كما اكتفت بيوت أخرى بجانب الأزياء الجاهزة والإكسسوارات، لأن «الهوت كوتور» في يوم ما كانت مجرد «بريستيج» يبيع مستحضرات التجميل والإكسسوارات. فقط أخيرًا أصبحت لها شخصية مالية مستقلة عكستها الأرباح المتزايدة. لحسن الحظ أن أمثال جيامباتيستا فالي وإيلي صعب وجيورجيو أرماني نجحوا في استقطاب شريحة الشابات من ثريات المجتمع المخملي.
بدورها اجتهدت «لاشومبر سانديكال» الجهة المسؤولة عن حماية الـ«هوت كوتور» من الدخلاء أن تضخ الأسبوع بدماء وأسماء جديدة في كل موسم، غالبًا بالتعامل معهم كضيوف قبل أن تُدرجهم في برنامجها الرسمي.
هذا العام، أدخلت كل من «سكياباريللي» والفرنسي جوليان فورنييه، واللبناني جورج حبيقة، إلى اللائحة، وقبلهم بُشرى جرار التي التحقت بدار «لانفان» في العام الماضي، وأغلقت دارها الخاصة للتفرغ لعملها الجديد.
المهم أن المتابع لأسبوع باريس لربيع وصيف 2017 الذي انتهى مساء أمس يخرج وهو مطمئن على مستقبل هذا القطاع، لأن ما تم تقديمه كان بمثابة لوحات فنية أقل ما يمكن أن يقال عنها إنها متعة للعين وللحواس، وذكَّرَتنا إلى حد كبير بالزمن الجميل. فقد صب فيها المصممون كل مهاراتهم مستعينين بحرفيين من ورشات متمركزة في عواصم مختلفة، نفذوا كل تفاصيلها باليد على مدى أيام إن لم نقل أسابيع.
قدمت دار «سكياباريللي»، صباح يوم الاثنين الماضي، عرضًا كان مزيجًا بين البساطة والفخامة، ولفتة احترام قوية لمؤسِّسة الدار إلسا سكياباريللي. فقد ترجم المصمم برتراند غيون شغفها بالفن، من خلال تطريزات وإيحاءات تستحضر علاقاتها بفناني عصرها، من أمثال دالي وجون كوكتو وبيكاسو ممن تعاملت معهم في الثلاثينات من القرن الماضي. لكن المصمم لم يكتفِ بالغرف من الماضي، وأكد أنه ابن عصره حيث استعمل «البوب آرت» في بعض التصاميم، مثل صورة سرطان بحر تسللت إلى جانب تنورة، فضلاً عن ترجمته العصرية لشفاه بالأحمر القاني زينت ظهر أو كتف جاكيت مفصل، وهكذا. كل هذا ترجمه المصمم في تصاميم منسدلة أحيانًا، وهندسية أحيانًا أخرى، لكن القاسم المشترك بينها كان دائما تلك الخطوط الانسيابية البسيطة والتفاصيل الفنية. صحيح أنها كانت بجرعات خفيفة متناثرة هنا وهناك، لكنها كانت كافية لتُدخل أية قطعة لأجمل المناسبات وأفخمها، ولتذكرنا بتاريخ الدار، لا سيما أن العرض أقيم في الدار التي كانت إلسا تعمل فيها وتنام في طابقها العلوي أيضًا.
رغم أن التشكيلة لم تتعد الـ31 قطعة، فإنها تنوعت ما بين القطع المنفصلة، الـ«سموكينغ» والفساتين المستوحاة من فن العمارة، التي خففت من صرامتها الأقمشة المنسدلة، أو من الكيمونو الياباني والهانفو الصيني، وهما قطعتان كانت إلسا سكياباريللي تلبسهما في أوقات فراغها، عندما كانت تتوخى الراحة والاسترخاء، لكن المصمم قدمهما لنا للنهار من خلال جاكيتات وتنورات يربطهما حزام سميك.
لم يضاهِ هذا التنوع سوى الألوان التي تباينت بين الوردي المتوهج والأصفر والبرتقالي والأحمر إضافة إلى الأسود والأبيض. جدير بالذكر أن هذه التشكيلة لربيع وصيف 2017 تكتسب أهميتها ليس من التصاميم المبتكرة والأنيقة فحسب، بل أيضًا من كون الدار تدخل برنامج الـ«هوت كوتور» بشكل رسمي لأول مرة. نعم، شاركت في الأسبوع لعدة مواسم منذ إعادة إحيائها في عام 2013، إلا أنها كانت مجرد ضيفة على الهامش قبل أن تعيد لها لاشومبر سانديكال، وهي المنظمة المسؤولة عن «الهوت كوتور» اعتبارها وحقها المشروع في اللعب مع الكبار.
يوم الاثنين كان الموعد أيضًا مع أول تشكيلة «هوت كوتور» تقدمها ماريا غراتزيا تشيوري لـ«ديور». أقيم العرض في متحف «رودان» الذي تحول إلى متاهة إذا وجدت طريقك فيها تدخل حديقة مسحورة تتحقق بين أحضانها وتحت أشجارها الوارفة كل الأحلام والأمنيات. تصميم هذه المتاهة لا بد أنه كلف كثيرًا، واستغرق وقتًا لا بأس به لتنفيذها، لكن كل هذا لا يهم في موسم لا يتحدث فيه أحد عن الأرقام، ويطمح فيه الكل لفتح جدل فكري وفني بقدر الإمكان.
وحسب ماريا غراتزيا تشيوري، فإن الفكرة من هذه المتاهة هي خلق شعور بالخطر من المجهول، لكنه خطر مثير لأنه مشوب بالأمل بأن لكل شيء نهاية ومخرجًا، وهو ما يمكن اعتباره رسالة مبطنة لما نعيشه في الوقت الحالي، بينما شبهه البعض بالمتاهة التي وجدت المصممة، التي لا تتقن اللغة الفرنسية، نفسها فيها، بدخول أرشيف السيد كريستيان ديور ومحاولاتها فك طلاسمها وقراءة تاريخها، فضلاً عن تعاملها شبه اليومي مع الأنامل الناعمة التي قد لا يتكلم بعضها سوى الفرنسية.
افتتح العرض بمجموعة استحضرت رموز الدار الأيقونية بتصاميمها المشدودة عند الخصر وترجمتها المصممة بأسلوب عصري حاولت فيه أن يتحدى الزمن. صحيح أن الأسود كان صادمًا في البداية ونشازًا مع الأجواء المغطاة بالأخضر، إلا أنه كان مجرد مقدمة، سرعان ما تلتها مجموعات تتلون بدرجات فاتحة ومتفتحة بأزهار وورود زرعتها المصممة في أماكن استراتيجية من فستان طويل من الحرير أو الموسلين مثلا، وغطتها أحيانا بالتول وكأنها تريد حمايتها من الذبول وعوامل الطبيعة الأخرى. إلى جانب مجموعة غنية من التصاميم الناعمة تميز بعضها ببليسيهات منحتها خفة وحركة، كانت هناك أيضًا فساتين تستحضر ماري أنطوانيت بتنوراتها المنفوخة، فيما ذكرتنا أخرى بأن المصممة تؤمن بالتعويذات والطالع و«التاروت» أو أنها فقط تقدم تحية لكريستيان ديور، الذي كان يؤمن بها ولا يخطو أي خطوة مهمة من دون استشارة العرافات.
هذه التعويذات ظهرت في بعض الأزياء كما في الإكسسوارات. ورغم أن المصممة غطت احتياجات المرأة لأزياء خاصة بالنهار فإن فساتين السهرة والمساء كانت هي الأقوى، إذ نجحت تشيوري فيها في أن تحافظ على مفهوم الحلم، كونه أكثر ما يُشكل شخصية الموسم، وبالتالي فإن مهمتها تتلخص في الإبقاء عليه حيًا، إضافة إلى تأجيج الرغبة في الشراء.
بعد نهاية العرض، تخرج من المتاهة وتساؤلات كثيرة تدور على البال، أغلبها كيف لم تفكر «ديور» في تسليم مقاليدها لامرأة من قبل رغم أنها دار مبنية أساسًا على الرومانسية والأنوثة؟ تجد نفسك تُبرر وتجيب بأن «كل شيء في وقته حلو». شكك البعض في اختيار ماري غراتزيا تشيوري في الموسم الماضي، رغم أن الأغلبية رحبت به وهللت له. فما قدمته في مجال الأزياء الجاهزة، أثار آراء متباينة بين معجب وغير معجب، حيث عانقت ثقافة الشارع من خلال «تي - شيرتات» كتبت على بعضها رسائل سياسية ثورية نسقتها مع تنورات من التول طويلة مطرزة، إضافة إلى أسلوب رياضي طاغ. ما يشفع لها آنذاك أنه لم يكن لديها وقت كافٍ لكي تتشرب رموز الدار، إذ أنجزت التشكيلة في خمسة أسابيع فقط.
هذه المرة كان لديها وقت أطول لكتابة فصلها الأول في مجال الـ«هوت كوتور» بهدوء. ثم لا ننسى أن هذا الخط يفتح كل الإمكانيات لنسج قصص أكثر إثارة وإبهارًا، والمنبر الذي ينفش فيه المصمم ريشه ويستعرض خياله. ورغم أن المصممة الإيطالية لم تنفش ريشها كثيرًا، فإنها نجحت في فك كثير من ألغاز الدار الفرنسية بعد موسم واحد.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.