بن لادن يعارض إسقاط علي عبد الله صالح واستبدال اليمن بأفغانستان

رسالة تكشف عن حرص مؤسس «القاعدة» على مهادنته الرئيس المخلوع

صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
TT

بن لادن يعارض إسقاط علي عبد الله صالح واستبدال اليمن بأفغانستان

صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)
صورة أرشيفية لمؤسس «القاعدة» أسامة بن لادن في مخبئه بأفغانستان عام 1998 (غيتي) - أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير (غيتي) - صورة أرشيفية للرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح من عام 1987 (غيتي)

راقت لأحد قادة تنظيم القاعدة المقولة الشهيرة: «لا بد من صنعاء وإن طال السفر»، فبعث لمؤسس التنظيم أسامة بن لادن رسالة يقول فيها: «إن كنتم تريدون صنعاء يوما من الدهر فهذا هو...»، وفهم بن لادن من الرسالة، أن الظروف أصبحت مواتية لتنظيم القاعدة للانقضاض على الحكم في صنعاء وإقامة «دولة إسلامية» على أرض اليمن، لكن أسامة بن لادن لم ترق له الفكرة فعكف على كتابة رسالة رد مطولة عثرت عليها الاستخبارات العسكرية الأميركية على مسودتها في حاسوبه ضمن مقتنياته الشخصية التي استولت عليها القوات الأميركية عند مداهمة مسكن مؤسس تنظيم القاعدة وقتله في مايو (أيار) 2011، وكشف أسامة بن لادن في رسالته عن سر غير معروف لعامة الناس بين فيه بشكل واضح وصريح أن تنظيم القاعدة حريص على بقاء الرئيس علي عبد الله صالح، وأن التنظيم له مصلحة في مهادنته وإن كان يعتبره «مرتدا».
ورغم أن اسم صاحب فكرة إسقاط علي عبد الله صالح الموجه إليه الرد لم يرد في رسالة بن لادن، فإن من المرجح أنه أمير تنظيم القاعدة في اليمن ناصر الوحيشي المعروف باسم أبو بصير، حيث إنه ومجموعته كانوا من المتحمسين لاستبدال اليمن بأفغانستان، وانتقال بن لادن إليها. وقد استعرض بن لادن في رده كثيرا من أسباب معارضته إقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن، بعضها أسباب مبدئية وبعضها الآخر أسباب عملية.
ففيما يتعلق بالأسباب المبدئية، أعرب بن لادن عن رفضه فكرة الدولة القطرية من الأساس، قائلا:«ينبغي أن يزول عن أذهاننا الجزء القطري، صحيح أن هناك حدود سايكس بيكو‬ بالتقسيمات الظاهرة على خريطة المنطقة وهي ما يعترف بها الحكام، ولكن جميع هذه الحدود ستزول عندما تقوم دولة إسلامية».
وحذر بن لادن من «إقامة دول في جزء من الأرض الإسلامية، لئلا يتألب الكفر العالمي والمحلي لضربها...»، حسب تعبيره.‬
وهذا الرفض لإقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن يتماهى مع رفض تنظيم القاعدة حاليا بقيادة أيمن الظواهري مشروع الدولة الإسلامية في الشام والعراق الذي بدأه تنظيم الدولة «داعش» في جزء من الأراضي السورية والعراقية. ونشب خلاف وجدل فكري بين التنظيمين إلى درجة أن تنظيم القاعدة بدأ يتهم أنصاره بالميل للاعتدال إذا ما قورن بتنظيم داعش المفرط في التشدد. ‬
* معوقات عملية
لم يكتف أسامة بن لادن برفض الفكرة من حيث المبدأ فقط، بل أسهب في توضيح الأسباب العملية التي تجعله يعتقد أن إقامة دولة لـ«القاعدة» في اليمن لن يكتب لها النجاح، موردا بعض الأمثلة والتساؤلات من بينها: «لو أن أناسًا في البيضاء أو السوادية أو لودر أو شقراء (مناطق يمنية في محافظات البيضاء وأبين وشبوة) يتعاطفون مع المجاهدين ولديهم قدرة على الاستيلاء على المباني الحكومية فهل سترون ذلك مناسبًا؟، ولو أقاموا إمارة في هذه المناطق فكم يوما ستدوم الإمارة؟!»، بحسب ما ذكره.
وطالب بن لادن بالتريث وتحكيم العقل، قائلا: «لا شك أن العقلاء يدرون أنها لن تدوم طويلا». وأضاف: «سيتم إسقاطها بالحصار وانتشار الجوع والتفاوض مع شيوخ القبائل لقتالنا أو إخراجنا». (تحققت هذه التوقعات بالفعل عندما أقام تنظيم القاعدة في اليمن إمارة له في أبين وأخرى في شبوة، سرعان ما تم إسقاطهما من قبل قبائل وسكان المحافظتين بالتنسيق مع حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي الذي ينتمي إلى محافظة أبين ذاتها).
وأورد بن لادن عائقا عمليا آخر بالقول إن «مفهوم الدولة في أذهان الناس أنها ملزمة بتوفير أرزاق ووظائف للناس، وهذا أمر لا نستطيعه نحن في هذه المرحلة»، ومن اللافت أن أسامة بن لادن يرى أن مسؤولية الدولة الإسلامية تتمثل في «حفظ الأمن الداخلي وصد الهجوم الخارجي، وفي ظل الأمن تبحث الناس عن أرزاقها بأنفسها». ويعيب على الدولة الحديثة بأنها «تجعل الناس أسرى لها وتربط أرزاقهم بها». ويبين أسامة بن لادن في رسالته أن القدرة على «السيطرة العسكرية قد تكون متوفرة للقاعدة في حين أقوات الناس لا تتوفر لها».
ويبدو أن أسامة بن لادن تبادر إلى ذهنه وهو يستعرض هذه التفنيدات أنها تتعارض مع خطوة إقامة دولة في أفغانستان ضمن حدود رسمها الغرب «الكافر» كما يصفه، فأورد استدراكا ضمن رسالته جاء فيه: ‬
«أما فيما يخص أفغانستان فهي مستثناة وكذلك الصومال مستثنى فإنفاق الإمارة في أفغانستان في السنة أقل من اثني عشر مليون دولار، فمن المستحيل أن يعيش خمسة وعشرون مليونا باثني عشر مليونا في السنة مما يعني أن للشخص أقل من نصف‬‬ دولار في السنة»، ويضيف بن لادن: «الشعب الأفغاني يحمل نفسه بنفسه... لا يحمل الدولة مسؤوليات كبيرة، بخلاف الشعوب في الدول العربية فهي تحمل الدولة مسؤولية توفير وظائف وأرزاق للناس». واستشهد بن لادن بأمثلة تجارب سابقة، قائلا: ‬
«ومن الأمثلة على ذلك الجماعة الإسلامية في مصر عندما قتلوا السادات كانت لديهم خطة بأن يسيطروا على مصر ويعلنوا دولة إسلامية وذلك بأن يقوم أفراد الجماعة في كل منطقة بالسيطرة على المباني الحكومية عندهم بما فيها مباني الإعلام بأنواعه».
ويرى أسامة بن لادن أنه «لو قدر أن نجحت هذه الخطة لكان عمر هذه الدولة أسابيع فقط لأن سكان مصر وقتها ستين مليونا يحتاجون إلى مائة وخمسين مليون رغيف يوميا، والدولة المسلمة ستكون في حصار عالمي في حين أن الحكومة المصرية رضيت بأن تكون رهينة لمصدري القمح في العالم، خصوصا أميركا فغيرت أولويات المزارع المصري».‬
وحذر بن لادن في سياق رسالته من أن أي دولة مسلمة (يقصد على نمط ما تريده «القاعدة») ستكون بعد أيام من إقامتها أمام ثورة شعبية عارمة سواء أكان الناس يرغبون في أن يحكموا بالإسلام أولا يرغبون؛ لأن انعدام الغذاء يعني موتهم وموت أبنائهم أمام أعينهم، ثم يعود بن لادن للمثال المصري قائلا: «الإعداد للسيطرة على مصر له مقومات من أهمها أن نكون قد سيطرنا على السودان أولا وزرعنا ما يكفي مصر من الغذاء ويبقى القمح الذي في صوامع الدولة لمدة أسبوعين هو قوت الناس ريثما ننقل ما يحتاجه الناس من الغذاء من السودان إلى مصر».
بعد ذلك يعود بن لادن إلى تفصيل العوائق السياسية والخسائر التي يمكن أن تتعرض لها «القاعدة» من إقامة دولة لها باليمن في ظل الوضع الراهن في صنعاء، قائلا إن «صنعاء اليوم بمثابة البيضاء ودول الخليج برمتها والأردن ومصر سينقضون عليها».
* مصلحة «القاعدة» من علي صالح
ويكشف أسامة بن لادن في رسالته عن سر غير معروف لعامة الناس، وهو أن تنظيم القاعدة كان حريصا، وربما لا يزال، على بقاء الرئيس اليمني المخلوع علي عبد الله صالح، وأن التنظيم له مصلحة في مهادنته، وإن كان يعتبره «مرتدا». وفي هذا السياق جاء في رسالة بن لادن:
«وهناك مسألة مهمة أود أن أنوه إليها، وهي أن أميركا ودول الخليج سعوا عمليًا لتغيير نظام علي عبد الله صالح ما يظهر أن هذا الوكيل غير كفء عندهم، ويعرفون معرفة تامة بحجم الفساد الإداري والمالي الهائل وأن هذه الأجواء أعطت تربة خصبة لكل الاتجاهات لكي تنمو وتنشر أفكارها، ومن أهم هذه الاتجاهات وأقواها الاتجاه الإسلامي بجميع طوائفه، من الإخوان والسروريين والسلفيين والسلفيين الجهاديين».
ويسترسل بن لادن في وصف فوائد بقاء نظام علي عبد الله صالح، قائلا:
«إن بقاء هذا النظام أقل سوءا بكثير مما لو جاء علي سالم البيض الذي له سابقة في الفتك بالإسلاميين فإنه إن تسلم السلطة فسيبطش بالحركة الإسلامية بجميع طوائفها». ويبدو أن قرب «القاعدة» من علي عبد الله صالح جعلها في موقع القادر على تصفيته أو إسقاط حكمه، ولكن سيطرتها على الأوضاع بعد ذلك غير مضمونة، ولهذا يفهم من رسالة بن لادن أن بعض الآراء القادمة من رجال في اليمن أن التخلص من صالح ونظامه قد يكون مفيدا للتنظيم حتى لو لم تتم السيطرة لـ«القاعدة»، وكان البديل هو الفوضى الشاملة. وردا على ذلك يقول أسامة بن لادن في رسالته:
«إن القول بإزالة الحكومة المرتدة وبقاء البلد في فوضى أفضل من بقاء هذه الحكومة، غير صحي، فلا يمكن أن يتم نشر دعوتنا مع وجود الفوضى، كما أنه في ظل دولة ليس لها حاكم يرسي قواعد الأمن بين الناس فتظهر وحشيتهم بشكل كبير ويصبح هم الناس المحافظة على الدم والعرض وهذا هاجسهم دون سواه».
* بن لادن أدرك ما لم يدركه الحوثي
ولعل أهم ما كان يخشاه أسامة بن لادن موقف دول الخليج، مبديا إدراكا سياسيا مبكرا في تحذيره لأتباعه من الوقوع في المحظور، محذرا إياهم بأن دول الخليج لن تترك اليمن نهبا للفوضى. ومن المفارقات أن ميليشيا أخرى متطرفة غير تابعة لـ«القاعدة» وهي ميليشيا الحوثي قد أثبتت لاحقا صحة ما حذر منه أسامة بن لادن ووقعت في المحظور بدلا من وقوع «القاعدة» فيه؛ حيث استولت على الحكم في صنعاء، وكان رد دول الخليج صاعقا.
وقد كرر بن لادن إشارته إلى موقف دول الخليج المحتمل أكثر من مرة في رسالته، وقال: «كما أنه لا يخفى عليكم أنه غير وارد أن تترك دول المنطقة البلد بغير حاكم...».
ويضيف: «...ونحن بذلك نكون قد هيأنا الأجواء لمجيء قوة ينتظرها خصمنا، (يقصد الحزب الاشتراكي اليمني) منذ أكثر من عقد ونصف». ويضيف: «فلو جاء الاشتراكيون وحدهم فهذه كارثة على الإسلاميين في اليمن وخصوصا المجاهدين فكيف عندما تكون أميركا وجميع دول الخليج خلفهم». ويلخص بن لادن وضع اليمن بقوله إن «الوضع في اليمن باختصار شديد كصخرة كبيرة تحتوي على أحجار كريمة ومعادن ثمينة قد تدحرجت من قمة الجبل فلن يسيطر عليها من يحاول أن يحوزها أولا فقد تدهسه وتواصل انحدارها إلى بطن الوادي». ويخلص بن لادن إلى القول: «الخلاصة نحن مكسبنا العظيم في ظل وجود علي عبد الله صالح ننشر أفكارنا المهمة المؤثرة التي توعي الناس بمعنى لا إله إلا الله وتنبه بحال الجماعات الإسلامية التي توالي الحكام وتتناقض أفكارها مع الشرعية والحاكمية ومن أهم الكتب كتاب نقاط الارتكاز لأبي أحمد عبد الرحمن المصري».
كما وجه أسامة بن لادن في رسالته بشكل صريح أتباعه بمهادنة علي عبد الله صالح، قائلا لهم: «يجب أن نعمل على تهدئة العمل العسكري ونستمر في العمل التوعوي، وإننا ندعم العمل للقضاء على الفساد المالي والإداري ومن حق الناس أن تطالب بحقوقها ونساهم مع الشعب في نقد الحكومة نقدا موضوعيا ونترك الطرق الدائم على أن علي عبد الله صالح عميل».
واستدرك بن لادن بالقول: «الكلام عن أن الرئيس تابع لسياسة الغرب صحيح... لكنه ليس عميلا بالشكل الكامل بل هو عميل غير مرغوب فيه، منذ ثلاثة عقود وعدونا يسعى لإزالته وقد كاد الحبل أن يلتف على رقبته ليشنقه قبل عقد ونصف فلو سعينا لإزالته في هذه الظروف لأتينا بآخر في غاية السوء لضرب الحركة الجهادية الإسلامية».‬
ويشدد أسامة بن لادن على أهمية الهدنة مع علي عبد الله صالح قائلا بما أن «الرئيس حريص عليها فمن المصلحة لنا أن تتم الهدنة وإن كانت من طرف واحد باستثناء الدفاع المباشر عن النفس مع الإعلان ونشر أننا لا نستهدف الجيش والعسكر بل هدفنا أميركا مع مراعاة أن الراجح لدي ألا نضرب أميركا داخل اليمن لأن هذا يزيد الضغط على الإخوة نتيجة لزيادة ضغط أميركا على الحكومة وقد تدعم زيادة العمليات عليهم إلى التعجيل في تغيير الرئيس».



«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
TT

«الطوارئ اليمنية» تشدد الخناق على شبكات تهريب الوقود

ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)
ناقلات الوقود المضبوطة ضمن حملة الطوارئ ضد التهريب (إعلام محلي)

في تحرك يمني لمواجهة الاقتصاد غير الرسمي، كثّفت قوات الطوارئ عملياتها الميدانية ضد شبكات تهريب المشتقات النفطية، التي تنامت بشكل ملحوظ خلال الأشهر الأخيرة، مستفيدة من فوارق الأسعار بين مناطق سيطرة الحكومة الشرعية والمناطق الخاضعة للحوثيين، فضلاً عن تداعيات الاضطرابات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

وتأتي هذه التحركات بعد أن أظهرت قوات الطوارئ قدرات قتالية وأمنية متقدمة خلال الأحداث التي شهدتها البلاد مطلع العام الحالي، ما دفع السلطات إلى تكليفها بمهام نوعية تتعلق بحماية الاقتصاد الوطني، وفي مقدمتها التصدي لعمليات تهريب الوقود التي تُعد من أبرز مصادر الاستنزاف المالي.

وتشير مصادر عاملة في قطاع النفط إلى أن عمليات تهريب المشتقات النفطية لم تكن وليدة اللحظة، بل تعود إلى سنوات، إلا أن حدّتها ارتفعت مؤخراً مع اتساع الفجوة السعرية بين المحافظات المنتجة، وعلى رأسها مأرب، وبقية المناطق اليمنية.

وتُباع المشتقات النفطية في مأرب بأسعار تقل بنحو الثلث مقارنة ببقية المحافظات، ما يجعلها هدفاً رئيسياً لشبكات التهريب التي تسعى إلى نقل الوقود إلى مناطق أخرى وبيعه بأسعار مضاعفة، سواء داخل البلاد أو عبر التهريب إلى دول القرن الأفريقي.

إغلاق منفذ رئيسي يُستخدم في تهريب الأسلحة للحوثيين (إعلام محلي)

كما أسهمت التطورات الإقليمية، خصوصاً التوترات المرتبطة بالحرب في إيران، في زيادة الضغط على أسواق الطاقة، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتعزيز جاذبية السوق السوداء، وهو ما دفع السلطات اليمنية إلى التحرك بشكل أكثر حزماً.

ولا يقتصر تأثير التهريب على المشتقات النفطية فقط، بل يمتد إلى غاز الطهي المنزلي، حيث تعاني عدة محافظات محررة من نقص حاد في الإمدادات، رغم إنتاجه محلياً، نتيجة تهريبه إلى مناطق الحوثيين التي يُباع فيها بأسعار مضاعفة.

ضبط عشرات الناقلات

في هذا السياق، أعلنت الفرقة الأولى في قوات الطوارئ عن ضبط أكثر من خمسين ناقلة محملة بالمشتقات النفطية، كانت في طريقها إلى السوق السوداء ضمن عمليات تهريب منظمة، في خطوة وصفت بأنها الأكبر من نوعها منذ بدء الحملة.

وجاءت هذه العملية نتيجة جهود ميدانية مكثفة، شملت إنشاء نقاط تفتيش جديدة وتشديد الرقابة على الطرق الحيوية، بعد رصد تحركات مشبوهة لتجار الوقود غير الشرعيين.

وأكدت القوات أن الناقلات المضبوطة كانت تحمل كميات كبيرة جرى تهريبها بطرق غير قانونية، بهدف تحقيق أرباح سريعة على حساب المواطنين، الذين يتحملون تبعات ارتفاع الأسعار واختناقات الإمدادات.

إشادة رسمية بأداء قوات الطوارئ في ضبط المخالفات (إعلام محلي)

وأوضحت أن هذه العمليات تأتي ضمن خطة أمنية مستمرة لمكافحة التهريب، مشيرة إلى أن الحملات لن تتوقف عند هذا الحد، بل ستتواصل لتشمل مختلف المحافظات، في إطار استراتيجية تهدف إلى تجفيف منابع السوق السوداء.

كما دعت قوات الطوارئ المواطنين إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية، والإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، مؤكدة أن نجاح هذه الجهود يعتمد على تكاتف المجتمع إلى جانب الدولة.

تنظيم النقل الثقيل

بالتوازي مع حملات ضبط التهريب، شرعت السلطات في تطبيق إجراءات صارمة لتنظيم حركة النقل الثقيل، خصوصاً ما يتعلق بالأوزان والحمولات، التي تسببت في أضرار كبيرة للبنية التحتية.

ومنحت قوات الطوارئ مهلة محدودة للناقلات المخالفة لتصحيح أوضاعها، قبل البدء في تطبيق صارم للقوانين، بما يشمل منع مرور أي شاحنة لا تلتزم بالمعايير المحددة.

وأكدت قيادة الفرقة الأولى، المتمركزة في مأرب، أن هذه الإجراءات تهدف إلى حماية الطريق الدولي، الذي تعرض لأضرار جسيمة نتيجة الحمولات الزائدة، التي تسببت بدورها في مئات الحوادث المرورية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل الاعتماد الكبير على الطرق البرية لنقل السلع والمسافرين، بما في ذلك الحجاج والمعتمرون العائدون من المملكة العربية السعودية، ما يجعل سلامة الطرق أولوية قصوى.

كما شدّدت القوات على أنها لن تتهاون مع أي ممارسات غير قانونية، بما في ذلك فرض الجبايات أو الإتاوات خارج الأطر الرسمية، مؤكدة التزامها بتطبيق القانون على الجميع دون استثناء.

تنسيق حكومي

بالتوازي مع هذه التطورات، دعت المؤسسة اليمنية للنفط والغاز إلى تعزيز التنسيق بين الجهات العسكرية والأمنية، لضمان ضبط عمليات نقل وتوزيع المشتقات النفطية وفق الأطر القانونية.

وأبلغت المؤسسة قيادة الجيش بضرورة عدم السماح بمرور أي ناقلة وقود دون تصريح رسمي يثبت تبعيتها لشركة النفط الحكومية، في خطوة تهدف إلى الحد من التلاعب في السوق.

وأكدت أن الناقلات التجارية غير المرخصة تتسبب في إرباك عمل الشركة، عبر بيع الوقود بأسعار مخالفة، ما يؤدي إلى تشوهات في السوق ويقوّض جهود الاستقرار الاقتصادي.

وثيقة رسمية تطالب الجيش بالتدخل لوقف تهريب المشتقات (إكس)

وفي حادثة سابقة، ضبطت السلطات ناقلة تحمل أكثر من 81 ألف لتر من الوقود المهرب في مدخل مدينة عدن، حيث جرى تحرير محضر بالواقعة وإحالة السائق إلى التحقيق، وسط مطالبات بمصادرة الشحنة والناقلة.

ومع هذه الجهود، تواجه الأجهزة الأمنية تحديات إضافية، في ظل استمرار نشاط شبكات التهريب متعددة الأغراض، التي لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل أيضاً تهريب الأسلحة.

وفي هذا الإطار، تمكنت قوات الطوارئ من ضبط شحنة أسلحة مخبأة داخل حمولة أثاث منزلي، في عملية نوعية تعكس حجم التداخل بين أنشطة التهريب المختلفة.

كما شهدت محافظة حضرموت حادثة أمنية خطيرة، تمثلت في كمين استهدف دورية عسكرية في منطقة العبر، أسفر عن مقتل ضابط وإصابة عدد من الجنود، في هجوم نفذه مسلحون مجهولون.

وتُعد هذه المنطقة من أبرز الممرات الحيوية التي تنشط فيها شبكات التهريب، ما يضاعف من تعقيد المشهد الأمني، ويستدعي تكثيف الجهود لضبط الأمن والاستقرار.


اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
TT

اليمن يشدد على أولوية استعادة مؤسسات الدولة وحصر السلاح

الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)
الحكومة اليمنية تتهم الحوثيين بأنهم ورقة إقليمية بيد إيران (أ.ف.ب)

أكدت الحكومة اليمنية أمام مجلس الأمن أن أي عملية سياسية مستقبلية يجب أن تقوم على أسس واضحة، في مقدمتها استعادة مؤسسات الدولة، وحصر السلاح بيدها، وإنهاء مظاهر التمرد الحوثي المسلح، إذ شدّد مندوب اليمن الدائم لدى الأمم المتحدة، السفير عبد الله السعدي، على أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب موقفاً دولياً عملياً يدعم الحكومة في بسط سلطتها على كامل التراب الوطني.

وفي هذا السياق، جدّدت الحكومة تمسكها بمرجعيات الحل السياسي المتفق عليها، وعلى رأسها قرار مجلس الأمن رقم 2216، بصفته الإطار الناظم لأي تسوية عادلة وشاملة. كما أكدت أن بناء نظام سياسي قائم على الشراكة الوطنية واحترام الدستور وسيادة القانون يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق الاستقرار.

وأشار السعدي إلى أن استمرار امتلاك الحوثيين للسلاح والتكنولوجيا العسكرية يمثل تحدياً جوهرياً أمام أي عملية سياسية، ويقوض أسس بناء الدولة، ويهدد الأمن والاستقرار في اليمن والمنطقة، ما يستدعي تحركاً دولياً أكثر حزماً.

وفي لهجة حازمة، حذّرت الحكومة اليمنية من استمرار التدخلات الإيرانية في الشأن الداخلي، عبر دعم وتسليح وتمويل الميليشيات الحوثية، عادّةً أن ذلك يدفع اليمن إلى الانخراط في صراعات إقليمية تخدم أجندات خارجية.

المندوب اليمني لدى الأمم المتحدة عبد الله السعدي (أ.ب)

وأدانت الحكومة اليمنية «الاعتداءات الإيرانية السافرة» التي استهدفت دول الخليج والأردن، عادّةً أنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي. وأكدت أن هذا السلوك يعكس إصرار طهران على تصدير الأزمات وزعزعة الاستقرار في المنطقة.

وربطت الحكومة اليمنية بشكل مباشر بين الحوثيين والمشروع الإيراني، مشيرة إلى أن انخراط الجماعة في الدفاع عن إيران يوضح طبيعة العلاقة الوثيقة بين الطرفين. كما عدّت أن تحويل اليمن إلى منصة للابتزاز وتهديد الملاحة الدولية يمثل خطراً على السلم والأمن الدوليين.

وخلال إحاطته أمام مجلس الأمن حذر المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ من مخاطر انجرار البلاد إلى مواجهة إقليمية شاملة، خصوصاً بعد الهجمات التي شنتها الجماعة الحوثية ضد إسرائيل، التي أثارت قلقاً دولياً من توسع الصراع. وأكد أن هذه المخاطر لا تزال قائمة رغم تجنب اليمن حتى الآن الانزلاق الكامل إلى تلك المواجهة.

ملف الأسرى

برز ملف الأسرى والمحتجزين في اليمن كونه من أبرز القضايا الإنسانية والسياسية المطروحة في جلسة مجلس الأمن، إذ أكدت الحكومة اليمنية دعمها الكامل للجهود التي تقودها الأمم المتحدة في هذا المسار، مجددةً التزامها بإنجاحه لإنهاء معاناة آلاف الأسر.

ودعت إلى تنفيذ اتفاق تبادل الأسرى وفق مبدأ «الكل مقابل الكل»، دون قيد أو شرط، كما نص عليه اتفاق استوكهولم، عادّةً أن هذا الملف يمثل مدخلاً أساسياً لبناء الثقة بين الأطراف وتهيئة الأرضية لأي عملية سلام شاملة.

في المقابل، أعرب المبعوث الأممي عن أسفه لعدم توصل المفاوضات الأخيرة في عمّان إلى اتفاق نهائي، رغم تحقيق تقدم ملحوظ، مشيراً إلى أن الأطراف مطالبة بتقديم تنازلات إضافية لإتمام عمليات الإفراج.

المبعوث الأممي إلى اليمن قدم إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن (أ.ب)

كما أثار ملف المحتجزين من موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية قلقاً بالغاً، حيث لا يزال العشرات محتجزين لدى الحوثيين، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي. وعدّ المبعوث الأممي أن هذه الاحتجازات تمثل انتهاكاً لامتيازات الأمم المتحدة، وتؤثر بشكل مباشر على قدرتها على تقديم المساعدات الإنسانية.

وفي السياق ذاته، حذرت الحكومة اليمنية من لجوء الحوثيين إلى محاكمات غير شرعية بحق مختطفين، بينهم موظفون دوليون، مطالبة بالإفراج الفوري وغير المشروط عنهم.

تحديات اقتصادية ومسار هش

على الصعيد الداخلي، عرضت الحكومة اليمنية ما وصفته بخطوات إصلاحية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاقتصادي، من بينها إقرار الموازنة العامة لعام 2026 لأول مرة منذ سنوات، ودعم استقلالية البنك المركزي، وتحسين كفاءة المؤسسات.

كما أشادت بالدعم السعودي، ورأت أنه يمثل ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة، ويسهم في الحفاظ على الاستقرار المالي في ظل ظروف معقدة.

لكن المبعوث الأممي أشار إلى أن هذه المؤشرات الإيجابية لا تلغي هشاشة الوضع الاقتصادي، في ظل تأثر اليمن بالتداعيات الإقليمية، وارتفاع أسعار الغذاء والوقود، وتراجع التحويلات المالية، إضافة إلى استمرار انقسام المؤسسات الاقتصادية.

جانب من جلسة مجلس الأمن بشأن اليمن (أ.ب)

وفي حين أكد المبعوث الأممي أن اليمنيين لا يزالون يعانون من ضعف الخدمات وتأخر الرواتب، وأن الفئات الأكثر هشاشة تتحمل العبء الأكبر من هذه الأزمات، شدّد على أن خفض التصعيد الذي تحقق منذ هدنة 2022 يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يزال هشاً، في ظل مؤشرات مقلقة على تحركات عسكرية وتصاعد أعمال العنف، بما في ذلك سقوط ضحايا مدنيين.

ومع تأكيد غروندبرغ أن الحل السياسي الشامل يظل الخيار الوحيد القابل للاستمرار، دعا الأطراف اليمنية إلى عدم الرهان على المتغيرات الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك على تسوية تضمن مستقبلاً آمناً ومستقراً لليمن، وتحفظ أمن المنطقة، خصوصاً فيما يتعلق بحرية الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن.


الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
TT

الأوبئة في اليمن تقاوم نظاماً صحياً يعيش في حالة طوارئ

نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)
نصف أطفال اليمن تحت الخامسة يعانون سوء التغذية في ظل صعوبات للحصول على العلاج (رويترز)

بينما يحتفل العالم بيوم الصحة العالمي كمناسبة لتعزيز التقدم الصحي، يعاني اليمنيون من ضعف فاعلية النظم الصحية ومؤشرات التحسن والقدرة على تجنّب الانهيار، في بيئة تتكاثر فيها الأوبئة أكثر مما تنحسر.

وفي الوقت الذي تعلن منظمة الصحة العالمية عن مساعيها لجعل العلم خط الدفاع الأول عن الأرواح في اليمن، لا تتيح الصعوبات أكثر من إدارة الأزمات المتكررة، في نظام صحي مُنهك، يعتمد على الاستجابة الطارئة، ويعجز عن الاستقرار، وتفرض أوبئة كثيرة حضورها، مثل داء كلّابية الذنب (داء السوداء).

ويعكس أحدث اللقاءات، الذي جرى، الأحد، بين وزارة الصحة في الحكومة اليمنية ومنظمة الصحة العالمية هذا الواقع بوضوح؛ حيث جرى فيه التركيز على بذل الجهود لتعزيز الترصد الوبائي والاستجابة السريعة، إلى جانب تدشين حملة «رش ضبابي» لمكافحة نواقل الأمراض، في محاولة استباقية للحد من انتشار الملاريا وحمى الضنك مع اقتراب فصل الصيف الملائم لتكاثر البعوض.

وشدّد اللقاء الذي ضمّ علي أحمد الوليدي، وكيل الوزارة لقطاع الرعاية الصحية الأولية، وسيد جعفر، ممثل منظمة الصحة العالمية لدى اليمن، على أهمية تعزيز الشراكة بين الجانبين لرفع كفاءة الاستجابة الصحية، والتزام المنظمة الأممية بمواصلة تقديم الدعم اللازم للقطاع الصحي في اليمن بما يضمن استمرارية الخدمات الأساسية ومواجهة الفاشيات الوبائية، كما أورد الإعلام الرسمي.

لقاء بين مسؤولين يمنيين وأمميين لمناقشة ترتيبات حملات مكافحة نواقل الأمراض (سبأ)

لكن هذه الإجراءات، رغم أهميتها، تأتي في سياق أكثر تعقيداً، حيث تشير تقارير المنظمة إلى أن التحديات الصحية في اليمن لم تعد مرتبطة بمرض واحد أو تفشٍّ محدد، بل بمنظومة أزمات متداخلة مثل الصراع المستمر والكوارث المناخية وشح التمويل.

وذكرت مصادر صحية حكومية لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة اليمنية تراقب تداعيات الحرب الإقليمية وتأثيرها على القطاع الصحي، وتنوي التوجه إلى المانحين والمنظمات المعنية بالصحة بخطط وطلبات للحصول على مساعدات عاجلة لمواجهة الأوبئة المتوقع انتشارها خلال الأشهر المقبلة.

وحذرت المصادر من تفشٍّ واسع لمرضى الكوليرا والحصبة في عدد من مديريات محافظة الحديدة غربي البلاد، مع ازدياد أعداد المصابين خلال الأيام الماضية، وتسجيل عشرات الحالات يومياً، مع مخاوف من زيادة كبيرة فيها خلال الأيام المقبلة.

المخاوف تزداد من تفشي الأوبئة الموسمية في ظل ضعف القطاع الصحي اليمني (أ.ب)

ووفقاً للمصادر، فإن هناك حالة ترقب شديدة لعودة انتشار الملاريا وحمى الضنك في محافظة ومدينة تعز، بعد هطول الأمطار الغزيرة هناك، والتي تتسبب في تكون المستنقعات والأوحال التي تمثل البيئة الملائمة لتكاثر النواقل.

ضغوط الصراع والمُناخ

واجه اليمن، خلال العام الماضي، موجات متكررة من الأمراض الوبائية، من بينها الكوليرا، والحصبة، إلى جانب الأمراض المنقولة بالنواقل، في ظل هشاشة القدرة على الاحتواء.

ورغم ذلك أظهر تقرير منظمة الصحة العالمية أن التدخلات المبنية على الأدلة أسهمت في الحد من الأضرار، حيث تم تشغيل 27 مركزاً لمعالجة الإسهالات، وأكثر من 56 ألف حالة كوليرا شديدة، إضافةً إلى تنفيذ حملات تطعيم فموية وصلت إلى أكثر من 3 ملايين شخص.

وجرى تعزيز أنظمة الترصد الوبائي من خلال دعم فرق الاستجابة السريعة وتدريب أكثر من 1500 عامل صحي، مما ساعد على الكشف المبكر عن الفاشيات وتقليل زمن الاستجابة، وهو عامل حاسم في الحد من انتشار الأمراض في بيئات هشة.

مياه المستنقعات شكلت خطراً صحياً على المجتمعات المتضررة من الفيضانات في اليمن (الأمم المتحدة)

وواجهت المستشفيات خلال فترات التصعيد التي شهدها عدد من المحافظات العام الماضي، تدفقاً كبيراً لحالات الإصابات، في ظل نقص حاد في المعدات والأدوية، وتعطل خدمات الإحالة الطارئة، كما ورد في التقرير الصادر بمناسبة يوم الصحة العالمي.

واستجابةً لذلك، قدمت المنظمة أكثر من 3200 طن من الإمدادات الطبية، ودعمت 12 فريقاً جراحياً، إلى جانب تشغيل سيارات إسعاف وتمويل خدمات الطوارئ، مما أسهم في استمرار إجراء العمليات الجراحية وتقديم الرعاية الحرجة.

وتقول المصادر الصحية إن هذه الجهود لا يمكن أن تزيد على كونها «إدارة أزمة» أكثر من كونها حلاً مستداماً، إذ يظل النظام الصحي معتمداً بشكل كبير على الدعم الخارجي، في وقت تتسع فيه فجوة التمويل، خصوصاً بعد تراجع مساهمات بعض المانحين.

جهود أممية للوقاية من داء كلابية الذنب (داء السوداء) للمجتمعات النائية في اليمن (الأمم المتحدة)

وإلى جانب الحرب، تلعب الكوارث المناخية دوراً متزايداً في تعقيد المشهد الصحي. فقد تسببت الفيضانات التي ضربت عدة محافظات في تدمير البنية التحتية ونزوح آلاف الأسر، وخلقت بيئة مثالية لانتشار الأمراض، مما استدعى تزويد المنظمة للمرافق الصحية بأطنان من الأدوية والمستلزمات، وتقديم خدمات علاجية لعشرات الآلاف من المرضى، إلى جانب تعزيز حملات مكافحة النواقل وتوفير أدوات التشخيص السريع.

إنجازات تحت الضغط

يشير التقرير إلى أهمية نهج «الصحة الواحدة»، الذي يربط بين صحة الإنسان والبيئة، خصوصاً في بلد تتقاطع فيه مخاطر المناخ مع هشاشة الخدمات الأساسية.

ورغم الصورة القاتمة، لا تخلو التقارير من مؤشرات على قدرة النظام الصحي على الصمود. فقد تم تزويد عشرات المرافق بالأكسجين الطبي والوقود والمياه، مما أتاح استمرار تقديم ملايين الخدمات الصحية، وإجراء مئات الآلاف من العمليات الجراحية، وتأمين ولادات آمنة لعشرات الآلاف من النساء.

وشهدت بعض البرامج النوعية تقدماً لافتاً، مثل حملات مكافحة الأمراض المدارية، التي وصلت إلى مناطق نائية عبر استراتيجيات «من منزل إلى منزل»، محققةً نسب تغطية تجاوزت المعايير الدولية.

ورشة توعية ضمن أنشطة منظمة الصحة العالمية لتعزيز الوقاية من الأمراض (الأمم المتحدة)

ونفذت وزارة الصحة العامة والسكان بدعم فني وتشغيلي من منظمة الصحة العالمية، واحدة من أكثر حملات المعالجة الجماعية طموحاً ضد داء كلّابية الذنب (داء السوداء)، حيث تم الوصول إلى السكان الذين كانوا خارج نطاق الحملات الصحية.

ويعدّ كلّابية الذنب (المعروف عادة باسم «العمى النهري»)، والذي يسبب مرضاً جلدياً منهكاً ووصمة اجتماعية ومعاناة طويلة الأمد، من أخطر الأوبئة التي غزت اليمن في سنوات الصراع، وأسهمت التضاريس الوعرة ونقص التمويل المُزمن في ترك عديد من الأسر من دون إمكانية الوصول إلى العلاج.

وحسبما تنقل المنظمة عن المسؤولين الصحيين اليمنيين، فإن عائلات كاملة عاشت مع هذا الداء دون أن تتلقى أي علاج، قبل أن تغير هذه الحملة هذا الواقع بشكلٍ أساسي، حيث عبرت الفرق الصحية الجبال، وواجهت انعدام الأمن والعزلة، للوصول إلى كل منزل، مما يؤكد أنه يمكن الوصول إلى كل المجتمعات في اليمن.

وطبقاً للمنظمة، أصبح المتطوعون المحليون، خصوصاً النساء، هم العمود الفقري للتنفيذ، حيث قاموا ببناء الثقة والدخول إلى المنازل التي لم يتم الوصول إليها من قبل وضمان الاستخدام الأمثل لكل جرعة لحماية السكان.

Your Premium trial has ended