القوى الاقتصادية الكبرى في محاولة أخيرة لـ«مهادنة ترمب»

رسائل لـ«مد اليد»... وتحذيرات من مغبة استمرار «العدائية الاقتصادية»

احدى شركات الصرافة في طوكيو وتبدو صورة ترمب على إحدى الشاشات (رويترز)
احدى شركات الصرافة في طوكيو وتبدو صورة ترمب على إحدى الشاشات (رويترز)
TT

القوى الاقتصادية الكبرى في محاولة أخيرة لـ«مهادنة ترمب»

احدى شركات الصرافة في طوكيو وتبدو صورة ترمب على إحدى الشاشات (رويترز)
احدى شركات الصرافة في طوكيو وتبدو صورة ترمب على إحدى الشاشات (رويترز)

مع توليه أول من أمس رسميا منصب رئيس الولايات المتحدة الأميركية، أقوى اقتصاد في العالم، أكد الرئيس دونالد ترمب أن عهده سيكون عنوانه الرئيسي هو «أميركا أولا»، موضحا في خطاب التنصيب أن الخطوط العريضة لاقتصاده ستعمل على بناء اقتصاد أميركي قوي، يركز على أولوية للأميركيين والصناعة الأميركية.
وبمقابل هذا الوضوح فيما يخص الاقتصاد الداخلي في أميركا، لم يشر ترمب صراحة إلى سياساته الخارجية، والتي تضمنت خلال حملته الانتخابية كثيرا من الهجوم على قوى اقتصادية عالمية مثل الصين، وجيران للولايات المتحدة مثل المكسيك، بل وحتى على اتفاقات تجارية دولية مثل اتفاق التجارة الحرة؛ مما بث كثيرا من المخاوف حول مستقبل الاقتصاد العالمي.
وبمقابل تهديد تلك السياسات «الحمائية» لاقتصادات كثيرة حول العالم، فإن الاقتصاد الأميركي بدوره قد يعاني بشدة. وكانت دراسة صدرت عن «أكسفورد إيكونوميكس» لأبحاث الاقتصاد، قد أشارت في سبتمبر (أيلول) الماضي إلى أن الاقتصاد الأميركي قد ينكمش بمقدار تريليون دولار في 2021، إذا فاز المرشح الجمهوري - آنذاك - دونالد ترمب بانتخابات الرئاسة، نتيجة لسياساته الاقتصادية والسياسية، والتي تنذر بحروب اقتصادية على المستوى العالمي.
وأوضحت الدراسة أن سياسات ترمب ربما يجري «تخفيفها» من قبل الكونغرس، إلا أنها تبقى ذات «آثار سلبية». أما في حالة عدم نجاح الكونغرس في ذلك، فإن العواقب قد تكون «فادحة» وتصل إلى خسارة الناتج المحلي الإجمالي الأميركي نحو 5 في المائة؛ قياسا إلى التصور الأساسي وتقويض التعافي المتوقع في النمو العالمي، بحسب الدراسة.
وتوقعت «أكسفورد إيكونوميكس» في تصورها الأساسي نمو الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بمعدل ثابت نسبيا قرب 2 في المائة بداية من عام 2018، ليصل إلى 18.5 تريليون دولار في عام 2021، في حال فوز هيلاري كلينتون بالمنصب الرئاسي. إلا أنها أشارت إلى أنه في حال نجاح ترمب وتطبيق سياساته؛ فإنها تتوقع تباطؤ النمو تباطؤا حادا، ليتراجع مقتربا من الصفر في 2019، مما سيقلص الناتج المحلي الإجمالي إلى 17.5 تريليون دولار.
وفي مسعى ربما يكون «الأخير»، لجأ عدد من القوى الاقتصادية الكبرى خلال الساعات التي تلت تنصيب ترمب، إلى ما قد يبدو أنها «مهادنة» تهدف إلى محاولة إثناء الرئيس الأميركي الجديد وإدارته عن أفكاره السابقة، واستبدالها بـ«التعاون المشترك»، موضحة في رسائلها ما قد يحمله ذلك المنهج السلمي من فوائد للطرفين.
وخلال الأيام الماضية، ومن على منصة منتدى دافوس الاقتصادي، الذي شهد بزوغ نجم الصين مدافعا جديدا عن العولمة، شن الرئيس الصيني شي جينبينغ «هجوما مستترا» على ترمب، محذرا من مغبة العودة إلى «سياسات الحماية التجارية»، ومؤكدا أن «السعي المفرط وراء الأرباح؛ وليس العولمة، هو ما تسبب في الأزمة المالية العالمية». كما حث دول العالم على ألا تحمي مصالحها الخاصة على حساب مصالح الآخرين، مشددا على أنه «يجب أن نبقى متمسكين بتطوير التبادل الحر والاستثمارات خارج الحدود الوطنية، وأن نقول لا للحمائية».
هجوم جينبينغ بدا وكأنه خطوة استباقية، تهدف لإثناء الرئيس الأميركي الجديد عن المضي قدما في خططه التي تهدف إلى محاربة العولمة وتوفير مزيد من الحمائية، خاصة أنه شدد أن «أحدا لن يخرج فائزا من حرب تجارية»، في جملة «تحذيرية وتهديدية» في آن واحد. وهو موقف يتفق فيه كثير من زعماء العالم والقوى الاقتصادية الكبرى مع بكين. وبالأمس، وبعد ساعات من تولي ترمب منصبه رسميا، عكست وسائل الإعلام الصينية رغبة بكين في أنها تأمل في أن تفهم الإدارة الأميركية الجديدة أهمية العلاقات مع الصين، ولكنها قالت إنه يجب أيضا على بكين الاستعداد للأسوأ.
وأشارت صحيفة «الشعب» الصينية، الناطقة بلسان الحزب الشيوعي الصيني الحاكم، إلى أنه يجب على كل من الدولتين عدم محاولة إخضاع الأخرى بالقوة، ولكن البحث عن تعاون يحقق المكسب للجانبين وإدارة خلافاتهما. موضحة أنه «يجب على الحكومة الأميركية الجديدة أن تدرك أن من الطبيعي لهذين البلدين العظيمين أن تكون لديهما مشكلات وخلافات. ومن المهم السيطرة وإدارة الخلافات وإيجاد وسيلة لحلها».
وفيما بدا وكأنه مسعى لمهادنة واشنطن وتلافي أي صدامات، أضافت الصحيفة أن «الصين تأمل في أن يمكن أن يكون تنصيب الرئيس الأميركي الجديد نقطة بداية جديدة لتطوير العلاقات الصينية الأميركية»، وأن «النمو المستقر والصحي للعلاقات يتفق مع مصالح الشعبين، وهو التوقع المشترك للمجتمع الدولي».
وبدورها قالت صحيفة «غلوبال تايمز»، إنه «على الرغم من أن ترمب قال الكثير عن الصين، فإن سياسته الفعلية لم تتشكل بعد»، مشيرة إلى أن «قطعا إدارة ترمب تريد تعزيز الصادرات إلى الصين وإعادة مصانع من الصين إلى الولايات المتحدة. وتايوان ستكون مجرد ورقة مساومة بالنسبة لهم لممارسة ضغط تجاري على الصين».
وأوضحت الصحيفة أن «سياسة (صين واحدة) لترمب ستتوقف على مدى تفهمه بشكل جيد للمصالح المتداخلة لأكبر اقتصادين في العالم، وما إذا كان متحمسا بما يكفي لتغيير الهيكل القائم بالقوة». لكنها أضافت أيضا فيما بدا كلهجة تحذيرية، أنه «ما من شك في أن إدارة ترمب ستشعل حرائق كثيرة على أبوابها الأمامية وفي شتى أنحاء العالم. فلننتظر ونرى متى سيكون دور الصين».
وعلى موقع البيت الأبيض، قال ترمب عقب تنصيبه، إنه ملتزم بتحقيق استقلال بلاده في مجال الطاقة من قبضة منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، لكنه أكد استمرار شراكة بلاده مع دول الخليج كجزء من جهود مكافحة الإرهاب.
وقال ترمب إن «السياسة السليمة في مجال الطاقة تبدأ من الاعتراف بأن الولايات المتحدة لديها احتياطات هائلة غير مستغلة».
وبحسب دراسة تقديرية سابقة أجرتها «بي بي» البريطانية، العام الماضي، فإن الولايات المتحدة من الممكن أن تصل إلى الاكتفاء الذاتي من النفط بحلول عام 2030، خاصة في ظل التوسع في اكتشافات واستثمارات النفط الصخري، ومزيد من الاتجاه لبدائل مثل الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي، وكذلك مصادر الطاقة المتجددة. كن آراء أخرى لخبراء في مجال الطاقة يرون أن ذلك أمر صعب، حيث يبلغ معدل الاستيراد الأميركي اليومي النفطي من الشرق الأوسط نحو 8 إلى 9 ملايين برميل، إضافة إلى أن نوع النفط الأميركي لا يتماشى مع نوع المصافي هناك، ولذلك ستصدر الولايات المتحدة النفط المحلى، وتستمر في استيراد النفط من الشرق الأوسط، على الأقل في المنظور المتوسط.
ويشير مراقبون إلى أن حديث ترمب عن الطاقة، يتصل كثيرا بمساعي «أوبك» لحماية أسعار النفط ودفعها إلى مزيد من التوازن، بعد انهيارها على مدار نحو عامين، مرجحين أنه يحاول إثناء المنظمة عن توجهاتها، حيث إن أميركا أحد أكثر دول العالم استفادة من انخفاض أسعار النفط، كونها الدولة الأكثر استهلاكا للطاقة على مستوى العالم.
وبعد أيام قليلة من هجومه على سياسات ترمب الحمائية في دافوس، دعا وزير الاقتصاد الألماني زيغمار غابريل أمس إلى سياسة اقتصادية جديدة تركز على آسيا في أعقاب تنصيب ترمب.
وقال غابريل، وهو أيضا نائب المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، في مقابلة مع قناة «زد دي إف» الألمانية: «نحن، أوروبا وألمانيا، نحتاج إلى استراتيجية جديدة باتجاه آسيا والصين، ولدينا فرص جديدة هناك». في توضيح أن بلاده ستحتاج إلى استراتيجية اقتصادية جديدة تتجه إلى آسيا إذا ما بدأت الإدارة الأميركية الجديدة «حربا تجارية» مع الصين، محذرا من «أوقات صعبة» بعد تنصيب ترمب.
وأوضح غابريل أن الدرس الذي يمكن أن تتعلمه أوروبا من فوز ترمب في الانتخابات الأميركية هو أنها تحتاج إلى توحيد صفوفها أكثر، مؤكدا: «يجب أن نتوقف عن محاولة كشف كل منا للآخر»، متابعا: «نحن بحاجة للوقوف معا كأوروبيين. يجب علينا أيضا أن نحدد بوضوح ونعمل على تحقيق مصالحنا الخاصة». كما حذر غابريل من «التقليل» من شأن الرئيس الأميركي الجديد. وفيما يتعلق بالإجراءات الحمائية التي ذكرها ترمب في خطاب تنصيبه، قال غابريل: «إنه جاد حقا. أعتقد أن علينا حقا أن نلتزم الحذر».
من جانبها، حثت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، على التعامل مع الإدارة الأميركية الجديدة بـ«احترام» وعلى أساس «القيم المشتركة». وقالت أمس، إن «العلاقة عبر جانبي الأطلسي لن تكون خلال السنوات المقبلة أقل أهمية مما كانت عليه في الماضي»، مضيفة أن ترمب أوضح قناعاته مرة أخرى بصورة جلية خلال خطاب التنصيب، وأكدت أن الأفضل للجميع الآن هو العمل المشترك على أساس القيم المشتركة، ولفتت إلى أن هذا الأمر ينطبق على النظام الاقتصادي والتجارة، بالإضافة إلى الدفاع أيضا.
ورأت ميركل أن «تبادل وجهات النظر باحترام» هو أفضل الطرق للتوصل إلى حلول توافقية عند اختلاف الآراء، ووعدت بأن تحاول بلادها الإسهام بدور في هذا المجال من خلال رئاستها لمجموعة العشرين في العام الحالي.
وفي المكسيك، الجارة الجنوبية التي يسعى ترمب لبناء جدار على حدودها لوقف حركة الهجرة وطرد آلاف المقيمين بالولايات المتحدة، كما يسعى لفرض ضرائب كبيرة على الشركات العاملة بها ما يهدد اقتصاد المكسيك بشكل كبير، سعى الرئيس المكسيكي إنريكي بينيا نييتو إلى «تبريد الأوضاع» خلال تهنئته للرئيس ترمب، حيث أعرب عن أمله في «إجراء حوار محترم» معه. كتب بينيا نييتو على «تويتر»: «سنعمل معا بمسؤولية مشتركة لتعزيز علاقاتنا»، مضيفا: «سنقيم حوارا محترما مع إدارة ترمب». معتبرا أن «السيادة والمصلحة الوطنية وحماية المكسيكيين» هي التي «ستوجه العلاقة مع الحكومة الأميركية الجديدة». وذلك في وقت شهد مظاهرات مكسيكية بالتزامن مع فعاليات تنصيب ترمب.
وأشارت المكسيك إلى أن وزيري الاقتصاد والخارجية المكسيكيين سيجتمعان مع نظيريهما الأميركيين الأربعاء والخميس المقبلين.
وشمالا، سعى رئيس الوزراء الكندي جاستين ترودو إلى محاولة إنقاذ الشراكة مع أميركا، آملا في أن تعزز كندا والولايات المتحدة الشراكة بينهما من أجل أمن البلدين ومصلحتهما.
وكتب ترودو في رسالة التهنئة التي بعث بها إلى ترمب، أن «كندا والولايات المتحدة أقامتا واحدة من أوثق العلاقات في العالم. هذه الشراكة المستدامة أمر ضروري لازدهارنا وأمننا المشترك»، وأضاف أن كندا والولايات المتحدة ستواصلان العمل لـ«ضمان أمن حدودنا المشتركة» البالغ طولها نحو 9 آلاف كيلومتر. مشيرا إلى أن البلدين «متكاملان» إلى حد كبير بفضل «صلات قوية في مجال التجارة والاستثمارات».
وتابع رئيس الوزراء الكندي: «كلانا نريد أن نبني اقتصادات تكون فيها للطبقة الوسطى ولأولئك الذين يعملون بجد، فرصة حقيقية للنجاح». ترسل كندا 75 في المائة من صادراتها إلى الولايات المتحدة، وقد تتضرر كثيرا من أي إجراءات أميركية جديدة تهدف إلى تقليص الواردات من الخارج. وقال جوزيف بيكيريل، المتحدث باسم وزيرة الخارجية كريستيا فريلاند، في بيان: «نحن واثقون من أن الإدارة الجديدة سترى أن شراكة كندا مع الولايات المتحدة تعضد بلدينا، وتمنح فرصا حقيقية لتنمية اقتصادينا».
وعلى صعيد الأسواق، أغلقت الأسهم الأميركية يوم الجمعة مرتفعة قليلا بعد تنصيب ترمب. وارتفع مؤشر «داو جونز» الصناعي 94.57 نقطة، أو ما يعادل 0.48 في المائة، ليصل إلى 19826.97 نقطة. في حين صعد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بواقع 7.6 نقطة، أو 0.34 في المائة، ليصل إلى 2271.19 نقطة. كما زاد مؤشر «ناسداك المجمع» بمعدل 15.25 نقطة، أو 0.28 في المائة، ليصل إلى 5555.33 نقطة.
أما الذهب، فقد ارتفعت أسعاره يوم الجمعة مع هبوط الدولار والعائد على السندات الأميركية من مستويات مرتفعة بعد تنصيب ترمب. ارتفع الذهب في المعاملات الفورية 0.5 في المائة، إلى 1211.30 دولار للأوقية (الأونصة)، بينما ارتفع المعدن في العقود الأميركية الآجلة 0.3 في المائة إلى 1204.90 دولار للأوقية. وانخفض مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات الرئيسية بنسبة 0.4 في المائة، بعدما كان مرتفعا في وقت سابق من جلسة الجمعة. من شأن انخفاض الدولار أن يجعل المعدن الأصفر أرخص ثمنا لحائزي العملات الأخرى.
وتجاهل الذهب بيانات أفضل من المتوقعة عن الوظائف الأميركية وقطاعي الإسكان والمصانع بالولايات المتحدة، عززت وجهة النظر القائلة بأن الاقتصاد الأميركي قوي بما يكفي لرفع أسعار الفائدة.
ومن بين المعادن النفيسة الأخرى، ارتفع البلاديوم 5.2 في المائة إلى 792.90 دولار للأوقية، وهو أعلى مستوى منذ مايو (أيار) 2015. وارتفعت الفضة 0.5 في المائة إلى 17.09 دولار للأوقية، في حين زاد البلاتين 2.2 في المائة إلى 978.90 دولار للأوقية.



من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
TT

من الأكثر تضرراً من حرب إيران وتأثيرها على الاقتصاد العالمي؟

صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)
صدمة جديدة في قطاع الطاقة الأوروبي تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية (رويترز)

تسبَّبت حرب إيران، التي دخلت أسبوعها الرابع، في أزمة كبيرة في إمدادات الطاقة تؤثر على جميع قطاعات الاقتصاد العالمي. لكن من الواضح أن بعض الدول إما أكثر عرضةً لهذا التأثير، أو أقل قدرةً على التعامل معه.

وبالنظر إلى الوضع في أوروبا، فهناك صدمة جديدة في قطاع الطاقة تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة للحرب الروسية - الأوكرانية قبل 4 سنوات، والتي سلَّطت الضوء بشكل حاد على اعتماد المنطقة على واردات الطاقة الروسية.

ومن المتوقع أن يرتفع التضخم مجدداً، ويتوقع المتداولون أن يضطر البنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا إلى رفع أسعار الفائدة هذا العام.

وأظهرت بيانات، الثلاثاء، أنَّ النشاط التجاري قد تأثَّر بالفعل بالنزاع؛ مما ينذر بتباطؤ النمو الاقتصادي.

ألمانيا

يُعدُّ اقتصاد ألمانيا، الذي يعتمد بشكل كبير على الصناعة، من أبرز الاقتصادات المُعرَّضة لخسائر جراء ارتفاع تكلفة الطاقة، وأي انكماش عالمي قد يؤثر على مُصدِّريها.

لكن في الوقت الراهن، يحافظ النشاط التجاري الألماني على استقراره نسبياً، ويواصل قطاع التصنيع نموه بعد انكماش دام قرابة 4 سنوات. ومن المتوقع أن يساعد برنامج التحفيز الضخم الذي أعلنته ألمانيا، العام الماضي، على تخفيف بعض الآثار.

إيطاليا

تُعدُّ إيطاليا موطناً أيضاً لقطاع تصنيع كبير، علاوة على ذلك، يُعدُّ النفط والغاز من بين أعلى مصادر استهلاك الطاقة الأولية في أوروبا.

ففي هذه الحالة قد تكون إيطاليا أيضاً مُعرَّضةً لتحديات جمة مع استمرار حرب إيران.

بريطانيا

تعتمد بريطانيا على الطاقة المُولَّدة بالغاز بشكل أكبر من نظيراتها الأوروبية، في إنتاج الكهرباء. وتحدِّد أسعار الغاز أسعار الكهرباء لديها في أغلب الأحيان، وهي حالياً ترتفع بوتيرة أسرع من أسعار النفط منذ بداية الحرب.

ومن شأن تخفيف تحديد سقف لأسعار الطاقة من الأثر التضخمي الأولي، إلا أنَّ رفع أسعار الفائدة سيزيد من معاناة المقترضين، إذ تعاني بريطانيا بالفعل من أعلى تكاليف اقتراض في مجموعة السبع في ظلِّ ارتفاع معدلات البطالة.

وتحدُّ الضغوط على الميزانية وسوق السندات من خيارات الحكومة لمساعدة الشركات والأسر.

اليابان

تستورد اليابان نحو 95 في المائة من نفطها من الشرق الأوسط، ويمرُّ نحو 90 في المائة منه عبر مضيق هرمز. لذلك هي الأخرى في دائرة الخطر.

وتُضاف ذلك إلى الضغوط التضخمية التي تعاني منها اليابان بالفعل نتيجة ضعف الين، مما يؤثر على أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية اليومية نظراً لاعتمادها الكبير على المواد الخام المستوردة.

الهند

تُعدُّ الهند أيضاً مُعرَّضةً للخطر؛ لأنَّها تستورد نحو 90 في المائة من نفطها الخام ونحو نصف غازها المسال، ويمرُّ عبر مضيق هرمز نحو نصف ما تحتاج إليه نيودلهي تقريباً.

وقد بدأ الاقتصاديون خفض توقعات النمو الاقتصادي للبلاد، وانخفضت قيمة الروبية إلى مستوى قياسي.

وفي المطاعم والمطابخ في جميع أنحاء الهند، تختفي الأطعمة والمشروبات الساخنة - حتى السمبوسة والدوسا والشاي - من قوائم الطعام، لأن ارتفاع أسعار الغاز أدى إلى تقنين غير رسمي.

تركيا

تتشارك تركيا حدوداً مع إيران، وتستعدُّ لتدفق محتمل للاجئين ومزيد من عدم الاستقرار الجيوسياسي. وفي غضون ذلك، يُعدُّ التأثير الاقتصادي الرئيسي على البنك المركزي.

ويشعر البنك المركزي بالفعل بتكرار أزمات التضخم السابقة. فقد اضطر إلى إيقاف دورة خفض أسعار الفائدة للمرة الثانية في غضون عام، وباع ما يصل إلى 23 مليار دولار من احتياطاته الثمينة لتعزيز عملته.

الدول الهشة

هناك أيضاً عدد قليل من الدول التي تبدو عرضةً للخطر بشكل خاص، بعد أن مرَّت مؤخراً - أو كادت تمر - بأزمات اقتصادية شاملة.

فقد أعلنت سريلانكا مؤخراً، يوم الأربعاء، عطلةً رسميةً للعاملين في القطاع الحكومي في محاولة للحد من تكاليف الطاقة. ويتم إغلاق المدارس والجامعات والمؤسسات العامة، وتعليق وسائل النقل العام غير الضرورية، ويتعيَّن على السائقين الآن التسجيل للحصول على تصريح وقود وطني يقيد مشتريات الوقود.

باكستان

كانت باكستان على حافة أزمة قبل عامين، فرفعت أسعار البنزين وأغلقت المدارس لمدة أسبوعين.

وخفَّضت مخصصات الوقود للدوائر الحكومية إلى النصف، وتم منع الجهات الحكومية من شراء مكيفات الهواء وأثاث جديد، وأمرت بسحب عدد كبير من مركباتها من الخدمة.

مصر

تواجه مصر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوقود والمواد الغذائية الأساسية، احتمال انخفاض حاد في عائدات قناة السويس والسياحة، التي ضخَّت نحو 20 مليار دولار في اقتصادها العام الماضي.

كما ازداد عبء سداد ديونها، التي يُشكِل الدولار معظمها، صعوبةً؛ بسبب انخفاض قيمة عملتها بنسبة نحو 9 في المائة منذ بدء الحرب.


آيرلندا تخفض ضريبة الوقود حتى مايو لامتصاص صدمة الأسعار التاريخية

وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
TT

آيرلندا تخفض ضريبة الوقود حتى مايو لامتصاص صدمة الأسعار التاريخية

وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)
وسط مدينة دبلن عاصمة آيرلندا (أرشيفية - رويترز)

أعلنت آيرلندا، يوم الثلاثاء، خفض ضريبة الإنتاج على الوقود حتى نهاية مايو (أيار)، ضمن حزمة بقيمة 250 مليون يورو (290 مليون دولار)؛ بهدف التخفيف من الأثر الاقتصادي الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط.

وجاء القرار بعد موافقة مجلس الوزراء، في ظلِّ ارتفاع حاد بأسعار النفط الخام، الذي دفع أسعار البنزين الخالي من الرصاص في بعض محطات الوقود الآيرلندية لتجاوز 2 يورو للتر الواحد، وهو مستوى لم يُسجَّل منذ عام 2022 مع بداية الأزمة في أوكرانيا، وفق «رويترز».

وأوضحت الحكومة أنَّ خفض ضريبة الإنتاج سيبلغ 15 سنتاً للتر الواحد من البنزين و20 سنتاً للتر من الديزل، ويُطبق اعتباراً من منتصف ليل الثلاثاء.

وقال رئيس الوزراء، مايكل مارتن، في مؤتمر صحافي إن هذه الإجراءات «محددة الأهداف ومؤقتة»، مشيراً إلى أنها ستخضع للمراجعة وفقاً لتطورات السوق.

وأعلنت الحكومة تعليق ضريبة وكالة احتياطات النفط الوطنية (NORA) لمدة شهرين، ما سيخفِّض سعر وقود السيارات وزيت التدفئة المنزلية بمقدار سنتين إضافيَّين للتر الواحد، إلا أنَّ ذلك يتطلب إقرار تشريع إضافي. وتتولى الوكالة مسؤولية صيانة الإمدادات الاستراتيجية من النفط في آيرلندا، ويتم تمويلها من خلال هذه الضريبة.

وستُمدِّد الحكومة أيضاً مدفوعات التدفئة لمستفيدي الضمان الاجتماعي لمدة 4 أسابيع، مع تحسين برنامج الخصومات المُخصَّص لشركات النقل.

وأشار وزير المالية، سيمون هاريس، يوم الأحد إلى أن الحكومة ستحدِّد الحزمة الأولية لتوفير المجال لمزيد من الدعم إذا استمرَّ ارتفاع أسعار الطاقة.

وكانت المفوضية الأوروبية قد أوصت بتخفيض الضرائب الوطنية على الوقود بوصفه إحدى الوسائل التي يمكن للدول الأعضاء من خلالها كبح جماح ارتفاع أسعار الطاقة. وفي هذا الإطار، خفَّضت إيطاليا مؤقتاً الرسوم الجمركية، بينما اقترحت إسبانيا، يوم الجمعة، إجراءات أوسع بقيمة 5 مليارات يورو تشمل تخفيضات في أسعار الوقود وفواتير الكهرباء.


ارتباك وحذر في الأسواق العالمية بعد «مناورة» ترمب ونفي طهران

زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
TT

ارتباك وحذر في الأسواق العالمية بعد «مناورة» ترمب ونفي طهران

زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)
زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)

شهدت الأسواق العالمية، يوم الثلاثاء، حالة من الارتباك والحذر، عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل قصف شبكة الكهرباء الإيرانية. وبينما حاول الإعلان عن تقدم في المحادثات مع طهران تهدئة الأسواق، سارعت إيران إلى نفي أي مفاوضات مباشرة، مما أضاف مزيداً من الغموض والتقلب للمستثمرين.

في هذه الأجواء، حققت الأسهم العالمية مكاسب محدودة، فيما حافظت أسعار النفط على تداولاتها فوق مستوى 100 دولار للبرميل، بينما ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية واستعاد الدولار جزءاً من قوته، مع تزايد الشكوك بشأن إمكانية التوصل إلى تسوية سريعة للحرب في الشرق الأوسط.

وقال استراتيجي العملات في بنك أستراليا الوطني، رودريغو كاتريل، إن هذه التصريحات «تساهم في تهدئة التقلبات إلى حدّ ما، لكنها لا تكفي للإشارة إلى تحول واضح نحو المخاطرة». وأضاف أن سجل ترمب الحافل بالسياسات غير المتوقعة أبقى الأسواق في حالة ترقب؛ إذ لا يزال المتعاملون غير متأكدين مما إذا كانت هناك مفاوضات فعلية أم مجرد تراجع تكتيكي عن تهديدات سابقة أثارت تقلبات حادة في الأسواق.

متداول في بورصة نيويورك (إ.ب.أ)

الدولار: تعافٍ جزئي

ارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من العملات الرئيسية، بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 99.293 نقطة، بعد أن تراجع بنسبة 0.4 في المائة يوم الاثنين، مسجلاً أدنى مستوى له منذ نحو أسبوعين.

وتراجع اليورو بنسبة 0.2 في المائة إلى 1.1593 دولار، بعد أن سجل مكاسب في الجلسة السابقة، فيما انخفض الجنيه الإسترليني بنسبة 0.4 في المائة إلى 1.3406 دولار بعد قفزة قوية بلغت 0.9 في المائة، يوم الاثنين.

ورأى تومي فون برومسن، استراتيجي العملات في «بنك هاندلسبانكن»، أن تصريحات ترمب تعكس رغبة في إنهاء النزاع، مضيفاً: «في حال انتهاء الحرب، من المرجح أن نشهد انعكاساً في اتجاهات سوق الصرف، ما يعني ضعف الدولار».

النفط يستأنف ارتفاعه

عاودت أسعار النفط الارتفاع، حيث صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بمقدار 2.20 دولار ليصل إلى 90.33 دولاراً للبرميل، بينما ارتفع خام برنت بمقدار 1.47 دولار ليبلغ 101.41 دولاراً للبرميل، بعد أن كان قد تراجع بنسبة تصل إلى 15 في المائة في جلسة الاثنين.

وقال بوب سافاج، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في «بنك نيويورك»: «تتأرجح الأسواق بين تفاؤل هش بإمكانية التوصل إلى هدنة، وبين واقع استمرار الصراع وتزايد الضغوط المالية».

ويستفيد الدولار من هذا الوضع؛ إذ تُعد الولايات المتحدة مُصدّراً صافياً للطاقة، ما يدعم العملة الأميركية في ظل ارتفاع أسعار النفط والغاز.

الأسواق العالمية: ارتياح حذر

شهدت الأسواق حالة من الارتياح الحذر، حيث ارتفع مؤشر «كاك 40» الفرنسي بنسبة 0.4 في المائة إلى 7759.97 نقطة، وصعد مؤشر «داكس» الألماني بنسبة 0.2 في المائة إلى 22695.54 نقطة، بينما ارتفع مؤشر «فوتسي 100» البريطاني بشكل طفيف.

وفي آسيا، تعافت الأسواق من خسائرها السابقة؛ إذ ارتفع مؤشر «نيكي 225» الياباني بنسبة 1.4 في المائة ليغلق عند 52252.28 نقطة، مدعوماً بآمال التهدئة رغم استمرار المخاطر. كما ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز/إيه إس إكس 200» الأسترالي بنسبة 0.2 في المائة، وصعد مؤشر «كوسبي» الكوري الجنوبي بنسبة 2.7 في المائة، فيما قفز مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة 2.8 في المائة، وارتفع مؤشر «شنغهاي المركب» بنسبة 1.8 في المائة.

وسجل مؤشر «إم إس سي آي» العالمي للأسهم ارتفاعاً بنسبة 0.3 في المائة، لكنه لا يزال أقل بنحو 7 في المائة من ذروته القياسية المسجلة في فبراير (شباط)، وسط استمرار الحرب وتعطّل شحن نحو خُمس إنتاج العالم من النفط والغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز، ما يبقي أسعار الطاقة مرتفعة لفترة ممتدة.

السندات: ارتفاع العوائد

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بعد تراجع حاد في ظل غموض مسار النزاع وتزايد رهانات الأسواق على توجه أكثر تشدداً في السياسات النقدية العالمية.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر ارتباطاً بتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 5 نقاط أساس ليصل إلى 3.878 في المائة، بعد انخفاضه بأكثر من 6 نقاط أساس في الجلسة السابقة، فيما ارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات إلى 4.36 في المائة بزيادة 3 نقاط أساس.

وقد أدى تسارع التضخم المدفوع بارتفاع أسعار الطاقة إلى تراجع توقعات التيسير النقدي عالمياً، مع تحول الأسواق نحو توقع رفع أسعار الفائدة في معظم الاقتصادات المتقدمة.

ويتوقع أن يُبقي الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير هذا العام مع احتمال ضعيف للرفع، بينما تشير التوقعات إلى إمكانية رفع الفائدة من قبل بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي.

وقال كيت جوكس، رئيس استراتيجية العملات الأجنبية في «سوسيتيه جنرال»: «إذا لم يُفتح مضيق هرمز سريعاً، فمن المرجح أن نشهد ارتفاعاً في أسعار الفائدة وزيادة ملموسة في تكاليف مستوردي النفط خلال الأسابيع المقبلة».

المعادن النفيسة

واستقر الذهب الفوري عند نحو 4400 دولار للأونصة، بعد أن سجل أدنى مستوياته في أربعة أشهر دون 4100 دولار قبل إعلان ترمب يوم الاثنين، وسط توقعات باستمرار ارتفاع أسعار الفائدة الأميركية لفترة أطول.

كما ارتفع سعر الفضة الفوري بنسبة 0.9 في المائة ليصل إلى 69.77 دولاراً للأونصة، بينما صعد البلاتين الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 1906.80 دولار، فيما انخفض البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1419.25 دولار.