مشاهدات جزائرية: ثلاثة عوامل أدت إلى التجديد لبوتفليقة

المثقفون في طليعة الساخطين.. وتعقيدات المشهد السياسي وراء تراجع اهتمام الناس بالشأن العام

رجل ينظر من شرفة بناية يرفرف عليها العلم الجزائري في العاصمة (أ.ف.ب)
رجل ينظر من شرفة بناية يرفرف عليها العلم الجزائري في العاصمة (أ.ف.ب)
TT

مشاهدات جزائرية: ثلاثة عوامل أدت إلى التجديد لبوتفليقة

رجل ينظر من شرفة بناية يرفرف عليها العلم الجزائري في العاصمة (أ.ف.ب)
رجل ينظر من شرفة بناية يرفرف عليها العلم الجزائري في العاصمة (أ.ف.ب)

زيارة الجزائر هذه الأيام تمكن صاحبها من الخروج بانطباع رئيس، مفاده أن البلد يشهد تغيرات اجتماعية واقتصادية تسبق كثيرا التغيرات السياسية التي يجري إبرازها دوما في الإعلام. ولذلك، ذهب كثيرون قبل انتخابات الرئاسة الأخيرة مثلا، إلى تقديم توقعات سياسية ترتكز على تحليلات نظرية متأثرة بقوالب خارجية، اتضح أخيرا أنها مجانبة لما هو جار على الأرض.
عندما تحط في الجزائر العاصمة قادما من الخارج، وتبدأ الحديث إلى الناس من أعمار ومستويات اجتماعية وعلمية مختلفة، تلحظ أن العامل المشترك بين غالبية هؤلاء أنهم باتوا يتعاملون مع الحدث السياسي بحذر شديد. فالجميع، تجده مستحضرا الذكريات الأليمة لما يسمونها «العشرية السوداء»، أي فترة عقد التسعينات من القرن الماضي وما رافقها من عنف دموي، والكل يتحدث عما يدور في دول «الربيع العربي» بشكل سلبي، والغالبية تبدي تخوفا من تسليم البلاد إلى «مجهول قد يعيدنا إلى سنوات الألم». ولعل هذه العوامل الثلاثة لعبت الدور الرئيس في التجديد للرئيس عبد العزيز بوتفليقة.
مرض الرئيس شكل الحجة الأبرز للداعين إلى التغيير، لكن عند التدقيق في الأمر تجد الأمر معقدا بعض الشيء. جادل دعاة التغيير بأن الرئيس لم يكن من المفترض أن يترشح منذ البداية بالنظر لوضعه الصحي. وفي المقابل، شدد مؤيدون لترشح بوتفليقة، على وضوح السلطة في التعامل مع ملف صحة الرئيس. يقول هؤلاء إن الجزائريين شاهدوا الرئيس على حقيقته جالسا على كرسي متحرك عندما حط من الطائرة قادما من العلاج في فرنسا، ثم رأوه خلال فترة النقاهة على حقيقته يتابع شؤون البلاد باللباس المنزلي (البيجاما)، وبعد انقضاء النقاهة شاهدوه أيضا يرأس مجلس الوزراء ويستقبل مسؤولين أجانب مهمين على الكرسي المتحرك، وأخيرا شاهدوه يوم الاقتراع يدلي بصوته على الكرسي ذاته. كانت تلك «رسالة» من محيط بوتفليقة إلى الجزائريين، مفادها أننا نتعامل مع مرض الرئيس بشفافية وأن ترشحه لفترة جديدة يأتي أيضا ضمن هذه الشفافية. افترضوا أن بشفافيتهم هذه، سيصدق الجزائريون أن العجز الوظائفي لبعض أجزاء جسم الرئيس لا يمنعه من الاستمرار في قيادة البلاد بـ«حكمته» وتحكمه في الخيوط السياسية المعقدة داخليا وإقليميا. وكان لهم ما أرادوا.
وذهب مسؤولون إلى أبعد من ذلك قائلين إن مرض الرئيس لا يؤثر في إدارة شؤون البلاد سوى بغيابه عن تمثيل البلاد بشخصه في مناسبات عالمية، والمواطنون لا يبدون مكترثين بهذه «الجزئية» أمام أمور أهم يتحدثون عنها يوميا، تدور حول «الأمن والاستقرار» اللذين تنعم بهما البلاد مقابل «القتل» الذي عاشته قبل فترة غير بعيدة وأمام «فوضى» في الدول المجاورة ينقل الإعلام يوميا مظاهرها. وقال متقاعد ستيني في حي شعبي بالعاصمة لـ«الشرق الأوسط»: «الذي لم يعش معنا فترة التسعينات لا يحق له الكلام اليوم». ثم أضاف أن الجزائريين يرون الآن لاجئين تدفقوا إلى مدنهم من سوريا ومالي، «ونحن لا نريد أن نصبح مثلهم في حال استعجلنا التغيير».
تقابل أشخاصا كثيرين معارضين للرئيس يشيرون إلى تزوير نتائج الانتخابات، وخصوصا نسبة المشاركة، ثم تجد في المقابل آخرين يماثلونهم في العدد يتحدثون عن التأييد الشعبي «الحقيقي» للرئيس و«الشفافية» التي لازمت الاقتراع وبث التلفزيون الكثير من مظاهرها. وفي الأخير، يجد حاملو «معركة التزوير» أنفسهم أمام كلام متشعب وعاجز عن إحداث أي رد فعل عملي. هؤلاء وأولئك تجدهم في مختلف أحياء العاصمة، سواء الراقية منها في مرتفعات الأبيار وحيدرة وبن عنكون، حيث الشوارع النظيفة، والمحال التجارية العصرية، والمنازل الفخمة ذات الأسعار الملامسة لأسعار منازل لندن وجنيف، أو في الأحياء الشعبية حيث العمارات المكتظة والشبان البطالون المتجمعون هنا وهناك.
هؤلاء الشبان مهتمون بالأساس اليوم بتحضيرات الفريق الوطني لكرة القدم قبل مشاركته الرابعة في مونديال البرازيل المرتقب الصيف المقبل. عند محاولتك إقحام مواضيع السياسة معهم، تجد صعوبة كبيرة، ويدركون على الفور أنك غريب عنهم. يسايرونك في التعبير عن آرائهم فتجدهم منقسمين حول كل شيء: الرئيس الذي تحتاجه البلاد وما إذا كان من الأفضل أن يكون من «جيل الثورة المحنك» أو «جيل الاستقلال المتعلم»، وفعالية الأحزاب والبرلمانيين «الذين يتقاضون أجورا خيالية» مقابل أدوار شكلية يؤدونها، وجودة مشاريع التنمية التي يقال إن حكومات بوتفليقة أنفقت عليها أكثر من 600 مليار دولار، وبرامج الحكومة الرامية لتسهيل القروض للشباب بهدف شراء هدوئهم، والربيع العربي والأيادي الخفية التي يعتقدون أنها وراءه.
وربما أسهم هذا التشتت في أفكار الشبان، الذين يمثلون ثلاثة أرباع سكان الجزائر البالغ عددهم اليوم 38 مليون نسمة، في منح النظام السياسي شيئا من «الاطمئنان» والاستقواء على السياسيين المعارضين. والحقيقة التي يرددها الجميع أن النظام الحاكم يتوجس من الأفكار المنتشرة في الأحياء الشعبية أكثر من تلك المتداولة بين السياسيين. النظام يخشى فوضى مفاجئة تنجم مثلا عن سوء توزيع الوحدات السكنية التي وعدت بها حكومات بوتفليقة المتعاقبة مرارا وتأخرت في إنجازها في المواعيد المحددة، أو انتفاضة أعداد كبيرة من خريجي الجامعات يعملون في وظائف مؤقتة بأجور زهيدة وفرتها لهم الحكومة بعدما عجزت عن خلق مناصب شغل قارة لهم.. بينما لا يعبأ كثيرا بتحذيرات السياسيين الذين تشوهت صورهم لدى الرأي العام ربما أكثر من النظام نفسه.
تنتقل إلى مدن داخلية فتلحظ خلال مرورك بالبلدات الصغيرة، الكثير من مشاريع الإنشاءات. عدد السيارات ارتفع بأضعاف كبيرة عما كان عليه قبل عشر سنوات. وقال شاب حول الموضوع: «لا يغرنك هذا العدد الكبير من السيارات، فغالبية أصحابها اقترضوا المال من الحكومة وسيجدون أنفسهم أمام صعوبات إعادة السلفة». تلاحظ أيضا أعدادا كبيرة من الشاحنات تحمل مواد البناء في طريقها لورشات المشاريع المنفذة في المدن الداخلية. وعلق رجل على الأمر بقوله: «ما تشهده البلاد من تنمية جاء أساسا منذ تولي بوتفليقة الحكم» في 1999.
ويبدو أن ذلك التاريخ كان فاصلا من نواح عدة. فقد ظل الناس يرمزون لتلك السنة بكونها بداية العد التنازلي للإرهاب والعد التصاعدي للأمن والسلم، وظلوا دوما يشيرون إلى أن بوتفليقة قدم مشاريع سياسية واعدة مثل مشروعي «الوئام المدني» و«المصالحة الوطنية» اللذين أقنعا أكثر من عشرة آلاف مسلح بترك مخابئهم في الجبال والعودة إلى أحضان أهاليهم والمجتمع عموما. كما تصادف تاريخ قدوم بوتفليقة للحكم مع فترة ارتفاع أسعار النفط، مما دفع الحكومة إلى البدء بمسح جل الديون الخارجية للبلاد (كانت تبلغ 33 مليار دولار في التسعينات وباتت الآن في حدود ثلاثة مليارات) وتسجيل ارتفاع احتياطي العملة الأجنبية (بلغ حسب آخر الأرقام المقدمة الشهر الماضي 194 مليار دولار). وسجل تاريخ قدوم بوتفليقة أيضا انطلاقة في مشاريع تنموية كبيرة على غرار إنشاء طريق سيار يربط شرق البلاد بغربها يقال إنه تكلف نحو 16 مليار دولار، وإنشاء مشاريع لخطط المترو والترامواي في العاصمة وعدد من المدن الكبرى والمتوسطة، وافتتاح عشرات الجامعات في المدن الداخلية مما خفف على العائلات عبء إرسال أبنائهم، وخصوصا الإناث منهم، للدراسة بعيدا في المدن الكبرى.
لكن وسط هذا «التقييم العام»، تصطدم عند حديثك إلى الطبقة السياسية والمثقفة، بدرجة استياء كبير إزاء طريقة تدبير الشأن العام وتحميل حكومات بوتفليقة الكثير من المسؤولية عن انتشار الجريمة واستشراء الفساد المالي والعجز عن إحداث إصلاح سياسي حقيقي وتراجع أدوار الدبلوماسية الجزائرية. فاقتصاديا، يتحدث الناس بسخط عن فضيحة كشفتها الصحافة الإيطالية العام الماضي عن تورط وزير الطاقة السابق شكيب خليل في قضايا عمولات وفساد كبير، مما دفع القضاء الجزائري إلى فتح تحقيق ووضع اسم الوزير الموجود في الخارج الآن على لائحة المطلوبين. لكن بعد أشهر قليلة على تفجر الفضيحة، تراجع الجانب الجزائري عن ملاحقة الوزير على ما يبدو وعن إدراجه ضمن قوائم المطلوبين. وشكلت حالة خليل مادة دسمة لدى الصحافة المحلية التي ظلت على مدى أشهر تلمز لوجود «عدالة انتقائية» في البلاد.
مسألتا الأمن والفساد المالي يجري طرحهما من قبل المؤيدين والمعارضين لحكم بوتفليقة، بشكل لافت. فجزائر اليوم تخلت إلى حد كبير عن الاعتقالات التعسفية والتعذيب في مراكز الشرطة والمخابرات، وقد فعلت ذلك استجابة لدعوات المنظمات الغربية المدافعة عن حقوق الإنسان التي مارست ضغطا معنويا كبيرا على السلطات الجزائرية خلال فترة التسعينات بسبب التجاوزات الفظيعة التي كانت ترتكب في إطار مكافحة الإرهاب. جزائر اليوم تتباهى بالتخلي عن القمع الأمني، لكنها تعرف أمورا أخرى مقلقة تتمثل في انتشار الجريمة مقابل التضييق على الشرطة في أداء مهامها التقليدية وتقييد يدها في توقيف المشتبه فيهم. كذلك يجادل كثيرون بأن «الدلال» الذي بات المجرمون يلقونه في السجون لم يعد رادعا بقدر ما بات عاملا مشجعا على انتشار الجريمة. ومن الأمور المقلقة على مستوى عال، يطرح كثيرون مسألة الفساد المالي والتبذير الرهيب بحجة الإنفاق على مشاريع التنمية. الحكومة الجزائرية تنفق اليوم أموالا ضخمة على مشاريع تنجز في الغالب بجودة أقل من المتوقع، وهذه أمور كلها جاءت نتيجة البحبوحة المالية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وليس عن عملية اقتصادية إنتاجية. الحكومة باتت تخصص ميزانيات سنوية وخمسية لا يمكنها بأي حال إنفاقها كلها في المدة الزمنية المحددة. فمثلا، طرح الرئيس بوتفليقة خلال بدء فترته الرئاسية الثالثة ميزانية طموحة بمبلغ 286 مليار دولار للفترة 2009 - 2014. وقبيل انقضاء تلك الفترة، تحدثت التقارير المحلية عن إنجاز نحو نصف المشاريع المرصودة.
يحمل المحللون المختصون أيضا الرئيس بوتفليقة أيضا المسؤولية عن إبقائه المشهد السياسي في البلاد معقدا وفوضويا. ولعل نظرة بسيطة إلى طبيعة الشخصيات الست التي ترشحت لانتخابات الرئاسة الأخيرة تعطي الملاحظ فكرة عن هذا التعقيد. فأبرز مرشحين، بوتفليقة وبن فليس، ينتميان إلى الحزب الرئيس في الحياة السياسية بالبلاد (جبهة التحرير الوطني)، لكن كلا منهما قرر خوض السباق بصفته مرشحا حرا (مستقلا). والأربعة الآخرون خاضوا السباق ممثلين لأحزابهم التي تعد مجهرية في الحقيقة.
في جزائر اليوم التي تبنت التعددية السياسية والحزبية والإعلامية منذ نحو ربع قرن، لا تجد حزبا حاكما وآخر معارضا مثلا، بل تجد تشكيلات سياسية كثيرة مشاركة في الحكم وأخرى أكثر معارضة. والأهم من ذلك، تجد رئيسا للجمهورية له «رجاله» الذين ينوبون عنه في مهام كثيرة في الداخل والخارج ولهم سمعة مثيرة للجدل. تسمع كلاما كثيرا عن «الثلاثي الحاكم في البلاد: الرئاسة وقيادة الجيش ورئاسة المخابرات»، وعن صراع «العصب» داخل النظام. تسمع أن التناغم بين هذا «الثلاثي» تراجع في الآونة الأخيرة بسبب موضوع العهدة الرابعة لبوتفليقة، لكنك لا تجد أي تعليق رسمي حول الموضوع، مما يعمق حالة الغموض.
ويعد هذا المشهد السياسي المعقد امتدادا للمشهد الذي تشكل بعيد انتقال البلاد إلى التعددية السياسية مطلع التسعينات من القرن الماضي. فحينها، دخلت البلاد في أزمة سياسية وأمنية بسبب انقلاب الجيش على نتائج الانتخابات التي تقدم فيها الإسلاميون، ومن حينها باتت الأحزاب السياسية مرتبطة بهوياتها (وطنية أو إسلامية أو علمانية) أكثر من برامجها (يمين ويسار). ومع قدوم بوتفليقة للحكم، سعى لتشكيل «تحالف» مكون من ثلاثة أحزاب تمثل العائلات السياسية الثلاث الكبرى («جبهة التحرير» ممثلة للتيار الوطني، و«حركة مجتمع السلم» ممثلة للتيار الإسلامي، و«التجمع الوطني الديمقراطي» ممثلا للتيار العلماني) تساعده على تطبيق برنامجه الذي يقول إنه جامع لكل الجزائريين. ونجح بوتفليقة، بتحالفه ذلك، في إحداث استقرار سياسي خلال عهدتيه الأوليين، إلى أن جاءت العهدة الثالثة وقرر معها تعديل البند الدستوري الذي يمنعه من تمديد رئاسته، فانفرط عقد «التحالف» ولجأ الإسلاميون في الأخير إلى المعارضة. ومع بدء عهدته الرابعة، بات بوتفليقة الآن يعول على أحزاب صغيرة لا تمثل في الحقيقة العائلات السياسية الكبرى في البلاد وأيضا على شخصيات يجري تدويرها في المناصب مرارا بشكل ممل.
نجح بوتفليقة والمحيطون به في الظفر بالعهدة الرابعة وضمان تنظيم الاستحقاق بهدوء، لكن متابعين للشأن الجزائري يقولون إن الرجل بات منهكا وأفكاره استنفدت بحكم السن والمرض (77 سنة)، وعليه باتت التحديات أمامه الآن أكثر من أي وقت مضى منذ تسلمه الحكم قبل 15 سنة، ولا مفر أمامه من إجراء إصلاحات حقيقية تمنح الجزائر ما تستحقه من رفاهية ومكانة بين الأمم.



أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
TT

أزمة تمويل «أوصوم» تثير مخاوف أممية من تراجع مكافحة الإرهاب بالصومال

جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)
جنود من قوات حفظ السلام التابعين لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (رويترز)

تتصاعد مخاوف من تنامي نفوذ الجماعات الإرهابية بالصومال في ظل فجوة التمويل الدولي لبعثة الاتحاد الأفريقي (أوصوم)، كان أحدثها تلك التي عبَّر عنها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الذي دعا لتوفير دعم ثابت ومستدام.

تلك المخاوف الأممية تتزامن مع إمكانية سحب أوغندا قواتها من البعثة، وسبقتها مخاوف مصرية من تداعيات نقص التمويل.

ويرى خبير في الشؤون الصومالية والأفريقية، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا الأمر قد يقود لتراجع مكافحة الإرهاب، مما يعزز من فرص إعادة تمدد «حركة الشباب» المتشددة بالصومال، مؤكداً على أهمية التمويل وثباته في تلك المرحلة الانتقالية بهذا البلد الأفريقي المثقل بالأزمات.

وخلفاً لبعثة الاتحاد الأفريقي الانتقالية (أتميس)، التي انتهت ولايتها آخر 2024، بدأت بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، عملياتها رسمياً بداية من يناير (كانون الثاني) 2025، بعد اعتماد مجلس الأمن الدولي قراراً بشأنها في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بهدف دعم الصومال في مكافحة «حركة الشباب» التي تتصاعد «عملياتها الإرهابية» في الصومال منذ 15 عاماً.

مطالبات أممية

وأمام قمة الاتحاد الأفريقي، السبت، حثّ غوتيريش المجتمع الدولي على توفير تمويل ثابت ومستدام لدعم بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الاستقرار في الصومال، وآلية تمويل موثوقة لضمان فاعلية واستدامة البعثة في مواجهة التهديدات الأمنية، منتقداً مجلس الأمن الدولي لعدم اتفاقه على تمويل البعثة من خلال مساهمة إلزامية.

ووصف غوتيريش في كلمته مهمة الصومال بأنها اختبار لالتزام المجتمع الدولي بدعم عمليات حفظ السلام التي تقودها دول أفريقية، متسائلاً: «إذا كانت بعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال لا تستحق الدعم الدولي، فمن الذي يستحقه إذن؟».

وأضاف غوتيريش أن الأمم المتحدة تجري مراجعة شاملة لعمليات حفظ السلام التابعة لها لضمان واقعية ولاياتها، وترتيب أولوياتها بشكل سليم، وتوفير التمويل الكافي لها، وأن تكون مصحوبة بخطة انتقال واضحة.

ويرى المحلل السياسي الصومالي، عبد الولي جامع بري، أن تصريحات غوتيريش حول أزمة تمويل بعثة دعم الاستقرار في الصومال تعكس قلقاً حقيقياً داخل الأمم المتحدة من أن ضعف التمويل قد يعرقل مسار مكافحة الإرهاب، خصوصاً في ظل استمرار تهديد «حركة الشباب».

وأضاف قائلاً إن عدم إلزامية المساهمات «يؤكد صعوبة التخطيط طويل المدى للعمليات الأمنية، واحتمال تقليص القوات كما رأينا من أوغندا أو الدعم اللوجيستي، وهذا قد يؤدي إلى إبطاء العمليات ضد الجماعات المسلحة، وخلق فراغات أمنية في بعض المناطق المحررة، وزيادة الضغط على القوات الصومالية».

وأكد وزير الخارجية وشؤون المغتربين الكيني، موساليا مودافادي، في سبتمبر (أيلول) 2025، أن البعثة تُواجه تحديات تمويلية جدية، ما يستدعي تضافر الجهود الدولية لتأمين موارد كافية تضمن نجاح مهامها في مكافحة الإرهاب.

ودعا مودافادي المجتمع الدولي إلى تقديم دعم مالي ولوجيستي مستدام للبعثة، لتمكينها من مواجهة التحديات الأمنية، وعلى رأسها تهديدات «حركة الشباب» المرتبطة بتنظيم «القاعدة»، وضمان انتقال تدريجي للمهام الأمنية إلى الحكومة الصومالية.

وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية. عقب استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي نظيره الصومالي حسن شيخ محمود بمدينة العلمين بشمال مصر.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا في أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

ولكن لم يصل إلا تمويل إضافي قليل للغاية، حيث وافق المجلس التنفيذي للاتحاد الأفريقي في يوليو (تموز ) 2025 على تمويل طارئ إضافي بقيمة 10 ملايين دولار لدعم بعثة «أوصوم»، على أساس أن هذا الدعم المالي «ضروري لتمكين بعثة الاتحاد الأفريقي من تلبية متطلباتها التشغيلية».

ويعتقد بري أن عدم الاستجابة للنداءات الأفريقية بشأن التمويل، يعززه تصريح غوتيريش، ويؤكد أن ثمة تأثيراً قد يحدث في الحرب ضد الإرهاب، محذراً من أنه حال استمر نقص التمويل سيقابله تقليل عدد القوات الدولية وتباطؤ العمليات الهجومية، ومنح «حركة الشباب» فرصة لإعادة تنظيم صفوفها.

ونبه إلى أن الصومال في مرحلة انتقالية حساسة، وأي ضعف في التمويل قد يعرقل نقل المسؤولية الأمنية بالكامل إلى القوات الصومالية.


سجال مصري - إثيوبي «غير مباشر» بشأن البحر الأحمر خلال القمة الأفريقية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
TT

سجال مصري - إثيوبي «غير مباشر» بشأن البحر الأحمر خلال القمة الأفريقية

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال قمة الاتحاد الأفريقي بأديس أبابا (الخارجية المصرية)

شهدت جلسات قمة الاتحاد الأفريقي سجالاً غير مباشر بين مصر وإثيوبيا بشأن البحر الأحمر، فبينما ربطت أديس أبابا استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصولها على منفذ بحري، جددت القاهرة تأكيدها على أن «حوكمة البحر الأحمر مسؤولية الدول المشاطئة».

وقال رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، السبت، خلال كلمته ضمن فعاليات القمة الـ39 للاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، إن «أمن القرن الأفريقي واستقراره يعتمد على حصول بلاده على منفذ بحري»، مؤكداً أن بلاده التي يزيد عدد سكانها على 130 مليون نسمة «تحتاج الوصول إلى خيارات متعددة لضمان النمو المستدام».

وأشار إلى «ضرورة ضمان وصول أديس أبابا الآمن إلى المنفذ البحري، من خلال مبدأ التعاون السلمي»، معتبراً أن امتلاك بلاده منفذاً بحرياً «أساسي لضمان الازدهار والنمو المستدام والاستقرار الإقليمي».

ولم تمر ساعات قليلة، حتى جددت مصر التأكيد على «مواقفها الثابتة بشأن المياه والبحر الأحمر. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، خلال لقائه مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة، إن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط».

وأكد عبد العاطي، بحسب إفادة رسمية الأحد، «رفض مصر القاطع لأي محاولات من أطراف خارجية لفرض نفسها شريكاً في حوكمة البحر الأحمر»، مشدداً على أنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة».

ورغم أن هذه ليست المرة الأولي التي يتحدث فيها آبي أحمد عن طموح بلاده حبيسة البَر في الوصول إلى منفذ بحري، فإن تصريحاته أثارت ردود فعل مصرية «غاضبة» على منصات التواصل الاجتماعي.

وعدّ الإعلامي المصري أحمد موسى، في منشور عبر حسابه على منصة «إكس»، حديث آبي أحمد «تهديداً خطيراً يكشف نواياه لزعزعة الاستقرار والأمن في القرن الأفريقي».

بينما رأى المدون المصري لؤي الخطيب، في منشور عبر حسابه على «إكس»، أن حديث آبي أحمد «تحدٍّ وتهديد مباشر لدول المنطقة، خصوصاً الدول المشاطئة للبحر الأحمر».

وانتقد الإعلامي المصري نشأت الديهي تصريحات آبي أحمد، وعدَّها في برنامجه «بالورقة والقلم» المذاع على فضائية «تن» مساء السبت، «بلطجة سياسية».

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993، عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت 3 عقود، واعتمدت على مواني جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

وطموح آبي أحمد في الوصول إلى البحر الأحمر ليس وليد اللحظة، حيث يسعى لتحقيق ذلك منذ توليه مهام منصبه في أبريل (نيسان) 2018، عبر ما يسمى «دبلوماسية المواني». وفي مطلع عام 2024، حاولت إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر ميناء بربرة في الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قبل أن تلاقي رفضاً من مقديشو والقاهرة و«الجامعة العربية».

بدوره، قال نائب رئيس المركز المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق السفير صلاح حليمة، إن «مساعي آبي أحمد للحصول على منفذ بحري لبلاده تخالف القانون والمواثيق الدولية»، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى محاولة إثيوبيا الحصول على منفذ بحري عبر اتفاق مع إقليم «أرض الصومال الانفصالي».

وأشار حليمة إلى أن مصر ترفض أي دور لدول غير مشاطئة في البحر الأحمر، وأن هذا هو موقف مشترك مع كل الدول المشاطئة.

وكان عبد العاطي قد بحث في اتصال هاتفي مع نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان، السبت، التطورات المرتبطة بأمن البحر الأحمر. وأكد الوزيران، بحسب إفادة رسمية لـ«الخارجيّة» المصرية، «أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، للحفاظ على أمن واستقرار هذا الممر البحري الحيوي، وضمان حرية الملاحة والتجارة الدولية».

وشدد عبد العاطي على «ثوابت الموقف المصري بضرورة قصر ترتيبات حوكمة البحر الأحمر على الدول المطلة عليه، ورفض أي محاولات لفرض أدوار خارجية في إدارته، بما يسهم في دعم استقرار المنطقة وحماية حركة التجارة العالمية».

وزير الخارجية المصري يلتقي نظيره البوروندي بعد تسلمه رئاسة الاتحاد الأفريقي (الخارجية المصرية)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، قال وزير الخارجية المصري إنه لا يحق لأي دولة غير مطلة على البحر الأحمر، التدخل أو المشاركة في آليات حوكمته، مضيفاً: «أتحدث عن الدول الحبيسة في أفريقيا، تحديداً إثيوبيا».

ورغم الرفض المصري المتكرر لوجود أي دولة غير مشاطئة في البحر الأحمر، لا تنفك إثيوبيا تتحدث عن الأمر؛ ففي كلمة أمام مجلس الشعب في 4 فبراير (شباط) الحالي، قال آبي أحمد إن «إثيوبيا والبحر الأحمر كيانان لا ينفصلان»، مشدداً على «ضرورة وصول البلاد إلى هذا الممر المائي الحيوي»، بحسب ما نقلته وكالة «الأنباء الإثيوبية» آنذاك.


حريق في مركز تجاري بمأرب في اليمن يودي بحياة شخص ويصيب 13

مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
TT

حريق في مركز تجاري بمأرب في اليمن يودي بحياة شخص ويصيب 13

مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)
مقتل شخص وإصابة ​13 ‌آخرين ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليمنية (أرشيفية - رويترز)

قالت ​وكالة الأنباء اليمنية الرسمية (سبأ) إن شخصاً واحداً ‌لقي حتفه ‌وأُصيب ​13 ‌آخرون ⁠بعد ​اندلاع حريق في ⁠مركز تجاري بمدينة مأرب اليوم ⁠الأحد.

وأضافت الوكالة ‌أن ‌الحريق، ​الذي ‌اندلع ‌بعد منتصف الليلة الماضية، دمر المركز التجاري ‌وألحق أضراراً بمحال مجاورة. وأوضحت ⁠أن ⁠الوفاة والإصابات جميعها نتجت عن الاختناق.