{دافوس} يناقش «السعودية 2030» والإصلاحات الاقتصاية للمملكة

الفالح: أربعة سبل لتحقيق أهداف «الرؤية»

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث أمام منتدى دافوس في يومه الثالث أمس (أ.ب)
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث أمام منتدى دافوس في يومه الثالث أمس (أ.ب)
TT

{دافوس} يناقش «السعودية 2030» والإصلاحات الاقتصاية للمملكة

وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث أمام منتدى دافوس في يومه الثالث أمس (أ.ب)
وزير الطاقة السعودي خالد الفالح يتحدث أمام منتدى دافوس في يومه الثالث أمس (أ.ب)

«السعودية أعظم قصة لم ترو بعد، ويجب علينا أن نحكيها»، هكذا وصف أندرو ليفريس، الرئيس التنفيذي لشركة «داو» «الرؤية السعودية 2030»، فيما اعتبرها الرئيس التنفيذي لشركة «بلاك روك»، لورانس فينك، نموذجا للإيجابية في «عالم من الشك».
جاء ذلك خلال جلسة نقاش عقدت أمس في منتدى «دافوس» الاقتصادي العالمي، وشارك فيها وزير المالية السعودي محمد الجدعان، ووزير الطاقة والصناعة والثروة المعدنية خالد الفالح، ووزير التجارة والاستثمار ماجد القصبي.
وتناولت الجلسة التي أدارها فيليب روسلر، العضو في مجلس إدارة منتدى الاقتصاد العالمي، الإصلاحات الاقتصادية والمالية والطاقية التي أقرتها السعودية ضمن خطتها لتنويع اقتصادها بعيدا عن النفط، كما تطرقت للفرص الاستثمارية التي توفرها المملكة للشركات الأجنبية والاستثمارات في قطاعات البنية التحتية والتعليم والطاقة وغيرها.
وافتتح وزير الطاقة خالد الفالح الجلسة بالقول إن الرؤية السعودية تنطلق من «أساس قوي»، فالاقتصاد السعودي هو الأكبر في الشرق الأوسط بناتج محلي إجمالي يتجاوز 1.6 تريليون ريال، «كما نتمتع بعملة مستقرة، وبنية تحتية قوية رغم بعض الثغرات»، وتابع الفالح مشيرا إلى أن أعمار 70 في المائة من السعوديين لا تتجاوز 25 سنة ما يؤهل المملكة للحصول على قوة إنتاجية بارزة يستفيد منها القطاع الخاص.
أما عن «رؤية 2030»، فأوضح الفالح أنها «رؤية تحويلية» لا تهدف إلى إضعاف صناعة النفط أو تقويض تطويرها «لأننا واثقون في أن العالم سيحتاج إليها»، وإنما إلى تنويع الاقتصاد، عبر تعزيز قطاع المعادن والخدمات والسياحة والقطاع المصرفي وغيرها. وتابع أن المملكة ستصبح منصة لتسهيل مرور البضائع والخدمات إلى باقي أنحاء الشرق الأوسط، وبخاصة أنها تتمتع بموقع جغرافي متميز يصل بين آسيا وأفريقيا وأوروبا، ويتمركز في قلب منطقة الشرق الأوسط.
وعن سبل تحقيق هذه الأهداف، عدد الفالح أربعة عوامل. وقال إن الاستثمار سيكون آلية أساسية، وقد تم تأسيس صندوق الاستثمارات العامة لهذا الهدف، وأضاف أن السعودية ستستثمر في الداخل بشكل استراتيجي، وفي والخارج بهدف التنويع، وصفقات «سوفت بانك» و«أوبر» خير دليل على ذلك.
وإلى جانب الاستثمار، ذكر الفالح أن الإصلاحات عامل جوهري لتحقيق أهداف الرؤية. في هذا الصدد، لفت القصبي إلى أهمية تحويل المجتمع من استهلاكي إلى منتج. وقال: «خلال السنوات العشر الماضية، استوردت السعودية ما قيمته 1.3 تريليون دولار من البضائع، متسائلا عن تأثير تصنيع جزء من هذه الكمية محليا، وربط القصبي ذلك بتعزيز الميزة التنافسية للشركات السعودية في الأسواق المحلية والدولية، وأهمية دعم الشركات الصغيرة والمتوسطة الحجم، «وقد خصصت الحكومة في هذا السياق صندوقا تصل قيمته إلى 1.3 مليار دولار وباقة حوافز بـ54 مليار دولار»، أما فيما يتعلق بالإصلاحات القانونية، فأوضح القصبي أن حكومته باشرت إصلاح 30 قانونا لمكافحة البيروقراطية وتحسين المنافسة على الصعيد العالمي.
بدوره، لخص وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، الإصلاحات المالية المتعلقة برؤية 2030 في أربعة محاور، الأول هو تركيز واضح على الإيرادات غير النفطية، ولفت إلى أن حجم هذه الإيرادات قبل سنتين بلغ مائة مليار ريال، في حين بلغ مائتي مليار في عام 2016، وقال إن «هدفنا مضاعفة هذا المبلغ بحلول 2020 والوصول إلى تريليون ريال بحلول 2030».
المحور الثاني، حسب الجدعان، هو رفع إدارة الأداء عبر وحدة مخصصة أنشئت قبل 8 أشهر، أما المحور الثالث، فيتعلق بإصلاح نظام الإعانات وتوجيهها إلى من يحتاج إليها، وقال الجدعان بهذا الصدد إن «الناس الذين ليسوا بحاجة للإعانات، يستهلكونها أكثر ممن يحتاج إليها»، لافتا إلى أن الحكومة أنشأت «حساب المواطن» لدعم الأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، لمواجهة الآثار الاقتصادية الناجمة عن التعديلات التي سوف تتخذها الدولة برفع أسعار الوقود، الذي سيتم تدريجيًا حتى 2020، والمحور الرابع الأخير، فيتعلق بالقطاع الخاص ودعمه لتمكينه من المساهمة بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي، عبر عقد شراكات وخصخصة قطاعات واسعة في الاقتصاد.
أما العامل الثالث لتحقيق أهداف الرؤية، فهو الخصخصة. وأفاد الفالح بأن الاقتصاد السعودي سيكون معتمدا على القطاع الخاص، لافتا إلى أن المملكة تسعى لأن يشارك القطاع الخاص بـ65 في المائة في الناتج المحلي الإجمالي، وأن يكون منفصلا إلى أقصى حد ممكن عن الإنفاق الحكومي وقطاع النفط.
والعامل الرابع الأخير، وفق الفالح، فيتعلق بالعوامل «الناعمة»، التي تشمل مثلا تحويل السعودية إلى مكان أفضل للعيش وبذل المزيد لإسعاد الناس، وتعزيز مظاهر التسامح في كل أرجاء البلاد لتصبح المملكة نموذجا بين الدول الإسلامية في هذا الإطار، بالإضافة إلى عرض مزيد من فرص العمل على النساء، وخفض معدلات البطالة.
من جهته، اهتم ليفريس الذي فوت حضور حفل تنصيب الرئيس الأميركي دونالد ترامب اليوم للمشاركة في الجلسة، بالجانب الإنساني للرؤية. وقال إن ما يميز السعودية «الشراكة بين العام والخاص والمهارات الإنسانية الهائلة التي تتمتع بها»، لافتا إلى أن شركته وظفت بالتعاون مع «أرامكو» ألف شاب سعودي ذوي مهارات عالية في فروعها بمختلف أنحاء العالم. وتابع ليفريس: «إلى ذلك، أدركت السعودية أهمية الاستثمار في شبابها، وأنشأت مجموعة جامعات للعلوم والتكنولوجيا تنافس نظيراتها عالميا، أبرزها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية».
وقال الفالح أمام منتدى دافوس الاقتصادي، أمس، إن بلاده ستصبح مكانا جيدا للعيش وأكثر تسامحا مع إصلاح اقتصادها.
وأضاف الفالح: «سنعمل على تحويل السعودية إلى مكان يحلو فيه العيش أكثر»، وتابع الفالح: «سنبذل قصارى جهدنا لجعل الناس سعداء في المملكة وقد اتخذنا عدة خطوات للقيام بذلك».
وقال أيضا: «سنعمل على تعزيز التسامح في مجتمعنا، وهو موجود فعلا اليوم»، وتعهد بأن تكون بلاده بمثابة «نموذج» للتسامح بالنسبة للدول الإسلامية الأخرى.
وتتضمن «رؤية 2030» تعزيز الأنشطة الرياضية والثقافية، بالإضافة إلى دور أكبر للمرأة.
وقال وزير الطاقة السعودي خالد الفالح إن إجمالي حجم الاستثمار لإنتاج ما يقارب 10 غيغاواط سيتراوح بين 30 و50 مليار دولار حتى 2030.
وأضاف الفالح في جلسة صحافية مغلقة على هامش منتدى «دافوس»، أمس، أن هناك عددا من المشروعات القائمة حاليا، أبرزها تدشين أول «توربين» لتوليد الطاقة من الرياح لتوفير الكهرباء في مدينة طريف، شمال غربي المملكة برعاية «أرامكو». وهذا المشروع نموذج على أن الطاقة الريحية، وليس الشمسية فحسب، قائمة بالفعل في المملكة.
وتابع أن المملكة أعلنت عن أول مشروعات الطاقة المتجددة، الذي يهدف إلى إنتاج 9.5 غيغاواط من مصادر الطاقة البديلة (الطاقة الشمسية والرياح) بحلول عام 2023 بما يدعم «رؤية المملكة 2030»، لافتا إلى أنه سيتم إنتاج نحو 3.5 غيغاواط بحلول 2020، وأوضح الفالح أن بلاده ستطرح مناقصة بواقع 700 ميغاواط، منقسمة بين الطاقة الريحية والشمسية في مارس (آذار) المقبل.
أما عن إمكانية تصدير الطاقات المتجددة، فذكر الفالح أن هناك ثلاثة أنواع من التصدير، الأول تصدير الطاقة نفسها من خلال كيلوواط - ساعة، على المدى المتوسط والطويل «عبر وصل المملكة بأوروبا عبر شبكة تمر من مصر إلى البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، بما يتيح لنا مراقبة الأحوال الجوية في أوروبا» لتحديد حاجاتها، أما النوع الثاني من التصدير، فهو تصدير الخدمات والمنتجات التي تولد بها الطاقة، سواء تعلق الأمر بالمواد الخام كالسيليكا، والمعادن، وغيرها، إضافة إلى الأجزاء التي تستعمل في تصنيع توربينات الرياح، والهيدروكربونات التي تستخدم لتوليد الهيدروجين، كما لفت الوزير إلى أن المملكة تستثمر في الأبحاث والتكنولوجيا المرتبطة بالطاقات المتجددة، إلى جانب شراء التكنولوجيا الموجودة.
ونوع التصدير الثالث يرتبط بتنمية وتطوير الخبرات، سواء تعلقت بالتمويل أو بإبرام اتفاقات شراء الإنتاج (أوف تيك). وأشار الفالح في هذا الإطار إلى أن هناك شركات سعودية مثل «أكواباور» و«مجموعة عبد اللطيف جميل» التي تطور أكثر المشروعات تنافسية وكفاءة في السعودية والإمارات وأفريقيا وأوروبا.
ومن جهته، أكد وزير الطاقة السعودي أن منظمة أوبك «تتطلع إلى علاقة طويلة الأمد مع موسكو».
وقال الفالح، على هامش مشاركته في منتدى دافوس الاقتصادي: «نهدف في (أوبك) إلى أن تكون العلاقة مع روسيا على أفضل ما يكون على المدى الطويل، التواصل لحل سريع ليس هدفا كبيرا... نريدها علاقة طويلة الأمد... ينبغي أن نتحلى بالمرونة عندما نتدخل... علاقتنا ستتطور مع الوقت».
ويذكر أن المنتجين من منظمة «أوبك» وخارجها، بما فيهم روسيا، بدأوا مطلع العام الحالي، خفض إنتاجهم النفطي بنحو 1.8 مليون برميل يوميا، وذلك في إطار اتفاق تاريخي بين المنتجين يهدف إلى امتصاص تخمة المعروض في الأسواق ودعم الأسعار.



الذهب يتراجع بأكثر من 6 % والفضة تهوي 10.7 % مع اشتعال جبهة النفط

سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
TT

الذهب يتراجع بأكثر من 6 % والفضة تهوي 10.7 % مع اشتعال جبهة النفط

سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)
سبائك ذهب وفضة بمصنع «أوغوسا» في فيينا (رويترز)

سجلت أسعار الذهب تراجعاً حاداً يوم الخميس، مسجلة الجلسة الـ7 على التوالي من الانخفاض، في ظل ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الصراع في الشرق الأوسط، وتصاعد المخاوف من التضخم؛ مما عزز التوقعات بأن البنوك المركزية الكبرى ستستمر في إبقاء تكاليف الاقتراض مرتفعة.

وانخفض سعر الذهب الفوري وتراجع بأكثر من 6 في المائة إلى 4514.90 دولار للأونصة، وهو أدنى مستوى له منذ أوائل فبراير (شباط) الماضي.

وقال دانيال غالي، استراتيجي السلع في شركة «تي دي» للأوراق المالية: «يُعدّ الذهب الآن مركزاً استثمارياً شائعاً جداً لدى المستثمرين المؤسسيين، وقد عزز هذا التوجه عمليات التداول التي شهدت انخفاضاً في قيمته خلال العام الماضي. ومع ذلك، فقد بدأت أسس هذا التوجه تضعف». وأضاف: «على المدى القريب، ما زلنا نرى مخاطر هبوطية، وهناك مجال واسع لانخفاض أسعار الذهب مع الحفاظ على دعم اتجاه السوق الصاعدة»، وفق «رويترز».

ويُعدّ الذهب ملاذاً آمناً ضد التضخم والاضطرابات الجيوسياسية، لكنه يفقد جاذبيته في فترات ارتفاع أسعار الفائدة نظراً إلى عدم توليده عوائد.

وقد اتخذت البنوك المركزية الكبرى موقفاً متشدداً مع ارتفاع أسعار الطاقة بشكل حاد نتيجة الحرب الإيرانية، لكنها أكدت أن حالة عدم اليقين بشأن تأثير ذلك على الاقتصاد العالمي تتطلب الحذر في خطواتها السياسية المقبلة.

وتجاوزت أسعار «خام برنت القياسي» 110 دولارات للبرميل بعد أن شنت إيران هجمات على منشآت الطاقة في أنحاء الشرق الأوسط، رداً على الضربة الإسرائيلية على حقل غاز جنوب محافظة فارس.

وفي الوقت ذاته، أفاد مسؤول أميركي و3 مصادر مطلعة بأن إدارة الرئيس دونالد ترمب تدرس نشر آلاف الجنود لتعزيز العمليات الأميركية في الشرق الأوسط مع دخول الحرب مع إيران مرحلة جديدة محتملة.

وأشار محللون في شركة «إس بي آنجل» إلى أن الذهب تأثر بجني الأرباح وارتفاع قيمة الدولار، مؤكدين أن الصعود القوي الذي شهده المعدن في 2025 دفع بالمتداولين إلى تغطية نداءات الهامش والتحول إلى صفقات جديدة مثل النفط وسط تقلبات السوق المتجددة.

كما تراجعت المعادن الأخرى، حيث هبط سعر الفضة الفوري بنسبة 10.7 في المائة إلى 67.26 دولار للأونصة، وانخفض البلاتين الفوري بنسبة 6.8 في المائة إلى 1886.13 دولار، وخسر البلاديوم 4.1 في المائة ليصل إلى 1415.41 دولار للأونصة.


كيف أعادت أسابيع من الصراع رسم خريطة الغاز العالمي؟

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
TT

كيف أعادت أسابيع من الصراع رسم خريطة الغاز العالمي؟

مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)
مدينة رأس لفان الصناعية الموقع الرئيسي في قطر لإنتاج الغاز الطبيعي المسال (أ.ف.ب)

بدأت أصداء الانفجارات في مجمع رأس لفان الصناعي في قطر، والذي يضم أكبر منشأة للغاز الطبيعي المسال في العالم، تتردد في أروقة البورصات العالمية، منبئة باضطراب طويل الأمد في سوق الغاز الطبيعي المسال. فخروج خُمس الإمدادات العالمية عن الخدمة، وتوقف الملاحة عبر مضيق هرمز، لم يرفعا الأسعار فحسب؛ بل أعادا صياغة خريطة الطاقة لعام 2026، وحوَّلا التفاؤل بوفرة المعروض إلى سباق محموم بين الدول لتفادي شلل صناعي وتضخم في فواتير الطاقة المنزلية لا يمكن التنبؤ بنهايته.

وأفادت شركة «قطر للطاقة» بأن كثيراً من منشآت الغاز الطبيعي المسال في رأس لفان تعرضت لهجمات صاروخية، ما أدى إلى اندلاع حرائق وإلحاق أضرار جسيمة؛ بينما أوضحت شركة «شل» أن الهجوم تسبب ‌في أضرار بمشروع «اللؤلؤة» (بيرل) لتحويل ⁠الغاز إلى سوائل، وأن الحريق جرى إخماده بسرعة، ولم يجرِ الإبلاغ عن ⁠وقوع إصابات، وأن ‌المنشأة ‌أصبحت الآن في «حالة ​آمنة».

وتمتلك «‌شل» حصة مائة في المائة في مشروع «اللؤلؤة» والذي ‌تبلغ طاقته الاستيعابية معالجة ما يصل ⁠إلى ⁠1.6 مليار قدم مكعبة يومياً من الغاز عند فوهة البئر، وتحويله إلى 140 ألف برميل يومياً من السوائل المشتقة من الغاز.

ويتوقع المحللون أن تستغرق أعمال إصلاح أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في العالم عدة أشهر، إن لم تكن سنوات، وذلك تبعاً لحجم الأضرار، وقد رفع بعضهم توقعاته لأسعار الغاز لعام 2026.

تأتي قطر في المرتبة الثانية بعد الولايات المتحدة كأكبر مُصدِّر للغاز الطبيعي المسال في العالم؛ إذ تُنتج ما يقارب 20 في المائة من الإمدادات العالمية لهذا الغاز فائق التبريد. وقد توقف إنتاجها قبل أسبوعين بسبب إغلاق مضيق هرمز.

منشآت إنتاج الغاز الطبيعي المسال التابعة لشركة «قطر للطاقة» (رويترز)

القلب النابض للطاقة

تُصنَّف مدينة رأس لفان الصناعية كواحدة من أهم المناطق الاستراتيجية على خريطة الطاقة الدولية؛ فهي تمتد على مساحة شاسعة تبلغ 295 كيلومتراً مربعاً، ما يعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريباً. ولا تقتصر أهميتها على كونها العمود الفقري للاقتصاد القطري فحسب؛ بل هي الضمانة الأولى لاستقرار إمدادات الغاز في عشرات الدول، مما يجعل أي ضرر يلحق بها بمنزلة تهديد مباشر للتوازن الطاقي العالمي.

وتضم المدينة أكبر مجمع لوحدات تسييل الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، وهي ليست مجرد منشأة إنتاجية؛ بل هي مركز لوجستي هائل. ففي عام 2025، كانت رأس لفان وحدها مسؤولة عن إنتاج وتصدير نحو 19 في المائة من إجمالي الغاز المسال عالمياً. هذا الثقل يعني بلغة الأرقام أن توقُّف العمل في هذا المجمع يؤدي إلى اختفاء خُمس المعروض العالمي فجأة، وهو عجز لا يمكن للسوق العالمية استيعابه بسهولة.

كما تمثل رأس لفان «المُغذِّي الرئيسي» لأكبر الاقتصادات الصاعدة في آسيا؛ حيث تعتمد هذه القوى بشكل شبه كلي على إنتاجها. وتكشف البيانات أن شحنات المجمع تغطي أكثر من 20 في المائة من استهلاك الغاز في دول حيوية، مثل الهند وباكستان وتايوان. وتشكل أيضاً جزءاً لا يتجزأ من أمن الطاقة في الصين وكوريا الجنوبية، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد يهدد بشلل النشاط الصناعي وارتفاع تكاليف المعيشة في تلك الدول.

ومع التحولات الجيوسياسية المتسارعة، برزت رأس لفان كأهم مورِّد بديل وموثوق للقارة الأوروبية الساعية لتنويع مصادر طاقتها. ومن شأن غياب هذه الإمدادات في التوقيت الراهن أن يضع الأسواق الأوروبية تحت ضغط سعري هائل، ويجبر الدول هناك على الدخول في منافسة مكلفة للحصول على الشحنات الفورية المتاحة، مما يفاقم من أزمة التضخم الطاقي في القارة العجوز.

مضخات البنزين والديزل في محطة وقود بمدينة هدرسفيلد، شمال إنجلترا (أ.ف.ب)

قفزة كبيرة في الأسعار

وقد انعكست هذه التطورات الميدانية فوراً على بورصات الطاقة؛ فقد قفزت عقود الغاز الأوروبية بنسبة تتجاوز 70 في المائة، بينما سجلت العقود الآسيوية ارتفاعاً قياسياً بنسبة 88 في المائة. حتى السوق الأميركية التي تظل عادة بمنأى عن التقلبات العالمية، لم تسلم من الارتفاع. وتشير التوقعات المحدَّثة لعام 2026 إلى أن متوسط أسعار الغاز قد يستقر عند 30 دولاراً لكل مليون وحدة حرارية، وهو ما يمثل ثلاثة أضعاف التوقعات السابقة التي كانت تشير إلى 9 دولارات فقط، ما يعكس تحولاً جذرياً في التوازنات المالية للدول المستوردة.

وقال كوشال راميش، نائب رئيس قسم الغاز والغاز الطبيعي المسال في شركة «ريستاد إنرجي»، إن أسعار الغاز الطبيعي المسال التي تضاعفت تقريباً منذ الضربات الأولية على إيران في 28 فبراير (شباط) لتتجاوز 20 دولاراً للوحدة، قد ترتفع الآن إلى 30 دولاراً في المتوسط ​​لهذا العام، إذا كانت الأضرار جسيمة وأدت إلى انقطاع أشهراً عدة.

من جهته، قال شاؤول كافونيك، محلل الطاقة في شركة «إم إس تي ماركي»: «قد تتسبب الهجمات على رأس لفان في نقص عالمي طويل الأمد في الغاز». وأضاف: «إنها (الهجوم) بالغة الأهمية؛ لأنه حتى بعد انتهاء الحرب، قد يستمر تأثيرها على الإمدادات أشهراً أو حتى سنوات، ريثما يتم تنفيذ أعمال الإصلاح وتوفير قطع الغيار».

ويرى المراقبون أن التطورات الأخيرة تعني أن إعادة فتح المضيق لن تُفضي فوراً إلى استئناف كامل لصادرات قطر، المورد الرئيسي للهند وباكستان والصين وكوريا، فضلاً عن أوروبا. ويقولون إن أستراليا -بصفتها ثالث أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم- لا تملك مجالاً يُذكر لزيادة إنتاجها لتعويض الصادرات القطرية المفقودة.

أحد الزبائن يقوم بتعبئة سيارته بالوقود في محطة وقود بمدينة ميلنسبريدغ، إحدى ضواحي هدرسفيلد (أ.ف.ب)

تهديد للإمدادات العالمية

يُؤدي انقطاع إنتاج محطة رأس لفان إلى تضييق حاد في سوق الغاز الطبيعي المسال العالمية التي كان من المتوقع أن تُحقق فائضاً هذا العام، مع بدء مشاريع جديدة. ويُهدد هذا الوضع بنقص في الإمدادات في دول نامية تعاني من ضائقة مالية، كالهند وبنغلاديش، فضلاً عن تباطؤ النشاط الصناعي وارتفاع فواتير الطاقة من المملكة المتحدة إلى اليابان.

وتغطي مدينة رأس لفان الصناعية مساحة 295 كيلومتراً مربعاً، أي ما يُعادل ثلث مساحة مدينة نيويورك تقريباً، وفق «بلومبرغ».

إلى جانب معالجة الغاز الطبيعي المسال، تضم المدينة منشآت أخرى متعلقة بالغاز، تشمل محطة لتحويل الغاز إلى سوائل، ومرافق تخزين الغاز الطبيعي المسال، ووحدات فصل المكثفات، ومصفاة نفط.

وكانت «قطر للطاقة» قد أعلنت أن هجوماً وقع مساء الأربعاء ألحق أضراراً بمحطة تحويل الغاز إلى سوائل، بينما استُهدفت معدات الغاز الطبيعي المسال في هجوم ثانٍ صباح الخميس.

وكانت عمليات الإنتاج في رأس لفان قد توقفت مطلع هذا الشهر إثر هجوم إيراني بطائرة مُسيَّرة، ما دفع شركة «قطر للطاقة» إلى إعلان حالة «القوة القاهرة» على الشحنات، ودفع المشترين إلى البحث عن مصادر بديلة.

ووفقاً لبيانات تتبع السفن التي جمعتها «بلومبرغ»، شكّلت منشأة رأس لفان للغاز الطبيعي المسال نحو 19 في المائة من صادرات الغاز الطبيعي المسال العالمية في عام 2025. كما مثَّلت شحناتها أكثر من خمس إجمالي استهلاك الغاز في الهند وتايوان وباكستان، وفقاً لبيانات معهد الطاقة.


المركزي الأوروبي يتمسك بـ«ثبات الفائدة» وسط مخاطر تضخم الحرب

رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)
TT

المركزي الأوروبي يتمسك بـ«ثبات الفائدة» وسط مخاطر تضخم الحرب

رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)
رجل يمر أمام شعار البنك المركزي الأوروبي في مقره الرئيسي بمدينة فرانكفورت (أ.ف.ب)

قرر مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، يوم الخميس، الإبقاء على أسعار الفائدة الرئيسية الثلاثة دون تغيير، مع التأكيد على التزامه بضمان استقرار التضخم عند المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة على المدى المتوسط. وقد أدت الحرب في الشرق الأوسط إلى زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مما رفع من المخاطر المرتبطة بارتفاع التضخم وانخفاض النمو الاقتصادي. ومن المتوقع أن يكون لتداعيات الحرب أثر ملموس على التضخم على المدى القريب عبر ارتفاع أسعار الطاقة، في حين ستعتمد تأثيراتها على المدى المتوسط على شدة النزاع ومدته، فضلاً عن كيفية انعكاس تحركات أسعار الطاقة على أسعار المستهلكين والاقتصاد بشكل عام.وبحسب البنك، يتمتع مجلس الإدارة بقدرة جيدة على مواجهة هذه المرحلة من عدم اليقين، إذ استقر التضخم عند المستوى المستهدف البالغ 2 في المائة، كما أن توقعات التضخم طويلة الأجل راسخة، في حين أظهر الاقتصاد مرونة خلال الفصول الأخيرة. وستساعد البيانات القادمة مجلس الإدارة على تقييم تأثير الحرب على توقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، مع استمرار متابعة الوضع عن كثب واتخاذ القرارات النقدية بناءً على البيانات.