من فهم الطبيعة إلى فهم النصوص... نظرة حول مشكلة التحيز

كل ملاحظة قدرها أن تكون انتقائية

من فهم الطبيعة إلى فهم النصوص... نظرة حول مشكلة التحيز
TT

من فهم الطبيعة إلى فهم النصوص... نظرة حول مشكلة التحيز

من فهم الطبيعة إلى فهم النصوص... نظرة حول مشكلة التحيز

لنتصور أن لدينا راعيًا للغنم، يخرج صباحًا باكرًا بماشيته بحثًا عن المرعى. ويجد، بعد بحث طويل، أرضًا بها عشب أخضر كثيف. أكيد سيصرخ فرحًا وسيثيره المشهد، لأنه وجد ما سيشبع غنمه. لكن في مقابل ذلك، لنتصور المشهد نفسه، لكن الناظر للعشب الأخضر، هذه المرة، لن يكون الراعي، بل عالِم نبات. في هذه الحالة، ستنقلب الرؤية رأسًا على عقب. فما سيثير انتباه هذا العالم، ليس كون العشب صالحًا كغذاء للماشية، بل سيرى في اخضرار العشب علامة على إنتاج الطاقة. فالنبات الأخضر هو معمل «للتركيب الضوئي». والآن، لنأخذ، افتراضًا، عين الراعي ونقوم بتشريحها في المختبر، ونقارنها، بعد ذلك، بتشريح عين عالم النبات، فماذا سنجد؟ بالطبع، التكوين نفسه والبنية نفسها. إذن فالرؤية (أي الفهم والمعرفة)، لا تتحدد بالفيزيولوجيا فقط، بل هي مرتبطة بالخلفية النظرية أيضًا. فالراعي لا ولن يتمكن من رؤية التركيب الضوئي في النبات، لأنه، باختصار، لا يمتلك العدة النظرية المسعفة والمخولة لذلك، بعكس عالم النبات، الذي وجراء تكوينه الأكاديمي، تشكل في ذهنه ركامًا وطبقات معرفية سمحت له برؤية مختلفة تمامًا.
إننا لا نرى بعيوننا، بل بعقولنا، أو بتعبير أكثر دقة نقول: إن كل ملاحظة ليست بريئة أبدًا، بل هي مثقلة ومحملة بخلفية نظرية صريحة أو ضمنية، واعية أو غير واعية، هي التي تدفع نحو رؤية محددة وتطرد أخرى. أو لنقل إن قدر أي ملاحظة أن تكون انتقائية.
إن هذا المعطى أعلاه، هو ما يفسر لنا لماذا نتضارب في فهم الأشياء حد التناقض. فحين تقول لصاحبك: انظر معي إلى ما أراه! حاول أن تفهم ما اكتشفته! ويرد عليك: معذرة لا أستطيع نهائيًا أن أرى ما تبصره أنت، وأعجز عن استيعاب ما تفهمه! فيجب أن نعلم مباشرة، أن الأمر، في هذه الحالة، لم يعد مسألة نظر حسي، بل يتجاوز ذلك ليصبح نظرًا عقليًا. إننا قد نلاحظ بالعين الشيء نفسه، لكننا لا نراه بالضرورة الشيء عينه. فالأمر يتعدى العين المكونة من بؤبؤ وقرنية وشبكية وعصب بصري... إلى محتوى العقل بالأساس.
نفهم من خلال هذا التصور، الذي يرى أن الملاحظة تحتاج إلى جواز مرور نظري لكي تتم، كثيرًا من الاكتشافات المعرفية التي ظهرت في حقبة زمنية ولم تظهر في أخرى، لأنها احتاجت إلى تراكمات معرفية تؤهل إلى اكتشافها. وخير مثال على ذلك، فكرة دوران الأرض وحركية الشمس. فلماذا فلكي القرن السابع عشر، وليكن «غاليليو» نموذجًا، يرى الشمس ثابتة؟ بينما فلكي القرون الوسطى، وليكن «البتاني» مثلاً، يرى الشمس متحركة؟ على الرغم من أنهما ينظران إلى الشيء نفسه، حيث تسقط الشمس على شبكية عينهما بالشاكلة نفسها. إن المسألة ليست تحديقًا في الشيء أبدًا، بل هي نظرية بالأساس. ففلكي القرن السابع عشر، مسلح بنظرية جديدة هي مركزية الشمس الكوبيرنيكية. أما فلكي القرون الوسطى، فهو موجه بإطار نظري مختلف يقوم على مركزية الأرض الأرسطية. إذن، إذا غيرت مرجعيتك وافتراضك وأسئلتك، ستغير بالضرورة نظرتك. إنه الأمر نفسه الذي حدث مع العالم إسحاق نيوتن. فهو اكتشف الجاذبية، ليس لأنه رأى التفاحة تسقط، فهذه مجرد خرافة وتبسيط مخل لكيفية اكتشاف الحقائق وفهم الطبيعة. فالأمر أكثر تعقيدًا من ذلك. إن الناس قد رأت التفاح يسقط منذ آلاف السنين، من دون أن توحي لهم واقعة السقوط هذه بفرضية الجاذبية. فالأمر إذن ليس مرتبطًا بملاحظة خام وعفوية. بل لا بد من مرجعية وإطارات ذهنية تسمح بالرؤية المناسبة. فواقعة سقوط الأجسام في القرن السابع عشر، كانت الشغل الشاغل للعلماء. فغاليليو مثلا، تمكن من وضع قوانين سقوط الأجسام. كما أن العلماء آنذاك، اهتموا بمسألة دوران الأجسام في السماء، وما العالم كبلر إلا نموذج منهم. فأصبح بحوزة العلم قوانين متعلقة بحركة السقوط في الأرض (التفاحة مثلا)، وقوانين متعلقة بحركة الدوران في السماء (القمر مثلا). في هذه الظروف بالضبط، وبهذه الإمكانات النظرية، وبهذه الخلفية والأفق الذهني، جاء نيوتن متسائلا: لماذا تسقط التفاحة ولا يسقط القمر؟ فعبقرية نيوتن لا تكمن في كونه لا حظ التفاحة تسقط، بل في تخيله لنظرية الجاذبية، التي بواسطتها حل اللغز، مكتشفا أن السقوط دوران والدوران سقوط. فالمسألة مرتبطة فقط بتغير الكتلة والمسافة. بل إنه اعترف شخصيًا، بأن ما أقامه من منجز، كان على أكتاف هذين العملاقين، أي غاليليو وكبلر. نخلص إلى أن قصة سقوط التفاحة، قصة ساذجة وبسيطة لا تشرح حقيقة كيف تصنع المعرفة. فنيوتن لو ولد في زمن قبل القرن السابع عشر، ما كان ليقدر على تخيل فكرة الجاذبية نهائيًا، فالأمر كان يحتاج إلى نضج وإلى سياق خاص، هو سياق العلم الحديث فلكل نبأ مستقر.
* نحو فهم عالم النصوص
ما قدمناه أعلاه، هو ما تعلنه الإبستمولوجيا (علم العلم) في مجال العلوم الطبيعية. أي أن الملاحظة ليست بريئة، ودائمًا موجَّهة بإطارات نظرية تحملها الذات في جوفها. وهي الفكرة نفسها التي ستعلنها الهرمينوطيقا، أي نظرية التأويل، باعتبارها مبحثا خاصا بدراسة عمليات الفهم، أو لنقل إنها تدرس «فهم الفهم»، لكن، هذه المرة مع وجهة أخرى هي: النصوص.
فمن أهم فتوحات الهرمينوطيقا، إعلانها أنه لا فهم من دون فهم سالف، أي من دون موقف مسبق. فأنا أعرف إذا كنت مؤهلاً لذلك. وهو ما يسقطنا بالضرورة، في تعدد التأويلات، نظرا لتعدد المسبقات المنطلق منها. وهذا ما دفع نيتشه إلى القول، إنه «لا توجد حقائق بل توجد تأويلات»، كما أعلن جادامر أيضا، أنه ينبغي علينا أن ندرك أن كل فهم لا بد له من بعض «التحيز»، إذ لا قراءة مطلقة، فهي محدودة بسقف الذات وأفقها ومسبقاتها. فسعي عصر الأنوار إلى التخلص من كل التحيزات أمر صعب المنال. بل هو تحيز في حد ذاته. بعبارة أخرى نقول، إن فهم القارئ لنص معين لا يتم بطريقة آلية. فلا يكفي أن تقرأ نصًا لتقبض على معناه بتلقائية. بل نحن نقتحم النصوص بمضمراتنا وإطاراتنا الثقافية. فالذات القارئة ليست صافية كما قد يعتقد البعض. بل هي تجمع في كيانها طبقات نفسية واجتماعية وتاريخية وآفاقا نظرية وغيرها، تلقي بظلها على الفهم. فهي بمثابة الموجه في القراءة. وهو ما يجعل المعنى يكون بصيغة الجمع. ومن ثم قدرنا هو التأويل ولا شيء غير التأويل. فالاختلاف في الآفاق والأطر الذهنية، يحد من القراءة ويسيجها ويضع لها سقفًا.
سنفهم إذن، لماذا تؤكد الهرمينوطيقا على أن استعادة المعنى التاريخي الأصلي للنص، هو مثالية صعبة التحقق. إنها طمع في محال. بل هي خرافة. يقول الدكتور عادل مصطفى، في كتابه الشيق «فهم الفهم»، الصادر عن دار «رؤية»: «لا يحكم الأصل إلا يومًا واحدًا، ليخلع بعد ذلك، ويصبح سبيًا للحاكم الأبدي الفعلي... التأويل».
إن المعرفة الإنسانية ومحاولة فهمها للنصوص، القديمة بالخصوص، قدرها أن تكون ذاتية. ما يطرح إحراجا كبيرا لمسألة الموضوعية، التي تعني النزاهة والحياد القيمي، وإبعاد شوائب الذات عن الموضوع المدروس. بعبارة أخرى، فالموضوعية التي هي مطلب كل عالم، والتي هي السعي الدؤوب نحو إلغاء تأثيرات الذات، تصبح جراء التصور المذكور أعلاه، صعبة المنال. لأن المعرفة يعلق بها دائمًا ما هو ذاتي. إن القارئ له تاريخيته الخاصة، والمتمثلة في هموم عصره التي سيسقطها، لا محالة، على نص غريب عنه وينتمي إلى حقبة تاريخية أخرى، مشحونة بهموم أخرى وآفاق مختلفة، مما يضع حدًا للموضوعية، ويقحمنا في تحيز محتوم.
إن الهرمينوطيقا، تلح على أن الفهم يجري بالمواجهة بين تاريخيتين: تاريخية القارئ وتاريخية النص. وإذا اقتنعنا بذلك، فهذا يعني أن اختراق النصوص من أجل القبض على المعنى، سيكون انتقائيا بالضرورة، وليس بريئًا أبدًا، ما دام موجهًا بمرجعية وافتراض معين، وفي أحيان كثيرة بشاكلة تتجاوزنا. الأمر الذي سيفضي إلى القول، بالنسبية عوض المطلق. فما يسميه المرء حقيقة النص، هو حقيقة بحسب نظرية معينة، ستنافسها حقيقة أخرى ستنطلق من نظرية أخرى. وإذا كان الأمر كذلك، فمن الأحسن الحديث عن التأويلات.
في الختام، قد يقول قائل: أليس في هذا ميوعة وإفراطًا في سيولة المعنى الذي لن يتوقف، ما سيؤدي إلى الفوضى؟ سنقول إن المشكلة ليست في تعدد المعاني التي هي قدر محتوم. بل في أيها أفضل وأيها أحسن. وهو السؤال الذي سيبقى عالقًا نطرحه كالآتي: كيف نفاضل بين النظريات الموجهة للرؤية؟ وما المعايير التي نحتاج إليها لاختيار أحسن التأويلات؟ وهذه قصة أخرى.



حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان
TT

حين تهزم الرواية النسوية ذاتها

إيمان حميدان
إيمان حميدان

كلما قرأت رواية نسوية، حاولت أن أتخيل كيف كانت تكون تلك الرواية بالشخصيات والأحداث نفسها وفي الزمان والمكان نفسهما لو أن الروائي كان رجلاً. لكنني أعجز عن تصور الرواية من ذلك المنظور المعاكس. ربما لأنني قليل الخيال. أو ربما لأن تخيل عالم نقيض ليس بالأمر الممكن. فكل عالم موجود هو حتمي الوجود. وما دام قد وُجد فهو حتمي الوجود على النحو الذي وُجد عليه. ينطبق هذا على عالمنا الذي نعيش فيه. وبالمقياس نفسه ينطبق أيضاً على العوالم الروائية التي يوجد منها عشرات الآلاف ويُضاف إليها عوالم جديدة في كل يوم.

على أنني لا أجد نفسي أطرح هذا السؤال المستحيل إلا عند الانتهاء من رواية نسوية بقلم امرأة، وعلى حد علمي لا توصف رواية بالنسوية إلا وكاتبتها امرأة. قد يكتب الرجال روايات تتعاطف مع المرأة وتتفهم محنتها المجتمعية أو الشخصية؛ «مدام بوفاري» لجوستاف فلوبير (1821-1880)، أو «أنا كارينينا» لليو تولستوي (1828-1910) مثلاً. لكن هذا لا يضفي صفة النسوية على هذه الأعمال. والحق أن التصوير الموضوعي للمرأة في الرواية ليس شيئاً جديداً ولم يُخترع في النصف الثاني من القرن العشرين مع بزوغ الحركة النسوية والرواية النسوية التي تبنت الفكر السياسي والاجتماعي لتلك الحركة. الرواية النسوية موجودة منذ التاريخ الأول لفن الرواية الناضج من القرن التاسع عشر على الأقل، وعندي أن بعض رواد الفن الروائي من النساء هن أيضاً رواد الرواية النسوية، مثل جين أوستن (1775-1817) وجورج إليوت (1819-1880) وشارلوت برونتي (1816-1855) وإميلي برونتي (1818-1848) في الرواية الإنجليزية على سبيل المثال. لكنهن لم يعرفن بالكاتبات النسويات ولا عُرفت رواياتهن بالروايات النسوية، لأنه لم يكن هناك التنظير الآيديولوجي للحركة النسوية الذي جاء في القرن العشرين ومن بعده صارت الروايات التي تكتبها النساء تُنعت بالنسوية وكأنها ما كُتبت إلا لتجسد الحركة الآيديولوجية والاجتماعية الداعية لتحرير المرأة ومساواتها بالرجل.

أميلي برونتي

الذي أجده من قراءاتي هو أنه بقدر ما تصلح رواية لأن ينطبق عليها مصطلح «نسوية»، تكون أبعد عن المراتب العليا في الفن الروائي. الرواية التي يكون منطلقها آيديولوجيا فكرية من أي نوع تفقد عضويتها ووجودها المستقل عن الكاتب وتصبح بوقاً دعائياً فاقداً للحيوية والتلقائية. والمفارقة أن الأدب المفروض عليه آيديولوجيا من الخارج هو أدب فاقد للقدرة على الإقناع والتأثير، ولذلك هو لا يؤدي الغرض المقصود منه، وهو ما لا يهتدي إليه أولئك الذين يحاولون استخدام الأدب مطية للمذهبية. وعلى النقيض من ذلك نجد أن أشد أنواع الأدب تأثيراً في النفس وأقدرها على إحداث تغيير في فكر المتلقي هو ذلك الذي ينبع أفكاره عضوياً من داخل الشخصيات والأحداث. لذلك لم تبرز حتى اليوم من أطنان الرواية النسوية روايات تضارع في جمالياتها من ناحية أو في خدمتها لقضية المرأة من ناحية أخرى تلك التي كتبتها الرائدات الأوائل اللائي كان همهن كتابة الرواية وليس التبشير بآيديولوجيا نسوية، فجاءت أعمالهن الصادرة عن حس نسوي طبيعي وتفاعل مع الوضع الاجتماعي يخلو من الأدلجة، كاشفةً عن نفسية المرأة ووضعها الاجتماعي في غير افتعال ولا ترتيب نظري مُسَبَّق.

تداعت هذه الأفكار في ذهني عند الفراغ من قراءة رواية حديثة للكاتبة اللبنانية إيمان حميدان، «أغنيات للعتمة» (دار الساقي، 2024). الكاتبة تتحلى بقدرة سردية عالية، ولغة جميلة، وقدرة على الاسترجاع من الموروث الثقافي والتاريخي، وتجسيد الشخصيات. لكنها للأسف تبالغ في الطموح حين تحاول أن تكتب رواية أجيال في مجرد مائتي وخمسين صفحة، فيختل في يدها الميزان. هنا نرى يد الآيديولوجيا النسوية تعمل عملها غير المحمود. فالكاتبة أرادت أن تختصر قصة قهر المرأة في لبنان على امتداد تاريخه الحديث كله، منذ الحكم العثماني فالانتداب الفرنسي فالاستقلال ونشأة الجمهورية واضطرابات المنطقة التي تجد مسرحاً لها في البلد الصغير وصولاً إلى الحرب الأهلية وما بعدها. أربعة أجيال من النساء: جدة وابنة وحفيدة وابنة للحفيدة. تتغير الأنظمة والملابسات الاجتماعية والاقتصادية على امتداد فترة تقارب المائة عام، أما الذي لا يتغير فهو اضطهاد النساء وخسة الرجال. تتفاوت درجات القهر، وتتفاوت نذالة الرجال في الدرجة وليس في النوع. وتتفاوت قدرة النساء على الصمود والكفاح، لكن كلهن ضحايا تتفاوت حظوظهن ما بين النجاة العشوائية وما بين الموت والجنون والاختفاء.

الاهتمام الحقيقي لدى الكاتبة هو بشخصية الجدة الكبرى، شهيرة.

جين أوستن

لذلك هي الوحيدة التي تفسح الكاتبة المجال لقصتها ولرسم شخصيتها رسماً مقنعاً وتصوير صراعها مع البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية وقدرتها على تجاوز هذا كله والعلو على عوامل القهر من حولها. هذه القصة في حد ذاتها كانت تكفي وهي القصة الوحيدة الطبيعية إلى حد ما في الرواية. هي القصة الوحيدة التي تقرأها فلا تشعر بأصابع الآيديولوجيا النسوية تعمل في الخفاء. لكن الطموح الآيديولوجي يتمكن من الكاتبة فيجعلها تسوق قصصاً ثلاثاً أخرى لثلاث نساء من نسل شهيرة. لكنهن لسن موضع اهتمام حقيقي من الكاتبة، كما أن الرواية لم يعد فيها مجال يسمح ببسط قصصهن وخلفياتها بالتفصيل والصبر اللازم للإقناع. لذلك تتعامل معهن الكاتبة باختصار وعجلة مخلّة، فهن لا أهمية لهن في حد ذواتهن، وإنما الهدف هو إبراز ثبات المعاناة النسوية عبر الأجيال وعلى الرغم من التحولات الشتى. بذلك تهزم الرواية نفسها جمالياً من حيث لم تُرد. ليس هذا فقط لكنها تهزم نفسها آيديولوجياً وأيضاً من حيث لم ترد. فالقارئ بعد أن يستمتع بقصة شهيرة وانتصارها البطولي على صعوبات هائلة يخيب أمله، إذ يتبدد السرد متعجلاً ومدفوعاً بمفاهيم القصة النسوية ليحكي قصص ثلاثة أجيال أخرى من النساء المنحدرات من شهيرة، واللائي هن – ويا للمفارقة – يبدون أقل حظاً بصفتهن نساء مما كانت عليه جدتهن.


ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية
TT

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

ثنائية «الألم والصمت» في قصص سورية

يطل الوجع الإنساني في نصوص المجموعة القصصية «آلام برنابا وصمته»، الصادرة عن دار «بتانة» بالقاهرة للكاتب السوري المقيم في بلجيكا هوشنك أوسي، باعتباره فضاءً رهيفاً يقترن بالشجن ويدعو للتأمل في مفارقات الحياة وبحث البشر الدائم عن السلام والسكينة، على وقع أسئلة الهوية والمنفى.

وتحضر ثنائية «الألم والصمت» كضريبة للمعرفة والوعي وموقف احتجاجي وملاذ أخير أمام فوضى العالم وانهيار القيم، في نصوص مشحونة بالمشاعر والقلق عبر لغة مكثفة قد تجعل من القصة القصيرة ضربة وتر سريعة لا تتجاوز أحياناً عدة أسطر، فيما يحضر الحب كاستدعاء مباشر للبهجة من خلال موجات المد والجزر في العلاقة العاطفية بين الجنسين.

تتميز المجموعة بقدرة لافتة على التقاط اللحظات الهامشية وتحويلها إلى متون حرة لطرح الأسئلة ذات الطابع الفلسفي من خلال نماذج وصور متعددة، كما في حالة الموظف المثالي الذي لا يجد معنى لحياته بعد سنوات من الخدمة العبثية، أو الأطفال المحرومين من الحنان والأمان فانخرطوا في عادات سيئة لقتل الملل والتمرد على الفراغ، فضلاً عن الغرباء الذين تجمعهم المطارات ومشاعر الحب التي تقتلها قسوة المفاجآت غير السعيدة التي يبعث بها الموت على حين غرة.

ومن أجواء المجموعة القصصية نقرأ:

«رج موبايلها الموضوع في حالة صمت. حين رأت رقمه، ارتجت هي أيضاً، أخذتها رجفة لذيذة، تشبه سريان مياه باردة في عروق أرض قحط يبوس، أضناها الظمأ لمرور سحابة وانتظار الغوث. نقرت على رقمه، لتقرأ فحوى وتتمة الرسالة، لم تجد المزيد.

آخر دردشة بينهما على (الواتس) كانت قبل سنة. دخلت حياته، كأية صدفة. وخرجت منها فجأة، من دون سبب، كأنها خنجر يغادر جرحاً، بسرعة. صارت تقلب الرسالة المقتضبة على أوجهها، وتقول في نفسها: هذا المهووس بالتشكيل والترقيم في رسائل (الواتس) و(الماسنجر)، لماذا لم يرسلها مشكّلة، كعادته لأفهم مراميه؟ إذا كان يقصد: (لا يَنسون)؛ هذا يعني أنه يدرك ويعي مدى تغلغله في قلبي وذاكرتي. وإذا كان يقصد: (لا يُنسون)، هذا يعني إما أنه ما يزال يكن لي الود والاحترام وربما الحب، وإما أنه يهدد بالانتقام مني لأنني تجاهلته وتناسيته، ولم أعد أتواصل معه.

تلك العبارة، جعلتها مصابة بارتجاج في القلب والعقل والروح. هل تكسر التجاهل، وترسل له عبارة ملتبسة، غير مشكّلة حمَّالة أوجه وتعامله بالمثل؟ أم تستمر في لعبتها وعدم حظر رقمه، أم قطع دابر العلاقة به إلى الأبد؟ كانت تسأل نفسها، وتضعها بين هذه الخيارات، ولم تنتبه أن أصبعها خرج عن السيطرة، وكان مستعجلاً أكثر نحو شارة القلب وختم بها رسالته. لم تتراجع عن ذلك القلب. شعرت بأنها تورطت. تلبسها غرور الأميرات وكبرياؤهن. تركت الارتجال والطيش يأخذان مجراهما في صناعة حياتها. قالت: ماذا لو عشنا الحياة على أنها سوء فهم جميل، يكرر نفسه بصور مختلفة في مواقف متشابهة؟».


الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف
TT

الكاتب والنص... القصّة لا تنتهي عند النشر

فلاديمير نابوكوف
فلاديمير نابوكوف

في عددها الأخير، خصّصت مجلة «تيلي راما» الثقافية مقالةً نقديةً للرواية الأيقونية «على الطريق» لجاك كيرواك، تناول فيها كاتبُها المقارنةَ بين نسختين من هذا العمل الشهير: الأولى التي رأت النور عام 1957، والثانية التي أنجزها كيرواك في 1951 غير أن الناشر أحجم عن طباعتها. وقد أثار المقالُ سؤالاً جوهرياً لا يخلو من الإثارة: أيّ النسختين تمثّل كيرواك الحقيقي؟ النصُّ الذي أراده، أم النصُّ الذي تم نشره؟ يفتح هذا السؤال بدوره باباً أرحب على إشكاليةٍ لا تقلّ أهمية: لماذا يعود بعض الكتّاب إلى أعمالهم بعد اكتمالها، فيُضيفون وينقصون ويُحوّرون؟ وما الذي يدفعهم إلى مراجعة ما كتبوا، بعد أن أسدلوا الستار على نصوصهم وأطلقوها للعالم؟

مارسيل بروست

لعلّ أعمق الدوافع وأكثرها تفسيراً لهذه الظاهرة هو ذلك القلق الفني الذي ينتاب الكاتب حين يقرأ ما كتب بعد مضيّ سنوات، فيجده مُقصّراً دون ما أراده. الروائيون والشعراء يصفون هذه التجربة بطرق متقاربة، فبعضهم يُسمّيها «هاجس الكمال»، وآخرون يُسمّونها ببساطة: عدم الرضا. والحقيقة أن الكاتب المتقدّم في فنّه يُصبح بالضرورة قارئاً أكثر صرامة مع نصوصه السابقة. كان ذلك حالَ فلاديمير نابوكوف، أشدّ الروائيين هوساً بإعادة الكتابة، إلى درجة أن سيرة أعماله تكاد تكون تاريخاً متواصلاً للتعديل والصقل عبر اللغات والأزمنة. وكان يقول عن نفسه مازحاً: «ممحاتي تنتهي قبل أقلامي».

كتب نابوكوف رواياته الأولى بالروسية، ثم عاد إليها لاحقاً ليُعيد صياغتها بالإنجليزية، لأنه كان يرى في النسخة الأصلية «عيوباً» أسلوبية وإيقاعية لا تصلحها إلا يد المؤلف نفسه. وحين جاء دور روايته الشهيرة «لوليتا» أصرّ على أن يتولى بنفسه ترجمتها إلى الروسية حتى لا «يُفسدها» مترجم آخر بتعابيره المبتذلة، فحوّل الترجمة إلى إعادة كتابة دقيقة تراقب كلّ جملة وصورة وإيحاء. وفي السياق ذاته، صرّح الروائي الأميركي برنارد مالامود بأنه يُعيد كتابة أعماله ثلاث مرات على الأقل: مرةً كي يفهم ما كتب، ومرةً لتحسين السبك اللغوي، ومرةً ثالثة لإجبار النصّ على أن يقول ما لم يقله بعد. أما غوستاف فلوبير فيمثّل ذروة هذا الهاجس في تاريخ الأدب الغربي، إذ لم تكن «مدام بوفاري» حين صدرت عام 1857 عملاً مكتملاً في نظره، فعاد في الطبعات اللاحقة بما يزيد على ألف ومائتَي تعديل، بعضها يتعلق بإيقاع جملة، وبعضها بصرف كلمة أو حذفها.

والت ويتمان

وفي أدب الخيال العلمي، تُمثّل تجربة آرثر سي. كلارك نموذجاً بالغ الدلالة على المراجعة بوصفها إعادة كتابة لا مجرّد تحسين، إذ كتب روايته «ضد سقوط الليل» عام 1948، ثم أعاد صياغتها كلياً لتصبح عام 1956 رواية جديدة بعنوان «المدينة والنجوم»، مُوسّعاً في تصوير عالمه ومُعمّقاً شخصياته، ومُعيداً بناء ما رأى فيه نقصاً في نسخته الأولى. والمفارقة أن كلتا النسختين ظلّت في التداول، فأتاحتا لمن قرأهما معاً أن يشهد نموّ كاتب وتحوّل رؤيته بين عقد وآخر.

غلاف» فرانكشتاين«

على أن كثيراً من المراجعات اللاحقة للنشر تكون بسبب ضغوط خارجية لا صلة لها بمشيئة الكاتب الحرة أو نضجه الفني، مثل الرقابة. فجاك كيرواك نفسه حذف من روايته «على الطريق» مشاهدَ جوهرية إرضاءً لشروط الناشر، قبل أن يتم اكتشاف مسودّته الأصلية لاحقاً وتُعيد رسم صورة مغايرة تماماً للرواية. وفي فبراير(شباط) 2023، أعادت دار نشر «بنغوين راندم هاوس» إصدار كتب رولد دال بعد حذف مصطلحات اعتُبرت مسيئة وغير لائقة من المنظور الثقافي المعاصر. ولم تختلف قضية أجاثا كريستي كثيراً، إذ خضعت طبعات حديثة من رواياتها لحذف عبارات تصف مجموعات عرقية بعينها، وكان أبرز هذه التعديلات ما طال روايتها «ثم لم يبقَ أحد» الصادرة عام 1939. وقد تنبثق المراجعات من تحوّلات حياتية عميقة تجعل من النصّ القديم مرآةً لروح غريبة. ماري شيلي نشرت روايتها الشهيرة «فرانكنشتاين» عام 1818 وهي ابنة الحادية والعشرين، ثم أعادت كتابتها عام 1831 بعد أن خسرت ابنتها وابنها وزوجها الشاعر، وفي المسافة الفاصلة بين النشرتين، امرأةٌ مختلفةٌ كتبت رواية مختلفة: الخالق المُكتئب والمخلوق المنبوذ باتا يحملان وطأة تجارب المؤلفة الشخصية أكثر مما كانا يحملانه في نسخة الشباب.

غلاف «مدام بوفاري»

عموماً فإن رغبة الأدباء في تعديل نصوصهم المنشورة تنبثق من قناعة راسخة بأن الكتابة ليست فعلاً ناجزاً ينتهي بوضع النقطة الأخيرة، بل هي «إيماءة إبداعية» في حالة ترقٍّ دائم وصيرورة لا تتوقف عن التشكّل. وكأنهم لا يرون في عملهم الإبداعي كياناً مكتملاً بل بذرةً تنتظر أن تُستكمل، وليس بالضرورة لأن العمل الأول كان ناقصاً، بل لأن الكاتب نفسه لم يكن قد اكتمل بعد.

ويُعد هنري جيمس نموذجاً جلياً لهذا المخاض، إذ اعترف في تقديمه لطبعة نيويورك الشهيرة عام 1907 بأن نصوصه الأولى باتت «عصية على الاحتمال» بالنسبة لنضجه المتأخر، مما دفعه لإعادة نسج روايات بأكملها من منظور القارئ النقدي لنفسه، مخلّفاً أرشيفاً نادراً يوثق تطور الأديب مع الزمن. أما المثال الأبلغ على النص الذي يرفض الانغلاق، فيبقى ديوان الشاعر والت ويتمان «أوراق العشب»، فمنذ صدوره عام 1855 في كراسة رقيقة تضم اثنتي عشرة قصيدة، ظل ويتمان يعود إليه على مدى سبعة وثلاثين عاماً، يضيف ويحذف ويعيد الترتيب استجابةً لتحولات التاريخ والسياسة، من الحرب الأهلية إلى اغتيال لنكولن، حتى بلغت «طبعة الفراش الأخير» عام 1892 ما يزيد على أربعمائة قصيدة.

هذا الهاجس المسكون بالرغبة في الإضافة لم يفارق مارسيل بروست أيضاً، الذي استمر في تعديل ملحمته «البحث عن الزمن الضائع» حتى وهو يواجه سكرات الموت، تاركاً خلفه ركاماً من المخطوطات الضخمة التي استلزمت جهداً استثنائياً من محرريه لتنظيمها.