الطموحات الهندية تمتد لآسيا الوسطى

لكن منافستها الصين تسير بخطوات حثيثة بمبادرة «حزام واحد وطريق واحد»

الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي  (إ.ب.أ)
الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

الطموحات الهندية تمتد لآسيا الوسطى

الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي  (إ.ب.أ)
الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أعربت الهند، من خلال استضافتها مؤخرا ألمازبيك أتامباييف، رئيس جمهورية قيرغيزستان، وإمام علي رحمن، رئيس جمهورية طاجيكستان، عن نواياها الصريحة بشأن توطيد علاقاتها بدول آسيا الوسطى. التحول في علاقات الهند بآسيا الوسطى جاء مع انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1992، وهناك الكثير من التفسيرات التي توضح هذا التوجه، ومن أبرزها أن الهند كانت متفاعلة وبشكل كبير مع أقرب جيرانها إليها، ولا سيما باكستان، خصوصا فيما يتعلق بقضية إقليم كشمير الشهيرة. ثانيا، أن الهند الآن تعمل بمفردها في النظام الدولي، حيث فقدت الدعم والتأييد من القوة العظمى السابقة، أي الاتحاد السوفياتي، الذي شهد التفكك والاضمحلال في أعقاب الحرب المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان.
وعلى الرغم من ذلك، استيقظت الهند في وقت متأخر لتدرك التغيرات السريعة في الحقائق الجيو - سياسية والجيو - اقتصادية الجارية في وسط آسيا. وكان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هو أول من زار دول هذه منطقة (أوزبكستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان) أثناء رحلة واحدة خلال العام الأول من توليه لمهام منصبه.
يقول الخبير الاستراتيجي كيه. سوبرامانيان، المتخصص في شؤون المنطقة: «حازت آسيا الوسطى أهمية كبيرة، ليس فقط من واقع أنها جار ممتد مع روابط حضارية قديمة، ولكن بسبب المميزات الاقتصادية، والأمنية، والنفطية الهائلة. وحيث إن المنطقة غنية بشكل كبير فيما يخص السلع الأساسية، مثل القطن، والذهب، والنحاس، والألمونيوم، والحديد، ومع الأهمية المتزايدة لموارد النفط والغاز الطبيعي في المنطقة قد ولدت منافسات جديدة بين مختلف القوى الخارجية. سرعان ما طوقت دول آسيا الوسطى بمبادرة (حزام واحد وطريق واحد) الصينية. ولا يمكن للهند غض الطرف عن آسيا الوسطى إن كان لها طموح حقيقي في المحافظة على وضعية القوة الصاعدة في النظام الدولي».
من الحوافز الأخرى لإلقاء نظرة متفحصة على منطقة آسيا الوسطى، هي أن الهند بدأت تفقد ميزة «الجوار العاجل» لصالح الصين، التي طورت من العلاقات السياسية والاقتصادية الجيدة مع ما يقرب من دول الجوار للهند كافة، ومن ثم التحول إلى وضعية التطويق الاستراتيجي ضد الهند.
يقول مارتاند جها، الباحث البارز في مركز دراسات روسيا وآسيا الوسطى التابع لجامعة جواهر لال نهرو بمدينة دلهي: «حققت الصين اختراقات عميقة في قلب جمهوريات آسيا الوسطى من حيث الاستثمارات مع المنطقة، عندما قام الرئيس الصيني شي جين ببينغ في رحلة حول دول آسيا الوسطى قبل عامين من الآن، كانوا يرحبون به مثل الملوك الفاتحين الحاملين للهدايا والعطايا والمنح. وشرعت الصين في شراء احتياطيات النفط والغاز الطبيعي، وإبرام الصفقات العسكرية، والدخول في مشروعات البنية التحتية. هذه السياسة نظر إليها من زاوية البديل عن مبادرة طريق الحرير الصينية الأولى ومبادرة حزام واحد وطريق واحد الثانية».
تشير بعض التقديرات إلى أن الصين تملك ما يقرب من ثلث احتياطات النفط والغاز الطبيعي في تلك المنطقة. ومن دون شك، وأغلب مشروعات البنية التحتية لخطوط الأنابيب قد استكملت لتغذية الصين بالنفط والغاز القادم من الشرق ليصب في الصين. وأحبطت بكين، وبنجاح، محاولات نيودلهي لاتخاذ موطئ قدم في مجال الطاقة في منطقة آسيا الوسطى من خلال الاستحواذ على حصة ضخمة في مشروع كاشاغان النفطي العملاق في بحر قزوين عام 2013. وعلى الرغم من أن جمهورية كازاخستان قد بعثت بإشارات مسبقة لموافقتها على بيع ما قيمته 5 مليارات دولار لصالح قسم المشروعات الدولية في شركة النفط والغاز الطبيعي الهندية.
وعلى سبيل المقارنة، كانت الخطوات الهندية بطيئة في بناء الشراكات هناك. وأحد المشروعات الذي تعمل فيه الهند بالفعل في هذه المنطقة هو خط أنابيب (تابي) للغاز الطبيعي، وهو من المشروعات الطموحة التي ستضخ الغاز الطبيعي من تركمنستان إلى الهند ويمر عبر أفغانستان وباكستان.
ومن الناحية العملية، تجاوزت الصين الهند كثيرا في تلك المنطقة، من حيث استثمار ملايين الدولارات في بناء شبكات الطرق والسكك الحديدية؛ لأنها تشترك في الحدود مع ثلاث من الدول هناك (طاجيكستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان). إلى جانب ذلك، توفر الصين أيضا المئات من المنح الدراسية للطلاب من هذه البلدان، في حين أن الهند لا توفر هذه المنح إلا لعدد قليل من طلاب هذه المنطقة.
على الرغم من أن بلدان آسيا الوسطى تعد من دول الجوار للهند، لكن نقص الاتصال المباشر ما بينهما عبر الأرض أو البحر يعتبر ليس لصالحها. ويرى الكثير من المراقبين أنه لهذا السبب، لا تزال مشروعات مهمة كمشروع خط أنابيب (تابي: تركمانستان، أفغانستان، باكستان، والهند) للغاز الطبيعي في طي النسيان. وحتى اليوم لم تصل ولا قطرة واحدة من النفط من آسيا الوسطى إلى الهند. وعن ذلك يقول إم. رياض، الخبير البارز في شؤون آسيا الوسطى لدى أكاديمية الدراسات الدولية الملحقة بالجامعة الملية الإسلامية: إن «قضية الربط بين الإقليمين هي ذات أهمية قصوى. فحتى تصل الهند إلى آسيا الوسطى، فإن أقصر الطرق تمر عبر باكستان وأفغانستان. وحيث إن العداء واضح وجلي بين الهند وباكستان، ونظرا لتعاون الأخيرة مع الصين ضد الهند، فإن الربط البري مع آسيا الوسطى لا يزال من الإشكاليات الحقيقية». نتيجة لذلك؛ فإن حجم التجارة الهندية مع بلدان آسيا الوسطى لا يتجاوز 1.5 مليار دولار فقط.
وعلى الرغم من القيود المتعلقة بالربط الإقليمي، تسعى الهند سعيا حثيثا للاستثمار في المنطقة في مجال تكنولوجيا المعلومات وقطاع التعليم. وحيث إن الهند تملك قطاعا كبيرا ومؤثرا في تكنولوجيا المعلومات، وعمال مهنيين وماهرين ومؤهلين وموهوبين، فإنها تسعى لاستخدام قوتها في هذا المجال لإنشاء الشبكة الإلكترونية لآسيا الوسطى التي تربط الدول الخمسة كلها مع الشبكة الهندية لتوفير خدمات التعليم والعلاج عن بعد. وهناك إمكانات ضخمة لقطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي ويمكنه العمل جسرا للتواصل لتقريب بلدان المنطقة بعضها ببعض.
سلطت سياسة التجارة الخارجية الهندية لعام 2015 - 2020 الضوء على أهمية ممر النقل الشمالي الجنوبي الدولي الذي من شأنه أن يكون من المشروعات الحيوية التي تربط الهند مع بلدان آسيا الوسطى. ولقد أعطى مجلس الوزراء الهندي الضوء الأخضر للمضي قدما في خطط انضمام الهند إلى اتفاقية النقل متعددة الوسائط، والمعروفة إعلاميا باسم «اتفاقية اشغابات»، التي ستكون بمثابة ممر دولي لتسهيل نقل البضائع من مومباي في الهند عبر بندر عباس في إيران وإلى موسكو في روسيا. وتعتبر الهند هذا الطريق أقصر من الطريق الحالي الذي يمر عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط.
وتتطلع الهند أيضا إلى طريق آخر يمر عبر ميناء شاباهار الإيراني، الذي سيساعد في استكشاف خيارات أخرى لتنمية الربط مع دول أخرى مثل تركيا وأوروبا الشرقية. ومع ذلك، هناك حالات قليلة لتنمية الروابط بين الهند والمنطقة. حيث تملك القوات الجوية الهندية قاعدة فارخور الجوية، وهي قاعدة عسكرية جوية توجد بالقرب من مدينة فارخور في جمهورية طاجيكستان.
كما تستخدم الهند، وفي هدوء، قاعدة العيني الجوية في طاجيكستان، التي تضم سربا من المروحيات والطائرات المقاتلة، كما نقل الصحافي الهندي ساوراف جها، الذي يكتب في مجلة «السياسة العالمية».
وأخبر أحد المسؤولين الهنود، المكلفين بصورة مباشرة بجهود تجديد المطار في القاعدة الجوية، لمجلة «السياسة العالمية» بأن فرقة من القوات الجوية الهندية، تضم مروحيات مي17 الهندية وسربا من طائرات ميغ 29، قد انتشرت بالفعل في القاعدة الجوية تحت القيادة المشتركة للقوات الهندية والطاجيكية.
ولقد أنفقت الهند 70 مليون دولار، بما في ذلك تكاليف العتاد، من أجل تنفيذ عمليات التجديد الكاملة لتوسيع وتمهيد مدرج الإقلاع والهبوط في قاعدة العيني، وإنشاء برج مراقبة الحركة الجوية، والسياج المحيط بالقاعدة، وبناء 3 مخابئ تحت الأرض، مع التركيز، كما قال المسؤول الهندي، على دعم عمليات المقاتلات الجوية. ومع ذلك، أعلنت جمهورية طاجيكستان على نحو رسمي عن أن روسيا هي الدولة الوحيدة الاعتبار ذاته فيما يخص استخدام قاعدة العيني الجوية في المستقبل.
ولقد وقّعت الهند على صفقة جديدة مع كازاخستان لتأمين 5000 طن من إمدادات اليورانيوم خلال السنوات الأربع المقبلة. وتعد كازاخستان هي أكبر منتج في العالم لليورانيوم، وتضمن الصفقة الموقعة استمرار الإمدادات من الوقود إلى المفاعلات الهندية الـ21 العاملة. كما تستخدم الهند سياسة القوة الناعمة أيضا في التعامل مع تلك المنطقة. حيث تشتهر المنتجات الثقافية الهندية وعلى نطاق واسع بين شعوب هذه المنطقة. حيث يستمع الناس هناك إلى الموسيقى الهندية ويشاهدون الأفلام الهندية من إنتاج بوليوود. ومن الناحية الثقافية، تطور الهند الكنز الكبير الواسع من ماضي قيرغيزستان البوذي، والمتواجد في المواقع الأثرية في وادي تشو.
يقول بي. ستوبدان، وهو المبعوث الهندي إلى جمهورية قيرغيزستان: «للهند أربع مصالح رئيسية في جمهوريات آسيا الوسطى، وهي الأمن، والطاقة، والتجارة، والتعاون المشترك في مختلف المجالات. ولا يرغب مودي في مساعدة تلك البلدان على بناء أسس الديمقراطية، كما يرغب الجانب الأميركي، لكنه يهتم كثيرا بقضايا التجارة، كما أنه يدرك أن الأمن والاستقرار لا غنى عنهما أبدا بالنسبة للتجارة والتنمية».



الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية
TT

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

الشرطة الدنماركية تعتزم تفتيش سفينة حاويات إيرانية

قالت الشرطة الدنماركية، على موقعها الإلكتروني، اليوم الخميس، إنها بصدد تفتيش سفينة حاويات موجودة في مضيق كاتيجات بين الدنمارك والسويد كانت في طريقها إلى ميناء آرهوس.

ووفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، أكدت الشرطة لهيئة الإعلام الدنماركية «تي في 2» أن روسيا هي بلد منشأ السفينة، المعروفة باسم «نورا»، ولم يجرِ الكشف عن أسباب التفتيش.

ووفقاً لموقع «فيسل فايندر»، يبلغ طول السفينة «نورا» 227 متراً، وكانت آخِر مرة رست فيها في ميناء سانت بطرسبرغ.

وذكرت وكالة الأنباء الدنماركية «ريتزاو» أن السلطات الملاحية الدنماركية كانت قد احتجزت السفينة، في فبراير (شباط) الماضي، ومنذ ذلك الحين وهي ترسو في الجزء الشمالي من مضيق كاتيجات.

وذكرت أن السفينة «نورا» كانت ترفع عَلم جزر القمر، لكنها مسجلة في إيران.

وأفادت «ريتزاو» أيضاً، بناء على معلومات من وزارة الخزانة الأميركية، بأن السفينة «نورا» كانت مرتبطة بشركة «ريل شيبينج إل إل سي» وتخضع لعقوبات دولية.

وتردَّد أن الشركة يسيطر عليها محمد حسين شمخاني، الذي كان والده علي شمخاني مستشاراً رئيسياً للمرشد الأعلى الإيراني الراحل علي خامنئي.

ولقي كلاهما حتفهما في هجمات شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل في نهاية فبراير.


اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
TT

اتحاد للبحّارة: يحق لنا رفض الإبحار في مضيق هرمز

ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)
ناقلات نفط قبالة سواحل الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2026 (رويترز)

قال اتحاد رائد للبحارة ومجموعات في قطاع الشحن، الخميس، إن للبحارة الحق في رفض الإبحار على متن السفن التي تمر عبر الخليج، بما في ذلك مضيق هرمز، بعد ارتفاع التهديد في المنطقة إلى أعلى مستوى له.

ويوجد نحو 300 سفينة راسية على جانبَي المضيق في الوقت الذي تتصاعد فيه الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ضد إيران. ومنذ 28 فبراير (شباط)، تعرضت تسع سفن لأضرار، ولقي بحار واحد على الأقل مصرعه، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وكجزء من الترتيبات التي تم التوصل إليها، الخميس، بين البحارة وشركات الشحن التجاري، والمعروفة باسم «المنتدى الدولي للتفاوض»، يمكن للبحارة رفض الإبحار في المنطقة، مع إعادة ترحيلهم على نفقة الشركة وتعويضهم بمبلغ يعادل أجرهم الأساسي لمدة شهرين.

وذكر الاتحاد الدولي لعمال النقل في بيان أنه بالإضافة لما هو مقرر، سيحصل البحارة على أجر أعلى، وسيتم مضاعفة التعويض في حالة الوفاة أو العجز.

وقال ستيفن كوتون، الأمين العام للاتحاد الدولي لعمال النقل: «يضمن التصنيف الحالي أن البحارة على السفن المشمولة باتفاقيات (المنتدى الدولي للتفاوض) يتمتعون بحماية أساسية إذا كانوا يعملون في هذه المنطقة الخطرة».

وأضاف: «اضطرارنا لاتخاذ هذه التدابير في حد ذاته دليل قاطع على الوضع الذي يواجهه البحارة اليوم. لا ينبغي أن يتعرض أي عامل لخطر القتل أو التشويه لمجرد قيامه بعمله...».


انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
TT

انخفاض مخزونات الأسلحة... كيف يؤثر على مسار الحرب الإيرانية؟

نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)
نشر بطاريتين من صواريخ «باتريوت» في حقل بالقرب من عتليت على مشارف حيفا (أ.ف.ب)

في الحروب الحديثة، لا تُحسم المعارك بالاستراتيجيات العسكرية والقدرات القتالية وحدها، بل تلعب الموارد اللوجستية ومخزونات الأسلحة دوراً حاسماً في تحديد مسار الصراع ومدته؛ فكلما طال أمد المواجهة، أصبح السؤال حول قدرة الأطراف المتحاربة على الحفاظ على وتيرة العمليات العسكرية وتوفير الذخائر والمعدات مسألة محورية قد تؤثر بشكل مباشر في مآلات الحرب.

وفي هذا السياق، كشف الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن بلاده تمتلك «إمدادات غير محدودة تقريباً» من الأسلحة الرئيسية. في المقابل، تؤكد وزارة الدفاع الإيرانية أن لديها «القدرة على مقاومة العدو» لفترة أطول مما خططت له الولايات المتحدة.

ومع ذلك، فإن مخزونات الأسلحة والإمدادات لا يمكن أن تحسم نتيجة الصراع بمفردها؛ فالتاريخ الحديث يبيّن أن التفوق في العتاد لا يضمن بالضرورة تحقيق النصر، كما ظهر في الحرب بين روسيا وأوكرانيا؛ حيث تمتعت موسكو بتفوق واضح في العدد والعدة، ومع ذلك استمر الصراع لفترة طويلة دون حسم سريع. ومع هذا، تبقى الموارد العسكرية عاملاً مهماً في استدامة العمليات القتالية، وفقاً لتقرير لـ«هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)».

ومنذ بداية الحرب الإيرانية الحالية، كانت وتيرة العمليات العسكرية مرتفعة للغاية، ما يعني أن كلا الجانبين يستهلكان الأسلحة والذخائر بوتيرة أسرع من القدرة على إنتاجها.

ويقدّر «معهد دراسات الأمن القومي (INSS)»، في تل أبيب، أن الولايات المتحدة وإسرائيل نفذتا بالفعل أكثر من ألفي ضربة عسكرية، استخدمت في كل منها عدة أنواع من الذخائر.

في المقابل، يشير المعهد إلى أن إيران أطلقت 571 صاروخاً و1391 طائرة مسيّرة، وقد تم اعتراض العديد منها. وبالنسبة لكلا الطرفين، سيصبح الحفاظ على هذا المستوى المرتفع من العمليات القتالية أكثر صعوبة، كلما طال أمد الحرب، بحسب «بي بي سي».

آثار الصواريخ في سماء نتانيا الإسرائيلية تظهر وسط وابل جديد من الهجمات الصاروخية الإيرانية (أ.ف.ب)

الوضع الإيراني

يقول مسؤولون غربيون إنهم لاحظوا انخفاضاً في عدد الصواريخ التي تطلقها إيران؛ حيث تراجع المعدل من مئات الصواريخ في اليوم الأول للحرب إلى عشرات الصواريخ فقط في الوقت الحالي.

وقبل اندلاع الحرب، كان يُقدَّر أن إيران تمتلك مخزوناً يزيد على ألفي صاروخ باليستي قصير المدى. ومع ذلك، لا تنشر الجيوش عادة أرقاماً دقيقة حول عدد الأسلحة التي تمتلكها؛ إذ تُبقي هذه المعلومات سرية بهدف عدم كشف قدراتها الحقيقية للخصوم.

وفي هذا الإطار، صرّح القائد الأعلى للقوات الأميركية، الجنرال دان كين، أمس (الأربعاء)، بأن إطلاق إيران للصواريخ الباليستية انخفض بنسبة 86 في المائة مقارنة باليوم الأول للقتال يوم السبت. كما تقول «القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)» إن هناك انخفاضاً بنسبة 23 في المائة خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية فقط.

ويُعتقد أن إيران أنتجت عشرات الآلاف من طائراتها المسيّرة الهجومية أحادية الاتجاه «شاهد» بكميات كبيرة، قبل اندلاع الحرب. وقد صدّرت هذه التقنية إلى روسيا، التي تستخدم نسختها الخاصة من «شاهد» بفعالية مدمرة في أوكرانيا. وحتى الولايات المتحدة قامت بنسخ هذا التصميم.

طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق في السماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

غير أن كين قال إن عمليات إطلاق الطائرات المسيّرة الإيرانية انخفضت أيضاً بنسبة 73 في المائة، منذ اليوم الأول للصراع، ما يشير إلى أن إيران قد تواجه صعوبة في الحفاظ على وتيرة عمليات مرتفعة لفترة طويلة.

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد احتمال أن يكون هذا التراجع الحاد محاولة متعمدة للحفاظ على المخزونات العسكرية. لكن استمرار الإنتاج سيصبح أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

وفي الوقت الراهن، تتمتع الطائرات الأميركية والإسرائيلية بتفوق جوي واضح فوق إيران.

وتقول القيادة المركزية الأميركية إن المرحلة التالية من الحرب تركز على ملاحقة منصات إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، إضافة إلى استهداف مخزونات الأسلحة وتدمير المصانع التي تُنتجها.

ورغم أن التفوق الجوي قد يسهل على الولايات المتحدة وإسرائيل إضعاف القدرة القتالية الإيرانية، فإن تدمير جميع مخزونات أسلحتها سيظل مهمة صعبة للغاية، بحسب تقرير «بي بي سي».

أنظمة الدفاع الجوي تعترض طائرة مسيرة بالقرب من القنصلية الأميركية ومطار أربيل الدولي (إ.ب.أ)

الولايات المتحدة... والجيش الأقوى

لا تزال الولايات المتحدة تمتلك أقوى جيش في العالم؛ إذ يفوق مخزونها من الأسلحة التقليدية مخزون أي دولة أخرى.

ومع ذلك، يعتمد الجيش الأميركي بدرجة كبيرة على الأسلحة الدقيقة التوجيه باهظة الثمن، التي تُنتج عادة بكميات محدودة. وتشير التقارير إلى أن ترمب دعا إلى اجتماع مع شركات المقاولات الدفاعية في وقت لاحق من هذا الأسبوع للضغط عليها من أجل تسريع الإنتاج، وهو ما قد يشير إلى أن موارد الولايات المتحدة نفسها قد تتعرض لضغوط إذا استمر الصراع لفترة طويلة.

وقد خفّ بعض هذا الضغط مؤخراً، بعد أن باتت أميركا تتمتع بحرية نسبية في تنفيذ ضربات قريبة المدى.

طائرة مقاتلة تستعد للهبوط في قاعدة جوية تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني بعد تعرضها لهجوم بطائرة مسيرة بالقرب من ليماسول بقبرص (أ.ب)

وأوضح كين أن واشنطن تخلّت بالفعل عن استخدام «الأسلحة بعيدة المدى» في هذه المرحلة من العمليات، وهي أسلحة أكثر تكلفة وتطوراً، مثل صواريخ «توماهوك كروز».

وبدلاً من ذلك، يستخدم سلاح الجو الأميركي الآن أسلحة «بديلة» أقل تكلفة، مثل قنابل JDAM التي يمكن إسقاطها مباشرة فوق الهدف.

ويقول مارك كانسيان، العقيد السابق في مشاة البحرية الأميركية، الذي يعمل في «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)» في واشنطن، إنه بعد الهجوم الأولي من مسافة بعيدة «يمكن للولايات المتحدة الآن استخدام صواريخ وقنابل أقل تكلفة».

ويضيف أن واشنطن قادرة على مواصلة هذا المستوى من القتال «إلى أَجَل غير مسمى تقريباً». ومع ذلك، فكلما طالت الحرب تقلّصت قائمة الأهداف العسكرية المحتملة، وهو ما يؤدي عادة إلى تباطؤ تدريجي في وتيرة العمليات.

وتشكل الضربات العسكرية التي تعرضت لها إيران من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل تطوراً لافتاً ومؤثراً، ليس على واقع طهران فحسب، بل قد تنعكس تداعياتها على أكثر من صعيد في المنطقة.

ومنذ أيام، نفذت الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل سلسلة ضربات قوية أدَّت إلى مقتل قادة بارزين في إيران، بينهم المرشد الأعلى علي خامنئي. وفي المقابل، أطلقت إيران سلسلة صواريخ ومسيَّرات باتجاه إسرائيل، لكن العديد منها طالت عدة دول عربية، وتسببت في حرائق وخلقت ضحايا وسط موجة إدانات ضد النظام الإيراني.