أعربت الهند، من خلال استضافتها مؤخرا ألمازبيك أتامباييف، رئيس جمهورية قيرغيزستان، وإمام علي رحمن، رئيس جمهورية طاجيكستان، عن نواياها الصريحة بشأن توطيد علاقاتها بدول آسيا الوسطى. التحول في علاقات الهند بآسيا الوسطى جاء مع انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1992، وهناك الكثير من التفسيرات التي توضح هذا التوجه، ومن أبرزها أن الهند كانت متفاعلة وبشكل كبير مع أقرب جيرانها إليها، ولا سيما باكستان، خصوصا فيما يتعلق بقضية إقليم كشمير الشهيرة. ثانيا، أن الهند الآن تعمل بمفردها في النظام الدولي، حيث فقدت الدعم والتأييد من القوة العظمى السابقة، أي الاتحاد السوفياتي، الذي شهد التفكك والاضمحلال في أعقاب الحرب المدعومة من الولايات المتحدة الأميركية في أفغانستان.
وعلى الرغم من ذلك، استيقظت الهند في وقت متأخر لتدرك التغيرات السريعة في الحقائق الجيو - سياسية والجيو - اقتصادية الجارية في وسط آسيا. وكان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي هو أول من زار دول هذه منطقة (أوزبكستان، وكازاخستان، وتركمانستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان) أثناء رحلة واحدة خلال العام الأول من توليه لمهام منصبه.
يقول الخبير الاستراتيجي كيه. سوبرامانيان، المتخصص في شؤون المنطقة: «حازت آسيا الوسطى أهمية كبيرة، ليس فقط من واقع أنها جار ممتد مع روابط حضارية قديمة، ولكن بسبب المميزات الاقتصادية، والأمنية، والنفطية الهائلة. وحيث إن المنطقة غنية بشكل كبير فيما يخص السلع الأساسية، مثل القطن، والذهب، والنحاس، والألمونيوم، والحديد، ومع الأهمية المتزايدة لموارد النفط والغاز الطبيعي في المنطقة قد ولدت منافسات جديدة بين مختلف القوى الخارجية. سرعان ما طوقت دول آسيا الوسطى بمبادرة (حزام واحد وطريق واحد) الصينية. ولا يمكن للهند غض الطرف عن آسيا الوسطى إن كان لها طموح حقيقي في المحافظة على وضعية القوة الصاعدة في النظام الدولي».
من الحوافز الأخرى لإلقاء نظرة متفحصة على منطقة آسيا الوسطى، هي أن الهند بدأت تفقد ميزة «الجوار العاجل» لصالح الصين، التي طورت من العلاقات السياسية والاقتصادية الجيدة مع ما يقرب من دول الجوار للهند كافة، ومن ثم التحول إلى وضعية التطويق الاستراتيجي ضد الهند.
يقول مارتاند جها، الباحث البارز في مركز دراسات روسيا وآسيا الوسطى التابع لجامعة جواهر لال نهرو بمدينة دلهي: «حققت الصين اختراقات عميقة في قلب جمهوريات آسيا الوسطى من حيث الاستثمارات مع المنطقة، عندما قام الرئيس الصيني شي جين ببينغ في رحلة حول دول آسيا الوسطى قبل عامين من الآن، كانوا يرحبون به مثل الملوك الفاتحين الحاملين للهدايا والعطايا والمنح. وشرعت الصين في شراء احتياطيات النفط والغاز الطبيعي، وإبرام الصفقات العسكرية، والدخول في مشروعات البنية التحتية. هذه السياسة نظر إليها من زاوية البديل عن مبادرة طريق الحرير الصينية الأولى ومبادرة حزام واحد وطريق واحد الثانية».
تشير بعض التقديرات إلى أن الصين تملك ما يقرب من ثلث احتياطات النفط والغاز الطبيعي في تلك المنطقة. ومن دون شك، وأغلب مشروعات البنية التحتية لخطوط الأنابيب قد استكملت لتغذية الصين بالنفط والغاز القادم من الشرق ليصب في الصين. وأحبطت بكين، وبنجاح، محاولات نيودلهي لاتخاذ موطئ قدم في مجال الطاقة في منطقة آسيا الوسطى من خلال الاستحواذ على حصة ضخمة في مشروع كاشاغان النفطي العملاق في بحر قزوين عام 2013. وعلى الرغم من أن جمهورية كازاخستان قد بعثت بإشارات مسبقة لموافقتها على بيع ما قيمته 5 مليارات دولار لصالح قسم المشروعات الدولية في شركة النفط والغاز الطبيعي الهندية.
وعلى سبيل المقارنة، كانت الخطوات الهندية بطيئة في بناء الشراكات هناك. وأحد المشروعات الذي تعمل فيه الهند بالفعل في هذه المنطقة هو خط أنابيب (تابي) للغاز الطبيعي، وهو من المشروعات الطموحة التي ستضخ الغاز الطبيعي من تركمنستان إلى الهند ويمر عبر أفغانستان وباكستان.
ومن الناحية العملية، تجاوزت الصين الهند كثيرا في تلك المنطقة، من حيث استثمار ملايين الدولارات في بناء شبكات الطرق والسكك الحديدية؛ لأنها تشترك في الحدود مع ثلاث من الدول هناك (طاجيكستان، وقيرغيزستان، وكازاخستان). إلى جانب ذلك، توفر الصين أيضا المئات من المنح الدراسية للطلاب من هذه البلدان، في حين أن الهند لا توفر هذه المنح إلا لعدد قليل من طلاب هذه المنطقة.
على الرغم من أن بلدان آسيا الوسطى تعد من دول الجوار للهند، لكن نقص الاتصال المباشر ما بينهما عبر الأرض أو البحر يعتبر ليس لصالحها. ويرى الكثير من المراقبين أنه لهذا السبب، لا تزال مشروعات مهمة كمشروع خط أنابيب (تابي: تركمانستان، أفغانستان، باكستان، والهند) للغاز الطبيعي في طي النسيان. وحتى اليوم لم تصل ولا قطرة واحدة من النفط من آسيا الوسطى إلى الهند. وعن ذلك يقول إم. رياض، الخبير البارز في شؤون آسيا الوسطى لدى أكاديمية الدراسات الدولية الملحقة بالجامعة الملية الإسلامية: إن «قضية الربط بين الإقليمين هي ذات أهمية قصوى. فحتى تصل الهند إلى آسيا الوسطى، فإن أقصر الطرق تمر عبر باكستان وأفغانستان. وحيث إن العداء واضح وجلي بين الهند وباكستان، ونظرا لتعاون الأخيرة مع الصين ضد الهند، فإن الربط البري مع آسيا الوسطى لا يزال من الإشكاليات الحقيقية». نتيجة لذلك؛ فإن حجم التجارة الهندية مع بلدان آسيا الوسطى لا يتجاوز 1.5 مليار دولار فقط.
وعلى الرغم من القيود المتعلقة بالربط الإقليمي، تسعى الهند سعيا حثيثا للاستثمار في المنطقة في مجال تكنولوجيا المعلومات وقطاع التعليم. وحيث إن الهند تملك قطاعا كبيرا ومؤثرا في تكنولوجيا المعلومات، وعمال مهنيين وماهرين ومؤهلين وموهوبين، فإنها تسعى لاستخدام قوتها في هذا المجال لإنشاء الشبكة الإلكترونية لآسيا الوسطى التي تربط الدول الخمسة كلها مع الشبكة الهندية لتوفير خدمات التعليم والعلاج عن بعد. وهناك إمكانات ضخمة لقطاع تكنولوجيا المعلومات الهندي ويمكنه العمل جسرا للتواصل لتقريب بلدان المنطقة بعضها ببعض.
سلطت سياسة التجارة الخارجية الهندية لعام 2015 - 2020 الضوء على أهمية ممر النقل الشمالي الجنوبي الدولي الذي من شأنه أن يكون من المشروعات الحيوية التي تربط الهند مع بلدان آسيا الوسطى. ولقد أعطى مجلس الوزراء الهندي الضوء الأخضر للمضي قدما في خطط انضمام الهند إلى اتفاقية النقل متعددة الوسائط، والمعروفة إعلاميا باسم «اتفاقية اشغابات»، التي ستكون بمثابة ممر دولي لتسهيل نقل البضائع من مومباي في الهند عبر بندر عباس في إيران وإلى موسكو في روسيا. وتعتبر الهند هذا الطريق أقصر من الطريق الحالي الذي يمر عبر قناة السويس والبحر الأبيض المتوسط.
وتتطلع الهند أيضا إلى طريق آخر يمر عبر ميناء شاباهار الإيراني، الذي سيساعد في استكشاف خيارات أخرى لتنمية الربط مع دول أخرى مثل تركيا وأوروبا الشرقية. ومع ذلك، هناك حالات قليلة لتنمية الروابط بين الهند والمنطقة. حيث تملك القوات الجوية الهندية قاعدة فارخور الجوية، وهي قاعدة عسكرية جوية توجد بالقرب من مدينة فارخور في جمهورية طاجيكستان.
كما تستخدم الهند، وفي هدوء، قاعدة العيني الجوية في طاجيكستان، التي تضم سربا من المروحيات والطائرات المقاتلة، كما نقل الصحافي الهندي ساوراف جها، الذي يكتب في مجلة «السياسة العالمية».
وأخبر أحد المسؤولين الهنود، المكلفين بصورة مباشرة بجهود تجديد المطار في القاعدة الجوية، لمجلة «السياسة العالمية» بأن فرقة من القوات الجوية الهندية، تضم مروحيات مي17 الهندية وسربا من طائرات ميغ 29، قد انتشرت بالفعل في القاعدة الجوية تحت القيادة المشتركة للقوات الهندية والطاجيكية.
ولقد أنفقت الهند 70 مليون دولار، بما في ذلك تكاليف العتاد، من أجل تنفيذ عمليات التجديد الكاملة لتوسيع وتمهيد مدرج الإقلاع والهبوط في قاعدة العيني، وإنشاء برج مراقبة الحركة الجوية، والسياج المحيط بالقاعدة، وبناء 3 مخابئ تحت الأرض، مع التركيز، كما قال المسؤول الهندي، على دعم عمليات المقاتلات الجوية. ومع ذلك، أعلنت جمهورية طاجيكستان على نحو رسمي عن أن روسيا هي الدولة الوحيدة الاعتبار ذاته فيما يخص استخدام قاعدة العيني الجوية في المستقبل.
ولقد وقّعت الهند على صفقة جديدة مع كازاخستان لتأمين 5000 طن من إمدادات اليورانيوم خلال السنوات الأربع المقبلة. وتعد كازاخستان هي أكبر منتج في العالم لليورانيوم، وتضمن الصفقة الموقعة استمرار الإمدادات من الوقود إلى المفاعلات الهندية الـ21 العاملة. كما تستخدم الهند سياسة القوة الناعمة أيضا في التعامل مع تلك المنطقة. حيث تشتهر المنتجات الثقافية الهندية وعلى نطاق واسع بين شعوب هذه المنطقة. حيث يستمع الناس هناك إلى الموسيقى الهندية ويشاهدون الأفلام الهندية من إنتاج بوليوود. ومن الناحية الثقافية، تطور الهند الكنز الكبير الواسع من ماضي قيرغيزستان البوذي، والمتواجد في المواقع الأثرية في وادي تشو.
يقول بي. ستوبدان، وهو المبعوث الهندي إلى جمهورية قيرغيزستان: «للهند أربع مصالح رئيسية في جمهوريات آسيا الوسطى، وهي الأمن، والطاقة، والتجارة، والتعاون المشترك في مختلف المجالات. ولا يرغب مودي في مساعدة تلك البلدان على بناء أسس الديمقراطية، كما يرغب الجانب الأميركي، لكنه يهتم كثيرا بقضايا التجارة، كما أنه يدرك أن الأمن والاستقرار لا غنى عنهما أبدا بالنسبة للتجارة والتنمية».
الطموحات الهندية تمتد لآسيا الوسطى
لكن منافستها الصين تسير بخطوات حثيثة بمبادرة «حزام واحد وطريق واحد»
الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي (إ.ب.أ)
الطموحات الهندية تمتد لآسيا الوسطى
الرئيس الهندي برناب موخارجي (الثاني من اليسار) مع نظيره ألمازبيك أتامباييف رئيس جمهورية قيرغيزستان (الثاني من اليمين) ورئيس وزراء الهند ناريندرا مودي (يسار) وزوجة رئيس قيرغيزستان رئيسة إتمباييفا في نيودلهي الشهر الماضي (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
