زيغمونت باومان: من «الحداثة الصلبة» إلى الحداثة «السائلة»

تلمّس موضوعات العصر بعين فاحصة وناقدة تشهد عليها تجربته السياسية والفلسفية

زيغمونت - باومان
زيغمونت - باومان
TT

زيغمونت باومان: من «الحداثة الصلبة» إلى الحداثة «السائلة»

زيغمونت - باومان
زيغمونت - باومان

زيغمونت باومان، سوسيولوجي وفيلسوف بولندي. ولد في بوزنان سنة 1925، لأبوين يهوديين اضطرا لمغادرة بولندا بعد الغزو النازي سنة 1939 في اتجاه الاتحاد السوفياتي. واختارا سنة 1953 التوجه إلى إسرائيل. غير أن ذلك لم يَرُق للسوسيولوجي المعادي للصهيونية. ففي مقابلة له عام 2011 مع مجلة «بوليتكا» البولندية، انتقد باومان إسرائيل بقوله إنها لم تكن مهتمة إطلاقا بالسلام، بل كانت تستخدم الهولوكوست كعذر لشرعنة أفعالها المتوحشة، مشبها الجدار الفاصل الذي أقامته في الضفة الغربية، بالجدران التي وضعتها النازية في وارسو (الغيتو)، عندما قتل آلاف اليهود في الهولوكوست.
سبق لزيغمونت أن اشتغل في المخابرات العسكرية البولندية كمدرس في العلوم السياسية. وخلال تلك الفترة (1939 – 1953)، درس السوسيولوجيا في أكاديمية وارسو، على يد كبار السوسيولوجيين البولنديين، أمثال ستينسلو أوسوسكي وجوليان هوتشفيلد. غير أنه سيغادر قسم السوسيولوجيا نحو قسم الفلسفة، بسبب حظر علم الاجتماع في بولندا، لأنه «علم اجتماع بورجوازي». وفي عام 1954، أصبح محاضرا في جامعة وارسو، حيث استقر بها إلى عام 1968، خلال وجوده في قسم الاقتصاد في جامعة لندن. وشغل منذ 1971 كرسي الأستاذية في قسم علم الاجتماع في جامعة ليدز، حيث أصبح، فيما بعد، رئيسا للقسم. ومنذ ذلك الوقت، كانت كتب باومان تنشر باللغة الإنجليزية على وجه الحصر، إلى أن عد منذ العقد التاسع من القرن الماضي، أحد أبرز أوجه حركة مناهضة العولمة النيوليبرالية.
نشر بومان ما يقارب السبعة والخمسين كتابا، ونحو مائة مقال. ونالت أعماله كثيرًا من الجوائز العالمية، من بينها جائزة أميرة استورياس في إسبانيا عام 2010. وهي أعمال تشمل مجالات مختلفة مثل: العولمة، والحداثة، وما بعد الحداثة، والاستهلاك، والنظام الأخلاقي، والبيروقراطية، والعقلانية، والإقصاء الاجتماعي، ومن أهمها: دراسة عن «الحركة الاشتراكية البريطانية» (كتابه الأول الذي نشر بالبولندية سنة 1959 وتم تنقيحه وترجمته إلى الإنجليزية سنة 1972)، «حياة بلا روابط» (2005)، «ثراء الأقلية» (2014). ومن كتبه المترجمة إلى العربية، نجد: «الحداثة السائلة»la modernité liquide (الشبكة العربية للأبحاث والنشر 2016)، «الحداثة والهولوكوست» (مدارات، 2014)، «الحب السائل: حول هشاشة العلاقات بين الناس» (الشبكة العربية 2016)، «الحرية» (مدبولي 2012)، «الأخلاق في عصر الحداثة السائلة» (مشروع كلمة 2016). ويمكن تفسير هذا الاهتمام العربي المتأخر بفكر ونصوص ريغمونت، بالحاجة إلى تفكير نقدي يواكب مستجدات العصر والإشكالات التي يطرحها مجتمع الاستهلاك اليوم، بالنظر إلى حدة أطروحته التي يمزج فيها بين مجالات عدة: السوسيولوجيا، الفلسفة، الأدب، الاقتصاد، السياسة.
مر تفكير زيغمونت في مساره الفكري والفلسفي، بأربع مراحل لا تنقطع فيها الواحدة عن الأخرى، بل يمكن النظر إليها كوحدة ناظمة لمجموع أطروحته النقدية، نجملها فيما يلي:
المرحلة الأولى «مرحلة بولندا»، وهي التي كتب فيها كثيرًا من النصوص باللغة البولندية: امتدت إلى ما يقارب العقد من الزمن (1957 - 1968)، حيث تأثرت أعماله بالماركسية الأرثوذوكسية، التي سيتمرد عليها بعد نفيه من بلده الأصلي إلى بريطانيا، بسبب نقده للمجتمع الشيوعي البولوني وللاتحاد السوفياتي.
المرحلة الثانية: (1971 – 1982)، حين درس علم الاجتماع النقدي متأثرًا بجورج سيمل وأنطونيو غرامشي. وفيها اكتشف عوالم الفرد والمجتمع والتنظيمات الاجتماعية، وبلور رؤية المجتمع الصلب الذي ينطبق على طور الرأسمالية الإنتاجية، القائمة على الصناعة والتجارة والتبادل واستغلال الموارد الطبيعية والمواد الأولية.
المرحلة الثالثة: (1987 - 1991)، التي تميزت بنقده الجذري للحداثة، بما هي السبب في كثير من المآسي التي عاشتها البشرية طوال القرن العشرين، حيث تنامى العنف في أشكاله الفظيعة. فأبشع «الجرائم في تاريخ الإنسان لم ينشأ من خرق النظام، بل عن اتباعه بشدة وبلا أخطاء. فلم تكن الهولوكست جريمة ارتكبتها مجموعة من الغوغاء، بل نفذتها مجموعة محترمة ومنظمة ترتدي زيا رسميا، وتتبع القانون، وتتحرى الدقة في تعليماتها» («الحداثة والهولوكوست» ص245). وهو في هذا، يتفق مع حنة آرنت في وصفها للشر السياسي التافه الذي طبع تاريخ الفاشية الألمانية، حيث تنسب المسؤولية للنظام القمعي الذي ارتكب الجرائم، وليس لإيخمان الذي حوكم سنة 1963 بتهمة المسؤول عن جرائم الحرب. كما تميزت هذه المرحلة بأفول دور المثقف. ففي حواره (فبراير/ شباط 2008) مع كاترين بورتفين (ترجمه إلى الفرنسية جيريم دافيس ولورينا جاليوت): «مثلت الثمانينات نهاية مرحلة تاريخية مهمة كان فيها دور المثقفين حاسما، إذ انتهى حلم كبير أسس له فلاسفة الأنوار كحلم يعد بمجتمع مثالي ويضمن السعادة للبشر، مجتمع يحكمه العقل البشري بفضل الإبداع والعمل البشريين. أفلت فكرة المجتمع المثالي تلك مع نهاية الألفية الثانية، حين وضع حد لها عنوة. وهذا ما يسميه بنهاية اليوتوبيات أو الآيديولوجيات المرتبطة بنهاية الدولة - الأمة. ويتجسد ذلك، في نظره، في التناقض الحاصل بين مجال السياسة ومجال السلطة. ففي العالم المعاصر، بعد انهيار الدولة - الأمة، تتجه السلطة نحو الأعلى، نحو عالم ما بعد الدولة - الأمة (المعولم)، في حين تنحدر السياسة نحو الأسفل (المجال الوطني) وتظل حبيسة الدول المحلية - الوطنية. وبهذا لم يعد المثقف قادرا على التأثير في السياسيين المحليين لأنه يدرك أن السلطة والقوة ليستا بيده بل تتجاوزانه.
المرحلة الرابعة: (1992 إلى اليوم)، حيث اشتهر على نطاق واسع بنقده لما بعد الحداثة، كمرحلة عممت فيها ثقافة الاستهلاك والحرية الفردية، وفيها أطلق (سنة 1998) مفهوم المجتمع السائل (مجتمع الاستهلاك والحرية الفردية) لتعويض المجتمع ما بعد الحداثي. ففي المجتمع السائل، كمجتمع استهلاكي يمثل نموذج الاقتصاد النيوليبرالي، الذي يسم الحقبة الراهنة من تطور الرأسمالية العالمية، يندمج الفرد بفضل استهلاكه وقدرته على إشباع رغباته في السوق. وقد ترجمت أعماله في هذه المرحلة إلى لغات عالمية عدة.
يصعب اختصار كل أفكار هذا الفيلسوف النقدي في هذا المقال، بالنظر إلى كثافتها وصعوبة التوليف بينها من دون تخصيصها مدخلاً تفصيليًا لجميع رؤاه، حول العنف والهوية والديمقراطية والسياسة والعولمة. في تحديده للفرق بين الحداثة الصلبة والحداثة السائلة، يقول: «لم أنظر الآن، ولا أنظر الآن، إلى الصلابة والسيولة باعتبارهما ثنائية متعارضة، بل أنظر إليهما على أنهما حالتان متلازمتان تحكمهما رابطة جدلية. إن البحث عن صلابة الأشياء والحالات هو ما دفع إلى إذابتها، وأبقى على استمرارية الإذابة، ووجه مسارها. فلم تكن السيولة خصما معاديا، بل أثر من آثار البحث عن الصلابة، ولم يكن لها أبٌ سواه، حتى عندما أنكر ذلك الأب أنها ابنته الشرعية» (الحداثة السائلة، ص 27). فالجدل يقضي بكون حالات لم تعرف من قبل حداثة صلبة، لكنها الآن في صلب الحداثة السيالة، ويتوجب عليها أن تتقن المشي على رمال متحركة. لأن ما يجري في عالم اليوم، لا تحكمه لا اتفاقية وارسو (حول حق الأقليات في تقرير المصير) ولا اتفاقية ويستفاليا حول الدولة - الأمة (الوطنية)، لجهة أن الحدود السيادية لم تعد كما كانت، أي أن العلبة السوداء للسيادة الوطنية، بتعبير سيلا بنحبيب، يتوجب فتحها. فالمهاجرون يتدفقون من كل حدب وصوب، كما تتدفق الأموال والسلع والمعلومات. لقد صار كل شيء معولما حتى ما نعتقد أنه حبيس حميميتنا الخاصة. لهذا «نستطيع أن نسمى ما نذهب إليه، في اللحظة الحالية، بأنه أزمة الديمقراطية، انكماش الثقة. نعتقد أن قياداتنا ليس فقط غبية وفاسدة، لكنها أيضا حمقاء. الفعل يستلزم القوة لتتمكن من اتخاذ القرارات. وبالطبع، نحتاج السياسة، التي تعطيك القدرة لتقرر ما تحتاجه». ومن كان عليهم أن يمارسوا السياسة توجهوا إلى وسائل التواصل الاجتماعي، الذي يعتبره باومان «مجرد فخ»، بحيث نعتقد أننا ننتمي إليه، لأنه يمنحنا السلطة في حذف هذا أو ذاك من قائمة الأصدقاء، أو السلطة في إضافة هذا أو ذاك. في حين أن الصداقة أبعد ما تكون، وأن تختزل في «وخز الفأرة». الصداقة لقاء والتقاء، شعور وتعبير، تبادل وتفاعل وانفعال، لأن هناك «قيمتين لطالما كان صعبًا التوفيق بينهما؛ الأمن والحرية. فإذا كنت تريد الأمن، فعليك أن تتنازل بقدر معين من الحرية. وإذا كنت تريد الحرية، فعليك أن تتنازل بقدر معين من الأمن. هذه المعضلة ستستمر إلى الأبد». فالصراع الدائر الآن، يتمحور حول علاقة الفرد بالمجتمع، ولم يعد يتعلق الأمر بنقص الأمن، بل بنقص الحرية. فالأمن توفره كل العدسات المحيطة بك من كل الجهات، وأحيانًا من حيث لا تعلم. وهذا ما يضفي على سؤال الهوية بعدا جديدا: «سؤال الهوية تبدل، من شيء تولد به إلى مهمة، والمهمة تكمن في أنه يتوجب عليك صنع مجتمعك الخاص»، مجتمع تنتمي إليه لا أن ينتمي إليك، كما هو حال مواقع التواصل الاجتماعي. فأية علاقة تربط بين المجتمع والفرد ومواقع التواصل الاجتماعي؟ الفرد جزء من المجتمع، ولا يستطيع الفكاك منه ولا تعويضه بشبكات التواصل الاجتماعي أو عالم التقنية (العبودية الرقمية)، في حين أن الشبكات الاجتماعية هي جزءٌ من الفرد وتنتمي إليه.
تكمن إذن راهنية فكر وفلسفة ريغمونت باومان في تلمسه لموضوعات العصر بعين فاحصة وناقدة، تشهد عليها تجربته السياسية والفلسفية، بحيث لم يستطع الاتحاد السوفياتي ولا الشيوعية البولونية، ولا كبر سنه من مواصلة نقده للحاضر لاستشراف المستقبل المشرق.

* كتب المقال قبل رحيل الفيلسوف باومان



«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز
TT

«حرب زائفة »... البحث عن وطن في عالم ظالم

كارلوس مانويل ألفاريز
كارلوس مانويل ألفاريز

لاحظ الناقد الأميركي ذو الأصل الفلسطيني إدوارد سعيد يوماً ما أن «تناول الكثير من حياة المنفى يتم بالتعويض عن خسارة محيّرة من خلال إقامة عالم جديد يفرض سيطرته». وأعتقد أن هذا ربما يفسر الحقيقة المثيرة للفضول بأن كثيراً من المغتربين يلعبون الشطرنج أو يؤلفون روايات. وذلك كتب إدوارد سعيد أن المنفي أو المغترب يصل إلى عالم جديد «غير طبيعي» ويكتشف أن «عدم واقعيته تشبه القصة الروائية المتخيلة».

ربما يكون لاعب الشطرنج أو الروائي من بين مغتربين ومنفيين كثيرين موجودين رواية «حرب زائفة»، وهي الرواية الثانية التي تشبه الحلم للكاتب الكوبي كارلوس مانويل ألفاريز، الذي دارت روايته الأولى «ذا فولين» (الساقطون)، التي تُرجمت إلى الإنجليزية عام 2020، حول حياة شخص كوبي مهاجر منقسم بين جيل قديم ذي شخصيات مثالية ثورية وجيل شاب أيقظه الفقر والقهر من ضلالات الأوهام. روايته «حرب زائفة» تدور في أماكن أخرى، وهي ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا الجزيرة. ويُعتقد أن نحو مليوني كوبي قد هاجروا منذ 2021، وهو عدد يقارب ثمانية أمثال من هاجروا خلال السنوات الأربع التي أعقبت الثورة.

وإذا كان يُقال إن حياة المنفى والاغتراب محيرة ومشتتة ومتفككة، فيبدو أن ألفاريز قد قرر تصوير تلك التجربة للقارئ بشكل قريب من الواقع. يوجد في الرواية عشرات الشخصيات، الكثير منها إما بلا اسم أو يحملون أسماء مختلفة في لحظات مختلفة. وتُروى قصصهم في أجزاء متفرقة مختلطة مضطربة تتنقل بسرعة بين الماضي والحاضر والحلم والواقع.

من الأمثلة على ذلك، هناك حلاق غادر كوبا على متن قارب في نهاية السبعينات، واستقر به المُقام في مدينة هياليه بولاية فلوريدا، حيث شهد مرض الإيدز يهلك ويفني الناس. وهناك أيضاً شخصية لاعب شطرنج اُعتقل في غوانتانامو يقضي أيامه في لعب مباريات مع الحراس، وثمة رجل هناك أتى إلى ميامي بعد وفاة خطيبته في زلزال في مكسيكو سيتي، وهو يؤلف رواية متعددة المستويات بشكل معقد يأمل أن يصف فيها «مهجر بلا حنين».

لقد قرأت رواية «حرب زائفة» مرتين حتى الآن، وأعترف أنني ما زلت غير قادر على استيعاب كل الشخصيات جيداً. مع ذلك من الأمور الممتعة في أي رواية هي كيف تحولك، وتحدث ضبابية في حدود الأشياء، وتتحايل على ذاكرتك وتخدعها. ومن الأمور الأخرى الممتعة أيضاً الأسلوب السردي الراقي الرشيق المكثف. لا يمكن مقارنتها إلا بقصيدة لجون آشبيري: «في الخارج تتحرك سيارة أجرة باللون الأخضر الداكن بشكل متعرج وفجأة تنقلب في وسط الشارع. وعلى ملاءة سريره البيضاء، وهو بين اليقظة والمنام، لا يمكن أن نصف فريدي أولموس بالقبيح ولا الجميل. في حلمه كان مجموعة من أشخاص يعرفهم يرسمون علامة الصليب في الهواء ويقفزون في الماء». يختبر أولئك المغتربون الحياة كشيء عشوائي لا شكل له، ولقد تعلموا التعامل مع كل شعور بالحميمية على أنه شعور عابر سريع الزوال. جاء على لسان إحدى الشخصيات وهي تتأمل: «راودني شعور بأننا رُسمنا على ورقة وتم إضرام النار في حافة تلك الورقة»، وهو وصف ملائم لما تبدو عليه تجربة قراءة هذه الرواية.

مع ذلك، أكثر ما يدهشني، وللغرابة، هو المزاج العام للرواية.

رواية «حرب زائفة» تدور في ميامي ونيويورك ومكسيكو سيتي وبرلين، وتتبع المسارات المتفرقة لمن غادروا جزيرة كوبا

لقد منحتنا العولمة نوعين من روايات الهجرة على الأقل، نوع عن الشتات، هو يكون عرضة أحياناً إلى شعور بالاشتياق يحمل طابع الورع، والنوع الآخر عن مغتربين من الغرب ينتمون إلى طبقة المهنيين المتخصصين المبتلين باغتراب وضياع عالمي مضجر. وتحمل رواية «حرب زائفة»، في نسختها التي ترجمتها ناتاشا ويمر، عناصر من النوعين، لكن مع مزاج خاص بها يتسم بالمرح والمزاح والوقاحة والتهكم والغضب.

وسبب الغضب فيها راجع إلى «وابل سوء الحظ الذي يمطر باستمرار على رؤوس أهل كوبا الذين لا حول لهم ولا قوة»، حياة المهاجرين المحفوفة بالمخاطر في أميركا، حيث لا يهم مدى كدحك في العمل، ففي النهاية سيحدث «شيء ما» فقد يصدمك أحدهم على طريق بالميتو السريع، أو تجد خصم مبلغ مالي بلا سبب مفهوم على بطاقتك، أو يرتفع سعر الوقود، أو يحمل الرئيس الجديد في نفسه ضغينة تجاهك وينوي إيذائك. لقد كتب ألفاريز رواية تتناول البحث عن بيت في عالم تحكمه القوة. وهذا هو آخر ما لديه ليقوله: «إنك لا تنتمي إلى مكان حتى تشعر نحوه بالازدراء».

* تشارلي لي محرر مراجعات نقدية

في مجلة «هاربرز ماغازين» ويكتب أيضاً لـ«ذا هاربرز إنديكس»

* خدمة «نيويورك تايمز»

 


مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
TT

مصارعة جماعية في جدارية أموية مبتكرة

مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن
مصارعة جماعية في لوحة من جداريات قصير عمرة الأموي في بيداء الأردن

زاول العرب مختلف أنواع ألعاب القوى، كما زاولوا المصارعة بأشكال متعدّدة، ورفعوا شأنها، وعُرفت هذه الرياضة بأسماء عدة، منها «المراوغة»، كما جاء في «تاج العروس»، وبات لكل حركة من الحركات التي تتميّز بها تعبير خاص به، ومنها الظُّهَارِيَّة والشَّغْزَبِيَّة، أي رمي الخصم أرضاً على الظهر، وشدّه إلى الخلف، كما جاء في «لسان العرب». تجد هذه الرياضة ترجمتها التشكيلية في لوحة كبيرة تشكّل جزءاً من جداريات قصير عمرة الأموي في بادية الأردن، وتبدو هذه اللوحة فريدة من نوعها من حيث التأليف؛ إذ لا نجد ما يماثلها فيما وصلنا من شواهد الفنون الأموية التصويرية بفروعها المتعدّدة.

ينفتح قصير عمرة على قاعة كبيرة مكونة من ثلاثة إيوانات متوازية، ونقع على اللوحة الخاصة بالمبارزة الرياضية في الإيوان الغربي، حيث تحلّ على الجدار الغربي، ضمن تأليف يجمع بين ثلاث لوحات متلاصقة، تعلوها لوحة عريضة تمتدّ أفقياّ. تمثّل هذه اللوحة كما يبدو مبارزة جماعية يشارك فيها ثمانية رجال يظهرون في وضعيّة نصف جانبية، وكلّهم شبه عُراة، وتقتصر ثيابهم الرياضية على سروال أبيض قصير يكشف عن الفخذين. تجري هذه المبارزة في الهواء الطلق، داخل حلبة على شكل سهل مسطّح مجرّد، تعلوه تلال متعرّجة، تحدّها شتول نباتية خضراء، ترتفع وسط سماء زرقاء صافية. يتميّز هذا المشهد الجماعي بحركة حية لا تستكين؛ إذ يتفرّد كل بطل من أبطاله بوضعية خاصة به، ويتحرّك وسط حلبة تتشابك فيها القامات وتتصارع في حلقة من مباراة حيّة لم تشهد بعد خاتمتها.

تنطلق الحركة في هذه الحلقة من جهة اليسار، حيث يظهر رجل رياضي مفتول العضلات، فوق درجات عتبة صغيرة خطّت باللون الأزرق، في زاوية تحتل طرف الحلبة الأسفل. يقف هذا الشاب على ساقه اليمنى، ويمدّ ساقه اليسرى نحو الفراغ، منحنياً نحو الأمام، باسطاً ذراعيه الممدودتين في الفراغ. في مواجهة هذا الرياضي ذي البشرة البيضاء، يظهر رياضي ذو بشرة داكنة يتقدّم منه في حركة معاكسة، باسطاً ذراعيه في حركة موازية، وكأنّه يهمّ بالدخول في صراع معه.

بين هذين الرجلين المتصارعَين، يظهر شاب يبدو أصغر حجماً من حيث مقاييس التصوير، منحنياً كذلك في اتجاه اليمين، ممسكاً بقضيب عالٍ أبيض اللون يرتفع عموديّاً في وسط ساحة المعركة. حافظ وجه هذا الشاب ذي البشرة البيضاء على ملامحه، وهي محدّدة بدقة، وتمثّل فتى أمرد، يحدّق بعينيه الشاخصتين في اتجاه شاب يتهاوى أرضاً من أمامه. فقد هذا الجزء من اللوحة الكثير من مكوّناته، وما بقي منه يُظهر قامة ذات بشرة داكنة، ينوء صاحبها ويسقط تحت ضربات عصا غريمه.

في الجانب الآخر من هذه اللوحة، يظهر شابان في مشهد يمثّل حلقة ثالثة من هذا الصراع الجماعي. مرة أخرى يدخل رجل ذو بشرة بيضاء في نزاع مع رجل ذي بشرة داكنة، ويظهر وهو يمسك رأس خصمه بيده اليسرى، رافعاً قبضته نحو الأعلى، وكأنه يهم بالانقضاض بها على غريمه. في طرف هذا المشهد، يقف رجل ثالث يشارك في هذه الحلقة، ويلعب فيها كما يبدو دور الحكم؛ إذ نراه يمسك بيده اليمنى كتف المصارع، رافعاً يده اليسرى في اتجاه معاكس.

ينتمي هذا الرجل كذلك إلى العرق الأبيض، ويماثل في قامته كما في بنيته وفي لباسه اللاعبين الحاضرين في هذه اللوحة الجماعية، غير أنه يتميّز بشارب بسيط يعلو فمه وبلحية قصيرة تحدّ ذقنه.

يكتمل هذا المشهد بظهور شاب أمرد ينتصب وحده بين الفريقين المتحاربين، شاخصاً في اتجاه المصارع الذي يقف على درجات عتبة هذه الحلبة الرياضية. يتابع هذا الشاب الفتي الصراع الذي يدور من أمامه، ممسكاً بقبضتيه قضيباً قصيراً، ولا نعرف إن كان يلعب هنا دور الحكم، أو أنه ينتظر دوره للدخول في هذه الحلبة المفتوحة. نراه هنا وسط جمع من المتصارعين، في حلقة تمثل رياضة شكّلت قطباً من أقطاب ألعاب القوى واللياقة البدنية التي أولاها خلفاء بني أمية اهتماماً كبيراً. كما هو معروف، زاول حكام هذه السلالة هذه الألعاب، كما زاولوا الصيد بمختلف أنواعه، ونجد في حلل قصير عمرة التصويرية تعبيراً عن هذه المزاولة المتعدّدة الوجوه.

تتبنّى اللوحة المخصّصة لفن المصارعة الجمالية الكلاسيكية الرومانية في أرفع تجلياتها. يشكل الجسد البشري قوام هذه الجمالية، ويحضر في قامات حية تتعاقب وتتعدد في وضعيات جديدة، بعيداً من الجمالية «الشرقية» التي غالباً ما تلتزم الثبات والجمود والسكون والتأمّل.

تبدو هذه الجدارية فريدة من نوعها في ميدان الفنون الأموية؛ إذ لا نقع على ما يشابهها فيما ظهر إلى يومنا هذا من شواهد في هذا الميدان. من جهة أخرى، يحاكي هذا العمل المتقن بالتأكيد أعمالاً متوسطية تناولت هذا الموضوع في أشكال شتّى، شكّلت معاً صنفاً من صنوف الأعمال التصويرية الرياضية.

في الخلاصة، تنتمي هذه الجدارية الأموية الاستثنائية من حيث الموضوع إلى تقليد معروف، غير أنها تتميّز بتأليفها وبقالبها التشكيلي الخاص، وتعكس بلغة فنية بديعة صنفاً من أصناف الرياضة التي راجت في زمن الأمويين.


محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان
TT

محمد سليمان ظل يبحث عن قصيدة تشبهه

محمد سليمان
محمد سليمان

رحل عن عالمنا، مساء الاثنين، الشاعر المصري محمد سليمان، أحد أهم شعراء جيل شعراء السبعينيات في مصر، عن عمر يناهز 80 عاماً، بعد صراع مع المرض، عقب مسيرة مميزة وطويلة مع الشعر، تجاوزت أكثر من نصف قرن، أصدر خلالها عدداً من الدواوين الشعرية اللافتة، التي حظيت بتقدير نقدي كبير.

ولد الشاعر الراحل عام 1946 بمحافظة المنوفية، شمال القاهرة، وكان أحد مؤسسي جماعة «أصوات»، إلى جوار الشعراء أحمد طه وعبد المنعم رمضان وعبد المقصود عبد الكريم ومحمد عيد إبراهيم، وكانت جماعتهم بمثابة الجناح الثاني في حركة شعر السبعينيات في مصر، وتأسست بعد جماعة «إضاءة 77»، التي كانت الأسبق والأكثر تأثيراً بما صدر عنها من منشورات ومجلات وبيانات شعرية وجمالية، وجاءت «أصوات» نوعاً من التقاطع معها، وحاول أعضاؤها تقديم تجربة شعرية مختلفة عن زميلتها الكبرى.

بدأ سليمان مسيرته الشعرية في نهاية الستينات ومطلع السبعينات من القرن الماضي، واقترب كثيراً من الجيل السابق عليه من شعراء الخمسينات والستينات، كما كان منتمياً لجيله من شعراء السبعينات الذين أحدثوا ثورة شعرية على المنجز السابق لهم، في اللغة ومفهوم الشعر والصورة، وعلاقة الذات بالعالم، وغيرها من الموضوعات التي ظلت طويلاً محل جدال كبير، ورغم كونهم انتظموا في الجماعتين الكبيرتين («إضاءة 77»، ثم «أصوات») فإن كلاً منهما كان له صوته الخاص، ومشروعه الشعري الذي لا يشبه مشروع الآخر.

كان سليمان صاحب صوت مميز، ونبرة شعرية خاصة، هادئة ورصينة، لكنها نافذة، وتصيب هدفها من أقصر الطرق، بكثير من التقشف، والبعد عن الزوائد أو الصور المجانية، فكانت قصيدته مموسقة، لكنها غير صاخبة ولا مزعجة، حتى لا تفقد جوهر الشعر، ربما لأنه درس الصيدلة وعمل طيلة حياته «صيدلانياً»، فكان عارفاً بـ«كيمياء القصيدة»، متمكناً من صنعتها وتركيبتها، بتوازن دقيق ومحكم، حتى لا تتحول إلى مادة فاقدة للفاعلية.

أصدر على مدار مسيرته أكثر من أربعة عشر ديواناً، منها «سليمان الملك»، و«أعشاب صالحة للمضغ»، و«بالأصابع التي كالمشط»، و«هواء قديم»، و«تحت سماء أخرى»، و«قصائد أولى»، و«اسمي ليس أنا»، و«دفاتر الغبار»، و«أوراق شخصية»، و«أكتب لأحييك»، و«إضاءات»، و«كالرسل أتوا»، و«أسفار»، وأخيراً أحدث دواوينه المنشورة «لا أحد هنا سيميل عليك». كما صدرت له أكثر من مجموعة مختارات بعناوين مختلفة، أولها «لم أبن كخوفو هرماً» عن «الهيئة العامة لقصور الثقافة» عام 2013، و«فضاءات» عن «دار المعارف» في عام 2015، في حين صدرت أعماله الشعرية في ثلاثة أجزاء عن «الهيئة المصرية العامة للكتاب» عام 2014، وضمت الدواوين التي صدرت حتى ذلك الوقت. وفي المسرح الشعري أصدر عام 1995 كتاباً ضم مسرحيتين شعريتين بعنوان «العادلون.. الشعلة».

وعن تجربته الشعرية، قال الراحل في حوار سابق له: «تجربتي الأساسية تبدأ بديوان (سليمان الملك) وما قبله كانت القصائد الأولى التي يمكن للباحث أن يجد فيها البذور الأساسية للدواوين التالية، وأعتقد أن كل ديوان لي هو نص واحد يتشكل تحت عناوين مختلفة، هو سياق شعري، في مضمار تجربة واحدة».

ظل سليمان طوال مشواره الشعري يحفر ويعبد طريقه الخاص، ويبحث عن جماليات قصيدة تشبهه، لا تخاصم الموسيقى وأوزانها وإيقاعاتها الخليلية، لكنها في الوقت نفسه ليست نظماً رناناً وإيقاعات صاخبة، بل محاولة لنفخ الروح في القصيدة، ومن ثم كان بحثه الدائم عن موسيقى تخص قصيدته، ومستكشفاً أطراً وطرائق جمالية جديدة، تجعل النص هامساً، ومسكوناً بشواغل وأسئلة وجودية وفلسفية، تدمج بين هموم الذات وهموم الواقع. ربما لذلك ظلت قصائده على مدار كثير من دواوينه مسكونة بعزلة الذات واغترابها، هرباً من بؤس الواقع السياسي والاجتماعي، فلا تخلو دواوينه من حضور النقد السياسي، والعلاقة الملتبسة مع الآخر، ومحاولة تفكيك ونقد العالم وما يكتنفه من تحولات، لكن في إطار مشروعه الشعري الهامس، دون نبرة عالية أو صراخ، ولعل هذا ضمن الخصائص التي تسم مشروعه الجمالي، فهو لا يخاصم الموضوعات السياسية كما فعل بعض أبناء جيله، لكنه في الوقت نفسه لا يصرخ مثل صرخات أمل دنقل مثلاً، بل حاول طوال الوقت أن يقف على التخوم، ويجمع كثيراً ما بدا أنه متناقضات: الذات/ والواقع، السياسة/ والهمس الشعري، البحور الخليلية/ والسرد الشعري، التفاصيل الصغيرة/ والقضايا الكبرى، فلم يقع في فخ الانحياز الكامل لأي طرف من أطراف هذه الثنائيات، والنفور من طرفها الآخر، فهو لم يرها ثنائيات ضدية، بل قابلة لأن تمتزج وتتداخل، وتنتج سبيكة جديدة وطازجة، هي قصيدته الخاصة.

وشهدت الدورة الأخيرة من معرض القاهرة الدولي للكتاب احتفاءً خاصاً بمسيرة الشاعر الراحل بعنوان «ثمانون عاماً.. والشعر يروي محمد سليمان»، لكنه لم يحضرها بسبب ظروفه الصحية آنذاك، كما فاز ديوانه الأخير «لا أحد هنا سيميل عليك» بجائزة أفضل ديوان شعري في المعرض، ما بدا أنه بمثابة تعويض أخير عن تجاهل طويل من المؤسسات الرسمية للشاعر الراحل طوال مسيرته، إذ لم يسبق له الفوز بجوائز من المؤسسات الثقافية الرسمية قبل هذه الجائزة، رغم جدارته الشعرية ودواوينه اللافتة. وكان سليمان معروفاً بابتعاده عن الأضواء ورفضه السعي إلى التكريمات أو الفعاليات الاحتفالية، وآسر التفرغ لمشروعه الشعري، بروح زاهد يقيم في محراب القصيدة، مستغنياً عن كل ما هو خارج هذه الصومعة من صخب وأضواء وأموال، فكان هذا اختياراً واعياً منه، وعبر عنه في أول قصيدة من الديوان الأخير، في مقطع لافت، يقول فيها:

أقرّ

مثل النيل

لم أفز بجائزة

ومثله غدوت ربما قديما

وأستحق أن أواصل الرحيل هكذا

وحيداً وفارغ اليدين

كالثوار والخرافيين

الذين لم تعد ظلالهم تتبعهم

أما القصيدة الأخيرة من الديوان نفسه، وعنوانها «آن لي»، فقد بدت بمثابة تلويحة وداع، ورغم كثافتها وإيجازها الشديدين كانت أقرب إلى مرثية قصيرة لذاته، فكما عاش متصالحاً مع وحدته ومتقبلاً لها، رحل متصالحاً مع الموت، ومتقبلاً له، وكأنه كان يستشرف اقتراب الرحيل، ويعرف أنه جاء في موعده، خاصة بعد أن شعر أن رحلته مع الشعر قد انتهت، فالشعر والحياة لديه كانا مترادفين، ويقول فيها:

آن لي

أن أَلُم طيوري

وأن أدع الريح ترتاح

في كوخها

المرايا تكرر يومي

والأساطير أعلامها

ولم يعد الشعر بحراً

يسوق الكنوز إلى غرفتي

ويحتل نصف سريري.

Your Premium trial has ended