قال نجم خط وسط زينيت سان بطرسبرغ اللاعب البلجيكي، أكسل فيتسل، الأسبوع الماضي: «كان قرارا صعبا للغاية، فمن جهة كان هناك ناد عظيم وكبير مثل يوفنتوس الإيطالي مهتما بخدماتي، لكن على الجانب الآخر كان هناك عرض سخي لعائلتي لم يكن بإمكاني أن أرفضه».
ولم يحظ انتقال فيتسل المفاجئ إلى نادي تيانغين كوانغيان الصيني باهتمام إعلامي كبير كما حدث مع انتقال البرازيلي جناح تشيلسي أوسكار، ومهاجم بوكا جونيورز الأرجنتيني كارلوس تيفيز، رغم أنه قد يكون أكثر أهمية من حيث سمعة الدوري الصيني المتنامية في سوق انتقالات اللاعبين على المستوى العالمي، إذ انتقل اللاعب البلجيكي إلى النادي الصاعد حديثا للدوري الصيني الممتاز الذي يقوده المدير الفني الإيطالي فابيو كانافارو، ويوجد في أكثر مدن العالم تلوثا مقابل راتب سنوي يبلغ 18 مليون يورو (15 مليون جنيه إسترليني) في عقد يمتد لخمس سنوات، بالإضافة إلى امتيازات أخرى من المتوقع أن ترفع المقابل الإجمالي للصفقة إلى 100 مليون يورو في حال إكمال اللاعب مدة التعاقد.
ولا تعد هذه الأرقام غريبة إذا ما عرفنا أن تيفيز سيتقاضى راتبا سنويا يصل إلى 32 مليون جنيه إسترليني، لكن ما جعل القرار صعبا على فيتسل هو التفكير في فرص بقائه ضمن صفوف المنتخب البلجيكي، الذي يعد أحد المنتخبات الرائدة في أوروبا، بعدما رفض عرضا من بطل الدوري الإيطالي وأحد المنافسين الأقوياء على بطولة دوري أبطال أوروبا. وإذا حكمنا على الأمر من خلال معظم التعليقات على حسابه الخاص على «إنستغرام»، التي كانت كلمة «مرتزقة» واحدة من ألطف الكلمات التي وصف بها اللاعب، فإن الجمهور كان منقسما بين مؤيد ومعارض لفكرة رحيله إلى الدوري الصيني.
وحتى بعد إعلان جون أوبي ميكيل إنهاء مسيرته التي استمرت 10 سنوات مع تشيسلي والرحيل إلى المنافس المحلي لنادي كوانغيان، تيانغين تيدا، يبدو أن قطار النفقات الصينية بات في خطر. فيوم الخميس الماضي، وبعد يومين من نشر مقالة افتتاحية في صحيفة «الشعب» اليومية - وهي الصحيفة الرسمية للحزب الشيوعي الحاكم - تحث الأندية على التحكم في نفقاتها، قال متحدث باسم الإدارة العامة للرياضة، إن الإدارة سوف «تنظم وتكبح عملية التعاقد مع لاعبين بأسعار عالية، وتضع قيودا معقولة على المداخيل العالية للاعبين». وأضاف: «يجب أن يكون هدفنا هو بناء أندية تستمر لمائة عام».
يقول كاميرون ويلسون، صحافي اسكوتلندي يدير موقع «وايلد إيست فوتبول»، ويعيش في الصين منذ 12 عاما: «لا يمكنك أن تفهم كرة القدم في الصين دون النظر إلى الدولة ككل، فكل شيء مرتبط ببعضه هنا. وما يحدث في الاقتصاد الصيني له تأثير كبير على كرة القدم، والشيء نفسه ينطبق على السياسة. والحركات الاجتماعية مثل تغير سلوك الناس وتقدم المجتمع تؤثر على الأشياء هنا أكثر مما يحدث في أي مكان آخر في العالم. وتمول الفرق الكبيرة من قبل شركات ضخمة تضخ أموالا هائلة في اللعبة لأغراض سياسية، لكن الأمر قد تعدى ذلك أيضا».
وأضاف: «هناك نوع من أنواع التباهي والتفاخر الآن، فكل ناد يحاول أن ينفق أكثر من الآخر، لأنه يريد أن يقال إنه أكثر الأندية إنفاقا للأموال على التعاقد مع اللاعبين. في بعض الملاهي الليلية في الصين، تكون هناك لوحة معلقة على الجدار عليها اسم أكثر منضدة تنفق أموالا على شراء الخمر. إنه شيء من هذا القبيل في كرة القدم».
وأكد الرئيس الصيني، شي جين بينغ، في عام 2015 رغبته في تحويل أكبر دولة في العالم من حيث عدد السكان إلى قوى عظمى في كرة القدم، ونشرت مجموعته المركزية للإصلاح خطة مكونة من 50 نقطة تتضمن خططا فرعية لكل مستوى من مستويات هذه الرياضة، بدءا من الاحترافية وحتى الجمهور العادي. ومن غير المرجح أن يكون التدخل الحكومي الأخير الأسبوع الماضي بعيدا عن هذه الخطة، على الرغم من أنه يعد بمثابة اعتراف بأن الأندية الصينية تدفع أكثر من اللازم للتعاقد مع لاعبين أجانب، بسبب الاعتماد المفرط على عدد قليل من وكلاء اللاعبين الأقوياء.
في يوليو (تموز) 2011، تعاقد نادي غوانغتشو إيفرغراندي المملوك الآن من قبل ثاني أكبر مجموعة عقارات في الصين ومجموعة «علي بابا»، مع المهاجم الأرجنتيني داريو كونكا من نادي فلومينينسي البرازيلي مقابل صفقة قياسية بلغت 7 ملايين جنيه إسترليني سنويا، ليصبح واحدا من أعلى اللاعبين أجرا في العالم، وتمت الصفقة بواسطة وكيل أعمال غامض يدعى جوزيف لي من وكالة «كيرين» الرياضة.
ولد لي في هونغ كونغ وانتقل إلى الصين عام 1980 ليجرب حظه كلاعب محترف، لكنه فشل. وبدلا من ذلك، أنشأ مؤسسة لتدريب اللاعبين الصينيين الطموحين في البرازيل، ولحسن حظه أن ذلك قد حدث في المكان المناسب والوقت المناسب، إذ أعيد إطلاق دوري الدرجة الأولى الصيني عام 1994 لينطلق باسم الرابطة الوطنية لكرة القدم. وخلال الفترة بين عامي 1998 و2005، قالت صحيفة «تشاينا ديلي» إن عدد اللاعبين البرازيليين الذين انتقلوا للصين برعاية «كيرين سوكر» بلغ مائتي لاعب.
وأصبح لي هو وكيل الأعمال الأكثر نفوذا في الصين، وهو ما دفع رئيس نادي إيفرغراندي، شو جياين، لطلب الدعم منه في التعاقد مع مارشيلو ليبي، الفائز مع منتخب إيطاليا بكأس العالم عام 2006، الذي يدرب منتخب الصين حاليا.
يقول بيبو روسو، عالم اجتماع من جامعة فلورنسا الذي نشر كتاب «عربدة القوة: القصة المضادة لخورخي منديس، راعي كرة القدم العالمية» في أكتوبر (تشرين الأول): «كان أحد الجسور الأولى بين كرة القدم البرازيلية والصينية. قبل عامين، اشترى أكاديمية ديسبورتيفو برازيل التي تم بناؤها من قبل وكالة «ترافيك سبورتس»، ولا يزال شخصية مؤثرة للغاية في الصين».
كما أن علاقة لي الوثيقة بوكيل الأعمال البرازيلي إدواردو أرام أيضا ساعدت على تسهيل عملية التعاقد مع اللاعبين الإيطاليين الدوليين أليساندرو ديامانتي وألبرتو جيلاردينيو عام 2014، ويعد أرام حليفا قويا لمنديس وروسو، ويعتقد أنه قد تعاون هو ولي لإتمام عدة صفقات خلال السنوات الأخيرة.
وكانت الصفقة التي أبرمها نادي غوانغتشو إيفرغراندي بقيمة 42 مليون يورو للتعاقد مع جاكسون مارتينيز - المهاجم الكولومبي الذي كان قد انتقل إلى أتلتيكو مدريد من بورتو قبل بضعة أشهر مقابل 35 مليون يورو - قد رتبت رسميا من قبل وكيله، لويس هنريكي بومبيو، لكن يعتقد أيضا أن منديس كان له دور أساسي في إتمام الصفقة.
يقول روسو: «هو الآن يقوم بأدوار مختلفة - ليس فقط مع لاعبيه، لكنه يتوسط في شؤون أخرى. بشكل عام، يضع منديس نظاما لقوة اقتصادية في الشرق الأقصى. ونحن نعلم أيضا أنه كان لاعبا رئيسيا في بيع نادي فالنسيا الإسباني لبيتر ليم، وهو رجل أعمال آسيوي آخر زرع لنفسه جذورا في كرة القدم الأوروبية، ونعلم أيضا بأنه يعمل بشكل وثيق في الصين عن طريق مؤسسة (فوسون إنترناشيونال)».
وأضاف: «إنه لشيء غريب، لأن هناك عددا كبيرا من وكلاء اللاعبين في الصين. ويمكننا القول إن جورج منديس غالبا ما يكون له دور في كثير من الانتقالات. لكن أكثر وكلاء اللاعبين نشاطا في الصين في الوقت الراهن هو كيا جورابشيان، ويعود السبب في ذلك بصورة أساسية إلى أن السوق تركز على اللاعبين البرازيليين».
وضمت قوائم الأندية للموسم الماضي ما لا يقل عن 20 برازيليا يلعبون في الأندية الصينية (تسمح اللوائح في الصين لكل ناد بإشراك ثلاثة لاعبين غير آسيويين في التشكيلة الأساسية ولاعب آخر كبديل). وخلال الموسم الماضي، كان جورابشيان (وهو رجل أعمال إيراني المولد وكان له دور كبير في صفقة انتقال الأرجنتيني كارلوس تيفيز المثيرة للجدل إلى وستهام عام 2006، وله علاقة بوكيل اللاعبين الإسرائيلي بيني زاهافي) له دور كبير في إتمام صفقات قياسية، مثل انتقال راميريز من تشيلسي مقابل 25 مليون جنيه إسترليني، وأليكس تيكسيرا من شاختار دونيتسك مقابل 43 مليون جنيه إسترليني لنادي جيانغسو سونينغ المملوك لشركة «سونينغ هولدينغ»، التي اشترت أيضا حصة أغلبية في نادي إنتر ميلان الإيطالي في يونيو (حزيران) الماضي. ونجح جورابشيان في إبرام صفقة أخرى بقيمة تتجاوز هذه الأرقام، إذ لعب دورا بارزا في انتقال أوسكار من تشيلسي إلى شنغهاي سيبغ الشهر الماضي مقابل أكثر من 50 مليون جنيه إسترليني.
ورغم أن اللاعب البلجيكي فيتسل سوف يحصل على راتب سنوي يزيد بخمسة أضعاف على الراتب الذي كان يتقاضاه في زينيت سان بطرسبرغ، لا يزال قرار انتقاله إلى الصين غريبا. بدأ فيتسل مسيرته الكروية في نادي ستاندارد لييج البلجيكي، ثم انضم إلى بنفيكا عام 2011 في صفقة تمت بوساطة لوتشيانو دونوفريو الذي كان أحد ملاك ستاندارد لييج في ذلك الوقت ووكيل الأعمال السابق للنجم الفرنسي زين الدين زيدان. ورغم إدانته في فرنسا عام 2007 لدوره في سلسلة من فضائح الفساد في كرة القدم وصدور قرار من «فيفا» بمعاقبته ومنعه من لعب دور وكيل الأعمال مستقبلا، تشير تقارير إلى أن الرجل المعروف باسم «لوتشيانو المحظوظ» قد حصل على 10 في المائة من قيمة انتقال اللاعب من نادي بنفيكا الذي باع فيتسل في وقت لاحق لزينيت مقابل الحصول على قيمة الشرط الجزائي التي كانت تبلغ 40 مليون يورو. وتم الكشف عن تفاصيل الصفقة في وقت لاحق من قبل موقع «فوتبول ليكس»، الذي أشار أيضا إلى أن الصفقة تضمنت بندا لشراء الجناح الأرجنتيني نيكولاس غايتان مقابل 20 مليون يورو.
ويعتقد أن هذه الخطوة تمت بوساطة منديس، الذي يحتفظ بعلاقات قوية مع رئيس بنفيكا، لويس فيليبي فييرا، نيابة عن دونوفريو ووالد فيتسل، تيري. وقالت صحيفة «هيت نيوزبلاد» البلجيكية إن كلا الرجلين حصل على نحو 15 مليون يورو من أجل المساعدة في تسهيل إتمام الصفقة لنادي كوانجيان.
ومن بين الأندية الـ16 التي تلعب في الدوري الصيني الممتاز، أنفقت أندية غوانغتشو إيفرغراندي، وهيبي تشينا فورتشن، وجيانغسو سونينغ، وشنغهاي شينخوا، وشنغهاي سيبغ، وشاندونغ لونينغ أموالا طائلة. لكن تفعيل اللائحة التي تسمح لكل ناد بإشراك ثلاثة لاعبين أجانب فقط ولاعب آخر احتياطي سوف يحد من تعاقد الأندية مع اللاعبين الأجانب، وبالتالي فإن السباق المحموم بين الأندية الصينية سوف يتوقف مع بداية الموسم في مارس (آذار) المقبل. يقول ويلسون: «يبقى معظم اللاعبين لموسم أو أكثر قليلا، لكن وكلاء اللاعبين الذين يعملون مع الأندية يكون لديهم حافز كبير لإحضار لاعبين جدد، لأنهم يحصلون على نسبة كبيرة من قيمة الصفقة. وسيكون هناك حركة أكبر في فترة الانتقالات الشتوية الحالية، نظرا لأن بعض اللاعبين الذين تم التعاقد معهم الموسم الماضي لم يحققوا النجاح المتوقع».
وأضاف: «هناك عدد قليل للغاية من اللاعبين في العالم يمكنك القطع بأنهم لن يلعبوا في الدوري الصيني، لكن لن أشعر بأي دهشة لو انتقل لاعب مثل واين روني إلى هناك قريبا».
الكرة الصينية... ازدهار حقيقي أم ضحية لاستغلال وكلاء اللاعبين؟
مَن المستفيد الحقيقي من الإنفاق السخي لأندية العملاق الآسيوي؟
تيفيز نقض كل تعهداته بالبقاء مع أسرته في الأرجنتين ورحل عن بوكا جونيورز إلى الصين («الشرق الأوسط»)
الكرة الصينية... ازدهار حقيقي أم ضحية لاستغلال وكلاء اللاعبين؟
تيفيز نقض كل تعهداته بالبقاء مع أسرته في الأرجنتين ورحل عن بوكا جونيورز إلى الصين («الشرق الأوسط»)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




