القنوات في إسلام آباد تخلو من المحتوى الهندي لأول مرة منذ 15 عامًا

شظايا التوتر الحدودي مع نيودلهي بسبب كشمير تصيب محطات التلفزة الباكستانية

ملصقات أفلام بوليوود سيطرت على مشاعر الشعب الباكستاني
ملصقات أفلام بوليوود سيطرت على مشاعر الشعب الباكستاني
TT

القنوات في إسلام آباد تخلو من المحتوى الهندي لأول مرة منذ 15 عامًا

ملصقات أفلام بوليوود سيطرت على مشاعر الشعب الباكستاني
ملصقات أفلام بوليوود سيطرت على مشاعر الشعب الباكستاني

توقفت أربع قنوات تلفزيونية، اثنتان منهما للموسيقى، واثنتان للأفلام، في باكستان عن العمل، بعدما فرضت هيئة تنظيم الإعلام الإلكتروني الباكستانية حظرًا كاملاً على بثّ أي محتوى هندي في أعقاب التوترات العسكرية مع دولة الجوار الهندي في إقليم كشمير المتنازع عليه.
وكانت كل من محطة «8×إم»، و«جالوا»، تذيع أغاني الأفلام الهندية طوال ساعات اليوم، بينما كانت محطتا الأفلام «فيلم وورلد»، و«فيلمازيا»، تعرضان أفلامًا هندية على مدار اليوم، ولذلك تم إجبار تلك القنوات على بثّ محتوى محلي، مع ذلك لا يمكن القول إنها تعمل بالفعل على حد قول خبير إعلامي في إسلام آباد.
على الجانب الآخر، كان من المعتاد أن تبثّ القنوات الإخبارية الباكستانية أغاني هندية كخلفية موسيقية للمحتوى الإخباري من أجل إحداث تأثير درامي في عرض الأخبار. وطلبت هيئة تنظيم الإعلام الإلكتروني الباكستانية من تلك القنوات التوقف عن استخدام أي أغان هندية كخلفية موسيقية لما تقدمه من محتوى إخباري.
بالمثل كانت قنوات الأطفال في باكستان تعرض أفلام رسوم متحركة هندية بشكل أساسي وخاصة خلال أوقات المشاهدة المميزة. وتم إخطار تلك القنوات بضرورة الامتناع عن بثّ أي محتوى هندي. ويأتي قرار هيئة تنظيم الإعلام بمنع القنوات الباكستانية من بثّ أي محتوى هندي بعدما منعت صناعة السينما الهندية، والقنوات التلفزيونية الهندية الممثلين الباكستانيين من المشاركة في أي أفلام، أو برامج تلفزيونية هندية على خلفية توترات بين البلدين.
ومع تصاعد التوترات العسكرية بين البلدين إلى مستويات جديدة، فرضت هيئة تنظيم الإعلام الإلكتروني الباكستانية، بعد مشاورات مع الحكومة الباكستانية، حظرًا على المحتوى الهندي، وعزز توتر الأوضاع السياسية حاليًا، إلى جانب الإجراءات التي اتخذها مجال الترفيه في الهند من أجل الحطّ من شأن باكستان، موقف هيئة تنظيم الإعلام الإلكتروني الباكستاني في ظل تراجع المقاومة في هذا الشأن بسبب المشاعر الشعبية كما أوضح أبصر ألام، رئيس الهيئة في تصريح له.
حتى هذه اللحظة تم حرمان المشاهدين الباكستانيين من مشاهدة الأغاني والأفلام الهندية تمامًا على شاشة التلفزيون لمدة ثلاثة أشهر. ويقول بعض الخبراء في مجال الإعلام إنه منذ تدشين القنوات الخاصة في باكستان منذ نحو خمسة عشر عامًا، تعد هذه هي المرة الأولى التي لا يشاهد فيها الباكستانيون أي محتوى هندي على شاشة التلفزيون.
مع ذلك ابتكر الباكستانيون طرقًا إبداعية للترفيه عن أنفسهم، والتمتع بالمحتوى الهندي؛ حيث لم يسفر هذا القرار سوى عن زيادة مبيعات الأقراص المدمجة المسروقة لأفلام وأغانٍ هندية في المدن الباكستانية. وتزدهر هذه التجارة غير القانونية في الأقراص المدمجة المسروقة لأفلام هندية، والتي وصلت عن طريق دبي، في أنحاء المدن الباكستانية. مع ذلك وفي وقت يستمر فيه الحظر الذي فرضته هيئة الإعلام الإلكتروني، استأنفت دور السينما الباكستانية عرض الأفلام الهندية منذ 19 ديسمبر (كانون الأول)، بعد فرض حظر غير رسمي على مالكي دور السينما الخاصة لمدة تزيد على ثلاثة أشهر. وتم فرض هذا الحظر على عرض الأفلام الهندية في دور السينما بشكل متزامن مع قرار فرض الحظر على إذاعة أي محتوى هندي على شاشة التلفزيون.
وتعرضت دور السينما الباكستانية إلى ضغوط مالية شديدة خلال وقت الحظر، حيث كانت الأفلام الهندية تمثل المصدر الرئيسي للعائدات التي تحققها تلك الدور قبل قرار الحظر، الذي تم اتخاذه في سبتمبر (أيلول)، على خلفية التوترات العسكرية بين الهند وباكستان في إقليم كشمير. وقال مالكو دور السينما إنهم امتنعوا مؤقتًا عن عرض الأفلام الهندية، لكنهم لم يمتنعوا بشكل نهائي عن عرضها. وأكد نديم ماندفوالا من «أوتريم سينماز» قائلا: «تم استئناف عرض الأفلام الهندية منذ 19 ديسمبر».
الجدير بالذكر أن الشعب الباكستاني مغرم كثيرًا بالأفلام الهندية، وعادة ما يؤدي عرض الأفلام المحلية في باكستان إلى عزوف رواد السينما عن المجيء، وبالتالي إلى خواء قاعات العرض السينمائي. وصرّح مسؤول رفيع المستوى في اتحاد مالكي دور السينما لصحيفة «الشرق الأوسط» بأن أكثر من 60 في المائة من عائدات دور السينما مصدرها عرض الأفلام الهندية، أما النسبة الباقية فمصدرها عرض أفلام السينما الأميركية، والأفلام المحلية الباكستانية.
وتزخر المناطق الحضرية في باكستان بدور السينما التي تزين واجهاتها الأمامية وجدرانها ملصقات الأفلام الهندية. وأعلنت إدارة كل من دار سينما «سوبر سينماز» في لاهور، و«نيوبلكس» و«أتريوم» في كراتشي في 30 سبتمبر (أيلول) الامتناع نهائيًا عن عرض أي أفلام احتجاجًا على منع الممثلين الباكستانيين من العمل في الهند، وتضامنًا مع القوات المسلحة الباكستانية.
وتأتي خطوة التوقف عن عرض أفلام هندية ردًا على قرار الاتحاد الهندي لمنتجي الصورة المتحركة بمنع الممثلين، والمغنين، والفنيين الباكستانيين من العمل في الهند لحين عودة العلاقات بين البلدين إلى وضعها الطبيعي.
وعلى مدى الأشهر الثلاثة الماضية وصل وضع دور السينما الباكستانية إلى درجة الانهيار. وصرح مسؤول رفيع المستوى في اتحاد مالكي دور السينما في إحدى الصحف المحلية قائلا: «هناك 52 أسبوعًا في السنة، ومدة عرض أي فيلم أسبوع واحد، وإذا حقق نجاحًا كبيرًا يستمر عرضه لمدة أسبوعين. وتم إنتاج 15 فيلمًا باكستانيًا خلال العام الماضي، أما العام الحالي فقد وصل عدد الأفلام الباكستانية إلى ستة فقط، لم ينجح منها سوى ثلاثة أفلام. وحتى إذا تمت مضاعفة مدة عرض الأفلام، في ظل هذا العدد المحدود من الأفلام، تظل هناك حاجة إلى أفلام تغطي فترة تتراوح بين 40 و42 أسبوعًا. ما الذي يمكن لدور السينما القيام به لحل هذه المشكلة؟».
على الجانب الآخر لم يتوقف الباكستانيون عن مشاهدة الأفلام الهندية خلال الثلاثة أشهر الماضية. وقال خبير في مجال الإعلام يقيم في مدينة إسلام آباد: «الباكستانيون مدمنون لأفلام السينما الهندية. وتشاهد الأسر، التي تنتمي إلى الطبقة المتوسطة، أحدث الأفلام الأجنبية خاصة خلال العطلات وعطلات نهاية الأسبوع». بعد قرار منع إذاعة أي محتوى هندي بدأ محبو الأفلام من الباكستانيين في شراء أقراص مدمجة مسروقة زهيدة الثمن يبلغ سعر الواحد منها 100 روبية من المتاجر المنتشرة في أنحاء المدن الباكستانية.
منذ تصاعد التوترات السياسية بين باكستان والهند، أصبحت مشاهدة الأفلام الهندية تمثل مشكلة. وفي إطار مبادرة خاصة أعلنت أكثر دور السينما الباكستانية امتناعها عن عرض أفلام هندية بعد أيام قليلة من قرار الاتحاد الهندي لمنتجي الصورة المتحركة بمنع كل الفنانين الباكستانيين من المشاركة في أي فيلم في الهند.
مع ذلك لا تزال التجارة في الأفلام الهندية عملاً مربحًا في مدن باكستان الكبرى. في أحد أحياء الطبقة المتوسطة في إسلام آباد، قال صاحب متجر لبيع الأسطوانات المدمجة لصحيفة «الشرق الأوسط» إنه لا يزال يبيع أفلامًا هندية بشكل كبير. مع ذلك بدأت المشكلة في الظهور في هذا المجال، حيث شهد أكبر مركز لتجارة الأفلام الهندية في شمال باكستان وهو سوق «هول رود» في مدينة لاهور، مظاهرة احتجاجية ضد الهند، وتم خلال المظاهرة حرق أسطوانات مدمجة لأفلام هندية يقدر ثمنها بآلاف الروبيات.
للأفلام الهندية تأثير ثقافي كبير على المجتمع الباكستاني؛ فعند التحضير لإقامة حفل زفاف، تبحث الأسر الباكستانية ميسورة الحال في الأفلام الهندية عن الأمور الرائجة؛ حيث يرتدون مثل نجوم السينما الهندية، ويرقصون مثلهم، بل ويطلبون من مصففي الشعر أن يقصّوا شعورهم مثل نجوم السينما الهندية. ويرد اسم أميتاب باتشان كثيرًا في محادثات الأسر ميسورة الحال، ويزخر حديثهم بأسرار الحياة العائلية الخاصة بنجوم بوليوود والتي تنتشر في الإعلام.
لقد أدمن الباكستانيون مشاهدة الأفلام الهندية، حيث تقضي الأسر، التي تنتمي للطبقة المتوسطة، العطلات في مشاهدة أحدث الأفلام القادمة من الجانب الآخر من الحدود. ويذهب الناس إلى دور السينما لمشاهدة الفيلم، أو يشترون أفلامًا مدمجة مسروقة من المتاجر المنتشرة في كل حي من أحياء المدن الباكستانية.
ومنذ توتر العلاقات الهندية - الباكستانية أصبحت مشاهدة أفلام السينما الهندية مشكلة. مع ذلك لا تزال تجارة الأفلام الهندية تجارة مربحة في مدن باكستان الكبرى، ففي أحد أحياء الطبقة المتوسطة في مدينة إسلام آباد، أخبرني صاحب أحد محلات بيع الأسطوانات المدمجة، أنه لا يزال يخاطر ببيع الأفلام الهندية. مع ذلك سيؤثر تنظيم مظاهرة احتجاجية في سوق «هول رود» في مدينة لاهور، والذي يعد أكبر مركز لتجارة الأفلام الهندية في شمال باكستان، وكذلك امتناع التجار عن العمل في مجال تجارة الأفلام الهندية، على توريدهم للأسطوانات المدمجة إلى المتاجر المنتشرة في شمال باكستان. وقال صاحب أحد متاجر بيع الأسطوانات المدمجة: «لا زلنا نبيع الأفلام الهندية بشكل جيد، لكن من المخزون الذي لدينا بالفعل، فنحن لا نحصل على أي أسطوانات جديدة من الموردين».



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».