«أجندة ترامب» تحيّر الاقتصاد الأميركي

بين مستويات قياسية للأسواق... وارتفاع العجز التجاري

أحد المتداولين في داو جونز الأميركي في اشارة لوصول مؤشره إلى مستوى 20 ألف إلا نقطة واحدة (رويترز)
أحد المتداولين في داو جونز الأميركي في اشارة لوصول مؤشره إلى مستوى 20 ألف إلا نقطة واحدة (رويترز)
TT

«أجندة ترامب» تحيّر الاقتصاد الأميركي

أحد المتداولين في داو جونز الأميركي في اشارة لوصول مؤشره إلى مستوى 20 ألف إلا نقطة واحدة (رويترز)
أحد المتداولين في داو جونز الأميركي في اشارة لوصول مؤشره إلى مستوى 20 ألف إلا نقطة واحدة (رويترز)

مع اقتراب تولي مهام الرئاسة الأميركية في البيت الأبيض، يؤكد الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب متباهيا أنه أعاد الثقة إلى أوساط الأعمال وحفز الاستهلاك وتفادى مغادرة شركات أميركية البلاد... وقال ترامب، الذي فاز في الانتخابات من خلال وعود بإعادة المصانع وفرص العمل للولايات المتحدة: «إنكم ترون ما يحدث، حتى قبل أن نتولى مهامنا».
وأثار انتخاب المرشح الجمهوري حمى الأسواق، وتعاقبت الأرقام القياسية لمؤشر داو جونز منذ الانتخابات الرئاسية في الثامن من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لتكذب كثيرا من الأصوات المتشائمة التي كانت تتوقع انهيارا في حالة فوز الملياردير «قليل الخبرة» بالسياسة.
واقترب مؤشر داو جونز الأميركي بفارق نقطة واحدة عن مستوى 20 ألف نقطة، للمرة الأولى في تاريخه على الإطلاق، وذلك مع إغلاق التعاملات أول من أمس الجمعة، في الوقت الذي سجل فيه مؤشر ناسداك وستاندرد آند بورز 500 مستويات قياسية بدعم من سهم «آبل»، في استمرار للصعود الذي دام شهرين بدعم من التفاؤل بشأن الرئيس الأميركي المنتخب.
وارتفع «داو جونز» الصناعي بنحو 64.99 نقطة، أو ما يعادل 0.33 في المائة، إلى 19964.28 نقطة، في حين زاد مؤشر ستاندرد آند بورز بواقع 8.01 نقطة أو 0.35 في المائة، إلى 2277.01 نقطة، وارتفع مؤشر ناسداك المجمع بواقع 33.12 نقطة أو 0.6 في المائة إلى 5521.06 نقطة.
وجاء ذلك المعدل القياسي لـ«داو جونز» بعد افتتاحها الخميس الماضي لأولى جلسات «الانخفاض» خلال العام الجاري، وذلك تأثرا ببيانات أضعف من المتوقع للوظائف، ومحضر اجتماع الاحتياطي الاتحادي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الذي يعتقد فيه صانعو السياسة في بنك الاحتياطي الفيدرالي بأن «وعود ترامب» ستؤدي إلى رفع معدلات التضخم، الأمر الذي سيتطلب تدخلا مفاجئا من «المركزي» للسيطرة على الأسواق.
وزادت الوظائف الأميركية بوتيرة أقل من المتوقعة في ديسمبر (كانون الأول)، وعلى العكس، يشير ارتفاع الأجور إلى استمرار الزخم في سوق العمل، الأمر الذي يضع الاقتصاد الأميركي على مسار تحقيق نمو أقوى، ومزيد من رفع أسعار الفائدة من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي).
وقالت وزارة العمل الأميركية أول من أمس، إن عدد الوظائف في القطاعات غير الزراعية زاد بواقع 156 ألف وظيفة الشهر الماضي، لكن الزيادة لا تزال تحت المستوى المقدر لاستيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وذلك بالنظر إلى أن «ارتفاع الأجور» يوضح أنه لا تزال هناك إمكانية لإضافة مزيد من فرص العمل.
وجرى تعديل بيانات شهري أكتوبر (تشرين الأول) ونوفمبر (تشرين الثاني) الماضيين بالزيادة إلى 19 ألف وظيفة جديدة فوق ما أظهرته القراءة السابقة، وخلق الاقتصاد الأميركي 2.16 مليون وظيفة جديدة في عام 2016.
وارتفع متوسط الأجر في الساعة بواقع عشرة سنتات، أو ما يعادل 0.4 في المائة، بعدما هبط بنحو 0.1 في المائة في نوفمبر، وهو ما أدى إلى ارتفاع متوسط أجر الساعة على أساس سنوي بنحو 2.9 في المائة، وهي الزيادة الأكبر منذ يونيو (حزيران) 2009، ويقابلها 2.5 في المائة في نوفمبر الماضي.
وارتفع معدل البطالة قليلا إلى 4.7 في المائة من أدنى مستوى في تسعة أشهر، البالغ 4.6 في المائة والمسجل في نوفمبر الماضي، مع دخول مزيد من الأشخاص إلى سوق العمل، وهو ما يشير إلى الثقة في سوق العمل.
وانخفضت أعداد المتقدمين لإعانات البطالة بنحو 28 ألف شخص، لتصل إلى 235 ألف شخص الأسبوع الماضي، مقتربا من أدنى مستوى له في 43 عاما عند 233 ألف شخص.
وتوقع خبراء اقتصاد، استطلعت «رويترز» آراءهم في وقت سابق، ارتفاع عدد الوظائف بواقع 178 ألف وظيفة الشهر الماضي، وزيادة معدل البطالة قليلا بواقع 0.1 نقطة مئوية إلى 4.7 في المائة.
وبلغ متوسط نمو الوظائف في عام 2016 ما يعادل 180 ألف وظيفة شهريا، انخفاضا من متوسط زيادة شهرية بلغ 229 ألف وظيفة في 2015. ويتماشى التباطؤ في وتيرة نمو الوظائف مع سوق عمل تقترب من التوظيف الكامل.

متوسط الدخل
في الساعة... العامل السحري

وأكد رون ألان، المحلل الاقتصادي في «آي إن جي» في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط»، أن اتجاه السوق الأميركية للتحسن كان متوقعا في ظل البيانات الأميركية الجيدة خلال الربع الأخير من 2016. غير أن الرقم الرئيسي في بيانات التوظيف هو ارتفاع متوسط الدخل في الساعة على أساس سنوي، وهو أعلى معدل للنمو منذ يونيو (حزيران) الماضي، بالتزامن مع توقعات رفع الفائدة الأميركية بنحو 3 مرات للعام الجاري، «الأمر الذي سيدعم معدلات التضخم».
وتوقع ألان أن يتجه الفيدرالي الأميركي إلى الرفع الأول في 2017 خلال اجتماع مارس (آذار) المقبل.
وارتفع الدولار في تعاملات أول من أمس الجمعة، لكنه يتجه لتكبد ثاني خسارة أسبوعية على التوالي بعد انخفاضه في اليوم السابق بفعل بيانات أميركية ضعيفة وتحرك السلطات الصينية لدعم اليوان، وبلغ مؤشر الدولار الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل ست عملات عالمية رئيسية 101.62 نقطة، بعد أن سجل أعلى مستوى له في 14 عاما عند 103.820 نقطة قبل ثلاثة أيام، في استئناف على ما يبدو لموجة ارتفاع شهدتها العملة الأميركية منذ فوز ترامب في الانتخابات.
وعزز موقف ترامب قرار شركة صناعة السيارات الأميركية «فورد» التي ألغت إقامة مصنع لها في المكسيك، لتستثمر في الولايات المتحدة مع 700 فرصة عمل، معللة قرارها بـ«الثقة في الأجندة الاقتصادية لترامب».
وفي ديسمبر (كانون الأول) كانت شركة صناعة المكيفات الأميركية «كاريير» تراجعت عن نقل ألف وظيفة إلى المكسيك المجاورة، بعد اتفاق مع ترامب مقابل خفض ضريبي قيمته سبعة ملايين دولار.
وقالت إبارنا ماتور، من مركز أبحاث «أميركان إنتربرايز» المحافظ: «قبل أن يكون لديه حظوظ بالفوز، لم يكن أحد يولي كثيرا من الانتباه لبرنامجه؛ مع أنه يعكس ما تريده الشركات.. كثير من رفع القيود وخفض الضرائب». وتنبهت بورصة وول ستريت في النهاية إلى ذلك، ما رفع مؤشرها الرئيسي إلى ما يناهز عتبة 20 ألف نقطة.
ومؤخرا، أظهرت عدة مقاييس اقتصادية بعودة التفاؤل في الولايات المتحدة. وبحسب تقرير للاحتياطي الأميركي في فيلادلفيا في ديسمبر (كانون الأول) 2016، فإن نسبة الشركات الواثقة في المستقبل تضاعفت خلال شهر، في حين ارتفعت معنويات الأسر إلى أعلى مستوى لها منذ 15 عاما.

إشادة ذاتية

وعقب هذه المؤشرات، سارع الرئيس المنتخب إلى الإشادة بنفسه مرددا على موقع «تويتر»: «شكرا دونالد».. وبدا أن استراتيجيته غير المسبوقة في التوجه عبر تغريدات إلى المجموعات الصناعية الكبرى (جنرال موتورز، وفورد، وتويوتا)، تستثمر في الولايات المتحدة، وتؤتي ثمارها.
وأشارت ماتور إلى أنه «يواصل حملته نوعا ما، وهذا يظهره كشخص تحتل الوظائف أولوية لديه»، مؤكدة مع ذلك أنه سيكون على ترامب أن ينتقل إلى مقاربة أكثر كلاسيكية عند تنصيبه رئيسا.

تفاؤل وتوجس

لكن التفاؤل في أوساط الأعمال الأميركية يعود أيضا إلى واقع سياسي لا علاقة لشخصية ترامب به، وهو سيطرة حزب واحد للمرة الأولى منذ 2010 على البيت الأبيض والكونغرس بمجلسيه.
من جهته، أوضح مارك زيندي، كبير الاقتصاديين لدى «موديز»، أن «هناك شعورا عاما بأن الأمور يمكن أن تستكمل حتى النهاية الآن مع حكومة موحدة خلف الحزب الجمهوري».
فخلال ولاية باراك أوباما، لم تتوقف المواجهات بين الإدارة الديمقراطية والمشرعين الجمهوريين في الكونغرس، ما أدى إلى أزمات حادة في الموازنة، ومنع أي إصلاح ضريبي للشركات، رغم الانتقاد الموجه من الأطراف كافة.
ويرى الخبراء أن الأمر يحتاج إلى ما هو أكثر بكثير لتحويل «القفزة» التي يحظى بها الرئيس المنتخب إلى توجه دائم... وأن «هناك كثيرا من التساؤلات».
فلقد وعد ترامب بخطة واسعة في مستوى البنى التحتية، لكنها غير واضحة الملامح، ويمكن أن تؤثر على المالية العامة. ففي ديسمبر، أشار الاحتياطي الأميركي إلى «شكوك كبيرة» تحيط ببرنامج الإدارة الجديدة. كما أن الحرب الاقتصادية التي وعد ترامب بخوضها مع الصين أو المكسيك يمكن أن تغير موقف الشركات الأميركية المتعددة الجنسيات، التي غالبا ما تكون رهينة أنشطتها في الخارج، خصوصا أن تحسن سعر الدولار سيجعل صادراتها أكثر تكلفة.
ويرى بعض الخبراء والمراقبين أنه «يجب الانتظار قليلا لمعرفة ما الذي يدور في رأس ترامب تحديدا، قبل التسرع بإصدار أحكام حول نجاح خططه أو فشلها». وبدأ المستشار السابق لأوباما في البيت الأبيض جاريد بيرنشتاين، أكثر وضوحا، متوقعا أياما صعبة إذا طبق ترامب برنامجه لرفع القيود عن الشركات وخفض الضرائب. وقال إن «أولئك الذين لا يعانون من فقدان ذاكرة اقتصادية، سيتذكرون أن هذا (الخليط) أوقعنا في فوضى ومأزق في عام 2008 وأدى إلى الأزمة المالية».

العجز التجاري يرتفع

وعلى صعيد آخر، ارتفع العجز التجاري الأميركي للشهر الثاني على التوالي في نوفمبر، مع زيادة الواردات إلى أعلى مستوى في أكثر من عام بفعل صعود أسعار النفط، وهو ما يرجح أن التجارة شكلت ضغطا كبيرا على النمو الاقتصادي في الربع الأخير من العام الماضي.
وقالت وزارة التجارة، إن العجز التجاري زاد بنسبة 6.8 في المائة إلى 45.2 مليار دولار. وجرى تعديل قراءة العجز التجاري لشهر أكتوبر بالخفض قليلا إلى 42.4 مليار دولار، مقارنة مع 42.6 مليار دولار في القراءة السابقة.
وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم توقعوا ألا يسجل العجز التجاري تغيرا يذكر عند 42.5 مليار دولار في نوفمبر. وزاد العجز المعدل في ضوء التضخم إلى 63.6 مليار دولار من 60.3 مليار دولار في قراءة أكتوبر.
وبلغ إسهام التجارة في معدل الزيادة السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث نحو 0.85 نقطة مئوية. وتوقع خبراء اقتصاد أن تخصم التجارة أكثر من نقطة مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي في الربع الأخير.
وعلى الرغم من العجز التجاري، فمن المتوقع أن يتلقى النمو في الربع الأخير دعما من أنفاق المستهلكين ومتانة سوق الإسكان وزيادة التنقيب عن النفط والغاز. وزادت واردات الغذاء والخدمات 1.1 في المائة إلى 231.1 مليار دولار في نوفمبر، وهو أعلى مستوى منذ أغسطس (آب) 2015. ويعود جزء من هذه الزيادة في فاتورة الواردات إلى ارتفاع أسعار النفط، وسجلت أسعار الواردات البترولية المعدلة في ضوء التضخم أعلى مستوى منذ نوفمبر 2012.



ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.


بريطانيا لا تتوقع تأثيراً لتعريفات ترمب على اتفاقيتها التجارية

قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
TT

بريطانيا لا تتوقع تأثيراً لتعريفات ترمب على اتفاقيتها التجارية

قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)
قصر باكنغهام في العاصمة البريطانية (أ.ف.ب)

قال المتحدث باسم رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الاثنين، إن بريطانيا لا تتوقع أن تؤثر التعريفة الجمركية العالمية الجديدة التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنسبة 15 في المائة على «أغلبية» بنود الاتفاق الاقتصادي بين المملكة المتحدة والولايات المتحدة، والذي أُعلن عنه العام الماضي.

وأضاف المتحدث أن وزير التجارة البريطاني، بيتر كايل، تحدث مع الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، وأن الحكومة تتوقع استمرار المحادثات بين المسؤولين البريطانيين والأميركيين هذا الأسبوع.


من ساعتين إلى 30 دقيقة… «قطار القدية السريع» يختصر 75 % من زمن التنقل في الرياض

إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
TT

من ساعتين إلى 30 دقيقة… «قطار القدية السريع» يختصر 75 % من زمن التنقل في الرياض

إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)
إحدى عربات قطار الرياض في العاصمة السعودية (واس)

تشهد مدينة القدية تحولاً في مكانتها ضمن خارطة العاصمة السعودية، مع ربطها بمشاريع نقل رئيسية تصلها بمطار الملك سلمان ومركز الملك عبد الله المالي (كافد) عبر مشروع « قطار القدية السريع »، لتصبح مدة الوصول إليها نحو 30 دقيقة، من ساعتين تقريباً كوقت تقريبي عبر وسائل النقل الأخرى، ويمثل ذلك انخفاضاً في زمن التنقل بنسبة تصل إلى 75 في المائة، مع وصول سرعة القطارات التشغيلية إلى 250 كيلومتراً في الساعة، وفق لبيانات الهيئة الملكية لمدينة الرياض.

يأتي المشروع ضمن منظومة نقل أوسع تستهدف تعزيز الترابط داخل المدينة ورفع كفاءة التنقل بين المراكز الحيوية، بما يواكب النمو السكاني والتوسع العمراني غرب وجنوب غربي الرياض.

في سياق متصل، أعلنت الهيئة ترسية امتداد «المسار الأحمر» لمترو الرياض إلى الدرعية، عبر أنفاق بطول 7.1 كيلومتر ومسارات مرتفعة بطول 1.3 كيلومتر، مع إنشاء محطات في جامعة الملك سعود والدرعية، على أن تمثل المحطة الأخيرة نقطة ربط مستقبلية مع «الخط السابع» المرتقب.

إحدى مناطق مشروع القدية الترفيهي (واس)

ووفق تقديرات الهيئة، يُتوقع أن يسهم المشروع في تقليص عدد السيارات اليومية بنحو 150 ألف مركبة، مما يعزز الوصول إلى وجهات سياحية مثل «مطل البجيري» و«وادي صفار»، ويدعم التحول نحو أنماط تنقل أكثر استدامة.

المشاريع الكبرى

وقال نائب رئيس «الخليجية القابضة» بندر السعدون، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، إن مشروع الدرعية يُعد من بين أضخم مشاريع «رؤية 2030»، فيما تم الإعلان عن مشاريع نوعية في «وادي صفار»، إضافةً إلى مشاريع الأوبرا وجامع الملك سلمان.

وأوضح أن امتداد المسار الأحمر عبر طريق الملك عبد الله حتى الدرعية سيخلق طلباً عقارياً قوياً، لا سيما مع تكامل شبكة القطارات التي تبدأ من مطار الملك سلمان مروراً بـ«كافد» والدرعية والمربع الجديد.

في المقابل، أشار السعدون إلى أن عدد المشاريع المعلنة في القدية يصل إلى نحو 30 مشروعاً، مما يعزز احتمالات تشكل طفرة عقارية تدريجية في الممرات المرتبطة بالقطار، خصوصاً مع ارتباطه بمشاريع كبرى مثل «إكسبو 2030» و«المربع الجديد» و«الأفنيوز»، إضافةً إلى مطار الملك سلمان المتوقع أن يكون من أكبر مطارات العالم بحلول 2030.

الأراضي البيضاء

من جهته، ذكر المحلل العقاري خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن مشاريع النقل الكبرى مثل «قطار القدية السريع» لا ترفع الأسعار فقط، بل تعيد تشكيل هيكل السوق العقارية وقيم الأصول على المدى المتوسط والطويل.

وحسب المبيض، فإن التجارب التاريخية تشير إلى أن العقارات الواقعة ضمن نطاق 1 إلى 3 كيلومترات من محطات النقل تشهد ارتفاعاً في القيمة الرأسمالية، مع زيادة الطلب الاستثماري على الأراضي البيضاء وتحولها إلى مشاريع تطويرية عالية الكثافة.

وأضاف أن هناك قاعدة اقتصادية واضحة في هذا النوع من المشاريع، مفادها أن «كل دقيقة يتم اختصارها في زمن الوصول تنعكس مباشرةً على القيمة السوقية للأصول»، معتبراً أن المشروع لا يمثل مجرد محطة نقل، بل محور نمو متكامل يُنتج حوله اقتصاداً عقارياً جديداً.

الكثافة السكانية

وحول ما إذا كان الأثر سيقتصر على إعادة توزيع الطلب داخل الرياض، أم سيولّد نمواً فعلياً في حجم السوق، أبان أن الأثر سيكون مزدوجاً؛ إذ ستشهد السوق نمواً حقيقياً مدفوعاً بما وصفه بـ«الطلب المصنّع» الناتج عن مشروع القدية، الذي يُتوقع أن يستقطب 17 مليون زائر ويوفر 325 ألف فرصة عمل، إلى جانب إعادة توزيع الكثافة السكانية باتجاه غرب العاصمة والمناطق المرتبطة بالمحطات.

وفيما يتعلق بالمسار السعري، يرى المبيض أن السوق حالياً في مرحلة استباقية انعكست في ارتفاع أسعار الأراضي المحيطة بالقدية بين 30 و40 في المائة منذ 2023، متوقعاً أن يتحول النمو إلى مسار أكثر استدامة مع بدء التشغيل الفعلي، وارتباط الأسعار بالقيمة التشغيلية الناتجة عن تقليص زمن التنقل إلى 30 دقيقة بين المطار و«كافد» و«القدية».

وبشأن القطاع المرشح لقيادة المرحلة المقبلة، أبان أن العقارين السكني والسياحي مرشحان بأدوار متكاملة؛ فالسكني مدعوم بمستهدفات رفع نسبة تملك المواطنين إلى 70 في المائة، في حين يستند السياحي إلى مستهدفات استقطاب 150 مليون زائر سنوياً بحلول 2030، مرجحاً أن تكون المواقع التي تخدم الاستخدامين معاً على امتداد مسار القطار الأكثر جذباً للاستثمار.

Your Premium trial has ended