تركيا تبدأ العام الجديد بـ«أزمة الفائدة»

عام 2016 أجبرها على مراجعة طموحاتها الاقتصادية

سجلت الليرة التركية تراجعا جديدا أمام الدولار واليورو أمس بسبب التوترات الأمنية وكان لتراجع عائدات قطاع السياحة تأثير شديد في انكماش الاقتصاد للمرة الأولى منذ 7 سنوات (غيتي)
سجلت الليرة التركية تراجعا جديدا أمام الدولار واليورو أمس بسبب التوترات الأمنية وكان لتراجع عائدات قطاع السياحة تأثير شديد في انكماش الاقتصاد للمرة الأولى منذ 7 سنوات (غيتي)
TT

تركيا تبدأ العام الجديد بـ«أزمة الفائدة»

سجلت الليرة التركية تراجعا جديدا أمام الدولار واليورو أمس بسبب التوترات الأمنية وكان لتراجع عائدات قطاع السياحة تأثير شديد في انكماش الاقتصاد للمرة الأولى منذ 7 سنوات (غيتي)
سجلت الليرة التركية تراجعا جديدا أمام الدولار واليورو أمس بسبب التوترات الأمنية وكان لتراجع عائدات قطاع السياحة تأثير شديد في انكماش الاقتصاد للمرة الأولى منذ 7 سنوات (غيتي)

بدأت تركيا العام الجديد، بإعادة فتح ملف «أزمة الفائدة» التي اشتدت وتيرتها أواخر العام الماضي، والتي كانت من مخلفاتها تغيير محافظ البنك المركزي التركي، نتيجة اختلافات الرؤى مع الرئيس رجب طيب إردوغان وحكومته؛ إذ دعا إردوغان، أول من أمس (الأربعاء) البنوك، وبخاصة الحكومية لخفض أسعار الفائدة، وقال إن «البنك المركزي يجب أن يعمل على هذه القضية لخفض أسعار الفائدة».
وفي خطاب ألقاه من القصر الرئاسي كرر إردوغان دعوته الأتراك إلى بيع النقد الأجنبي، وقال إن «سعر صرف الليرة التي هبطت إلى مستوى قياسي جديد يوم الثلاثاء لا يعكس الحقائق الاقتصادية».
واضطر البنك المركزي التركي إلى التدخل في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، برفع أسعار الفائدة 50 نقطة أساس، فيما سادت مخاوف تصل إلى حد التشاؤم إزاء الوضع الاقتصادي في تركيا بسبب تباطؤ النمو والتداعيات المرتبطة بالانقلاب.
وسجلت الليرة التركية تراجعا جديدا أمام الدولار الأميركي واليورو أمس (الخميس)، تفاعلا مع التوترات الأمنية وتصاعد الإرهاب وارتفاع معدل التضخم، وحملة أمنية جديدة استهدفت مسؤولين في واحدة من أكبر المجموعات الاقتصادية في تركيا في إطار تحقيقات محاولة الانقلاب الفاشلة. وارتفع الدولار إلى مستوى 3.62 ليرة أمس، فيما سجل اليورو نحو 3.82 ليرة.
وأمس، أوقفت الشرطة التركية، كبير المستشارين القانونيين ومدير تنفيذي سابق لمجموعة دوغان القابضة، إحدى أكبر المؤسسات الاقتصادية في البلاد، ضمن تحقيقات محاولة الانقلاب التي تتهم أنقرة رجل الدين المقيم في الولايات المتحدة فتح الله غولن بالتخطيط لها؛ مما تسبب في تراجع أسهم المجموعة.
* بداية العام
وكان عام 2016 واحدًا من أحرج الأعوام في مسيرة الاقتصاد التركي الذي تمكن من تخطي الأزمة الاقتصادية العالمية في 2008 – 2009 بلا مشكلات مؤثرة؛ فقد كانت الأحداث التي مر بها خلال هذا العام سواء على الساحة الداخلية أو تلك التي أثرت فيه من الخارج كفيلة بعرقلة طموحات تركيا الاقتصادية، التي استندت إلى ما تحقق من إنجازات على مدى أكثر من 10 أعوام وضعت الاقتصاد التركي في مصاف الاقتصادات العالمية الكبرى، ليحتل المرتبة السابعة عشرة على العالم، وتراجعت مؤشرات البطالة والتضخم إلى الأرقام ذات الخانة الواحدة، لكنها عادت لتصعد العام الماضي مع تراجع كبير في النمو.
وعلى الرغم من إظهار الاقتصاد التركي قوة غير متوقعة عقب محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في 15 يوليو (تموز)، فإنه ومع الوقت ظهر أن تداعيات كبيرة خلفتها ليلة الصيف الفاشلة على الاقتصاد التركي الذي بدأ يعرف مؤشرات محبطة تنذر بالخطر.
وأعلنت تركيا، أن حجم خسائرها من محاولة الانقلاب وصل إلى نحو 100 مليار دولار، فيما أكد رئيس الوزراء بن علي يلدريم، أن الاقتصاد التركي لم يواجه أي هزة، وأنه في وضع جيد رغم المؤشرات التي أظهرتها بيانات رسمية عن تراجع الصادرات في يوليو الماضي بنحو 20 في المائة.
وقال وزير الجمارك والتجارة التركي بولنت توفنكجي: إن محاولة الانقلاب الفاشلة كلفت البلاد خسائر تقدر قيمتها بما لا يقل عن 300 مليار ليرة (99.9 مليار دولار). وأكد في المقابل، مرونة الاقتصاد المحلي، بما في ذلك الإعادة السريعة لفتح البورصة.
وتمكنت الليرة التركية منذ بدء تعاملات الأسبوع الأول من شهر أغسطس (آب) بعد الانقلاب من تعويض بعض خسائرها. فخلال ذروة القلق من الانقلاب تراجعت الليرة من 2.87 مقابل الدولار إلى 3.09 ليرة. إلا أن الليرة أظهرت بعد ذلك وعلى مدى ما يقرب من 5 أشهر أداءً مترديًا لم يحدث منذ 35 عامًا.
* تصنيف الاقتصاد
لم تدم مظاهر القوة طويلاً، فقد خفضت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني من توقعاتها لتصنيف تركيا الائتماني في أواخر أغسطس الماضي، مبدية مخاوف حيال الغموض الذي يخيم على الوضع السياسي بعد محاولة الانقلاب الفاشلة.
وقالت «فيتش» في بيان وقتها، إن التوقعات لتصنيف الدين التركي المحدد حاليًا بدرجة BBB - خفضت من مستقر إلى سلبي؛ مما يشير إلى احتمال خفض التصنيف في الأشهر المقبلة. موضحة أن «الغموض السياسي سينعكس على أداء الاقتصاد، ويطرح أخطارًا على السياسة الاقتصادية».
وبمعزل عن محاولة الانقلاب، رأت الوكالة أن الظروف الأمنية تراجعت مع الهجمات الإرهابية التي وقعت في تركيا وتسببت في سقوط الكثير من الضحايا. كما حذرت من أن تسريح الكثير من كبار المسؤولين العسكريين والأمنيين في أعقاب محاولة الانقلاب في 15 يوليو قد يطرح مشكلات في الحفاظ على الأمن.
وأشارت الوكالة إلى أن قطاع السياحة الذي يشكل 3 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي ويؤمّن لتركيا 13 في المائة من عائداتها الخارجية، بات يعاني من الوضع المتأزم. وتوقعت أن تشهد تركيا تباطؤا في النمو الاقتصادي بسبب انخفاض الاستثمارات.
ولفتت الوكالة إلى تراجع إمكانية تنفيذ إصلاحات بنيوية كبرى كان يمكن أن تبدل نمط النمو الاقتصادي التركي. كما توقعت أن يواجه البنك المركزي التركي ضغوطا سياسية في شأن سياسته النقدية.
وسيرتفع الدَين الخارجي وفقا لتوقعات «فيتش»، من 35 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي في نهاية عام 2015 إلى 39.3 في المائة في نهاية 2018.
وكان رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم سعى إلى تبديد المخاوف على الاقتصاد التركي بعد الانقلاب الفاشل، لافتا إلى أن تركيا دخلها منذ 15 يوليو مليار دولار، وهو حجم أكبر من الأموال التي خرجت منها. وسرعان ما خفضت وكالة التصنيف الدولية «ستاندرد آند بورز»، أيضا التصنيف الائتماني لتركيا من «+BB» إلى «BB» مع الحفاظ على توقعات بنظرة «سلبية». وقالت إن «خفض التوقعات للتصنيف يعكس رؤيتها بأن الأفق السياسي في تركيا ازداد تمزقا عقب الانقلاب». وانتقد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان وكالات التصنيف الائتمانية الدولية، واعتبر أن التقييمات التي تصدرها «سياسية» عدا بعض الاستثناءات.
* تراجع النمو
تراجع معدل النمو الاقتصادي في تركيا خلال الربع الثاني من العام الجاري إلى 3.1 في المائة في مقابل 4.7 في المائة في الربع الأول فيما بلغ 3.9 خلال النصف الأول من العام. وأوضح البيان أن إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الجارية، حقق زيادة بنسبة 9 في المائة، ووصل حجم الزيادة إلى 525 مليارا و932 مليون ليرة تركية، ما يعادل 177 مليار دولار، في حين سجل إجمالي الناتج المحلي بالأسعار الثابتة نموا بنسبة 3.1 في المائة، ووصل حجم الزيادة إلى 33 مليارا و61 مليون ليرة تركية، أي ما يعادل 11 مليار دولار. وفي تعليق له على الأرقام، التي كشفت عنها هيئة الإحصاء الرسمية، اعتبر وزير المالية التركي ناجي أغبال أن الاقتصاد التركي في الربع الثاني سجل نموا معتدلا. وبلغ حجم النمو في النصف الأول من العام 3.9 في المائة على الرغم من تأثير ظروف خارجية في النمو الطبيعي المتوقع للاقتصاد التركي لافتا إلى أن الاقتصاد التركي سجل نموا مستقرا خلال 27 ربعا، على خلاف وتيرة النمو الاقتصادي لبعض الدول المتقدمة والنامية، التي شهد اقتصادها اضطرابا في معدلات النمو.
وتوقع نائب رئيس الوزراء التركي للشؤون الاقتصادية محمد شيمشك، أن تؤثر محاولة الانقلاب التي شهدتها البلاد منتصف يوليو الماضي سلبا إلى حد ما في النمو الاقتصادي خلال الربع الثالث من العام الحالي.
وكانت توقعات الخبراء الاقتصاديين لحجم النمو الاقتصاد التركي خلال الربع الثاني من العام تشير إلى معدل يصل إلى 3.3 في المائة. وبلغ معدل نمو الاقتصاد التركي 4 في المائة في عام 2015، وبلغ 4.7 في المائة في الربع الأول من عام 2016؛ ما أعطى مؤشرا إيجابيا على إمكانية الوصول إلى معدل قريب في نهاية العام.
وخفضت الحكومة التركية توقعاتها للنمو من 4.5 في المائة إلى حدود 3 في المائة ومن جانب البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي إلى 2.9 في المائة.
* مشكلات الاستثمار
كما سعت الحكومة لجذب المستثمرين، بعد خروج نحو مليار دولار استثمارات أجنبية وإحجام المستثمرين عن ضخ مزيد من الاستثمارات بسبب حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني، من خلال حوافز جديدة لتشجيعهم منها خفض الضرائب وتسهيل عملهم والبدء في بحث منحهم الجنسية التركية إلا أن هذه الخطوات لم تأت بتأثير كبير.
ومنحت وكالة «موديز» للتصنيف الائتماني الشركات التركية نظرة مستقبلية «سلبية» في العام الحالي 2017.
وقالت الوكالة في تقرير لها في الخامس عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي: «إن هذه النظرة تعكس توقعاتها نتيجة انخفاض معدلات النمو الاقتصادي، وضعف ثقة المستهلكين للشركات والمخاطر الجيوسياسية المتفاوتة، وتذبذب أسعار صرف العملات».
وبحسب التقرير، فإن ما يقرب من نصف الشركات التركية يسجل درجات أعلى من التصنيف السيادي BA1 وتحافظ على سياسات مالية منضبطة جدا ولديها القدرة على مواجهة التباطؤ الاقتصادي المحلي.
* انكماش الاقتصاد
ونتيجة لتراجع النمو وتذبذب العملة ومخاوف المستثمرين والاضطرابات السياسية بسبب حالة الاستقطاب حول طرح التعديلات الدستورية ومناقشة النظام الرئاسي حقق الاقتصاد التركي انكماشا يفوق التوقعات بنسبة بلغت 1.8 في المائة في الربع الثالث من العام الجاري في أول انخفاض لمعدل النمو الاقتصادي منذ عام 2009، حيث تأثر إنفاق الأسر بتنامي المخاوف الأمنية.
وقال معهد الإحصاء التركي إنه انتهى من تعديل بيانات الناتج المحلي الإجمالي لتتفق مع معايير الاتحاد الأوروبي. وأضاف، أن معدل النمو في الربعين الأول والثاني يبلغ 4.5 في المائة. وسجل الناتج المحلي الإجمالي معدل نمو 2.2 في المائة في أول تسعة أشهر. وتخطت نسبة الانكماش السنوي التوقعات بتراجع 0.5 في المائة.
وأرجع نائب رئيس الوزراء التركي للشؤون الاقتصادية محمد شيمشيك انكماش الناتج المحلي إلى ضعف التجارة العالمية وتراجع التدفقات الرأسمالية إلى الأسواق الناشئة والتوترات السياسية في البلاد.
* تدهور الليرة
تعرضت الليرة التركية لضربات موجعة أيضا خلال العام الماضي، وفقدت 20 في المائة على الأقل من قيمتها منذ محاولة الانقلاب الفاشلة. وأضطر البنك المركزي التركي إلى التدخل في نوفمبر برفع أسعار الفائدة 50 نقطة أساس، فيما سادت مخاوف تصل إلى حد التشاؤم إزاء الوضع الاقتصادي في تركيا بسبب تباطؤ النمو والتداعيات المرتبطة بالانقلاب. وسعى رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إلى التقليل من أهمية التراجع في سعر الليرة أمام الدولار الأميركي، والذي أصبح رقما قياسيا في التراجع منذ 35 عاما، بقوله إن «الاقتصاد التركي قائم على أسس صلبة» وإن السلطات التركية مصممة على إزالة جميع مظاهر القلق وحتى البسيطة منها لدى الأسواق والمستثمرين ورجال الأعمال.
وكان تدخل البنك المركزي التركي هو الأول منذ يناير (كانون الثاني) 2014 داعما الليرة التركية؛ مما ساهم لفترة قصيرة بارتفاع قيمة الليرة، لكن هذا التحسن سرعان ما تبخر على خلفية صدور قرار البرلمان الأوروبي في 24 نوفمبر الذي دعا إلى تجميد مفاوضات انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وتهديد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بفتح حدود بلاده مجددا أمام اللاجئين الراغبين بالانتقال إلى أوروبا. وتراجعت الليرة التركية بشكل حاد خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة من نوفمبر، استمرارا للتراجع؛ مما اضطر إردوغان إلى دعوة المواطنين لتحويل ما لديهم من دولار إلى ليرة أو ذهب.
* تراجع السياحة
وكان لتراجع عائدات قطاع السياحة في تركيا تأثيرًا شديدًا في انكماش الاقتصاد التركي للمرة الأولى منذ 7 سنوات. فعلى الرغم من رفع الحظر من جانب موسكو وعودة السياحة الروسية واستئناف رحلات الشارتر إلى تركيا في أواخر أغسطس بعد زوال الأزمة بين تركيا وروسيا التي استمرت 9 أشهر عقب إسقاط مقاتلة روسية على الحدود مع سوريا في 24 نوفمبر 2015 تكبد فيها قطاع السياحة في تركيا خسائر ضخمة لم تستطع تركيا تدارك الأمر وتحسين وضع السياحة في 2016.
فقد شهد العام الماضي الكثير من الهجمات الإرهابية التي استهدفت السياحة، منها تفجيران في منطقة السلطان أحمد وميدان تقسيم، أكبر مقصدين سياحيين في إسطنبول في مطلع العام، ثم التفجير الإرهابي الانتحاري الثلاثي في مطار أتاتورك الدولي في إسطنبول في 28 يونيو (حزيران)، فمحاولة الانقلاب الفاشلة في 15 يوليو، وما أعقبها من تفجيرات إرهابية وأحداث أدت إلى التأثير في الاستقرار، وأعطت صورة سلبية عن مناخ الأمن في تركيا كان آخرها التفجيران اللذان وقعا مساء 11 ديسمبر الماضي قرب استاد بيشكتاش، في واحدة من أهم مناطق إسطنبول السياحية أيضا.
وتراجعت أعداد السياح الأجانب الوافدين على تركيا منذ بداية العام وحتى نهاية سبتمبر (أيلول) بنسبة 31.96 في المائة. وفي المعتاد تتلقى تركيا نحو 40 في المائة من إجمالي السائحين لديها في العام، بين شهري يوليو وسبتمبر؛ ولذلك ألقت محاولة الانقلاب الفاشلة وتصعيد الهجمات الإرهابية بظلالها على عائدات السياحة.
وبحسب تقرير لوزارة الثقافية والسياحة التركية بلغ عدد السياح الأجانب الذين زأروا تركيا في الأشهر التسعة الأولى من العام زهاء 20.25 مليون أي أقل بنحو 10 ملايين مما كانت عليه في 2015 الذي سجل 29.76 مليون.
ولفت لتقرير إلى أن عدد السياح هبط بنسبة تزيد على 30 في المائة على أساس شهري، في بداية شهر مايو (أيار) الماضي، وبلغ الانخفاض أقصاه في يونيو إلى 40.86 في المائة وفي أغسطس 37.96 في المائة.
وبلغ عدد السياح الأجانب القادمين إلى تركيا 17 مليونا و391 ألفا و431 شخصا في الثلثين الأولين من العام، تصدر خلالهما مواطنو الدول الأوروبية القائمة، حيث بلغ عددهم 9 ملايين و400 ألف سائح.
وبحسب معطيات وزارة الثقافة والسياحة، زار تركيا في الأشهر الثمانية الأولى من العام مواطنون من أكثر من 100 دولة حول العالم، تصدرتها الدول الأوروبية بنسبة 54 في المائة.
وفي شهر أكتوبر (تشرين الأول) تراجعت أعداد السياح الأجانب الوافدين إلى تركيا بنسبة 25.8 في المائة لتسجل 2.45 مليون سائح بعدما سجلت العام الماضي خلال الفترة نفسها 3.3 مليون سائح. أما أعداد السياح الروس الذين وفدوا إلى تركيا خلال الأشهر العشرة الأولى عقب حادثة إسقاط أنقرة مقاتلة روسية على الحدود مع سوريا نهاية نوفمبر 2015 فتراجعت بنسبة 78.3 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق.
* معدل البطالة
وأظهرت بيانات رسمية ارتفاع معدل البطالة في تركيا إلى 11.3 في المائة في سبتمبر الماضي، مقارنة مع 11.2 في المائة خلال الفترة نفسها من العام 2015، وزاد عدد العاطلين عن العمل بواقع 420 ألف شخص. وقال معهد الإحصاء التركي في 15 ديسمبر الماضي، إن معدل البطالة بين الشباب من 15 إلى 24 عاما ارتفع بنسبة 1.4 ليصل إلى 19.9 في المائة، وارتفع بنسبة 1.1 في المائة في العمر من 15 إلى 64 عاما، ليصل إلى 11.6 في المائة. ومع ذلك، ارتفع معدل التوظيف في القطاع العام بنسبة 1.3 في المائة خلال الربع الثالث، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي.
* مؤشرات الاقتصاد
كما أظهرت بيانات معهد الإحصاء التركي تراجعا سنويا في ناتج الصناعات التحويلية بنسبة 3.2 في المائة، و23.8 في المائة زيادة في نفقات الاستهلاك الإجمالي للدولة و1.4 في المائة زيادة سنوية في قطاع الإنشاءات خلال الربع الثالث من العام، و8.4 في المائة تراجعا سنويا في قطاع الخدمات، و1.4 في المائة تراجعا سنويا في قطاع الصناعة، و7.7 في المائة في قطاع الزراعة، و7 في المائة في صادرات السلع والخدمات و3.2 في المائة في النفقات الإجمالية للأسرة، و4.3 في المائة زيادة سنوية في واردات السلع والخدمات.
في الوقت نفسه، أعلن البنك المركزي التركي، أن العجز في ميزان المعاملات الجارية تراجع في أكتوبر الماضي ليبلغ 1.675 مليار دولار. وكان حجم العجز سجل في سبتمبر الماضي 1.684 مليار دولار. في حين بلغ 32.192 مليار دولار عام 2015.
كما سجل عجز الحساب الجاري 33.7 مليار دولار خلال شهر أكتوبر الماضي.



ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

سجلت السعودية في ختام السنة المالية 2025 أداءً اقتصادياً لافتاً يعكس نجاح سياسات التحول الوطني وقدرة الاقتصاد على النمو المستدام، حيث كشفت النتائج المالية عن «توازن استراتيجي بين الإنفاق التوسعي الجريء، والحفاظ على رصانة المركز المالي».

وقد جسد ذلك العام محطة مفصلية في مسيرة «رؤية 2030»، إذ تُرجمت الأرقام إلى مشروعات حقيقية وخدمات متطورة لامست حياة المواطنين بشكل مباشر؛ «مما يعزز الثقة الدولية بمتانة الاقتصاد السعودي ومستقبله الواعد».

وعلى صعيد الموارد المالية، فقد «حققت المملكة نجاحاً استثنائياً في تنويع مصادر دخلها، حيث بلغت الإيرادات الإجمالية لعام 2025 نحو 1.111.826 تريليون ريال (ما يعادل 296.48 مليار دولار)».

وتبرز القوة الحقيقية لهذا الأداء في الصعود التاريخي للإيرادات غير النفطية التي وصلت إلى 505.282 مليار ريال (نحو 134.74 مليار دولار)، وهو ما يمثل «دليلاً قاطعاً على فاعلية الخطط الاقتصادية في تقليص الاعتماد على النفط، وخلق روافد مالية جديدة ومستقرة، تضمن استمرارية النمو الاقتصادي تحت مختلف الظروف العالمية».

وبشأن الإنفاق الحكومي، فقد كان عام 2025 عاماً لـ«الاستثمار في الإنسان والتنمية بامتياز»، حيث بلغ إجمالي المصروفات الفعلية 1.388.432 تريليون ريال (نحو 370.24 مليار دولار). وقد وجهت الحكومة هذه المبالغ الضخمة بـ«كفاءة عالية نحو القطاعات الحيوية التي تمس جودة الحياة، حيث تصدّر قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية قائمة الإنفاق بـ278.878 مليار ريال (74.36 مليار دولار)، تلاه قطاع التعليم بـ212.464 مليار ريال (56.65 مليار دولار)».

ويعكس هذا «الإنفاق السخي على الرعاية الصحية والتعليم الرؤية الحكيمة للقيادة السعودية التي تضع رفاهية المواطن وتمكينه في قلب أولوياتها الوطنية، عادّةً أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم للمستقبل».

ونتيجة لهذا التوسع المدروس في الإنفاق الرأسمالي وتسريع وتيرة المشروعات الكبرى، فقد سجلت الميزانية عجزاً سنوياً بلغ 276.605 مليار ريال (نحو 73.76 مليار دولار)، منها 94.847 مليار ريال (25.29 مليار دولار) في الربع الرابع وحده. وقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة هذا العجز، حيث مُوّل بالكامل عبر إصدارات دين احترافية دون المساس بالاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

أما عن الجدارة الائتمانية والاستقرار المالي، فقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة التدفقات النقدية والالتزامات المالية، حيث مُوّل العجز السنوي الناتج عن تسارع وتيرة المشروعات الكبرى، والبالغ 276.605 مليار ريال (73.76 مليار دولار) بالكامل عبر أدوات دين احترافية وأسواق رأس المال، دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

هذا الموقف المالي القوي «يبعث برسالة تفاؤل واضحة للقطاع الخاص والمستثمرين المحليين والأجانب، ويؤكد أن المملكة تمضي قدماً في مشروعاتها الكبرى بخطى ثابتة وقاعدة مالية متينة تضمن استمرار النهضة الشاملة التي تشهدها جميع مناطق المملكة».


البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)

أرجأ البرلمان الأوروبي التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حسبما أعلن بيرند لانغ رئيس لجنة التجارة الخارجية في البرلمان.

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات تشريعية لإلغاء العديد من رسوم الاستيراد التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السلع الأميركية، وهو بند أساسي في الاتفاقية التي أُبرمت في اسكوتلندا، نهاية يوليو (تموز) الماضي.

وتتطلب هذه المقترحات موافقة البرلمان وحكومات الاتحاد الأوروبي.

وكان من المقرر أن تصوِّت لجنة التجارة في البرلمان، الثلاثاء، لكن تم تأجيل التصويت، في ثاني تعليق من نوعه من قبل مشرّعي الاتحاد الأوروبي.

وأوقف الاتحاد الأوروبي سابقاً العمل على الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته.

كانت المحكمة العليا الأميركية، قد قضت، في صفعة قضائية لترمب، بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظامه الجمركي السابق؛ مما دفع ترمب إلى البحث عن مسارات قانونية بديلة لضمان استمرار استراتيجيته القائمة على حماية الأسواق المحلية، ومعاقبة الخصوم التجاريين.

وقال ترمب بعدها إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة، الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرَّر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تمَّ اختباره قانونياً، وهو 15 في المائة».

وكان ترمب قد أعلن في البداية عن رسوم بنحو 10 في المائة فور صدور الحكم، غير أنه سرعان ما زاد النسبة، مستنداً هذه المرة إلى مادة قانونية تختلف عن «قانون القوى الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي أسقطته المحكمة.

وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية، الاثنين، إن ألمانيا تتوقع من الولايات المتحدة الرد سريعاً وبسياسة واضحة على قرار المحكمة العليا الذي ينص على أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس، دونالد ترمب، تجاوزت صلاحياته.

وأضاف المتحدث: «هناك حاجة لتحليل القرار، بما في ذلك مسألة أثره الرجعي على الرسوم الجمركية المفروضة بالفعل... نحن لا ننظر إلى هذا الأمر بهدوء أو بموضوعية، بل باهتمام بالغ. كما نتوقع من الجانب الأميركي الرد سريعاً وبسياسة واضحة تمكننا من الرد».


ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.