2016... عام قطف إيران ثمار الاتفاق النووي إقليميًا

أبرز محطاته تصعيد التدخل في سوريا واليمن... ومهاجمة السفارة السعودية

وزير الخارجية الأميركي جون كيري التقى نظيره الإيراني جواد ظريف في فيينا قبل يوم من اجتماع وكالة الطاقة الدولية في 16 أغسطس الماضي (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري التقى نظيره الإيراني جواد ظريف في فيينا قبل يوم من اجتماع وكالة الطاقة الدولية في 16 أغسطس الماضي (غيتي)
TT

2016... عام قطف إيران ثمار الاتفاق النووي إقليميًا

وزير الخارجية الأميركي جون كيري التقى نظيره الإيراني جواد ظريف في فيينا قبل يوم من اجتماع وكالة الطاقة الدولية في 16 أغسطس الماضي (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي جون كيري التقى نظيره الإيراني جواد ظريف في فيينا قبل يوم من اجتماع وكالة الطاقة الدولية في 16 أغسطس الماضي (غيتي)

يمكن القول إن عام 2016 المنصرم كان عام «استفادة» إيران من الاتفاق النووي الذي كانت قد عقدته مع الولايات المتحدة (على رأس الدول الخمسة زائد واحد) عبر توسيع تدخلاتها السياسية والحربية في العالم العربي، وبالأخص في سوريا واليمن. وكان هذا واضحًا من إحجام واشنطن عن كبح التدخلات الإيرانية لرغبتها بالمحافظة على الاتفاق الذي اعتبره الرئيس المنتهية ولايته باراك أوباما من أهم منجزات حكمه.
إلا أن إيران بدأت عام 2016 بمنعطف خطير في علاقاتها مع الدول العربية بعدما هاجمت جماعة من منتسبي الباسيج التابع للحرس الثوري الإيراني مقري السفارة والقنصلية السعودية في طهران ومشهد، عقب تحريض رسمي. وفي المقابل، ردّت الرياض بقطع علاقاتها الدبلوماسية مع إيران وطرد السفير الإيراني. وبعدها حاول الإيرانيون الثأر من المواقف الدولية والعربية الواسعة من خلال رفض طهران شروط السعودية لدخول الحجاج الإيرانيين تمهيدًا لتسييس الحج على غرار السنوات الماضية التي شهدت توتر العلاقات بين البلدين.
وعلى الصعيد السياسي، رغم تقبيح المرشد الأعلى علي خامنئي الهجوم على السفارة والقنصلية، فإنه دافع عن المهاجمين في عدة مناسبات، ورفض وصفهم بالمتطرفين. وهو ما ترك أثره على مسار محاكمة الموقوفين بتخفيف العقوبات. ومع أن الرئيس حسن روحاني وصف الهجوم بأنه يهدد الأمن القومي، خففت التهمة إلى الإخلال بالنظم العام. وفي مايو (أيار) قال حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس الإيراني، في حوار نشرته مجلة «إنديشه بويا» إن «دوافع طائفية» كانت وراء الهجوم على السفارة السعودية.
* فوائد الاتفاق النووي
بعد الاتفاق النووي تدفقت الوفود الأوروبية إلى طهران بحثًا عن مكاسب اقتصادية وإبرام عقود تجارية كان نصيب الفرنسيين والألمان على الورق أوفر من الدول الأخرى في الاتحاد الأوروبي، لكن امتناع المؤسسات المالية عن التعامل مع طهران، عرقل ما كانت حكومة روحاني تأمل في إنجازه، ناهيك بالرفض الداخلي لدخول المستثمرين، خصوصًا أن الذراع الاقتصادي للحرس الثوري يعد أبرز منافس للشركات الداخلية والدولية في الحصول على المشاريع العملاقة. في أي حال، على مدى السنة الماضية حاولت إيران عقد صفقات تجارية كبيرة منها مع شركات نفطية مثل «شل» و«توتال»، وفضلا عن شركات أخرى، وهذا بجانب صفقات تطوير أسطولها الجوي عبر حصولها على طائرات من صنع شركتي «بوينغ» و«إيرباص». غير أن معارضة وزارة الخزانة الأميركية استخدام إيران للدولار في معاملاتها التجارية، أخر البت بالصفقات.
وفي يونيو (حزيران) أعلنت مجموعة «فاتف» الدولية التي تراقب تمويل الإرهاب وغسل الأموال في أحدث تصنيف لعام 2016 إبقاء إيران على صدر القائمة السوداء بين أكثر الدول العالية المخاطر على المؤسسات المالية العالمية.
* «الانتخابات»... وتلاسن المسؤولين
من ناحية ثانية، كان من أهم الأحداث السياسية في إيران خلال 2016 دخول البلاد الانتخابات البرلمانية وانتخابات خبراء القيادة. وكانت البلاد دخلت الأجواء الانتخابية قبل شهور من موعد تنفيذها واكتسبت الانتخابات حساسية زائدة أهمها توقعات بإمكانية صعود مرشد ثالث بعد تكهنات عن تدهور صحة المرشد علي خامنئي، والحرب الكلامية التي شهدها البرلمان السابق مع حكومة روحاني بشأن إدارة البلاد وتمرير الاتفاق النووي عقب شهور من الجدل. ويذكر أنه في 20 من يناير (كانون الثاني) الماضي أعلن مجلس صيانة الدستور رفض أهلية 65 في المائة من المرشحين للانتخابات البرلمانية، وكان التيار الإصلاحي والمعتدل أعلن موافقة المجلس على 30 من مرشحيه من أصل 3 آلاف مرشح شكلوا نسبة 99 في المائة من المرفوضين. ولقد تنافس ستة آلاف و229 مرشحًا على 290 معقدًا في البرلمان.
وتزامنت انتخابات البرلمان مع انتخابات «مجلس خبراء القيادة»، وهو مجلس من رجال الدين الشيعة المنتخبين وظيفته الأساسية انتخاب المرشد الأعلى الجديد في حال عجز الحالي عن القيام بمهامه أو وفاته. وكان أهم حدث في هذه الانتخابات منع حسن الخميني، حفيد آية الله الخميني، من الترشح.
وبعد إعلان فوز قاطع للتيار المقرب من روحاني في الانتخابات البرلمانية اتجه «المعتدلون» و«الإصلاحيون» لإعلان كتلة «الأمل» البرلمانية قوامها نواب مدينة طهران الثلاثون. وفي المقابل، ظهر قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني في أروقة البرلمان قبل يومين من أداء البرلمان الجديد القسم الدستوري وكشف النواب الأصوليون عن كتلة «الولاية» برئاسة علي لاريجاني.
* فضائح بالجملة
التلاسن الذي ارتفعت حدته منذ فبراير (شباط) بين خامنئي وروحاني توسع بعد تسريب مواقع تابعة لخصوم روحاني في يوليو (تموز) وثائق حكومية تظهر تلقي كبار المسؤولين تلقي رواتب خارج إطار القانون. وجاء هذا التسريب بعدما كلف خامنئي مساعد الرئيس الأول بفتح تحقيق حول ملفات الفساد في البلد، واتهمت حكومة روحاني إدارة الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد باختفاء منصات نفطية في مياه الخليج، لكن تسريب الوثائق عن رواتب المسؤولين وضع حكومة روحاني في موقف حرج.
وفي يونيو الماضي حذر المفتش الخاص بالمرشد الإيراني علي أكبر ناطق نوري من تفشي الفساد بين المسؤولين في إيران وعلى رأسهم القضاء. وأقر ناطق نوري بأن النظام الإيراني يتقهقر، و«لا يمكنه تقديم نموذج للدول الأخرى». وانتقد في نفس الوقت الإحصائيات المعلنة عن المخاطر الاجتماعية مثل الإدمان والمشردين والطلاق والفساد والرشى، قائلاً إن «أعداء النظام يستندون إليها ويوظفونها ضد النظام». وكان علي أكبر هاشمي رفسنجاني، رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام، قد حذر بدوره في فبراير خلال لقاء تلفزيوني من «انهيار المجتمع الإيراني» و«تراجع الإسلام» في البلاد.
وأدى تبادل التهم إلى تسريب وثائق في أغسطس (آب) عن ملف فساد كبير استهدف مجلس بلدية طهران وعمدة طهران اللواء محمد باقر قاليباف - أحد المنافسين المحتملين لروحاني في الانتخابات الرئاسية - . وبحسب الوثائق فإن مسؤولين كبارًا استغلوا مناصبهم للحصول على عقارات حكومية في مناطق طهران التجارية بأقل من نصف سعر السوق. وامتدت فضائح الفساد إلى صندوق تأمين المعلمين الذي طال مقربين من رئيس القضاء السابق محمود هاشمي شاهرودي، كما أن وثائق تسربت في أكتوبر (تشرين الأول) حول 63 حسابًا بنكيًا تعود إلى رئيس السلطة القضائية ويدخل كل منها سنويًا 250 مليار تومان (المليار يعادل 500 ألف دولار أميركي) وهو ما أثار جدلاً بين الحكومة والبرلمان والسلطة القضائية.
وفي أغسطس أيضًا أعلنت وسائل إعلام إيرانية عن اعتقال المسؤول المالي في الفريق المفاوض النووي عبد الرسول دري أصفهاني، وبحسب مصادر إيرانية فإن أصفهاني أوقف للتحقيق لحظة مغادرته مطار الخميني رفقة وفد وزير الخارجية إلى أنقرة.
* الحرس الثوري يدمر سوريا
على صعيد آخر، في المجال العسكري، يوم 5 يناير كشف الحرس الثوري عن ثاني موقع كبير لتخزين الصواريخ الباليستية على عمق 500 متر تحت الأرض بحضور رئيس البرلمان علي لاريجاني. وكانت عودة الحرس الثوري إلى التجارب الصاروخية بين أكتوبر ونوفمبر (تشرين الثاني) أثارت مخاوف لدى حكومة روحاني قبل دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ.
في غضون ذلك دافع مسؤولون في إيران عن اختبارات الصواريخ والكشف عن المدن الصاروخية تحت الأرض، معتبرين إياه في إطار التحقق من مصداقية الأطراف الدولية في تنفيذ الاتفاق. لكن الحكومة اعتبرت الاستعراض الصاروخي ورفض قادة الحرس الثوري والتصريحات الاستفزازية حول تطوير البرنامج النووي تهديدًا لمكاسب إيران من الاتفاق النووي.
بموازاة التجارب الصاروخية واصلت القطاعات العسكرية الإيرانية تدخلها العسكري في سوريا، كما استمر تدفق توابيت قتلى الحرس الثوري الملفوفة بالعلم الإيراني، بجانب توابيت يرمز لها اللون الأخضر تحمل جثث المقاتلين التابعين للميليشيات الأفغانية (فاطميون) والباكستانية (زينبيون). وفي منتصف ديسمبر (كانون الأول) المنصرم أعلن قائد الحرس الثوري لأول مرة امتلاك إيران 200 ألف مقاتل في خمس دول عربية وإسلامية. ويذكر أنه في سياق تلك التهديدات في مارس (آذار) الماضي توعّد الناطق باسم هيئة الأركان المسلحة اللواء مسعود جزايري بإرسال قوات إلى اليمن مثلما فعلت إيران بإرسال قوات إلى سوريا.
وطوال العام الماضي واصل قادة الحرس الثوري إطلاق التصريحات التي تثبت عمق التدخل الإيراني في الشؤون الداخلية للدول العربية. وحاولت إيران تبرير وجودها في الأرض السورية «عبر المستشارين العسكريين تجاوبًا مع طلب رسمي تقدم به نظام بشار الأسد». وفي هذا السياق، أعلن رئيس «منظمة الشهيد» الإيرانية محمد علي شهيدي محلاتي عن مقتل أكثر من ألف إيراني خلال الفترة التي شاركت فيها القوات الإيرانية في الحرب السورية.
وخلال شهري نوفمبر وديسمبر أثارت عملية نظام الأسد وائتلاف حلفاء الحرس الثوري مخاوف دولية واسعة، وسلطت الأضواء على الدور الإيراني واتهمت قوى المعارضة إيران بالوقوف وراء خرق الهدنة في حلب وتهجير سكان الأحياء الشرقية بعد قصف مكثف من الطيران الروسي.
بموازاة تدخل الحرس الثوري واستراتيجية الحسم العسكري التي اتبعها سليماني منذ إرسال إيران قوات عسكرية تحت مسمى المستشارين العسكريين حاولت إيران استثمار الأزمة السورية في تسوياتها مع الغرب. وكان خامنئي في خطاباته التي انتقد فيها الاتفاق النووي قدم دلائل كثيرة على صراع خفي بين إدارة روحاني والحرس الثوري بشأن إدارة ملف الأزمة السورية. وأصبح ذلك الخلاف جليًا بعد قرار وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف وضع حد لخلاف دام أشهر حول مساعده في الشؤون العربية والأفريقية أمير عبد اللهيان - المقرب من سليماني - بإعلان نهاية خدمات عبد اللهيان من منصبه وتعيين جابر حسين أنصاري الذي كان يشغل منصب المتحدث باسم الخارجية بدلا منه.
ومن بين التفاصيل الكثيرة بشأن رعاية إيران لجيش متعدد الجنسيات للقتال إلى جانب قوات النظام السوري يمكن الإشارة إلى ثلاث قضايا:
1 - الكشف عن إرسال قوات خاصة من الجيش الإيراني في بداية أبريل (نيسان) أهمها اللواء 65 المدرع نوهد، وفقًا لإعلان مساعد قائد القوات البرية في الجيش الإيراني علي آراسته.
2 - مذبحة خان طومان (بشمال سوريا) في بداية مايو. ووفق الإحصائيات الإيرانية الأولى سقط أكثر من ثمانين إيراني بين قتيل وجريح، الحرس الثوري أصدر بيانًا ودعا الإيرانيين للهدوء.
3 - في منتصف أغسطس الماضي كشفت وسائل إعلام روسية عن نشر قاذفات من طراز «توبوليف 22» و«سوخوي 34» من سلاح الجو الروسي في ثالث أكبر قاعدة تابعة للجيش الإيراني بمدينة همدان (غرب البلاد) وأكدت المصادر الروسية أنها انطلقت من هناك لقصف مواقع في إدلب ودير الزور وحلب بسوريا.
* حرب توسعية.. وقائية
في فبراير 2016 نقلت أسبوعية «خط حزب الله»، الصادرة عن مكتب المرشد الإيراني علي خامنئي وأقرب وسائل الإعلام التي تنقل مباشرة وجهة نظره تجاه القضايا المتعددة، تصريحات لخامنئي دافع فيها عن التدخل العسكري الإيراني في سوريا والمناطق الأخرى. واعتبر أن قتال الحرس الثوري «أبعد سيناريو الحرب عن داخل إيران»، وقال: «لولا قتال الحرس الثوري هناك لترتب عليه القتال في كرمانشاه وهمدان والمحافظات الأخرى». في نوفمبر أرسل الحرس الثوري إلى سوريا عددًا كبيرًا من قواته وميليشيات «فاطميون» (من الأفغان نسبة 80 في المائة يحارب بدافع مادي، والآخرون يحاربون بدافع طائفي وفق شهادات بثتها وسائل إعلام أجنبية) «وزينبيون» (باكستانيون).
وفي بداية مايو الماضي اعتبر قائد «فيلق القدس» قاسم سليماني قتال قواته في سوريا والعراق «مصدر الأمن والاستقرار» في إيران، وتابع أن قتلى الحرس الثوري يسقطون هناك دفاعًا عن أمن إيران.
ورغم إدانة تدخلات إيران في شؤون دول المنطقة من قبل الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي ومنظمة المؤتمر الإسلامي، فإن مؤشر المواقف الاستفزازية والتهديد العسكري تصاعد مع مرور الوقت في العام الماضي. وكان قائد الحرس الثوري الأسبق محسن رضائي - الذي عاد العام الماضي لارتداء البزة العسكرية بعد سنوات من الفشل في الانتخابات الرئاسية في سبتمبر (أيلول) - قال في تصريح لصحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» إن إيران ستبدأ الحرب إذا ما هاجمتها السعودية. كما قال رضائي إن بلاده لن تنوي التراجع من مواقفها في سوريا والبحرين واليمن.
* تدهور الوضع الإنساني والأزمات الاجتماعية
وثقت مصادر كثيرة، منها مركز الإحصاء الإيراني، خلال العام الماضي تدهور أوضاع المجتمع الإيراني، بما في ذلك تفشي الفقر وهجرة القرويين إلى صفيح المدن الكبيرة. ومن جانب آخر، ارتفعت حدة البطالة إلى مستويات غير مسبوقة وتحولت خلال هذا العام إلى أبرز أزمات المجتمع الإيراني. وبينما تقول حكومة روحاني إن عدد العاطلين في إيران يبلغ نحو أربعة ملايين، فإن إحصائيات مركز دراسات البرلمان تشير إلى وجود أكثر من خمسة ملايين، بل تشير إحصائيات غير رسمية إلى وجود ما يقارب سبعة ملايين عاطل عن العمل، وذلك وسط تحذيرات رسمية من ارتفاع العدد إلى 11 مليون في غضون السنوات الخمس المقبلة. يضاف إلى ذلك تفاقم التهديدات الاجتماعية مثل ظاهرة الإدمان وارتفاع الجريمة بين النساء.
من جانب آخر، حاولت الحكومة التوجه إلى مفاوضات مع الجهات الدولية لإزالة العقوبات المتعلقة بقضايا انتهاك حقوق الإنسان على غرار العقوبات المتعلقة بالنووي. وبذلت طهران جهودًا لمنع تمديد عمل المقرر الأممي الخاص بحقوق الإنسان. وكانت الخارجية الإيرانية قد هاجمت في مناسبات كثيرة التقارير الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان ومنظمات تراقب الوضع الإنساني، واعتبرت تلك التقارير «منحازة» و«مسيسة» على الرغم من استمرار رفضها السماح للمقرر الخاص بحقوق الإنسان بدخول إيران لمقابلة الضحايا وعوائل السجناء.
ولكن في المقابل، تراجعت نسبيًا خلال 2016 أرقام الإعدامات التي تجاوزت فيه إيران أرقامًا قياسية عالمية خلال السنوات الـ20 الأخيرة، ببلوغ عدد الإعدامات 1084 وفق منظمة حقوق الإنسان الإيرانية. وكان تقرير دولي قد كشف في يناير الماضي أن إيران تحتل المرتبة الأولى عالميًا في إعدام القاصرين وشملت الإحصائيات القاصرات كذلك. وفي نهاية فبراير أدلت مساعدة الرئيس الإيراني شهيندخت مولاوردي في حوار مع وكالة «مهر» الحكومية بمعلومات مثيرة للجدل حول قرية بإقليم بلوشستان، يعاني النساء والأطفال فيها من اليتم والفقر بسبب إعدام كل رجال القرية.
وفي أغسطس الماضي أعدمت إيران سرًا أكثر من 20 ناشطًا سنيًا كرديًا في سجن رجايي شهر، وفق إعلان المدعي العام الإيراني محمد علي منتظري، وأدانت أكثر من 178 منظمة دولية تلك الإعدامات بأشد العبارات وطالبت بتدخل دولي لوقف الإعدامات.
أخيرًا، ازداد القمع في إيران خلال العام المنصرم ضد الأقليات العرقية والدينية، فتصاعدت المواجهات العسكرية الصيف الماضي في مناطق كثيرة من كردستان إيران، وأعلن الحزب الديمقراطي الكردستاني أهم الأحزاب الرئيسية في هذه المناطق إلى الخيار المسلح لتحقيق.
وفي الحدود الشرقية شهدت منطقة بلوشستان، أكثر مناطق إيران فقرًا، التي تعاني من تمييز طائفي وعرقي مزدوج توترًا كبيرًا بين الجماعات المسلحة المعارضة والحرس الثوري المكلف بحماية الحدود الشرقية.
وفي الأحواز ذات الغالبية العربية، واصلت مخابرات الحرس الثوري ووزارة المخابرات الإيرانية استهداف الناشطين السياسيين والمدمنين. ولم يعرف بعد عدد المعتقلين لكن إحصائيات متباينة صدرت عن منظمات حقوق أحوازية تظهر أن الاعتقالات السياسية قد طالت العشرات من العرب في تلك المناطق. وامتدت الاحتجاجات الشعبية على مشاريع نقل مياه الأنهار من الرأي العام في الأحواز إلى خلافات بين المسؤولين العرب وغير العرب.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.