بعد عام من التقلبات... أسعار الذهب في 2017 إلى أين؟

المعدن النفيس رهن سياسات «ترامب» الاقتصادية

بعد عام من التقلبات... أسعار الذهب في 2017 إلى أين؟
TT

بعد عام من التقلبات... أسعار الذهب في 2017 إلى أين؟

بعد عام من التقلبات... أسعار الذهب في 2017 إلى أين؟

«الشراء عند القاع والبيع حول القمة»؛ تلك هي القاعدة الذهبية في أسواق المال والسلع العالمية. ويكون الاستثمار المناسب عندما يكون الشراء وقت سعر السلعة في القاع، ثم البيع بعد الوصول إلى ذروة ارتفاع الأسعار.
ذلك هو الاستثمار المثالي من الناحية النظرية، ولكن من الصعب القيام به في الممارسة العملية، وغالبًا لا يلتفت المستثمر إلى سعر الأصول حينما تكون منخفضة للغاية، ولا يتفهم أن ذلك هو الوقت المناسب للشراء، بل يخشى الانخفاض أكثر وأكثر من الأسعار المتداولة.
والحالة السابقة قد تصف ما حدث لأسعار الذهب العالمية خلال عام 2016. فقد شهدت أسعار الذهب العالمية حالة من التقلبات العنيفة خلال العام الماضي، التي تحدت التوقعات وارتفعت لمستويات قياسية في النصف الأول من العام قبل الغرق في دوامة خلال الشهرين الماضيين، وسط حالة عدم اليقين السياسي والاقتصادي في مناطق متفرقة من العالم، وبخاصة الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا؛ وهنا ينقسم المحللون في اتجاه المعدن النفيس في عام 2017.
واستطاع الذهب خلال عام مضى - امتد من 18 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 إلى 17 نوفمبر 2016 - أن يستعيد بريقه بعض الشيء، وارتفعت صناديق الاستثمار المتداولة بالذهب خلال تلك الفترة 16 في المائة، متجاوزة فئات الأصول الأخرى.
في المقابل، شهدت صناديق الاستثمار المتداولة بالذهب عائدًا سلبيًا بنسبة 1 في المائة على مدى فترات الـ3 سنوات والـ5 سنوات.
ويعتبر الذهب ملاذًا آمنًا للمستثمرين، وذلك عندما تتعرض أسواق المال العالمية لصدمات - غالبًا ما يكون تأثيرها متوسطًا وطويل الأجل - وسبق أن بلغت أسعار المعدن الأصفر مستويات قياسية وصلت إلى 1900 دولار للأوقية خلال الأزمة المالية العالمية في 2008. وفي عام 2016 ارتفع سعر الذهب مباشرة بعد التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.
وبعد فوز دونالد ترامب في الانتخابات في 9 نوفمبر، دخلت أسعار الذهب في دوامة الهبوط وسط توقعات بأن حملة الرئيس المنتخب ستقدم مقترحات التحفيز المالي، والذي من شأنه أن يعزز النمو الاقتصادي والتضخم، ونتيجة لذلك، تحولت أسواق الأسهم الأميركية إلى تحقيق الأرباح بعد الخسائر الأولية، وارتفع العائد على سندات الخزانة الأميركية مدعومة بارتفاع سعر صرف الدولار الأميركي.
ومنذ نوفمبر الماضي انخفضت أسعار الذهب بشكل متسارع لتتداول حول 1133 دولارًا للأوقية - من أعلى مستوياتها عند 1372 دولارًا في أغسطس (آب) - قبل أن تصل إلى 1155 دولارًا للأونصة في الوقت الحاضر.
وكنتيجة مباشرة للوضع السابق خفضت «BMO» - إحدى الشركات الرائدة في الخدمات الاستثمارية والمالية والذراع المصرفي الاستثماري لبنك «مونتريال» الكندي - توقعاتها للاستثمار في الذهب خلال عام 2017؛ قائلة: «إن عنصرًا أساسيًا من أطروحة الاستثمار في قطاع المعادن الثمينة من المرجح أن يكون غائبًا خلال معظم عام 2017». وتشير «BMO» - في مذكرة بحثية صدرت ديسمبر (كانون الأول) الماضي - إلى أن الخطر الأكبر على التوقعات السلبية هو تأثير ثلاثة ارتفاعات متوقعة في سعر الفائدة الأميركي في عام 2017.
ومن وجهة نظر «BMO»، فإن عدم اليقين السياسي العالمي مع هشاشة الانتعاش الاقتصادي في أوروبا واستمرار سياسات التيسير الكمي، لا تزال داعمة للمعادن الثمينة عند إعادة تركيز الأسواق على هذه المخاطر المستمرة. وتتوقع الشركة بلوغ أسعار الذهب 1175 دولارًا للأوقية في عام 2017، بانخفاض كبير عن 1413 دولارًا، قد تنبأت بها سابقًا.
وتقول لاكشمي آير، الرئيسة التنفيذية لقسم الاستثمار في الديون، ورئيسة المنتجات، بمؤسسة كوتاك ماهيندرا «AMC»: «شهدت أسعار الذهب تصحيحات متتالية، نتيجة للارتفاع الأخير في عوائد السندات العالمية، وخصوصًا في الولايات المتحدة، وبعض الاضطرابات والتذبذب في عمليات التجارة (بعدما اقترض المستثمرون بأسعار فائدة منخفضة في الولايات المتحدة وتم الاستثمار في الأصول ذات العوائد العالية)».
ووفقًا لبراثميش مالايا - كبير محللي الأبحاث والسلع والعملات بمؤسسة «Angel Broking» للوساطة - فإن مبادرات الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب التوسعية المتضمنة ارتفاع الإنفاق على البنية التحتية وتخفيضات ضريبية، من شأنها أن تعزز ليس فقط النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة، ولكن سوف تؤدي أيضًا إلى ارتفاع الدولار. وسيؤدي ذلك إلى مزيد من التصحيح في أسعار الذهب. فالدولار الأميركي والذهب يميلان إلى التحرك في اتجاهين متعاكسين، حيث إن ارتفاع الدولار يعني انخفاض أسعار الذهب، والعكس بالعكس. ويقول مالايا: «يمكننا أن نرى أسعار الذهب مستقرة بعض الشيء حتى تستجيب الأسواق لسياسة الرئيس الجديد».
لكن من ناحية أخرى، ترى آير أن جزءًا كبيرًا من الأموال السوداء في الأسواق المالية تجد طريقها إلى الذهب، وهذه الظاهرة تضمن توجيه هذه الأموال من خلال القنوات المناسبة. فوفقًا لآير، الذهب هو سلعة عالمية يتم تحديد تحركات أسعارها بناءً على الأحداث العالمية، وأضافت أن الزيادة في الأسعار نتيجة لهذه الظاهرة هي زيادة مؤقتة، قائلة: «في الواقع، انخفضت أسعار الذهب من حيث القيمة الدولارية خلال نفس الفترة، بعد أن لمح مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي إلى رفع أسعار الفائدة في ديسمبر الماضي».
وترى آير أن الاستثمار في الذهب عند المستويات الحالية قد لا يكون من المستحسن، في ضوء عمليات البيع الأخيرة في الأسواق الدولية، وكذلك لأن مؤشر الدولار الأميركي يتداول عند أعلى مستوى في 11 شهرًا. وارتفعت العملة الأميركية إلى أعلى مستوى في 14 عامًا مقابل سلة من العملات الرئيسية في ديسمبر الماضي، بعد أن عزز مجلس الاحتياطي الاتحادي احتمالات رفع أسعار الفائدة لعام 2017.
ووفقًا لآير، فإن أسعار الذهب في عام 2017 ستعتمد على السياسات المتبعة من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي في الولايات المتحدة. وأضافت: «فإذا جاء الارتفاع في أسعار الفائدة أقل مما كان متوقعًا، فيمكن لأسعار الذهب أن تحقق مزيدًا من الارتفاعات، وإلا فإنه سيكون من الصعب تحقيق مزيد من الزخم لقطاع الذهب العالمي».
لكن منذ رفع سعر الفائدة في ديسمبر الماضي، استطاعت أسعار الذهب الارتفاع وتعويض بعض من خسائرها. وهذا الاتجاه ربما يكون قابلاً للاستمرار في عام 2017، نظرًا لعدد من الأسباب؛ أهمها أن سياسات دونالد ترامب ستعزز بالتبعية سوق الذهب.
فالسياسات المقترحة تزيد من معدلات التضخم، الأمر الذي يؤدي - تاريخيًا - إلى الارتفاع في قيم المعادن الثمينة، وكان هناك أيضا تدفق في استثمارات السلع من الصين، هي التي دفعت أسعار النحاس والزنك للارتفاع في الأشهر القليلة الماضية، وعلى وشك أن تفعل الشيء نفسه بالنسبة للذهب.
إضافة إلى ذلك، فإن أحد أسباب تراجع أسعار الذهب في عام 2016، من المرجح أن يتم تصحيحه في السنة المقبلة، فقد كان الطلب على الذهب والمجوهرات دائمًا كبيرًا في كل من الصين والهند، وذلك يعد واحدًا من العوامل التي تعزز سعر المعدن. ولسوء الحظ، عانى الطلب على الحلي في العام الماضي من الانكماش الاقتصادي، ما أثر على سعر المعدن في الأسواق العالمية. وفي عام 2017، تنتظر عودة النمو الاقتصادي في الصين والهند إلى المسار الصحيح، ومن ثم زيادة الطلب على الذهب والمجوهرات مما يدعم الأسعار عالميًا.
ورغم أن التصور العام هو أن الذهب سيفقد بريقه كلما ارتفعت أسعار الفائدة الأميركية، فإن ذلك لم يكن صحيحًا في الماضي. وبمتابعة معدلات الفائدة في الولايات المتحدة على مدى السنوات الـ20 الماضية، نرى أن أسعار الذهب تتحرك صعودا خلال اتجاه صعودي مستمر في أسعار الفائدة الأميركية. في عام 2004 و1999 و1994، ارتفعت أسعار الذهب 5 - 10 في المائة في ستة أشهر، بعد أول وثاني رفع لسعر الفائدة.
على سبيل المثال، في عام 2004، ما بين يونيو (حزيران) وديسمبر، ارتفعت أسعار الفائدة قصيرة الأجل في الولايات المتحدة من 1.25 في المائة إلى 2.25 في المائة، وفي الوقت نفسه ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 11 في المائة في تلك الفترة، وانخفض مؤشر الدولار الأميركي بنسبة 9 في المائة، وفقًا لبيانات من «Trading Economics».
ووفقًا للتاريخ، شهدت أسعار الذهب «فقاعتين» منذ انهيار نظام «بريتون وودز»، وبدء تداول الذهب بالدولار في السبعينات: الفقاعة الأولى بين عامي 1979 ويناير (كانون الثاني) 1980، عندما قفز المعدن بمقدار 325 في المائة ليسجل رقمًا قياسيًا حينما بلغ 850 دولارًا مُرتفعًا من 200 دولار.
ثم حدثت قفزة كبيرة أخرى، حيث ارتفع الذهب نحو 375 في المائة في الفترة من منتصف 2004 إلى أغسطس 2011، ليصل إلى أعلى مستوياته عند نحو 1900 دولار للأونصة، طبقًا لبيانات من «تريدينج إكنوميكس».
وفي ضوء هذا السياق التاريخي، يمكن أن يُنظر إلى الانخفاض الحالي في أسعار الذهب على أنه شيء جيد، فالسعر منخفض نسبيًا، مما يجعل الوقت مناسبًا لشراء كميات كبيرة.
وعلى نحو أكثر تفاؤلاً، يتوقع كيشور نارني، المدير المساعد، لـ«موتيلال أوسوال» للسلع والعملات، ارتفاعًا بنحو 15 - 20 في المائة في أسعار الذهب بحلول نهاية عام 2017. فخلافًا للاعتقاد الشائع، هو يرى أن ترامب سيكون معززًا لسياسات التضخم، وبالتالي، فإن بنك الاحتياطي الفيدرالي للولايات المتحدة، لن يكون قادرًا على رفع أسعار الفائدة بقدر ما يمكن أن يكون. ويعتقد نارني أن أسعار الذهب يمكن أن ترتفع إلى 1400 دولار بحلول نهاية عام 2017.



ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

ميزانية السعودية لـ2025: قفزة تاريخية للإيرادات غير النفطية واستثمار مستدام في الرفاه

جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)
جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

سجلت السعودية في ختام السنة المالية 2025 أداءً اقتصادياً لافتاً يعكس نجاح سياسات التحول الوطني وقدرة الاقتصاد على النمو المستدام، حيث كشفت النتائج المالية عن «توازن استراتيجي بين الإنفاق التوسعي الجريء، والحفاظ على رصانة المركز المالي».

وقد جسد ذلك العام محطة مفصلية في مسيرة «رؤية 2030»، إذ تُرجمت الأرقام إلى مشروعات حقيقية وخدمات متطورة لامست حياة المواطنين بشكل مباشر؛ «مما يعزز الثقة الدولية بمتانة الاقتصاد السعودي ومستقبله الواعد».

وعلى صعيد الموارد المالية، فقد «حققت المملكة نجاحاً استثنائياً في تنويع مصادر دخلها، حيث بلغت الإيرادات الإجمالية لعام 2025 نحو 1.111.826 تريليون ريال (ما يعادل 296.48 مليار دولار)».

وتبرز القوة الحقيقية لهذا الأداء في الصعود التاريخي للإيرادات غير النفطية التي وصلت إلى 505.282 مليار ريال (نحو 134.74 مليار دولار)، وهو ما يمثل «دليلاً قاطعاً على فاعلية الخطط الاقتصادية في تقليص الاعتماد على النفط، وخلق روافد مالية جديدة ومستقرة، تضمن استمرارية النمو الاقتصادي تحت مختلف الظروف العالمية».

وبشأن الإنفاق الحكومي، فقد كان عام 2025 عاماً لـ«الاستثمار في الإنسان والتنمية بامتياز»، حيث بلغ إجمالي المصروفات الفعلية 1.388.432 تريليون ريال (نحو 370.24 مليار دولار). وقد وجهت الحكومة هذه المبالغ الضخمة بـ«كفاءة عالية نحو القطاعات الحيوية التي تمس جودة الحياة، حيث تصدّر قطاع الصحة والتنمية الاجتماعية قائمة الإنفاق بـ278.878 مليار ريال (74.36 مليار دولار)، تلاه قطاع التعليم بـ212.464 مليار ريال (56.65 مليار دولار)».

ويعكس هذا «الإنفاق السخي على الرعاية الصحية والتعليم الرؤية الحكيمة للقيادة السعودية التي تضع رفاهية المواطن وتمكينه في قلب أولوياتها الوطنية، عادّةً أن بناء الإنسان هو الاستثمار الأهم للمستقبل».

ونتيجة لهذا التوسع المدروس في الإنفاق الرأسمالي وتسريع وتيرة المشروعات الكبرى، فقد سجلت الميزانية عجزاً سنوياً بلغ 276.605 مليار ريال (نحو 73.76 مليار دولار)، منها 94.847 مليار ريال (25.29 مليار دولار) في الربع الرابع وحده. وقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة هذا العجز، حيث مُوّل بالكامل عبر إصدارات دين احترافية دون المساس بالاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

أما عن الجدارة الائتمانية والاستقرار المالي، فقد «أثبتت المملكة قدرة فائقة على إدارة التدفقات النقدية والالتزامات المالية، حيث مُوّل العجز السنوي الناتج عن تسارع وتيرة المشروعات الكبرى، والبالغ 276.605 مليار ريال (73.76 مليار دولار) بالكامل عبر أدوات دين احترافية وأسواق رأس المال، دون الحاجة إلى السحب من الاحتياطات الحكومية التي حافظت على مستوياتها المطمئنة عند 399.074 مليار ريال (106.41 مليار دولار)».

هذا الموقف المالي القوي «يبعث برسالة تفاؤل واضحة للقطاع الخاص والمستثمرين المحليين والأجانب، ويؤكد أن المملكة تمضي قدماً في مشروعاتها الكبرى بخطى ثابتة وقاعدة مالية متينة تضمن استمرار النهضة الشاملة التي تشهدها جميع مناطق المملكة».


البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
TT

البرلمان الأوروبي يؤجِّل التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية مع أميركا

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)
ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات لإلغاء رسوم يفرضها الاتحاد على السلع الأميركية وهو بند أساسي في الاتفاقية التجارة مع واشنطن (رويترز)

أرجأ البرلمان الأوروبي التصويت على تنفيذ اتفاق الرسوم الجمركية بين الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، حسبما أعلن بيرند لانغ رئيس لجنة التجارة الخارجية في البرلمان.

ناقش البرلمان الأوروبي مقترحات تشريعية لإلغاء العديد من رسوم الاستيراد التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على السلع الأميركية، وهو بند أساسي في الاتفاقية التي أُبرمت في اسكوتلندا، نهاية يوليو (تموز) الماضي.

وتتطلب هذه المقترحات موافقة البرلمان وحكومات الاتحاد الأوروبي.

وكان من المقرر أن تصوِّت لجنة التجارة في البرلمان، الثلاثاء، لكن تم تأجيل التصويت، في ثاني تعليق من نوعه من قبل مشرّعي الاتحاد الأوروبي.

وأوقف الاتحاد الأوروبي سابقاً العمل على الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض رسوم جمركية إضافية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته.

كانت المحكمة العليا الأميركية، قد قضت، في صفعة قضائية لترمب، بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظامه الجمركي السابق؛ مما دفع ترمب إلى البحث عن مسارات قانونية بديلة لضمان استمرار استراتيجيته القائمة على حماية الأسواق المحلية، ومعاقبة الخصوم التجاريين.

وقال ترمب بعدها إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة، الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرَّر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تمَّ اختباره قانونياً، وهو 15 في المائة».

وكان ترمب قد أعلن في البداية عن رسوم بنحو 10 في المائة فور صدور الحكم، غير أنه سرعان ما زاد النسبة، مستنداً هذه المرة إلى مادة قانونية تختلف عن «قانون القوى الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي أسقطته المحكمة.

وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية، الاثنين، إن ألمانيا تتوقع من الولايات المتحدة الرد سريعاً وبسياسة واضحة على قرار المحكمة العليا الذي ينص على أن الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس، دونالد ترمب، تجاوزت صلاحياته.

وأضاف المتحدث: «هناك حاجة لتحليل القرار، بما في ذلك مسألة أثره الرجعي على الرسوم الجمركية المفروضة بالفعل... نحن لا ننظر إلى هذا الأمر بهدوء أو بموضوعية، بل باهتمام بالغ. كما نتوقع من الجانب الأميركي الرد سريعاً وبسياسة واضحة تمكننا من الرد».


ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
TT

ترمب و«المحكمة العليا» يضعان التجارة العالمية في نفق غامض

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي سابق بالبيت الأبيض (رويترز)

دخلت التجارة العالمية نفقاً جديداً من الغموض، بعد أن أحدث حكم المحكمة العليا الأميركية بطلاناً في هيكلية الرسوم الجمركية، ما فجّر ردود فعل متلاحقة بدأت بتلويح بتجميد أوروبي للمسار التشريعي مع واشنطن، ولم تنتهِ بتهديدات «انتقامية» من الرئيس دونالد ترمب. فبينما أعلن البرلمان الأوروبي رسمياً وضع اتفاق التجارة الرئيسي «على الجليد» بانتظار وضوح الرؤية، شن ترمب هجوماً لاذعاً على القضاء الأميركي، عادّاً أن الحكم منحه «عن غير قصد» أنياباً أقسى لاستخدام سلاح التراخيص ضد الدول التي «تنهب» أميركا، وفي مقدمتها الصين التي سارعت إلى إعلان «تقييم شامل» للمشهد، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود».

وكانت المحكمة العليا الأميركية أعادت خلط أوراق التجارة العالمية، بعد أن أبطلت بأغلبية 6 أصوات مقابل 3 جزءاً كبيراً من الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استناداً إلى قانون عام 1977. والقرار، الذي صدر يوم الجمعة، لم يكن مجرد انتصار قانوني لخصوم الإدارة، بل محطة فاصلة في مسار السياسات التجارية الأميركية، مع ما يحمله من تداعيات مباشرة على شركاء واشنطن وأسواق المال العالمية.

وبعد ساعات فقط من الحكم، سارع ترمب إلى الإعلان عن تعريفة جمركية عالمية بديلة بنسبة 10 في المائة، قبل أن يرفعها إلى 15 في المائة، مستخدماً أساساً قانونياً مختلفاً، على أن تدخل حيز التنفيذ لمدة 150 يوماً مع استثناءات محدودة.

وشنّ ترمب هجوماً لاذعاً وغير مسبوق على المحكمة العليا الأميركية، واصفاً قرارها بأنه «غبي ومثير للانقسام دولياً». وفي تصريحات حادة عبر منصته للتواصل الاجتماعي «تروث سوشيال»، أشار إلى أن الحكم القضائي يفتح له الباب لاستخدام «نظام التراخيص» بوصفه أداة للقيام بأمور وصفها بـ«الفظيعة» ضد الدول التي اتهمها بـ«نهب» الولايات المتحدة لعقود. وسخر ترمب مما وصفه بتناقض المحكمة، قائلاً: «بموجب القرار، يمكنني استخدام التراخيص لمعاقبة تلك الدول، ولكن لا يمكنني تحصيل رسوم عليها... الجميع يعلم أن الهدف من الترخيص هو الرسوم! المحكمة لم تشرح ذلك، لكني أعرف الإجابة».

وأكد ترمب أن المحكمة، عبر تثبيتها أنواعاً أخرى كثيرة من التعريفات الجمركية، أعطته الضوء الأخضر لاستخدامها بطريقة «أكثر عدوانية وإزعاجاً» وبحماية قانونية كاملة هذه المرة. ولم يكتفِ بالجانب التجاري، بل هاجم المحكمة استباقاً لقرارات محتملة بشأن «حق المواطنة بالولادة» (التعديل الـ14)، متهماً إياها بالتمهيد لقرارات تخدم مصالح الصين ودول أخرى تجني ثروات من هذا القانون.

واختتم ترمب هجومه بمطالبة القضاة بـ«الخجل من أنفسهم» (باستثناء الثلاثة العظماء كما وصفهم)، متهماً إياهم باتخاذ قرارات ضارة بمستقبل الأمة الأميركية، ومؤكداً إصراره على المضي قدماً في مهامه تحت شعار «لنعد أميركا عظيمة مجدداً».

بروكسل تلوح بتعليق خطط المصادقة

في هذا الوقت، اتخذ التصعيد في بروكسل بعداً مؤسسياً حاسماً؛ حيث أعلن نواب البرلمان الأوروبي نيتهم تعليق خطط المصادقة على الاتفاق التجاري الذي تم التوصل إليه العام الماضي. وأكد رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، مدعوماً من أكبر الكتل البرلمانية، ضرورة وقف العمل التشريعي مؤقتاً، واصفاً مستوى التخبط في السياسة التجارية الأميركية بأنه «غير جاد».

وجاء هذا الموقف ليعكس مخاوف القارة العجوز من الانزلاق إلى دوامة جمركية جديدة بعد تحويل ترمب الرسوم المُلغاة إلى تعريفة موحدة بنسبة 15 في المائة.

وكانت لجنة التجارة في البرلمان تستعد لمنح الضوء الأخضر لإزالة الرسوم على السلع الصناعية الأميركية ضمن الاتفاق، غير أن نواباً من كتل سياسية مختلفة أبدوا دعمهم لتجميد المسار التشريعي إلى حين اتضاح تداعيات الحكم الأميركي على الترتيبات الجمركية مع الاتحاد الأوروبي. ودعا رئيس لجنة التجارة، بيرند لانغه، إلى تعليق العمل التشريعي مؤقتاً، وهو ما حظي بدعم حزب «الشعب» الأوروبي، أكبر الكتل البرلمانية، إلى جانب مجموعات أخرى.

وأكدت النائبة عن حزب «الشعب» الأوروبي، زيليانا زوفكو، ضرورة انتظار توضيحات من المفوضية الأوروبية بعد مشاوراتها مع واشنطن بشأن الشروط الجديدة، وتحديد «الخيار الأفضل لمواصلة المسار». كما شددت النائبة عن حزب «الخضر»، آنا كافازيني، على أن التصويت لا يمكن أن يمضي قدماً قبل توافر رؤية واضحة.

ومن جهتها، قالت النائبة عن مجموعة «رينيو» الليبرالية، كارين كارلسرو، إن البرلمان «لن يتمكن من التصويت على اتفاق تورنبيري قبل الحصول على وضوح كامل بشأن تأثير حكم المحكمة العليا على الترتيبات الجمركية»، مضيفة أن «الولايات المتحدة يجب أن ترتب سياستها التجارية، فهذا المستوى من الفوضى غير جاد».

متابعات أوروبية

وفي ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، عبّرت الأوساط الصناعية عن قلق كبير من استمرار حالة الضبابية، عادّة أن تقلب القرارات الجمركية الأميركية يضع الشركات أمام تحديات في التخطيط طويل الأمد، خصوصاً في قطاعات السيارات والآلات والصناعات الكيماوية. ودعت برلين إلى حوار عاجل مع واشنطن يضمن وضوح القواعد ويحافظ على تنافسية الصادرات الألمانية، في وقت تعتمد فيه قطاعات واسعة من الصناعة على السوق الأميركية بوصفها شريكاً استراتيجياً رئيسياً.

أما سويسرا، ورغم بقائها خارج الاتحاد الأوروبي، فإنها تتابع التطورات عن كثب نظراً لارتباط اقتصادها التصديري الوثيق بالأسواق الأميركية والأوروبية. فيما أعلنت الحكومة السويسرية أنها لا تزال تعتزم التوسط في إبرام اتفاقية ملزمة قانوناً من خلال المحادثات الجارية مع الولايات المتحدة، التي تهدف إلى وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية مبدئية تم التوصل إليها في أواخر عام 2025، والتي خفضت الرسوم الجمركية الأميركية على سويسرا من 39 في المائة إلى 15 في المائة.

وفي باريس وروما ولاهاي، تكررت الدعوات إلى الحفاظ على نظام تجاري قائم على قواعد واضحة يمكن التنبؤ بها، وسط تخوف من أن يؤدي تعدد المسارات القانونية الأميركية إلى إطالة أمد عدم اليقين. ويجمع الموقف الأوروبي، في مجمله، على أن الشراكة عبر الأطلسي تظل ركيزة أساسية للاقتصاد العالمي، غير أن استدامتها تتطلب التزاماً متبادلاً بالاتفاقات، وتجنب الإجراءات الأحادية التي قد تعيد إشعال توترات تجارية في مرحلة لا يزال فيها الاقتصاد العالمي يسعى إلى ترسيخ تعافٍ هش.

الصين تقيّم الوضع

وفي بكين، أعلنت وزارة التجارة أنها تجري «تقييماً شاملاً» للحكم، داعية واشنطن إلى إلغاء جميع الإجراءات الجمركية الأحادية. وأكدت أن «الرسوم الأحادية تنتهك قواعد التجارة الدولية والقانون المحلي الأميركي، ولا تخدم مصالح أي طرف»، محذرة من أن «الحمائية طريق مسدود». كما أبدت قلقها من احتمال لجوء الإدارة الأميركية إلى «وسائل بديلة» مثل التحقيقات التجارية القطاعية للإبقاء على مستويات مرتفعة من الرسوم، متعهدة بحماية مصالحها بحزم.

رابحون وخاسرون

واللافت أن الصين والهند برزتا في طليعة الرابحين من هذا التحول. فالهند، التي كانت تواجه رسوماً بلغت ذروتها عند 50 في المائة قبل أن تنخفض إلى 25 في المائة ثم إلى 18 في المائة بموجب تفاهمات ثنائية، وجدت نفسها بعد قرار المحكمة أمام معدل 10 في المائة، قبل أن يستقر عند 15 في المائة، وهو مستوى يظل أدنى من السيناريوهات السابقة. أما الصين، فقد توقع اقتصاديون انخفاض متوسط الرسوم الفعلية عليها من 32 في المائة إلى 24 في المائة، مع إلغاء بعض الرسوم الإضافية التي كانت قد فُرضت تحت مبررات أمنية وصحية، ما يمنح صادراتها متنفساً مهماً في السوق الأميركية.

وفي المقابل، برزت بريطانيا بوصفها الخاسر الأكبر من توحيد الرسوم عند 15 في المائة. إذ كانت تستفيد من معدل تفضيلي عند 10 في المائة، قبل أن يؤدي النظام الجديد إلى رفع التكلفة على صادراتها بشكل مفاجئ. وتشير تقديرات إلى أن الزيادة قد تكلف قطاع الصادرات البريطاني نحو 4 مليارات دولار، مع تأثر عشرات الآلاف من الشركات. وتسعى لندن حالياً إلى انتزاع استثناء أو معاملة خاصة، في ظل إدراكها لحساسية المرحلة بالنسبة لاقتصادها.

أما أوروبا وأستراليا فلم تكونا بعيدتين عن دائرة التأثير. فقد واجهت دول مثل إيطاليا وسنغافورة زيادات مماثلة، بينما لوّح الاتحاد الأوروبي بإعادة النظر في مسارات تفاوضية قائمة إذا لم تتضح الرؤية القانونية للسياسة الجمركية الأميركية. وفي سيول، حذّر وزير التجارة الكوري الجنوبي من أن استمرار حالة عدم اليقين قد يفاقم الضغوط على قطاعات حيوية مثل السيارات والصلب، داعياً إلى تنسيق وثيق بين القطاعين العام والخاص لتعزيز القدرة التنافسية وتنويع الأسواق.

مساعٍ للطمأنة

ومن الجانب الأميركي، حاولت الإدارة طمأنة الشركاء. فقد أكد الممثل التجاري جيمسون غرير أن الاتفاقيات القائمة لا ترتبط بارتفاع أو انخفاض الرسوم، بل بالتزامات متبادلة ينبغي احترامها. بدوره، شدّد وزير الخزانة سكوت بيسنت على أن عائدات الرسوم ستظل مستقرة، وأن الحكومة ستلتزم بأحكام القضاء فيما يخص أي استردادات محتملة للرسوم التي جُمعت سابقاً، وهو ملف قد يفتح الباب أمام مطالبات ضخمة تُقدَّر بعشرات المليارات من الدولارات.

وعملياً، أعلنت وكالة الجمارك وحماية الحدود الأميركية وقف تحصيل الرسوم التي أُبطلت، وتعطيل الرموز المرتبطة بها، ما يعكس امتثالاً فورياً للحكم. غير أن الأسئلة تبقى مفتوحة حول قدرة الإدارة على الالتفاف عبر أدوات قانونية أخرى، مثل توسيع التحقيقات بموجب قوانين التجارة أو الأمن القومي، وهو ما تراقبه بكين وشركاء واشنطن عن كثب.

الأسواق المالية تعاملت مع التطورات بحذر. فقد تراجعت العقود الآجلة لمؤشري «ستاندرد آند بورز 500» و«داو جونز» بنسب طفيفة، وانخفضت أسعار النفط، بينما ضعف الدولار أمام الين واليورو. وفي المقابل، صعد مؤشر «هانغ سينغ» في هونغ كونغ بنسبة لافتة، في إشارة إلى تفاؤل نسبي في بعض الأسواق الآسيوية بإعادة ضبط قواعد اللعبة التجارية.

وسياسياً، يأتي هذا السجال قبل أسابيع من زيارة مرتقبة لترمب إلى الصين، يُفترض أن تشكل محطة مفصلية في إدارة العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم. ورغم تأكيدات واشنطن أن اللقاء ليس موجهاً للتصعيد، فإن التهديد بفرض رسوم مستقبلية على قطاعات استراتيجية مثل أشباه الموصلات يضفي على المشهد قدراً إضافياً من التوتر.

وفي المحصلة، لم ينهِ حكم المحكمة العليا الحرب التجارية، بل نقلها إلى مرحلة جديدة عنوانها الصراع بين السلطة التنفيذية والقيود القانونية، وبين نزعات الحمائية ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي العالمي. وبينما يسعى بعض الشركاء إلى استثمار اللحظة لتحسين شروطهم، يواجه آخرون تكلفة إعادة التموضع في نظام جمركي أكثر توحيداً وأقل تفضيلاً.